المقالات الأخيرة

اليوبيل الذهبي لمجلة «الفيصل»

اليوبيل الذهبي لمجلة «الفيصل»

ربما‭ ‬يكون‭ ‬حديثي‭ ‬عن‭ ‬مجلة‭ ‬‮«‬الفيصل‮»‬‭ ‬شهادة‭ ‬مجروحة‭ ‬لكوني‭ ‬رئيس‭ ‬تحريرها،‭ ‬ولكني‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬لا‭ ‬أكتب‭ ‬فقط‭ ‬انطلاقًا‭ ‬من‭ ‬ارتباطي‭ ‬العملي‭ ‬بالمجلة،‭ ‬بل‭ ‬أكتب‭ ‬أيضًا‭ ‬انطلاقًا‭ ‬من‭ ‬كوني‭ ‬قارئًا‭ ‬عربيًّا‭ ‬مشغولًا‭ ‬بالشأن‭ ‬الثقافي،‭...

مجلات صنعت زمنها وصنعت خيالنا

مجلات صنعت زمنها وصنعت خيالنا

كما‭ ‬أن‭ ‬للفكر‭ ‬‮«‬الجديد‮»‬‭ ‬مراجعه‭ ‬الكُتُبية‭ ‬الأقرب‭ ‬إلى‭ ‬الترجمة،‭ ‬كان‭ ‬له‭ ‬مجلاته‭ ‬الموافقة،‭ ‬ترحّبُ‭ ‬‮«‬بالأزمنة‭ ‬الحديثة‮»‬‭ ‬بأشكال‭ ‬مختلفة‭. ‬فالشعراء‭ ‬‮«‬المجددون‮»‬‭ ‬عرفوا‭ ‬مجلة‭ ‬تدعى‭ ‬‮«‬أبولو‮»‬،‭ ‬وجورجي‭ ‬زيدان،‭ ‬الذي‭ ‬‮«‬خلط‮»‬‭...

محاضرة لجائزة الملك فيصل العالمية في مركز أكسفورد الموسوي: العصر الإسلامي الوسيط يجب أن يُقرأ بعيدًا من التصورات الأوربية المهيمنة

محاضرة لجائزة الملك فيصل العالمية في مركز أكسفورد

الموسوي: العصر الإسلامي الوسيط يجب أن يُقرأ بعيدًا من التصورات الأوربية المهيمنة

أثار الدكتور محسن جاسم الموسوي، الحاصل على جائزة الملك فيصل العالمية، عصفًا نقديًّا في تبديد النظرة السائدة بين المؤرخين والباحثين والمستشرقين بشأن الآداب في العصور الوسطى، في محاضرة نظمتها جائزة الملك فيصل العالمية في مركز أكسفورد للدراسات الإسلامية، في المملكة...

حفل “أقرأ” الختامي: مهرجان ضخم ومتنوع حوارات وورش وتكريم غازي القصيبي بعرض فني موسيقي ولقاء للفائز بنوبل النرويجي يون فوسه

حفل “أقرأ” الختامي: مهرجان ضخم ومتنوع

حوارات وورش وتكريم غازي القصيبي بعرض فني موسيقي ولقاء للفائز بنوبل النرويجي يون فوسه

عقد من الزمن يمر اليوم، على انطلاق النسخة الأولى لمهرجان أقرأ، الذي ينظمه مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي إثراء، بالظهران، المهرجان الذي بدأ في المنطقة الشرقية في السعودية، ثم توسع ليشمل بقية المناطق السعودية، إلى أن أضحى مهرجانًا عربيًّا كبيرًا، يتقدم إليه...

نهلة الشهال: بوصلتنا الاستمرارية في «البحث وسط الخراب عما ليس خرابًا»

نهلة الشهال: بوصلتنا الاستمرارية في «البحث وسط الخراب عما ليس خرابًا»

نهلة الشهال، كاتبة وباحثة ورئيسة تحرير أسبوعية «السفير العربي»، لها مواقفها المعلنة ورأيها الصلب في القضايا الكبرى. وهي ابنة لأم عراقية حقوقية ساهمت في تأسيس ثانوية البنات في طرابلس وأب لبناني طبيب، وكان كل منهما مثقفًا يساريًّا. انضمت نهلة إلى ما عرف عالميًّا...

عام الحرف اليدوية… في مديح الأيدي الخلاقة

بواسطة | سبتمبر 1, 2025 | الملف

الحرف اليدوية: من الوظيفي البحت إلى الجمالي الخالص

تبرز بصفتها أحد مكونات الهوية وشهادة الحقب على التكيف والإبداع

عبدالسلام الوايل أكاديمي وكاتب سعودي

تعد الحرف اليدوية إحدى علامات عظمة الإنسان وتفوقه على سائر المخلوقات. ولئن كانت بداياتها وظيفية بحتة، كصناعة أدوات الصيد، فإن إحدى علامات وصول العقل البشري لدرجات عالية من التجريد والتخيل كان عبر الحرف اليدوية، حين بدأ البشر بصناعة الزينة قبل عشرات الآلاف من السنين. وبهذا المعنى، فإن الحرف اليدوية قديمة جدًّا في تاريخ البشر، لقد سبقت تطويره تقنيات السيطرة على الطبيعة، وسبقت الزراعة والرعي.

كانت الحرف اليدوية إحدى أدوات البشر للتكيف مع الطبيعة. ويذكرنا التشابه في الحرف اليدوية لدى شعوب وثقافات منقطعة عن بعض لآلاف السنين، مثل تشابه أشكال حياكة النسيج لدى العرب والهنود الحمر، بتقارب ووحدة الثقافة البشرية، قبل أن تتفرع وتتنوع على مدى آلاف السنين. وبشكل عام، فإن أي جماعة بشرية، تساكنت لقرون، لها حرفها اليدوية التي مكنتها من التكيف مع البيئة، وتخليد أساليب حياتها، والتعبير عن الجوانب الجمالية والروحية لها.

وبما أن الجزيرة العربية موطن للإنسان منذ عصور سحيقة، فإن لساكنيها تاريخًا طويلًا في صناعة الحرف اليدوية؛ إذ وُجِدت في مناطق من الجزيرة العربية منحوتات حجرية تاريخها يتجاوز عشرة آلاف عام. وبالنظر للتنوع في التضاريس الكبير للمملكة، من سواحل ومرتفعات جبلية وصحراء وسهول، فإن ساكني هذه المناطق، وعلى مدى آلاف السنين، قد طوروا حرفهم اليدوية التي لبّت حاجتهم الوظيفية للتكيف مع البيئة من ناحية، وخدمت حاجاتهم الجمالية من ناحية أخرى. ويوضح تراث الحرف اليدوية في المملكة تنوع هذه الحرف، من الوظيفي البحت إلى الجمالي الخالص. على امتداد البلاد السعودية، عاش بدو رحل ومستقرون، رعاة ومزارعون وبحّارون. وهذه المجتمعات طورت من المواد الأولية، في مناطقها، ومن المنتجات الزراعية والحيوانية، مدخلات لحرف يدوية تحكي عبقرية الإنسان في استثمار الرأسمال المتاح حوله.

فصناعة الخوص تمثل استثمار الإنسان العبقري للنخلة (الشجرة التي مكنت البشر من البقاء في الجزيرة العربية بعد تحولها من غابات إلى صحارى). ومن الجريد والسعف أمكن صناعة البُسط (الحصير) والمحادر والمهاف والزبلان (جمع زبيل) وسُفر الطعام وأسقف البيوت. ومن صوف الأغنام والجمال نُسجت الأقمشة، وبيوت الشعر والبُسط والمشالح. وحوّل البشر طين أرضهم إلى صناعات فخارية لتلبية حاجات غذائية وروحية. ومن التربة والأشجار والثمار استخرج إنسان السروات الألوان ليطور حرفة جمالية صرفة هي القط العسيري.

وضمن عمل المملكة، في عصر رؤية المملكة 2030، لاستثمار إمكاناتها، الشديدة الثراء والتنوع، جاءت تسمية عام 2025 بعام الحرف اليدوية؛ لإعادة إنتاج كل هذا التراث الإبداعي ضمن زمن الحداثة، فيبرز أحد مكونات الهوية الوطنية. هكذا تكيف أسلافنا مع الطبيعة من حولهم. ولهم علينا حق ألا نترك الأساليب التي طوروها في غياهب النسيان. وأيضًا علينا أن نعرّف العالم ببعد آخر من أبعاد هويتنا الثرية؛ إذ نضيف إلى أبعاد الدين واللغة والموقع الجغرافي، بُعد الإبداع الحرفي والإنتاج اليدوي لإنسان هذه البلاد. كما أن هناك فرصًا اقتصادية في إبراز الحرف اليدوية تتمثل في تمكين الحرفيين المحليين وزيادة دخلهم، وإضافة عامل جذب لصناعة السياحة المتطورة في المملكة.

ومن الملاحظ في هذا السياق، الاستطلاع الذي نفذه المركز الوطني لاستطلاع الرأي العام، التابع لمركز الملك عبدالعزيز الحضاري، بمناسبة تسمية عام 2025 بعام الحرف اليدوية. أوضح الاستطلاع أن 42% من المواطنين الذين أخذت آراؤهم (من أصل1071 مواطنًا سعوديًّا) أفادوا بأن في بيوتهم منتجات من الحرف اليدوية السعودية. واختار 26% من العينة حرفة صناعة الفخار كأكثر الحرف تفضيلًا بالنسبة لهم. فيما حظي تزيين البيوت بأعمال حرفية يدوية (كالقط العسيري وتزيين الجدران بأعمال جصية) باختيار 21% من أفراد العينة. فيما رأى 17% منهم أن أعمال النسيج هي أكثر ما يشدهم في الحرف اليدوية السعودية، واختار 14% من العينة منتجات سعف الخوص، مثل: الحصير والمهاف والقلل، وحظيت حياكة البشوت باختيار 13%، وصناعة الحُلي والمجوهرات بتفضيل 9% من أفراد العينة.

يبين توزع إجابات العينة على طائفة متنوعة من الحرف اليدوية السعودية أن مختلف الحرف اليدوية تجد تفضيلًا وقبولًا. ويتسق هذا مع حقيقة تنوع الثقافات المحلية سعوديًّا، وما طورته عبر العصور من حرف يدوية متنوعة.


الحِرَف في الأدب العالمي:

اليد التي تروي، والجسد الذي يدوّن

جمال الجلاصي – روائي وشاعر تونسي

في البدء، لم تكن الحرفة هامشًا في حياة الإنسان، بل كانت صميم وجوده. لم تكن اليد التي تحيك أو تنحت الحجارة أو الخشب أو تحفر مجرد أداة، بل امتدادًا للفكر، والذاكرة، والحلم. ولعلّ الأدب، في أكثر لحظاته إنصاتًا لجوهر الكائن، لم يفصل يومًا بين ما يُصاغ بالكلمات وما يُصاغ باليد: بين القصة، والمسمار، والغرز، والطين.

إن الحرفي ليس مجرد خلفية طبقية أو مشهد ريفي، بل كائن روحي-جسدي تتشكّل شخصيته من خلال أدواته، وحركاته، وصمته، وما يتراكم في ذاكرته من خشب وطين ونسيج. فالحرفة تمثّل في النصوص الكبرى لغةً بديلة عن الخطابة، وبلاغةً مضادة للضجيج، وأحيانًا فلسفةً صامتة تشتغل في عمق الشخصية.

في زمن تُختزل فيه الكلمات إلى رموز عابرة على الشاشات، يُعيد الأدب الذي يحتفي بالحرفة الاعتبار للحضور المادي للإنسان، لصبره، لعمقه، ولجسده الذي يفكّر أيضًا حين يصمت اختيارًا أو قهرًا.

الحرفة في حياة الكتّاب وأعمالهم: أدبٌ من غبار الورش

ويليام فوكنر: الجُمل التي تشبه الخزائن القديمة

قبل أن يصبح أحد أعمدة الأدب العالمي، كان ويليام فوكنر (1897– 1962م) نجّارًا وعاملًا يدويًّا، يتنقّل بين ورش الإصلاح، ويعمل دهّانًا في كلية ميسيسيبي. لم يكن ذلك من باب الاضطرار المادي فحسب، بل من تناغم داخلي مع إيقاع الأشياء، وولعه بصوت المطرقة ورائحة الخشب المقطوع. لاحقًا، لم تُغادر هذه التفاصيل حواسه، بل تسلّلت إلى بنية نصوصه، لا في مضامينها فقط، بل في نَسق كتابتها ذاته: جمل طويلة تُرصّ كما تُرصّ قطع الخشب، مشدودة بالمسامير، متشابكة، لا تُفهم بسهولة من أول نظرة. في أحد حواراته المبكرة، قال فوكنر: «إنني أكتب كما كان جدي يبني طاولاته، ببطء واحتراس، وأعرف أني سأضرب المسمار مرات كثيرة قبل أن يستقر».

هذه العبارة تختزل العلاقة بين الحرفة والنص، بين النجارة والسرد: فالكتابة ليست فعلًا شفافًا، بل عملٌ حِرفيّ يحتاج إلى صبر اليد، ليس فقط خيال العقل. لقد شكّل الخشب والأدوات والورشة خلفية ثابتة في عالم فوكنر. في روايته «الصخب والعنف»، حين يحاول «كاش بن» بناء تابوت ابنته، لا يكتفي فوكنر بسرد تفاصيل العمل، بل يجعل من صوت الخشب حين يُنشر استعارة حزينة لزمن يتكسّر، وكأن كل مسمار يُدَقّ هو كلمة يُطرَح بها سؤال وجودي جديد.

يرى الناقد مالكولم كاولي، أحد أوائل من رافقوا فوكنر نقديًّا، أنّ «جُمَل فوكنر تشبه الخزائن القديمة، كثيرة الأدراج، معقدة التركيب، لكن حين تفتحها كلها، تجد صورة الحياة الأميركية في أعماقها». هذا التعقيد ليس مجرّد تأثير حداثي، بل يذكرنا بأساس نجاري: ترتيب ما لا يُرتب، وصناعة توازن من عناصر خشنة.

جون شتاينبك: اليد التي تبذر الحكاية، والجسد الذي يفكّر

نشأ جون شتاينبك (1902- 1968م)، الكاتب الأميركي الحائز على جائزة نوبل في الأدب، في بيئة زراعية قريبة من الطبيعة وعالم العمل اليدوي. قبل أن يتحول إلى كاتب محترف، عمل في مهن عدة تتصل بالأرض والعمل البدني، منها الحصاد والزراعة، إضافة إلى مشاركته في مشروعات بناء وترميم المنازل. هذه التجارب العملية أثرت بشكل عميق في وعيه الاجتماعي وأسلوبه السردي، وجعلته صوتًا قويًّا يمثل الطبقات العاملة والمهمّشة في أميركا. وقد ظهر ذلك جليًّا في روايته الشهيرة «عناقيد الغضب»، حيث تتداخل الأرض والعمل اليدوي في نسيج السرد؛ لتصبح رمزًا للمعاناة والأمل.

في «عناقيد الغضب»، يصوّر شتاينبك مشاهد الزراعة كأطراف متصلة بآلام العائلة ونجاحاتها، فاليد التي تزرع الأرض هي ذاتها التي تتحمل التعب والصعاب. يتجلى ذلك في وصفه الدقيق لأدوات العمل وحركة الجسد التي تعبر عن صمود الإنسان: «كانت يدا توم جواد، تلك اليد التي لم تتوقف يومًا عن العمل، تلمس الأرض بخشوع وكأنها تعطيها جزءًا من حياتها».

لقد استمد شتاينبك من العمل اليدوي صلابة وصدقًا في تصوير معاناة الإنسان الكادح، فكانت لغته السردية تعكس الإيقاع الملموس لحياة الأرض واليد، واهتمامه بالتفاصيل الصغيرة كلمسة تراب أو صوت آلة زراعية. في رواياته مثل: «عناقيد الغضب» و«فئران ورجال»، لا تقتصر الحرفة على كونها خلفية بيئية فقط، بل هي حيز معرفي وتجريبي ينسج ملامح الشخصيات وقضاياها الاجتماعية، وهو ما يجعل العمل اليدوي عنصرًا حيويًّا
في بناء النص.

يمضي شتاينبك في رواية «فئران ورجال» في ربط اليد بالعلاقة الحسية مع الأرض، حين نرى ليني «يعمل في الحقل، يلمس التراب، ويحس بقوامه، وكان يجد في حركات يده راحة عميقة، كأن الأرض تتحدث إليه». هذا التصوير الحسي يبرز العمل اليدوي كوسيلة اتصال مباشرة بين الإنسان والطبيعة. وحين تتحرك اليد في الأرض، يتحرك معها نبض الحياة: «العمل الشاق هو كل ما نعرفه، لكنه كذلك ما يبقينا على قيد الحياة. اليد التي تزرع، تحصد، تبني، هذه هي اليد التي تحمي وتحافظ». هنا يتحول العمل اليدوي إلى فعل وجودي، إلى ركيزة للهوية الإنسانية والتماسك الاجتماعي.

يتضح كيف أن تجربة شتاينبك الشخصية مع العمل اليدوي لم تكن مجرد خلفية سردية، بل جسدت عمقًا إنسانيًّا حقيقيًّا. فاليد العاملة ليست فقط أداة مادية، بل بوابة لفهم أعمق للتوترات بين القوة والضعف، البناء والهدم، الحنان والعنف، التي تتداخل في نسيج الشخصية الإنسانية.

خوسيه ساراماغو: ميكانيكيّ يصوغ الجملة كما يُصلح آلة

لم يكن خوسيه ساراماغو (1922–2010م)، الروائي البرتغالي الحائز على جائزة نوبل، ابنًا لأرستقراطية ثقافية أو أكاديمية، بل نشأ في كنف عائلة ريفية متواضعة، واضطرّ إلى ترك المدرسة في سنّ مبكرة ليعمل ميكانيكيًّا في ورشة لإصلاح السيارات، ثم موظفًا بسيطًا في مصلحة الضمان الاجتماعي، قبل أن يصبح لاحقًا محررًا ومترجمًا وصحافيًّا. لم يتخلَّ قط عن العلاقة الأولية بالأشياء: بتفكيكها، وصيانتها، وفهم أعطالها بصبر اليد لا بفطنة التنظير.

قال في إحدى مقابلاته: «تعلمت من الميكانيكا أن كل شيء يمكن إصلاحه… حتى الجملة المعطوبة، يمكن فتحها، وتنظيفها، ثم تركيبها من جديد». الجملة هنا لم تعد مجازًا شفافًا، بل هي آلة دقيقة، قابلة للانفجار أو الخلل، تحتاج إلى تأنٍّ في الترسيم، و«مفتاح إنجليزي» لتعديل ميلها عن المعنى.

لاحظ الناقد البرتغالي إدواردو لوريرو، أن ساراماغو «نقل مركز الثقل في الرواية من الرأس إلى اليد»؛ أي من الفكرة المجردة إلى الإجراء البشري المادي. في روايات مثل «العمى» و«الطوف الحجري»، نجد شخصيات لا تفكر فقط، بل تتحسس، تلمس، تخبط في العتمة، وتدفع الأبواب بأكتافها. اليد هنا ليست أداة تنفيذ، بل مركز وعي بديل، يتكلم حين تصمت الأيديولوجيا.

هكذا، يظل أدب ساراماغو مشغولًا بتلك الحركة الميكانيكية الأولى: إصلاح الأعطاب، سواء في اللغة، أو في الفكرة، أو في العالم. وكما يقول في إحدى حواراته الأخيرة: «أكتب كما أصلح شيئًا تعطّل. لا أعوّل على الإلهام، بل على مفك البراغي».

نغوغي واثيونغو: حين تُضبط اللغة بمِفصلات الخشب

لم يكن نغوغي وا ثيونغو، الكاتب الكيني الكبير وأحد أبرز رموز الأدب الإفريقي المعاصر، غريبًا عن العمل اليدوي. في طفولته، نشأ وسط أسرة ريفية متعددة الزوجات في قرية «كامينو»، حيث كانت النجارة حرفة يدوية منتشرة، تعلمها من والده وأشقائه. كان يساعدهم في صنع الأبواب والخزائن والأسرّة البسيطة، وقد عبّر لاحقًا في مذكراته عن تلك التجربة بوصفها «أول اتصال حقيقي بيني وبين فكرة البناء، ليس فقط كمادة، بل كأسلوب تفكير».

في كتابه الشهير التحرر من الاستعمار الذهني، يقول نغوغي: «اللغة، مثل الخشب، يمكن أن تُقطع وتُشكل وتُصقل، ولكن فقط إن عرفت يدُك كيف تمسك بالمنشار دون أن ترتعش». هذه العلاقة بين الكتابة والنجارة ليست مجرد استعارة شاعرية، بل بنية فلسفية حاضرة في أعماله، حيث تُبنى الحكاية كما يُبنى السقف: طبقة فوق طبقة، بعناية، مع إتقان تفاصيل الوصلات والمفاصل.

يرى الناقد النيجيري آي كاي إيكويني أن «لغة نغوغي تسير على أرضية من خشب محلي الصنع، صلب، لكنه غير مصقول بشكل مفرط، وهذا مقصود. إنه يرفض الفخامة الأسلوبية لصالح المصداقية الجسدية»، فهو، بعد أن قرر أن يكتب بلغة الـ«كيكويو» بدل الإنجليزية، كان كما لو أنه انصرف إلى استخدام أدوات يده بدلًا من استيراد أدوات استعمارية. كتب نصوصه على أوراق التواليت في السجن، وحين سُئل عن ذلك، قال: «كان الخشب ينفد، لكن اليد تواصل العمل. كانت هذه حريتي».

تُظهر أعمال نغوغي كيف يمكن للحرفة أن تتحول من عمل بسيط إلى إستراتيجية مقاومة. فحين تنهار البنى الرمزية الكبرى، يبقى للنجار المحلي قدرة على الفعل. الرواية هنا لا تُبنى فقط بالكلمات، بل بالمطرقة والمسمار، كأن كل فصل هو لوح خشب، وكل استعارة قطعة تُقوّم لتناسب الحكاية.

محبوبة، لتوني مريسون: الشفاه الصامتة والحياكة البليغة

تُعَدُّ توني موريسون (1931-2019م)، الروائية الأميركية الحائزة على جائزة نوبل في الأدب عام 1993م، من أبرز الأصوات الأدبية التي صاغت تجربة السود في الولايات المتحدة عبر سردٍ مفعم بالعمق الرمزي والإنساني. صدرت روايتها «محبوبة» عام 1987م، وهي علامة فارقة في الأدب الأميركي والعالمي. تدور الرواية حول سيتا، امرأة، أمَة، هاربة تحاول بناء حياة جديدة في الحرية، لكنها تبقى أسيرة لذكريات الماضي المؤلمة، التي تجسّدها شخصية «محبوبة»، ابنتها المتوفاة التي تتحوّل إلى رمز روحي للمعاناة. تتجاوز الرواية الحكي التاريخي لتغوص في أعماق النفس الإنسانية، مبرزة كيف يستمرّ الماضي في تشكيل الحاضر ويؤثر على هوية الأفراد والعائلات.

تأتي صورة الحياكة كعنصر مركزي في الرواية للحفاظ على التماسك النفسي، فالحياكة ليست نشاطًا منزليًّا عاديًّا، بل هي لغة جسدية وبلاغة صامتة، تربط بين الماضي والحاضر عبر الخيوط التي تنسج الذكريات والآلام. يصف النص كيف تمشي الخيوط في أيدي الشخصيات بخفة، ناسجة قصة لا تنطق بها الألسنة، بل تفهمها الأيادي بصبر وحنان. الحياكة تعبر عن صبر التحمل ومقاومة القسوة، وبهذا يصبح هذا الفعل اليدوي وسيلة لإعادة التكوين النفسي والجسدي، وسردًا بصريًّا يعبر عن الألم والشفاء في آنٍ واحدٍ.

في الرواية، تظهر الحياكة كعملية رمزية وشفائية. الحياكة تعبر عن فعل التجميع والترميم، محاولة لصناعة وحدة من شظايا الذاكرة المنكسرة، مثلما تُجمَع الخيوط لتُشكل قطعة قماش جديدة: «كانت أصابع سيتا تنسج الخيوط كما لو أنها تنسج جسدها الممزق، كل غرزة حياكة تمثل جزءًا من ألمها وذاكرتها، تجمع الماضي المبعثر ببطء، بصبر لا ينفد».

يشير الناقد الأميركي ديفيد هيرش إلى أن: «الحياكة في «محبوبة» هي لغة بديلة، تستخدمها الشخصيات لالتقاط ما فشل الكلام في التعبير عنه. هي فعل بطيء ومتكرر يشبه التأمل، يتيح للشخصيات أن تحافظ على روابطها بالذاكرة والجسد رغم الكسر العنيف للعبودية». بهذا، تتداخل الحياكة كحرفة مع بُعد فلسفي وإنساني في الرواية، حيث تمثل فعل مقاومة جمالي وفكري في مواجهة المحو.

أخبار الشحن لآني برولكس: ترميم جراح الروح بترقيع شباك الصيد

تقدّم رواية «أخبار الشحن» لآني برولكس الفائزة بجائزة بوليتزر، تجربة سردية متميزة تتناول الحرفة كعنصر محوري في تشكيل هوية الشخصية الرئيسية، كوينسي. تدور الرواية في مجتمع ساحلي على الطرف الشرقي لكندا، حيث يشكّل البحر والطقس والبيئة المحلية جزءًا لا يتجزأ من حياة الناس وهويتهم. الحرفة اليدوية، وتحديدًا مهنة صيد السمك التي يمارسها كوينسي، ليست مجرد وسيلة لكسب العيش، بل هي شكل من أشكال الارتباط العميق بالأرض والذاكرة، وتجسيد للصراع الداخلي والخارجي الذي يعيشه: «كانت يدا كوينسي تعملان بهدوء، تُجهزان الشباك بخيوط متشابكة، كما لو كانت تحيك شبكة للذاكرة نفسها، شبكة تحفظ من خلالها القصص والألم والصمود».

الحرفة هنا ليست مجرد نشاط عملي، بل فعل تأمّلي واحتفالي بالحياة رغم كل الخسائر. يقول الناقد جوناثان بيرنز: «في أخبار الشحن، تتجلّى الحرفة كطقس إنساني يربط بين الماضي والحاضر، يعيد إنتاج الذات في مواجهة الفقد». وهي تحمل في طياتها معاني كثيرة: الصبر، الدقة، التواصل العميق مع الطبيعة، وتحمل الأعباء: «كانت يدا كوينسي تتحركان ببطء ولكن بثقة، تشبك خيوط الشباك كما لو أنه يحاول أن يُعيد ربط شتات حياته المجزأة، كل عقدة تحمل اسم فقدان وكل غرزة تتوسل للحياة أن تستمر… الشباك تنتظر أن تُرمى في البحر، اليدان ترتبان الخيوط بعناية، كل غرزة كأنها وعد بالبقاء، وكل عقدة تحكي قصة يوم مضى، قصة ألم وخسارة، قصة مقاومة الحياة».

وبحسب الناقدة مارغريت هوبر، فإن: «آني برولكس ترسم في «أخبار الشحن» لوحة إنسانية رقيقة، حيث يصبح العمل اليدوي الجسدي ذا بعد روحي، مرتبط بالعائلة، والذاكرة، والنضال من أجل البقاء»، وفي وصف علاقة كوينسي بالبحر نقرأ: «حين يكون البحر هادئًا، تخرج يداه لترسم في الماء قصة حضور الإنسان الذي لا يلين، الذي يخيط من رمال الشاطئ شبكة انتظار، وشبكة أمل… في ظلال الغسق، كانت الشباك تُطرح بهدوء في البحر، والصمت يغلف اللحظة، وكأن البحر واليدين يتحدثان بلغة لا يفهمها أحد غيرهما، لغة الصبر والأمل المكنون».

قلم النجار مانويل ريفاس: من رسم الأفكار إلى نقش ذاكرة المقاومة

Haut du formulaire

تبحر رواية «قلم النجار» (1998م)، للكاتب الإسباني مانويل ريفاس، في أعماق الحرب الأهلية الإسبانية وقمع فرانكو من خلال قصة الطبيب هيربال، الذي يقضي عقوبته في سجن ليون حيث يلتقي شخصياتٍ عدةً تتقاطع حياتها عبر القلم الذي يحمل رمزية خاصة في الرواية. لا يقتصر القلم هنا على كونه أداة للكتابة فحسب، بل يتحول إلى رابط مادي يجمع بين الماضي والحاضر، بين الضحايا والصامتين، ويمنحهم صوتًا يحاول استعادة الذاكرة الجماعية التي حاول النظام إخفاءها.

يحكي ماركو، الناشط والكاتب، عن القلم قائلًا: «إنه رابط بين أولئك الذين صمتوا في قبور جماعية وبيننا نحن الذين نبحث عن الحقيقة». وفي ظل محاولات الطمس والإنكار، تصبح الحرفة اليدوية، من خلال هذا القلم، وسيلة لاستحضار القصص المفقودة، وتحويل الصمت إلى شهادة حية. فـقلم النجار رمزٌ للذاكرة يُضفي صلةً ملموسةً بالتاريخ، ويستعيد القصص المفقودة للعديد من ضحايا قمع فرانكو المجهولين والصامتين والبطوليين. في الرواية، يُشكّل القلم صلةً مجازيةً بين حياة وتجارب مختلف الشخصيات التي امتلكته، بمن فيهم الرسام الذي يرسم وجوه رفاقه السجناء كما لو كانوا قديسين على واجهة رواق المجد في كاتدرائية سانتياغو.

ويُشير الناقد الإسباني خوان غارسيا ميخيا إلى أن رواية قلم النجار تقدم «تأملًا في مدى قدرة الأشياء المادية على حمل الذاكرة واحتضانها، وكيف تتحول الحرف اليدوية إلى لغة لا تقل أهمية عن الكلمة المكتوبة»، عادًّا القلم ليس مجرد أداة، بل «جسرًا بين الأحياء والأموات، وبين الصمت والكلام».

Bas du formulaire

ختامًا، ليست الحرفة اليدوية مجرّد تفصيل في الهامش الاجتماعي أو خلفية بيئية عابرة في النصوص السردية، بل هي بنية رمزية ومادية في آنٍ، تتسرّب إلى السرد كفعل مقاومة، وكأداة ترميم للذات والذاكرة والهوية. في روايات مثل: «الحبيبة»، «أخبار الشحن»، «بيت الأرواح»، «قلم النجار»، وفي تجارب أدباء مثل شتاينبك ولندن، تتحوّل اليد التي تحيك، أو تصطاد، أو تكتب، أو ترمم، إلى فاعل مركزي في الحكاية: يدٌ تَروي، وتَشفي، وتُفكّر.

إن تتبّع أثر الحرفة في الأدب هو، في جوهره، تتبّع للأثر الإنساني الأعمق، ذلك الذي يُكتب بالعَرَق، ويُروى بالنَّفَس، ويُخاط على مهلٍ بخيوط الحياة. إنّ العودة إلى اليد العاملة ليست عودة إلى الماضي، بل هي استعادة للمعنى في زمن فقدت فيه السرعةُ والسطحيةُ عمقَ التجربة. الأدب، في جوهره، كان دومًا صناعة يدوية… مهما بدت لغته ذهنية، فإن قلبه لا ينبض إلا حين تتحرك اليد.

الطفل الأسود لكامارا لاي: الورشة: محراب الصمت، وجسر نحو الرجولة

في رواية «الطفل الأسود» (1953م)، للكاتب الغيني كامارا لاي، يُعيد السرد اكتشاف الطفولة الإفريقية لا كزمن براءة، بل كزمنٍ من الصراعات الخفية بين عالم الأهل، والمدرسة، والاستعمار، والدين، والمصير الشخصي. واحدة من أهم لحظات الرواية تتمثل في دخول البطل إلى عالم الحِرفة، لا بوصفه عملًا يدويًّا فحسب، بل كطقس عبور من الطفولة إلى الكينونة الرجولية والاجتماعية.

يأخذنا الكاتب، في مشهد دقيق ومشحون، إلى ورشة والده التي تتجاوز وظيفتها المهنية لتغدو فضاءً شبه مقدس. ليست الورشة مجرّد غرفة عمل، بل خلوة روحية، يتعلم فيها الصمت والانتظار والانضباط. تصف الرواية المكان بلغة لا تخفى عليها الإيحاءات الدينية: «كانت الورشة مظلمة بعض الشيء، يغمرها ضوء متسرب من نافذة صغيرة في الأعلى، وكان الصمت فيها يُشبه صمت المساجد. لا أحد يرفع صوته. حتى خطوات القدم تُسمع وكأنها صلاة».

هذا التوصيف يمنح الحرفة بُعدًا وجوديًّا، يجعل منها أكثر من تمرين عضلي أو وسيلة للعيش. إنها لحظة من السكينة العميقة، حيث اليد تفكر بدلًا من العقل، والجسد يُتقن ما لا تشرحه الكتب. هنا يتحوّل الأب إلى ما يُشبه الناسك، وتتحوّل الورشة إلى زُهدٍ مُتقشّف، تدخله الذات الصغيرة؛ كي تتطهّر من فوضى الطفولة وصخبها: «كان والدي يجلس ساعاتٍ دون أن يتكلّم، يحرّك الطين ببطء، يُنقّط الصبغة على القماش كمن يكتب سورة طويلة، ولم أكن أجرؤ على الجلوس بقربه دون إذن».

ولعل ما يُميز هذه التجربة أنها تفتح أمام القارئ مفهومًا بديلًا للتكوين: فليس المثقف هو فقط من تعلّم في المدارس الاستعمارية، بل أيضًا من وقف في حضرة الصنعة، وجرّب الصمت، وعرف كيف تُلَقّن الروح عبر الأيدي.

بيت الخزّاف لسوزان فريمان: الطين لغة الصمت والشفاء الهش

تمثل رواية «بيت الخزّاف» (1998م)، للكاتبة البريطانية سوزان فريمان، تجربة سردية مختلفة، حيث تتحول الحرفة من مجرد خلفية مهنية إلى محور داخلي تتقاطع فيه الهوية الفنية مع جراح النفس. فالعمل على الطين: تشكيله، حرقه، تلوينه، ثم مراقبته يتصدّع أو يتماسك، كل ذلك يوازي ما تمرّ به الشخصيات من تشكّل نفسي هشّ أو مقاوم. لا تكون الحرفة مهنة حياة فحسب، بل أشبه بفعل تطهير داخلي، حيث تستعيد الأيدي ذاكرة الجسد، ويستعيد الجسد صلته بالعالم من خلال المادة.

في أحد المقاطع المفتاحية، يرد هذا الوصف: «حين غمس يده في الطين لأول مرة بعد أشهر، ارتعشت يده كما لو أنها تعرّفت عليه من جديد، لا الطين فقط، بل الألم القديم الذي ظنّه اختفى. كانت الأصابع تفهم ما لا تفهمه الكلمات».

فالطين لا يُشكَّل فقط، بل يَفضح، يحرّض، يعيد فتح الجرح. وهذا ما يجعل من الخزف أكثر من مجرد منتج فني: إنه تشكّل نفسي ورُوحي. تقول الناقدة البريطانية هيلين برادشو: «الروايات التي تعتمد على الفخار لا تستخدمه كرمز جامد، بل كفعل يعيد تشكيل الشخصية، كما لو أن اليد حين تُدوّر العجلة تعيد خلق علاقتها بالألم والخسارة والحنين».

كل آنية هي تجربة، وكل فشل فيها يُضاف إلى سردية البطل لا كخسارة، بل كحقيقة: «لا توجد آنية مكتملة، قال، حتى الأجمل فيها تخفي شقًّا داخليًّا لا تراه العين. نحن مثلهن، نحن خزف هش، لكننا نصمد»، وبهذا يصبح «بيت الخزّاف» نصًّا عن التشكّل، عن الهشاشة كقيمة إنسانية، وعن الحرفة كحوار حميم بين الإنسان والعدم. لا تنقذ الحرفة هنا، لكنها تُصغي. لا تعالج، لكنها تواسي. وكأن الرواية بأكملها تمضي بدورة عجلة الخزّاف: دوران بطيء، دائري، صامت، ينتهي في الفرن، ثم يبدأ من جديد.

رسالة طويلة جدًّا لمارياما با: غرزة لتقطيب الجرح، وغرزة لرتق الذاكرة

رواية «رسالة طويلة جدًّا لمارياما با» (1979م)، هي عمل استثنائي، ليس فقط في صيغته -خطاب طويل من امرأة إلى صديقتها الراحلة- بل في نبرته الهادئة واللاهثة معًا، حيث تتداخل التجربة الفردية بالوجع الجماعي. تحكي البطلة روماتولايا في رسالتها الطويلة عن رحلتها كامرأة سنغالية، أرملة وأم، تحاول أن تستعيد ذاتها بعد أن نبذها زوجها لأجل امرأة أصغر سنًّا. هذا الانفجار العاطفي لا يُروى بصوت غاضب، بل بحبر ناعم وموجِع، تتخلله إشارات خفيفة لكن حاسمة إلى العالم اليدوي الذي يُحيط بالشخصية.

واحدة من أكثر الحِرف دلالةً في الرواية هي الخياطة والحياكة، وهي ليست مركزية كثيمة، لكنها تظهر كرمز دائم للترميم الصامت والمقاومة النسائية في مجتمع لا يتيح للنساء مساحة كافية للكلام. تقول روماتولايا في بداية الرسالة: «تعلمت منذ طفولتي كيف أطرّز الصبر بالخيط، كيف أربط عقدًا في الهواء، وأصنع من النقوش ما لا تقدر عليه الكلمات». يتداخل هذا الفعل اليدوي مع بنية السرد: كما تخيط الفتاة قماشها، تخيط الرسالة جراحها، غرزةً غرزةً، فكرةً فكرةً.

الناقدة أمينة طوري ترى أن: «مارياما با تُعيد تعريف الحرف النسوية التقليدية من الداخل: لا كتقليد يجب التخلص منه، بل كمساحة مقاومة لا تُرى، داخل زمن أبوي استعماري». وهذا بالضبط ما نراه في الرواية. فالحياكة، والخياطة، وتحضير المأكولات، وتزيين الملابس، كلّها أفعال تبدو خفيفة على السطح، لكنها تمثّل في عمقها أرشيفًا للمرأة السوداء، سردية بديلة لحياة من الصمت والتحدي.

بيت الأرواح لإيزابيل ألليندي: الخيوط التي تحيك ذاكرة البيت والوطن

رواية «بيت الأرواح»، التي صدرت عام 1982م، تُشكّل بناءً سرديًّا واسعًا يُعالج تحوّلات المجتمع التشيلي من خلال مصير عائلة تروبا، عبر أربعة أجيال. إنها ليست فقط رواية عائلة، بل رواية وطن، تتقاطع فيها العاطفة مع العنف، والذاكرة مع الخسارات. وفي خضم كل هذا، تظهر الحرف المنزلية والحرف النسائية تحديدًا كخطاب موازٍ يمر بصمت داخل النص، لكنه يضطلع بدور حاسم في حفظ ما لا يُقال.

إن الحرفة الأبرز في الرواية هي الخياطة والتطريز والطهي، وجميعها تمارسها النساء -بانشا، كلارا، بلانكا، وألبا- ضمن سلسلة متواصلة من الأيدي التي تحيك، وتطبخ، وتدوّن، وترمّم، بما يجعل من الجسد الأنثوي ذاته حرفة تقاوم النسيان والانهيار. في أحد المواضع، تقول ألليندي في وصف بانشا: «كانت خيوطها تربط الهواء بعضه ببعض، كأنها تخشى أن يتهشّم البيت إن تركت يدها تستريح». هنا تتحوّل الحياكة إلى تعويذة يومية تحفظ كيان البيت من التفكك، وتُبقي العائلة واقفة على قدميها في ظل رجل عنيف (إستيبان تروبا) وتاريخ يهتز سياسيًّا.

يُشير الناقد التشيلي خورخي إدواردز إلى أن: «ألليندي تضع الحرفة النسوية في صلب سردية البيت- ليست فقط للحفاظ عليه، بل بوصفها تاريخه الموازي، تاريخ لا يدوّنه الرجال، بل تتكفله الخيوط والملاعق والدفاتر».

في المقابل، تمارس كلارا حرفتها الأهم: التدوين الصامت، حيث تقضي سنواتها الأخيرة وهي تكتب في دفاتر يومية ما تراه وتعيشه. ولئن لم تكن حياكة بالمعنى الحرفي، فإن فعل الكتابة اليدوية ذاته يحمل وظيفة «حرفية» تكمّل الخياطة وتوازيها. الكتابة هنا حرفة المرأة البديلة، وهي ما تُبقي الحقيقة حيّة في النهاية؛ إذ نجد أن ألبا (الحفيدة) لا تستطيع رواية ما حدث لها تحت وطأة الاستبداد إلا بفضل ما كتبته جدتها كلارا. تقول ألبا في الفصل الأخير: «كلارا كتبت دون أن تدري أنها تترك لي الخيط الوحيد الممكن لأبدأ ترميم نفسي. الآن أمسك القلم كما تمسك الإبرة: بخوف، وبأمل». هنا نصل إلى ذروة الحرفة بوصفها استمرارًا للذاكرة الأنثوية، حيث تنتقل الكتابة كما الخياطة من يد إلى يد، وتصبح عملية خفية لمقاومة المحو السياسي والوجداني.

تُعزز الناقدة إلين ماكدونالد هذا الرأي في كتابها نساء الذاكرة في أدب أميركا اللاتينية حين تقول: «إيزابيل ألليندي لا تحتفي بالحرفة لذاتها، بل تزرعها في صلب سردية المقاومة: حين يتكلم الرجال بالحرب والعقاب، تمسك النساء بالخيط، وترقّع جراح العائلة والتاريخ». «لم تكن بانشا تؤمن بالكلمات الكبيرة. كانت تضع المربّى في المرطبانات، وتحكم إغلاقها كما لو أنها تغلق أفواه الخوف. كانت تخيط المائدة بيديها، وتهمس: البيت لا يسقط ما دامت الأيادي تعمل».


تطوير أدوات حمل الموروث إلى الأجيال

حامد عقيل – ناقد سعودي

من المهم إيجاد ناقل خارج القصدية المباشرة الشبيهة بالوعظ الثقافي. ففي ثقافات الشعوب، وبخاصة ما يتعلق بحرفها اليدوية وأزيائها ورقصاتها وأشعارها وحكاياتها، يُركَّز على تطوير أدوات لنقل الموروث إلى الأجيال التالية، بل تسويقها للمجتمعات الأخرى من خلال الفنون والإعلام، مثل: مسلسل تلفزيوني، فِلْم، معارض فنّية، أغانٍ شعبية بتوزيع موسيقيّ يشكّل هوية سمعية خاصة. كل هذا وأكثر يمكن أن يكرّس هُويتنا الاجتماعية، في إطار إبداعي غير مختلَق. الأفكار كثيرة حول هذا، أتذكر «كمامة» الخطوط السعودية في أثناء وباء كوفيد. كما شاهدتُ المهن والحرف اليدوية في الأجنحة السعودية المشاركة في الخارج، ولم أشاهد ذلك في معرض كتاب أو أي معرض محلي.

لاستمرار مثل هذه المبادرات هناك زوايا صالات المطارات، التي يمكن تخصيص أماكن فيها للمحترفين والمحترفات في ممارسة الحِرف لتسويق منتجاتنا اليدوية كتذكارات. هناك أيضًا محطات القطارات، الأماكن السياحية الشهيرة، أو إنشاء أزقة تحمل طابع كل مدينة سعودية داخل بعض المولات التجارية في تلك المدن والعمل على دعم العاملين في هذا المجال، بحيث تعود الحرفة على من ينتجها ويسوقها بمنفعة حقيقية. الأمر أشبه بمنح بعض الأدباء التفرغ الكتابي. الثقافة بعمومها تنتمي لعامة الناس، وليست نخبوية فقط، لهذا لا بد من اصطناع بيئة حاضنة تتم من خلالها ممارسات ثقافية شعبية غير مصطنعة، بما فيها الحرف اليدوية. الثقافة الشعبية لأي مجتمع هي كلمته الناعمة، موْجَة السلم الاجتماعي، الفكر الإبداعي التراكمي لجماعة ما. لهذا هي كل ما لا يدل على أن الإنسان يعيش به، بل هي الدال على كل ما يعيش الإنسان من أجله.

بقي أن أشير إلى أهمية التعامل مع موروثاتنا الشعبية بصفتها إبستمولوجيا لا تقع خارجنا، ولهذا تأخذ شكلها الخاص وطبيعتها التي تكونت عبر الأجيال من خلال التنوع الجغرافي والديموغرافي، كما أن المعرفة الشعبية لا يمكن نقلها وترويجها بأدوات ووسائل من خارجها. كما لا يمكن أن نعهد للآخر باستقرائها ومعرفة أنماطها وتسويقها. فمن كان يُنتج ثقافة ما فإنه هو القادر على إعادة إنتاجها؛ لأنه جزء من سياقاتها الأصلية التي نشأت فيها، وشكّلتها، بوصفها -بأشكالها كافة- ذاتًا اجتماعية مُعترَف بها، ولها وجودها الخاص والمتميز من غيره.


فعل حضاري له دلالاته على وعي أصحابه

أحمد السيد عطيف – شاعر وكاتب سعودي

أحتفظ في مجلس بيتي بأربعة أسرّة أثث أبي بها بيته (من الطين والقش)، قبل أكثر من سبعين عامًا. تلك الأسرّة نُجِرتْ في منجرة قريتنا عند رجل اسمه «إبراهيم النجار»، رحمه الله. وكانت قريتنا كلها تعتمد على منجرته، لنجارة الأَسِرّة من مختلف المقاسات، من تلك التي تكون للضيوف إلى تلك التي للصبيان. ويتولى النجار أيضًا صناعة أدوات الشرب والطعام، ويغطي حاجات قريتنا.

بيتنا القديم، من الطين والخشب والقش، بناه بناؤون من قريتنا، أما طلاؤه ودهانه فقامت به نساء من قريتنا يحترفن هذه الأعمال. وكل ما يحتاجه البيت من قطع أخشاب وتظفير حبال أَنجزَه في المكان نفسه، رجالٌ متخصصون. وتحتفظ أمّي بمصوغات فضية أُنجزَتْ بتصاميمها الفريدة، لدى أحد الصاغة في قريتنا، اسمه «حمد الصايغ»، رحمه الله. وهو أحد الصاغة الذين يصوغون الحليّ الفضية التي تتزين بها النساء في أعضادهن وأذرعهن وأصابعهن وأقدامهن.

خزانات المياه التي نستخدمها في حفظ أو جلب الماء من الآبار كانت تصنع في سوقنا، سوق أحد المسارحة، وتغطي حاجة المحافظة من الجِرَار والأزيار والشربات الفخارية الصغيرة التي يحملها الراعي معه إلى المرعى.

أتذكر أن نحّاتي الأحجار كانوا يطوفون في قرانا لبيع منتوجاتهم من آنية الطبخ والطحين. كما أن كثيرًا من النساء كن يتفنن في صناعة الزنابيل الصغيرة والكبيرة لحفظ الحبوب والأغراض، ويصنعون من السعف أيضًا أدوات ضرورية للطحين (مهاجين). الواقع أن أكثر القرى كان لديها صاغتها ونجاروها وبناؤوها وكل ما تحتاجه القرى من خدمات، ولم يكونوا يذهبون إلى الأسواق إلا لشراء الضروريات مما لا يتوافر في مزارعهم وقراهم.

الحرف اليدوية جزء من الثقافة، هي شيء من الهويّة، وهي فعل حضاري له دلالاته على وعي أصحابه. ولأنها كذلك فنحن نلاحظ إقبال المواطنين على كل ما له صلة بتراثهم؛ لأنهم يجدون فيه عبق أهلهم، فنراهم يزينون به بيوتهم ويتباهون به أمام زوارهم.

إنه لشيء يستحق التقدير أن تسعى وزارة الثقافة إلى تنشيط الاهتمام بهذه الحرف اليدوية، وإعادة فتح المجال أمامها وتنويعها والترويج لها. ويمكن للوزارة أن تقوم بدراسات ميدانية وتستقطب مهتمّين لتصل إلى أفضل الخطط في خدمة هويتنا وتراثنا. ويجب أن يشعر أصحاب هذه الحرف بالدعم والاهتمام والجدوى لما يقومون به، والترويج لعملهم داخليًّا وخارجيًّا.


في مديح الأيدي الخلاقة

مختارات شعرية تراثية في الصَّنائع والحِرَف

محمد مظلوم – شاعر وناقد عراقي

تعتمد هذه المختارات على مخطوط نادر يعود إلى القرن الخامس عشر الميلادي (العاشر الهجري)، عنوانه «سكردان العُشَّاق ومنارة الأسماع والآماق»، لمؤلِّفه أويس الحموي، الذي لا يرِدُ الكثير عنه وعن مؤلفاته في المصادر، ولا سيما التراجم منها. لكننا نعرف من بعضها أنه: أويس بن عبدالله الحموي الدمشقي، توفي سنة 901هـ/ 1510م)(1). وكان حاجب الحجَّاب بطرابلس، وقد جمعه وهو في السجن، وقد أثبت ذلك بنفسه في تقديمه للمخطوط.

يتضمَّن المخطوط مختارات شتّى من نوادر الأخبار ومأثورات القصص وظرائف الأشعار في شتى الموضوعات والأغراض، مثل: الحب والمجون ومكر النساء، وأخبار شتى الطبقات الاجتماعية في عصره، من عشاق وحِرَفيين وقضاة وأذكياء وحمقى… إلخ. ومما يؤسف له أن أحمد تيمور (1871- 1930م)، الذي يعد من رموز عصر النهضة، نقل من مخطوط الحَمَوي هذا فُصولًا نسبها لنفسه ونشرها في كتاب بعنوان: «الحب والجمال عند العرب» (1921م)، دون أية إشارة للمخطوط.

وفي تحقيقي لمخطوط «سكردان العُشَّاق ومنارة الأسماع والآماق» اعتمدت نسختين هما: نسخة مكتبة بينيكي للكتب النادرة والمخطوطات، وهي متاحة عبر موقع (جامعة ييل) على الإنترنت. ونسخة المكتبة الوطنية الفرنسية، وهي متاحة عبر موقع (غاليكا على الإنترنت).

ما يميز هذه المختارات أنها ليست مطولات، بل (إبيغرامات) شعرية مكثَّفة وموجزة، من بيتين أو ثلاثة، تستغني عن الجزالة المعهودة في شعر القرون السالفة، وتتسم بالظرف والتورية الطريفة؛ لتقدِّمَ لنا شِعر اللقطة السَّريعة والخاطفة لكن برؤية مشهدية كاملة.

ما قِيلَ في الحِرَف والصَّنائع:

لصلاح الدين الصفدي في ورَّاق:

يَا حُسْنَ وَرَّاقٍ أَرَى خَدَّهُ       قَدْ رَاقَ فِي التَّقْبِيلِ عِنْدِي وَرَقْ

تَميسُ فِي الدُّكَّانِ أَعْطَافُهُ       مَا أَحْسَنَ الْأَغْصَانَ بَيْنَ الْوَرَقْ

ولابن حبيب الحلبي فيه:

فُتِنْتُ بِحُسْنِ وَرَّاقٍ نَفُورٍ       بِقَلْبِ الصَّبّ نَارَ الْهَجْرِ أَصْلَى

صَقِيلِ الْوَجْهِ كَمْ دَرَجٍ لَدَيْهِ       وَيَغْضَبُ إِنْ طَلَبْنَا مِنْهُ وَصْلا

ابْن الورْدي فِي أبَّار(2):

رُبَّ أبَّارٍ مَلِيحٍ       لُمْتُهُ فِي سُوءِ سِيرةْ

قَالَ لَا تَتْعبْ وَتعْتُبْ       أَنَا خُرْمَاتي كَثِيرةْ

لآخر فِي نطَّاع:

هَوِيتُ نَطَّاعًا إذَا جِئْتُهُ       بَادَرَنِي بِاللَّحْظِ وَالصَّفْعِ

أَرُومُ أَنْ أَحْظَى بِوَصْلٍ وَقَدْ       قَابَلَني بِالسَّيْفِ وَالنَّطْعِ

ولآخر فِي حَرِيرِي:

حَرِيرِيٌّ بَدِيعُ الْحُسْنِ أَلْمَى       شَبِيهُ الْغُصْنِ وَالْبَدْرِ الْمُنِيرِ

كَسَا جِسْمِي السّقَامُ وَلَا عَجِيبٌ       لِثَوْبِ السَّقْمِ مِنْ هَذَا الْحَرِيرِي

فِي حبَّاك:

يَا مَلِيحًا هُدْبُ مُقْلَتِهِ       صَادَ قَلْبِي مِنْهُ بِالشَّرَكِ

مُذ رَأَيْتُ الحَبْكَ صَنْعَتهُ       قُلْتُ: هَذَا الْبَدْرُ فِي الحَبَكِ

لمحمد بن إبراهيم الطبريّ فِي (بَائِعِ تِكَك):

يَا بَائعَ التِّكَّةِ فِي سُوقِهِ       مُحْكَمَةً فِي الظَّفْرِ وَالْعَقْدِ

مَا حَاجَتِي إلَّا إلَى تِكَّةٍ       تَحُلُّهَا فِي خَلْوَةٍ عِنْدِي

لآخر فِي (نَاسِج تِكَّة) وذكر السيوطي في (الكنز المدفون والفلك المشحون) أن الجارية (دينار) كتبت البيتين على تكَّتِها:

أَنَا قَفَلٌ مِنْ حَريرْ       فَوقَ خَصْرٍ مُسْتَدِيرْ

أَنَّا لَا أُفْتَحُ إلَّا       عِنْدَ أَوْقَاتِ السُّرُورْ

في فَرَّاء:

قُلْتُ لِفَرَّاءٍ فَرَى أَدِيمي       وَزَادَ صَدًّا وَطالَ هَجْرَا

قَدْ فرَّ نَوْمِي وَفَرَّ صَبْرِي       فَقَالَ: لَمَّا عَشقْتَ فرَّا

الأزهري في «جوخي»:

أَحْبَبتُهُ جُوخِيًّا قَضَّ نومي مُذْ       عَبَّرتُهُ فيهِ وَصْلًا غيرَ مُنْفَسِخِ

إنْ قُلْتُ: أَبْيَضُ عَيْشِي كَمْ تسوِّدُهُ؟       يَقُولُ: لا تُنْكِرِ التَّلْويْنَ لِلْجوخِ

ابن قزمان في «رسامٍ» وتنسب للشاب الظريف:

قُلْتُ لرسَّامٍ رَنَا       بِكَ الْفُؤَادُ مُغْرمُ

قالَ: مَتَى أُذِيبُهُ؟       فَقُلْتُ: حينَ تَرسمُ

ولأحدهم فيه أيضًا:

هَوِيتُ رسَّامًا كَبَدْرِ الدُّجَى       وَثَغْرُهُ كالدُّرِّ إذْ يَبْسمُ

قلتُ لهُ: صِلْنَي ولو ساعةً       قال: بِكَمْ؟ قلتُ: بِمَا تَرْسمُ

ولسعد الدين بن عربي في مُصوِّر:

أَيَا مَنْ فَاقَ بِالتَّصْوِيرِ حُسْنًا       سَلَبْتَ بِفَرْطِ ذَا التَّصْوِيرِ لُبِّي

غَدَوْتُ مُصَوَّرًا بِبَيَاضِ طِرْسٍ       وَأَنْتَ مُصَوَّرٌ بِسَوَادِ قَلْبِي

ولآخر فيه:

عَلا في صنْعَةِ التَّصْويرِ بَدْرٌ       يُقابِلُ كُلَّ مَخْلوقٍ بِشَبْهِهْ

يُصوِّرُ كُلَّ مَا في الأرضِ وَجْهًا       وَيَعجزُ أنْ يُصوّرَ مِثْلَ وَجْهِهْ

ولسعد الدين بن عربي في دهَّان:

سَبَانِي الْيَوْمَ دَهَّانٌ       إِلِيهِ حَنَّتِ النَّفْسُ

لَهُ مِنْ حَدِّهِ الصبْغُ       وَمِنْ طَلْعَتَهِ الشَّمْسُ

ولآخر فيه:

قَامَ في صنْعَةِ الدِّهَانِ مَلِيحٌ       رَامَ يَحْكِي بِمَا حَواهُ مَعَاني

لاحَ كالوَرْدِ في الدِّهَانِ ولاحَتْ       فوقَ خَدَّيهِ وَردَةٌ كالدّهانِ

ولسعد الدين بن عربي في نَقَّاش:

وَمُنَقِّشٍ عَلَمًا رَأَيْتُ بِكَفِّهِ       قَلَمًا أُعِيذُ جَمَالَهُ بِالْبَارِي

هُو كَاتِبٌ وَسَوَادُ قَلْبِي حِبْرُهُ       أَوَمَا تَرَى أَنَّ مِدَادَهُ مِنْ نَارِ؟

وله «شمَّاع»:

يَا رُبَّ شَمَّاعٍ يَرُوقُ بِقَدِّهِ       نَادَيْتُهُ وَالْقَلْبُ مِنِّي يَكْمَدُ

يَا غَايَةَ الْآمَالِ بِعْنِي شَمْعَةً       فَأَجَابَنِي وَالْوَجْهُ مِنْهُ مُوَرَّدُ

أَيُّ الشُّمُوعِ تُرِيدُ؟ قُلْتُ لَهُ: الَّتي       فِي الخَدِّ مِنْهَا جُذْوَةٌ تَتَوقَّدُ

ولآخر فيه:

نَظَرْتُ إِلَيْهِ شَمَّاعًا مَلِيحًا       جَمِيعُ الحُسْنِ مَنْسُوبٌ إِلَيْهِ

لهُ خَدٌّ كَجَمْرٍ ذِي لَهِيبٍ       يَذُوبُ الشَّمْعُ مِنْ أَسَفٍ عَليهِ

ولسعد الدين بن عربي في صَبَّاغٍ:

وَشَادِنٍ يَصْبغُ الثِّيَابَ حَكَى       رَوْضًا بِأَنْوَاع زَهْرِهِ زَاهِي

يَا مَنْ لَدِيهِ الثِّيَابُ يَصْبغُهَا       دِيبَاجُ خَدَّيْكَ صُنْعَةُ اللَهِ

ولآخر فيه:

لمْتُ صبَّاغَكُمْ عَلَى       مُسْتَهَامٍ تَعَشَّقَهْ

قُلْتُ: صَفَّرْتَ وَجْهَهُ       قَالَ: رِجْلي مُزَرَّقهْ

في «مطرِّز»:

هَوِيتُ مُطرِّزًا كَالْبَدْرِ حُسْنًا       يُعلِّلُني بِوعْدٍ لَيْسَ يُنْجَزْ

سَبَا قَلْبِي بِرَقْمِ الخدِّ حُسْنًا       وَتَمَّمَني بِعَارِضِهِ الْمُطرَّزْ

في «زركشي»:

زرَكشيٌّ هويتُهُ       حُبُّهُ في الحَشَا حُشِي

قَدْ كَسَا جِسْمِيَ الضَّنَى       ثَوبَ سَقْمٍ بِزَركَشِ

في «قطَّان»:

وَلَمَّا أتى القطَّانُ نَحْويَ زَائِرًا       وقبَّلْتُ كفَّيهِ وَعانَقْتُ عطفَهُ

تَرَشَّفْتُ صَرْحَ الرَّاحِ مِنْ ماءِ وَصْلِهِ       وَفَوْقَ فِرَاشِ الوصْلِ أحْبَبْتُ نَدْفَهُ

آخر:

قَطَّانُنا مُهفهفٌ       ثَقِيلةٌ أَرْدَافُهُ

نَادَيتُ مِنْ وَجْدِي بهِ       يَا لَيْتَنِي نَدَّافُهَ

ولسعد الدين بن عربي في رفَّاء:

أًقُولُ لِرَفَّاءٍ شَكَوْتُ لَهُ الْهَوَى       فَأقْسَمَ لِي أنْ لَا يَرقَّ لِمَا أَشْكُو

عَقَدْتَ يَمِينًا ثُمَّ أَعْرَضْتَ فَارِكًا       وَلَا عَجَبٌ أَنَّ دَأبَكَ الْعَقْدُ وَالْفَرْكُ

لهبة الله بن كامل في «رفاء»:

يَا رَافِيًا خَرْقَ كلِّ ثَوْبٍ       يَا بُغيةَ النَّفْسِ يَا مُرَادي

عَسَى بِخَيْطِ الوِصَال تَرْفُو       مَا مزَّقَ الهجْرُ مِنْ فُؤادي

وللصفدي فيه:

ورفّاءٍ لهُ وجهٌ مليحٌ       محاسنُهُ البَديعةُ ليْسَ تَخْفَى

شغلْتُ بِهِ الفُؤادَ ولي زَمَانٌ       أَرَى ثوبَ الفُؤادِ يعوزُ رفَّا

في خيَّاط:

لمَّا أَتى وَالْمِقَصُّ في يَدِهِ       وَفَصَّلَ الْعَاتِقَيْنِ والبَدَنا

فَقَالَ: وَصْلًا يَعُوزُ، فَقُلْتُ لَهُ:       الْعَائزُ الوَصْلَ يَا مَلِيحُ أَنَا

ولأبي غالب الواسطي فيه:

مَرَرْتُ بِخَيَّاطٍ حَكَى الْبَدْرَ طَلَعْةً       وَشَاكَلَ غُصْنَ البَانِ لَمَّا انثنى قَدَّا

يقُدُّ ويَفْرِي الثَّوبَ ثمَّ يَخِيطُهُ       فلِم ثَوْبَ قَلْبي لا يَخِيطُ وَقَدْ قُدَّا

في «فاخوري»:

بَائِعُ الفخَّارِ بَدْرٌ       قَالَ لِلْعَاشِقِ جَهْرَةْ:

مَا الَّذِي تَبغيهِ مِنِّي       قالَ: قَصْدي أَلْفُ جَرَّةْ

في «سُروجي»:

فُتِنْتُ بِهِ سُرْوْجِيًّا بَدِيعًا بِهِ       قَدْ ذُبْتُ وَجْدًا مِنْ ضَجِيجِ

ولمحمَّد بن الرعَّاد في «قصَّاص»:

أَشْكُو إلى اللهِ قَصَّاصًا يجرِّعُني       بِالصَّدِّ والهَجْرِ أَنْوَاعًا مِنَ الغصَصِ

إنْ تُحْسِنَ الْقَصَّ يُمْنَاهُ فَمُقْلَتُهُ       أَيْضًا تقُصُّ عَلَيْنَا أَحْسَنَ القَصَصِ

في «حدَّاد»:

تَعشَّقْتُ حَدَّادًا بَدِيعَ مَلاحَةٍ       لَهُ طَلْعَةٌ في الحُسْنِ تَعْلُو وَتَشْمَخُ

إِذَا رُمْتُ بِالتَّطْرِيقِ وَصْلًا بقُربِه       أَرَاهُ يَسْترُ الْغَيْظَ ثمَّ ينفِّخُ

ابن نباتة في «فولاذي»:

أفْدِي بَدِيعَ الْجَمَالِ مُحْتَكِمًا       بِنَاظِرٍ في القُلوبِ نفَّاذِ

إذَا تَبَّينتُ ما صِناعتُهُ       رَنَا بِلَحْظٍ وَقَالَ: فُولَاذِي

في حائك:

وحَائكٍ يَا صَاحِ أَبْصَرْتُهُ       كَالبَدْرِ في كَفَّيهِ مَاسُورةْ

فَلَمْ أرحْ إِلَّا ورُوحِي لِمَا       عَايَنْتُ في كفَّيهِ مأسورهْ

ابن الوردي في «خبَّاز»

رَغِيفُ خَبازِكُمْ قدْ حَلا       مِنْ وَجْهِهِ التَّدْوِيرُ وَالْحُمْرَةْ

إذَا رَأى مِيزانَهُ الْمُشتري       يَقُولُ ذَا الميزانُ والزّهرَةْ

ولابن الرومي فيه:

مَا أَنْسَ لَا أَنْسَ خَبَّازًا مَرَرْتُ بِهِ       يَدْحُو الرُّقَاقَةَ وَشْكَ اللَّمْحِ بِالْبَصَرِ

مَا بَيْنَ رُؤْيَتِهَا فِي كَفَّهِ كُرَةً       وَبَيْنَ رُؤْيَتِهَا قَوْرَاءَ كَالْقَمَرِ

إِلَّا بِمِقْدَارِ مَا تَنْدَاحُ دَائِرَةٌ       في صَفْحَةِ الْمَاءِ يُرْمَى فِيهِ بَالْحَجَرِ

لآخر في «مناخلي»:

مَنَاخليٌّ همْتُ في حُبَّهِ       وَفِي الْحَشَا مِنْ حَبَّهِ جَمْرُ

قُلْتُ وَقَدْ عَايَنْتُ مِنْ حَولِهِ       مَناخِلًا لمْ يَحْوها الخَصْرُ:

مَا هَذِهِ؟ قالَ: شُموعٌ غَدَتْ       يكسِفُها مِنْ وَجهِيَ البَدْرُ

في «مغربل»:

تَعَشَّقْتُ مِنْ بَيْنِ الأَنَامِ مُغَرْبِلًا       لَهُ طَلْعَةٌ تُهْدِي إِلَيْكَ الأَمَانِيَا

إذَا حرَّكَ الغِرْبَالَ هَزَّ مَعَاطِفًا       تُنَسِّيَكَ الْهِنْدِيَّ إِذَا مَا اهْتزَّ مَاضِيَا

تَخَافُ عَلَى أَعْطَافِهِ الْعَيْنُ دَائِمًا       فتُبْصِرُهُ فِيهِنَّ يَنْفُثُ رَاقِيَا

في «عجَّان»:

وَجْهُ الْمَليحِ الْمُفَدَّى       مُغبَّرٌ بالدَّقيقِ

كأنَّهُ بَدْر تَمٍّ       مِنْ تَحْتِ غَيْمٍ دَقِيقِ

ابن الوردي في «دقَّاق»:

دَقَّاقُ قَمْحٍ مَلِيحٍ       لِلْبَدْرِ يَدْعُو عَلامَةْ

قَدْ رَقَّ خَصْري وَنَادَى       هَذَا الدقيقُ العلامةْ

في «طحَّان»:

للهٍ طَحَّانٌ تبدَّى وَجهُهُ       قَمَرًا لهُ قَمَرُ السَّمَاءِ رَقيقُ

وَجْنَاتُهُ ماءٌ ولكنْ قلبُهُ       حَجَرٌ وأمَّا خصرُهُ فَـ(دَقيقُ)

لسعد الدين بن عربي في «زجَّاج»:

وَزَجَاجٍ كَبَدْرِ التمِّ وَجْهًا       بِصَارِمِ مُقْلتيهِ دَمِي أُبِيحَا

يُديرُ عَلَى الحَدِيدِ لهُ زُجَاجًا       تكادُ تخالُهُ بَرْقًا لَمُوحا

وَمَا ذَاكَ الزُّجَاجُ سِوَى قُلوبٍ       تَمَلَّكهنَّ تَمْلِيكًا صَحِيحَا

إذَا احْتَرَقَتْ لِفَرطِ البُعْدِ عَنْهُ       تَرَاهُ نَافِخًا فِيهنَّ رُوحَا

في «أمشاطي»:

في صَانعِ الأمْشَاطِ سَقْمِي زَائِدٌ       لكنَّهُ في غايةِ الإفْرَاطِ

فَمَتَى أفوزُ بقُبلةٍ مِنْ ثَغْرهِ       وأُسرِّحُ الأسْقَامَ «بالأمْشَاطِ»

وللصفدي في «نجَّار»:

أَحْبَبْتُ نَجَّارًا بَدِيعُ جَمَالِهِ       مِنْهُ الشُّموسُ تَغَارُ وَالأقْمَارُ

فَخْرِي بِهِ بَينَ البريَّةِ أَنَّهمْ       قَالَوا غَدَا وَحَبيبُهُ «النجَّارُ»(3)

في «خشَّاب»:

للهِ خَشَّابٌ كَبَدْرِ الدُّجَى       قَدْ شَيَّبَ الأَسْودَ مِنْ مَفْرِقي

فَوَّقَ لي سَهْمًا أَصَابَ الحَشَا       وَيتَّمَ الْقَلْبَ بِخَدٍّ نَقِي

ولسعد الدين بن عربي في نشَّار:

أَيُّهَا الْقَلْبُ مُتْ غَرَامًا وَوَجْدًا       قَدْ سَبَاكَ النَّشَّارُ ثَغْرًا وَخَدَّا

ظَلَّ يَفْنِي أَسْنَانِ مِنْشَارِهِ بَرْدًا       وَتِلْكَ الأَسْنَانُ أَفْتَكُ بَرْدَا

فَهْوَ يُبْدِي مِنْ لَمْعِ مِنْشَارِهِ بَرْقَا       وَمِنْ صَوْتِ نَشْرِهَ لَكَ رَعْدَا

كِدْتُ أَرْجُو مِنْهُ اجْتِمَاعًا لِشَمْلِي       وَأَرَاهُ قَدْ فَرَّقَ العودَ عَمْدَا

مَا وَجَدْنَا لِحُسْنِ نَشْرِكَ نِدًّا       بَلْ وَجَدْنَا لِطِيبِ نَشْرِكَ ندّا

في «معمار»:

كَمْ ذَا أَقُولُ لِمْعمارٍ حَكَى سَلَبِي       وَحَرَّكَ الوَجْدَ لَحْظٌ مِنْهُ بتَّارُ

سَكَنْتَ قَلْبِي فَلا أَخْشَى تَهَدُّمَهُ       وَكَيفَ يُهْدَمُ بيتٌ فِيهِ مِعْمَارُ

في «مبلط»:

هَوَيْتُ مُبلِّطًا كالْبَدْرِ حُسْنًا       فَرِيدًا في الْمَلاحةِ والنَّشَاطَةْ

إذَا مَا جِئْتُ أسألهُ وِصَالًا       يُسوّفُ بِي وَيُظْهِرُ ليْ بَلاطَةْ

في «حجَّار»:

يَا حُسْنَ حَجَّارٍ لَهُ نَاظِرٌ       سَفْكُ دَمِ العُشَّاقِ مَألُوفُهْ

يَفْعَلُ في الأحْشَاءِ أضْعَافَ مَا       يَفْعَلُ في الأحْجَارِ شَاقُوفُهْ(4)

في «بنَّاء»:

للهِ بَنَّاءٌ كَبَدْرِ الدُّجَى       كأنَّهُ غُصْنَ نَقَا حِينَ مَاسْ

قدْ هزَّ ركنَ الصبرِ لَمَّا جَفا       وَصَيَّر القلبَ ضعيفَ الأساسْ

الأزهري في «نحَّاس»:

بُليتُ بنحَّاسٍ على كُلِّ عَاشِقٍ       يقولُ افْتِخَارًا وَاللَّوَاحِظُ تَغْزلُ

أَنَا ابنُ مَنْ لانَ النُّحاسُ لِصُنْعِهِ       وَقدري عَلى أذْكَى الدُّسوتِ تَرَجَّلُ

في «جوهري»:

وَجَوْهريٍّ شاقَنِي حُسْنهُ       لَمَّا بَدَا كالقَمَر المسفرِ

وَمَا بَدَا يَبسمُ مِنْ تيهِهِ       إلَّا سَبَانِي ثغرهُ الجوهري

في «زرجوني»(5):

يا صاحِ زَرْجُونيِّنا في حُسْنِهِ       قدْ زادَ مِنْ فَرطِ الغرامِ شُجُوني

لو زَارَني لَجَظَيْتُ مِنْهُ بِالشّفَا       وَجَمَعْتُ طِيبَ الوَصْلِ بالزَّرجونِ

في «مبيِّض»:

تَعَشَّقَ قَلْبِي الْمُستهامُ مُبيِّضًا       تلطَّفَ بِي في الحبِّ بالوَصْلِ والرَّضَا

وَأَقْبَلَ مِبيضَّ الثيابِ مُعطَّرًا       وَزَارَ عَلَى رغْمِ العَذُولِ مُبيِّضَا

الصفدي في «خفَّاف»:

خفَّافكُمْ فِعْلُ مُقْلتيهِ       في مُهجةِ الصبِّ غيرُ خافِ

أَضْحَى وَأَرْدَافُهُ ثِقَالٌ       وَفَاقَ فِي صُنْعَةِ الخِفَافِ

ابن الوردي في سبَّاك:

سبَّاكُ تِبْرٍ وَفِضَّةٍ صَهَرَتْ       نَوَاهُ قَلْبِي فَسَرَّهُ ذَاكَا

قُلْتُ لَهُ: قَدْ سَبَيْتَنِي وَأَخِي       قَالَ: نَعَمْ مُذْ عَشِقْتَ سَبَّاكَا

ما قيل في صنائع وحرف النساء:

للصفدي في صانعة:

هَيْفَاءُ كَمْ للشُّعَرا       في حُبّها مِنْ وَاقِعَةْ

قُلْنَا لَهَا: فَاعِلةٌ؟       قَالَتْ: نَعَمْ وَصَانِعةْ

وله في زركشية:

يَا لَيْتَنِي حَاشِيَةً زُرْكِشَتْ       يَوْمًا بِكَفَّيْ هَذِهِ الجَاريَةْ

قَدْ أَصْبَحَتْ فِي الْحُسْنِ سُلْطَانَةً       تُفَرِّقُ التّبْرَ عَلَى الْحَاشِيَةْ

للشهاب الحجازي في ريَّاشة:

هَوَيتُها رَيّاشَةً       وَمَا لَهَا نَظِيرُ

نَأتْ وكُنْتُ أختَشي       إنْ ريَّشَتْ تَطيرُ

وله في طرّازة:

مَلِيحَةٌ إنْ طَرَّزَتْ       فِيهَا تَحارُ الفِطَنُ

يُعجِبُني نَموذَجٌ       مِنْهَا وَشَكْلٌ حَسَنُ

وله في كاتبة:

كَاتِبَةٌ تَوْقِيعُ نَسْخِ الجَفَا       يَصْدُرُ عَنْ سَمْتِهَا الراحمَةْ

تَكْتُمُ أسْرَارَ رِقَاعِي لها       أحْسِنْ بها كَاتِبَةً كاتِمَةْ

للشاب الظريف في عجَّانة:(6)

كَلِفَ الفُؤَادُ بِظَبْيَةٍ عَجَّانةٍ       ما كُنْتُ يَوْمًا آمِنًا مِنْ هَجْرِها

عَجَنَتْ فُؤَادِي بِالغَرامِ فَماؤُهَا       مِنْ أَدْمُعي وَدَقِيقُها مِنْ خَصْرِهَا

ابن الوردي في مُسحِّرة:

عَجِبْتُ في رَمَضَانَ منْ مُسَحِّرةٍ       بَدِيعَةِ الْحُسْنِ إلاّ أَنَّهَا ابْتَدَعَتْ

جَاءَتْ تُسَحِّرنَا لَيْلًا فَقُلْتُ لَهَا:

كَيْفَ السّحُورُ وَهَذِي الشَّمْسُ قدْ طَلَعَتْ       ما قيل في صنع الأواني والأقداح والجِرَار.

الشاب الظريف في باطية:

أنا لِلْمَجَالِسِ وَالجَلِيسِ أَنيسةٌ       أَزْهَو بِحُسْنٍ باهرٍ لِلنَّاظِرِ

أَصْفُو فأُظْهِرُ ما أُجِنُّ وَلَمْ يَكُنْ       في باطِني شَيْءٌ يخالفُ ظَاهِري

في جمجمة:(7)

أَيُّهَا الشَّارِبُ مِنِّي       إِنَّمَا أَمْرِي عَجَبْ

كُلْ هَنِي وَاشْرَبْ مَرِي       إِنَّما أَصْلِي خَشَبْ

للشاب الظريف في كأس:

أَدُورُ لِتَقْبِيلِ الثَّنَايَا وَلَمْ أَزَلْ       أَجُودُ بِنَفْسِي لِلنَّدامَى وَأَنْفاسِي

وَأَكْسو أكفَّ النَّاسِ ثَوْبًا مُذَهَّبًا       فَمِنْ أَجْلِ هَذا لَقَّبُوني بِالكَاسِ

ابن حجة في طاس:

أَنَا طَاسَةٌ بَيَّضْتُ وَجْهِي عِنْدَكُمْ       وَصفَا لَكُمْ قَلْبِي بماءٍ رَائِقِ

عَذبَتْ مَشَاربهُ بِبَارقُ بَهْجَتي       فَتَنزَّهُوا بينَ العذيبِ وَبَارِقِ

ابن مكنسة الإسكندراني في الأباريق:

إِبْريقنَا عَاكِفٌ عَلى قَدَحٍ       كأنَّهُ الأُمُّ تُرْضِعُ الْوَلدَا

أَوْ عَابدٌ مِنْ بَني الْمَجُوس إَذَا       توَهَّمَ الكأسَ شُعَلةً سَجَدَا


افتتان

حسن الربيح – شاعر سعودي

إِلى شَيخِ الحِرَفِيِّينَ في الأحساء عبدالله بن محمد الشَّبْعان

دَاؤُكَ أَخشابٌ، وشِفَاؤُكَ أَخشابْ

لا شَيءَ برأْسِكَ يَطردُ هذا المَرَضَ الشافي

يا طَلْعَ النَّخْلِ الخَافِي

يَعرِفُكَ النَّهرُ الصَّافي

هَذي اللَّيمُونةُ مَدَّتْ أَذرُعَها؛ لِتُصافِحَ فِيكَ الأَجدَادْ

وَالأَثْلَةُ لَوَّحَ فِيها الشَّوقُ الوَقَّادْ

والسِّدْرَةُ تَنجُو حِينَ تُقطَّعُ، مِن تَنُّورِ العَابثِ؛

تَنجُو مِن نارٍ، ورَمَادْ

السِّدرَةُ أَلقَت بَينَ يَدَيكَ مَبَاهِجَها،

وغَسَلتْ الخَوفَ بِها مِن عَرَقٍ يَنضَحُ مِن أَكبَادْ

لا خَوفَ عَلَى هَذِي الأَشجارِ إِذا سَقَطَتْ،

فَأَنامِلُ رُوحِكَ تَرفعُها في عَينِ الأَبدِ الرَّاحلِ في الأَحفادْ

لا خَوفَ وأنتَ تُوقِّعُ بَصمَةَ أَجدادِكَ

فيها؛ إذ تَنبضُ ثانيةً بِالمِيلادْ

دَاؤُكَ أَخشابٌ، وشِفَاؤُكَ أَخشابْ

(شَبْعانٌ) أَنتَ، وجَوعانْ

الجِصُّ طَعامُ الأَيدِي، وهيَ تُقشِّر عَنهُ النِّسيَانْ

يا سَغَبَ الجِصِّ، وهذا النَّقشُ غِذاؤكْ

ثَانِيَةً يَنمُو عُمْرُكَ فِي رَأْسِ (العِمدَانْ)

مُرتَفِعًا حتَّى لو جارَ الهَدمُ عليهِ، وأَنْكَرَهُ العُمرانْ

فِي الصُّورَةِ تَبقَى، أَو في ذاكرةِ الفَنَّانْ

دَاؤُكَ أَخشابٌ، وشِفَاؤُكَ أَخشابْ

قالَ طَبيبٌ،

وَانْفَتَحتْ بَوَّابَةُ مَاضِيهِ وَرَاحَ يُلملِم ما ذَرَّته الريحُ،

ويَرسِمُ في الأَوراقِ ملامحَ أَشياءٍ مَنسِيَّةْ

ما هَذا؟ قَالَ لَهُ عُصفُورٌ يَأتِي كُلَّ صَبَاحٍ

– هَذَا نَقشُ السَّعْفَةْ

فتَعالَ وَغرِّد؛ كي تصبحَ خَضرَاءْ

ويُطِلَّ العذقُ الأحمرُ مشتعلَ اللَّهْفَةْ

ما هَذَا؟ قال صبيٌّ ينظرُ مَفتُونًا

– هَذا نَقشُ الطَّير،

فحاذِرْ أَن تَلمَسَه؛ كَيلا يهربَ

وَاتركْ في كَفِّكَ مَاءً

وانظرْ كيفَ يجيئُكَ مِن رَشفَةْ

يا ولدي، مخبوءٌ في هذي النَّقشَةِ سِرٌّ أستَبطِئ كَشفَهْ

لَن أَقتلَ سِرًّا يا ولدي

فالفِتنةُ أَرجحُ فِي الكِفَّةْ


الحِرَف اليدوية قوة ثقافية ناعمة

فهد إبراهيم البكر – أكاديمي سعودي

تبدو الحرف التقليدية عملًا ميدانيًّا تطبيقيًّا يعتمد في المقام الأول على الصناعة، ثم المهارة. وتاريخ هذا النمط من الأعمال معروف لدى الإنسان الأول منذ غابر الأزمان، وتتوارث الأجيال تلك الحرف، فتتطور بتطورها، وتتجدد بتجددها. ولهذا تعدّ الحرف اليدوية جزءًا لا يتجزأ من الموروث الثقافي للأمم، وهي مصدر حيوي من مصادر نهضتها وحضارتها. يكفي لندلل على ذلك أن نرى العمران مثلًا شاهدًا على قيمة الحرف التي يمتهنها أصحابها، حيث تنقل لنا تلك المظاهر شيئًا من المعارف، والخبرات، والمهارات، والممارسات التي كان عليها الناس، زمنًا بعد آخر.

لهذا يأتي توثيق تلك الحرف التقليدية في كتب، أو دراسات، أو مقالات، جانبًا معرفيًّا مهمًّا، ولا سيما في ظل انعدام التأليف في هذا الميدان. فنحن منذ القدم نعرف الخيّاط، والنجّار، والحدّاد، والبنّاء، والدهّان، ونحوهم، لكننا لا نجد كتبًا مختصة في تعليم تلك المهن، إلا ما كان من إشارات قد تكون مبثوثة في بعض الكتب هنا، أو هناك. لكننا، في الحقيقة، لا نكاد نعثر على كتب تهتم بهذا المجال. وأظن أننا في هذا الزمن -وفي ظل الدعم للحرف التقليدية من جانب وزارة الثقافة، وبعد تخصيص هذا العام الثقافي للحرف اليدوية- نتطلع إلى أن يكثّف الباحثون، والدارسون، والنقاد، والمهتمون من المثقفين، والمبدعين، وأصحاب المهن والحرف الخاصة، جهودهم في التأليف في هذا الباب، تعليمًا، أو تأريخًا، أو رصدًا، وتحليلًا.

للأدب أثره البالغ في إعادة الاهتمام بالحرف اليدوية ثقافيًّا، فهو يتفاعل مع الحرفة بوصفه تعبيرًا إنسانيًّا جماليًّا يصف الكون، والحياة، والمجتمع. أما الحرفة فهي ميدان رحب يكشف عن أصالة ملموسة ومتجذرة؛ إذ هي دليل على العمق التراثي، والثقافي، والجمالي، وهو أمر قد يلتقي الأدبَ في بعض وجوهه وجوانبه، ولا سيما أن الأدب قد يتناول الحرفة فيعالجها، أو ينطلق منها، أو يجعلها أساسًا للسرد، ومصدرًا للحكاية. ولذلك ظهرت (الرواية الرعوية) في فرنسا، وإسبانيا، في القرن السابع عشر، وكانت تُعنى برسم أخلاق الرعاة ومشاعرهم، وجمال الريف، والطبيعة، وبساطة الرعاة، وكان من أمثلتها: رواية «الراعي الغريب» للفرنسي شارل سوريل.

والمتأمل في الروايات العالمية سيجد في عناوين بعضها مزيدًا من التفاصيل الحِرَفية، كما في رواية «الفلّاحون»، و«الصيّادون» للروسي أنطون بافلوفيتش تشيخوف، ومثلها رواية «صانع الألماس» للإنجليزي هربرت جورج ويلز. كما دلّت روايات أخرى على بعض المعاني الحِرفية، كرواية «مانديل بائع الكتب القديمة» للنمساوي ستيفان تزفايج، ورواية «السيمفونية الرعوية»، أو «سيمفونية الحقول» للفرنسي أندريه جيد، ورواية «ساعي بريد نيرودا» للتشيلي أنطونيو سكارميتا.

ثمة علاقة بين الحرفة والهوية، ويعود ذلك إلى ارتباط الحرفة بإنسانها الأول، وبثقافته العربية، وانتمائه الوطني، وتاريخه السعودي. فالحرفة تبنى بها الحياة، وتنمو، وتسمو، والهوية يعتز بها الإنسان، ويخلص من أجلها، ويبدع بواسطتها. وبفضل هذه العلاقة تتجلى القيم العلمية، والأدبية، والثقافية، والحضارية، والأخلاقية. لهذا، فإن التركيز على قيمة الهوية في علاقتها بالحرفة، وربط ذلك بعضه ببعض هو أول مظاهر الاحتفاء بالمنجز الثقافي، والإرث المعرفي، والإنتاج الإبداعي المتنوع. ومن هنا، علينا أن نعزّز من أثر الحرفة في علاقتها بالهوية الوطنية، وتقديم الرؤى التي تدعم تلك العلاقة، وصياغة المقترحات المفيدة، وصناعة المبادرات والمشاريع التي من شأنها أن تجعل الإنسان أكثر حبًّا لموروثه، وانتماءً لوطنه.


الحرف اليدوية والإسهام في التنمية المستديمة

درويش الأسيوطي – شاعر وباحث مصري

تَعرَّضتْ، وما زالت تتعرض، الحِرَف اليدوية في المجتمعات كافة للتراجع عن دورها الاقتصادي في الإنتاج؛ وذلك بفعل التطور التكنولوجي المتسارع، الذي أدى فعليًّا إلى انقراض كثير من الحرف اليدوية، وما ارتبط بها من فنون وطقوس، وما صاحبها من تراث شفهي، بعضه ما زال حيًّا، وبعضه استعصت عليه الحياة.

يعتمد إنتاج الحرف اليدوية على الجهد الإنساني والحيواني. وقد تسارعت، خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين؛ والعقود الأولى من القرن الحادي والعشرين، عمليات إحلال الآلة محل الإنسان والحيوان في العملية الإنتاجية. فعلى سبيل المثال لم يعد الجهد العضلي الأساس في أعمال حرفة الزراعة، وحلت الآلة محله، فلم نعد نستخدم في الري (الساقية) التي تجرها الحيوانات، ولا (الشادوف) ولا (الطنبور) الذي يعتمد العمل من خلالهما على عضلات الإنسان. ولا (المحراث) ولا (الفأس) في عملية شق وتقليب التربة، ولا الجمال والحمير في عملية النقل. وبالتالي، انقرض كثير من الحرف التي ارتبطت بأشكال الإنتاج القديمة. وصارت الممارسات اليدوية نوعًا من التراث الذي يعتني به بعض ويهمله بعض. وهذا الأمر ينطبق على حرف أخرى مثل الغزل والنسيج وصناعة الأزياء، وما ارتبط بها من ممارسات وأنماط شعبية.

أغنيات الجمالة

والنشاط الإنساني لا يمكن فصله إلا لدواعي الدراسة. فالتراث الشعبي لا يمكن فصل المادي فيه عن غير المادي، إلا للتصنيف. فهناك ارتباط بين استخدام الحيوان في العمل وبين ما نطلق عليه (أغنيات الجمالة)، وهو لون من الغناء ارتبط بعمليات الحرث والري والنقل والدرس، بمشاركة الحيوانات في العمل. وكلما تقدمت طرائق الإنتاج في المجتمعات؛ قَلَّ الاعتماد على العمل العضلي، وتراجعت الحرف اليدوية في تلك المجتمعات. وعلى الرغم مما تعرضت له تقنيات العمل والإنتاج من تحول، فقد ظل للحرف اليدوية حضورها المباشر أو غير المباشر في ثقافة مجتمعاتها. فلا تزال الأمثال الشعبية، على سبيل المثال، التي أنتجتها حرف انقرضت حية في المكونات الثقافية لشعوبها. وما زالت بعض الطقوس المرتبطة ببعض الحرف تمارس. ويطلق على ما تبقى من حرف يدوية وممارسات مادية وطقوس ومأثورات قولية التراث الشعبي.

نشك التلي

يمكن للشعوب أن تستفيد من العناصر التراثية المادية في المساعدة على النمو الاقتصادي، والتنمية المستديمة لشعوبها. ويمكن لبعض الحرف اليدوية أن تشكل إسهامًا اقتصاديًّا مهمًّا في تنمية المجتمع. وبعيدًا من التدليل النظري، اسمحوا لي أن أضرب مثالًا حيًّا لما يمكن أن تسهم به الحرف التراثية في التنمية المستديمة:

كان (نَشْك التُّلِّي) أو (فن الأسيوطي) من الحرف اليدوية التي احترفها كثير من النسوة المصريات، في منطقة وسط الصعيد، وبخاصة أسيوط وسوهاج. وتقوم هذه الحرفة على استخدام قماش خاص يسمى (التُّل)، وتزيينه من خلال الرسم عليه بخيوط من الفضة أو الذهب؛ لصنع أشكال الأزياء والألبسة وأغطية الرأس النسائية. وصار لبس (التلي) للزينة من ملامح التميز والتفرد الاجتماعي. (النَّشْك) تعني في اللغة الشعبية المصرية النشر والتوزيع والبعثرة، وعادة ما كانت المرأة تستخدم بعض العناصر التراثية كأشكال فنية (موتيفات)، مثل: الجمال والأسماك والنخيل والمثلثات الهرمية… وغير ذلك من عناصر فنية تراثية. ومع انتشار الآلات والتطور التكنولوجي اندثرت هذه الحرفة تمامًا.

في أواخر عقود القرن العشرين جاءت سيدة إنجليزية إلى مصر، في زيارة لسوهاج، للبحث عن نسيج (التلي) أو (الفن الأسيوطي) الذي فتنها في المعارض الأوربية، ولم تنجح في الحصول نهائيًّا على ممارسين أو ممارسات لهذه الحرفة؛ لأنها تقريبًا كانت قد اندثرت، ولم يعد من يمارسها كحرفة يدوية. والتقت مصادفة بالفنانين التشكيليين الأسيوطيين: بخيت فراج وسعد زغلول، وحدثتهما عن التلي وجمال التلي، ولما تعذر على المرأة العثور على بُغْيَتِها، سافرت إلى بلادها وتركت لهما قطعة من (التلي) كتذكار.

لكن الأمر لدى الفنان التشكيلي (سعد زغلول) لم يتوقف عند هذا الحد، فقد ظل لعام كامل يتقصى عن (التلي)، في المناطق الشعبية من أسيوط، كغرب البلد والوليدية وغيرها، لما يقرب من العام، حتى وجد سيدتين من كبار السن تعرفان كيفية (نشك التلي)، أو الرسم على قماش (التل)، وبدأ بعدها الفنان الدؤوب في رحلة البحث عن الخامات المطلوبة (القماش والإبر والخيوط) حتى وجدها، وطلب من كل سيدة أن تنفذ الوحدات الزخرفية التراثية التي تعرفها، حتى لا تندثر، ثم عهد إليهما وعلى نفقته بتعليم بعض الفتيات هذا الفن، وبدأ (سعد زغلول) في إحياء (التلي) من جديد. وبعد أن حصل على منحة من الصندوق الاجتماعي للتنمية، توسع المكان في تعليم البنات (شغل التلي) بشكل أكبر.

إلى جانب سعي الفنان إلي إحياء التراث المصري القديم والحفاظ عليه، سعى من خلال (بيت التلي) إلى توفير فرص عمل للفتيات من خلال القطع التي يقمن بتنفيذها، التي يسوقها من خلال المعارض، وبالتالي وفَّر مصدر دخل للعاملات في هذا المجال، بصورة تناسب ظروفهن، حيث يمكنهن العمل من منازلهن في الأوقات المناسبة لهن، فالأمر لا يحتاج إلا للإبر والخيوط والقماش.


هوامش:

(1) (انظر: إسماعيل باشا البغدادي «هدية العارفين» 228/ 1؛ وعمر كحالة «معجم المؤلفين» 3/ 27) وفي «تاريخ حماة» لأحمد بن إبراهيم الصابوني ص 104. له مؤلفات عدة أخرى غير «سكردان العشق» لم يذكرها. ثم يورد معلومة غريبة: (أن قبره معروف الآن غربي المدينة، وتسميه العامة قبر السلطان أويس وهو معتقَد يُزار!).

(2) صانع الإبر.

(3) في الكلمة جناس ينطوي على معنيين: النَّجار المهنة، والنِّجار: الأصل والنسب.

(4) الشاقوف: مطرقة ضخمَة تقطع بِها الحجارة.

(5) الزرجون كلمة فارسية وتعني: لون الذهب. والمقصود هنا الذي يلمع النحاس الأصفر. الزرجون الثانية: الخمر.

(6) البيتان للشاب الظريف في ديوانه.

(7) الجمجمة: قدح من الخشب.

المنشورات ذات الصلة

صعود الخصوصيات الثقافية

صعود الخصوصيات الثقافية

رؤى‭ ‬العالم وسؤال‭ ‬الخصوصية‭ ‬والعالمية محمد شوقي الزين - كاتب جزائري أوديسَّا مصطلحٍ: التلاشي والانتشال هيمنت مفردة...

السفر: الانكشاف والتجلي

السفر: الانكشاف والتجلي

السفر: تحقيق فلسفي يوليس باراتين - كاتب فرنسي - ترجمة: عبدالرحمن إكيدر - مترجم مغربي إذا كانت لديك رغبة مفهومة في...

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *