«سترى ما أتخيله» هو عنوان المجموعة القصصية الرابعة للكاتب العراقي سعد هادي، وهو عنوان إحدى القصص فيها، لكنه أيضًا ميثاق مختصَر، يمثلُ تواطؤًا ضمنيًّا يتفق عليه سعد هادي مع قارئه، أو وعدًا يقطعه له. ففي مجموعته هذه- الصادرة عن (دار نينوى- دمشق)، ووصلت إلى القائمة الطويلة لجائزة الملتقى في دورتها السادسة- يخلق هادي عالمًا خياليًّا آخر، ويسحب القارئ إليه ببراعة.
عالَم متشظٍّ

سعد هادي
ومن خلال العتبة الأولى، المقتبسة من أغوتا كريستوف، تظهر بوضوح العناصر الثلاثة: الكتب، والكآبة، والحياة، التي ستدور أغلبُ القصص حول تفاعلها معًا. تبدأ المجموعة بقصةِ رجلٍ يتحول إلى كتاب، وتنتهي بقصة «مقص الريح» التي يحضُر فيها، بصفته شخصية رئيسة، حوذي قصة «لمن أشكو كآبتي؟» لتشيخوف. وتظهرُ فيرجينيا وولف، كما تبرز ملامح من رواية «الساعة الخامسة والعشرون»، وملامح من قصة «العنبر رقم 6».
تبدو قصص المجموعة مثل فصولٍ مبعثَرة من رواية، يتولى سردَها غالبًا راوٍ ذاتي. يتغير هذا السارد، فيكون: قاصًّا، مترجمًا، لاجئًا، شاعرًا، صحفيًّا، رسامًا… لكنه دومًا رجل، وحيدٌ مغترب، يصادف غرباء مثله، فينخرط في حوارات، ويتورط في أحداثٍ عجائبية غالبًا، لكنه في الختام يعود إلى وحدتِه. كما حدث في قصة «سيدة الأحلام»: «حين فتحتُ عيني ثانية، لم أجدِ المرأة إلى جانبي ولا حقيبتها، سمعتُ صوتَ همهماتٍ ووقْعَ أقدام وحفيفَ أشجار، لكنني لم أرَ أحدًا، كنتُ أجلسُ في مكانٍ ما وحيدًا، وسطَ ظلامٍ دامس»، أو ينتهي إلى حالةٍ من الضياع والتلاشي، كما في قصة «مرثيتان لرجلٍ لم يمت»: «أنظرُ إلى صنائعي، إلى أوهامي، إلى تهيؤاتي، إلى خطاياي، إلى ترهاتي، وهي تعود من حيثُ أتتْ، إلى اللامكان، إلى اللاشيء».
عالم موحش بلا معنى
تتنوعُ كذلك أماكن القصص، لكنها دائمًا فضاءاتٌ عامة، وأمكنة طارئة: مكتبة عامة، شارع، حديقة، ملجأ، فندق، مقهى، مطعم، عيادة طبيب… بينما تغيب تمامًا ملامح العائلة أو البيت. هذه السمات المشترَكة للقصص، خلقتْ جوًّا واحدًا سيطرَ على المجموعة، هو جو من الاغتراب وغياب الطمأنينة؛ إذ يبدو العالم مكانًا موحِشًا، يهدد ذواتِنا، ويسلبنا هوياتِنا. بينما تبدو الحياةُ حلقةً مستمرة من سوء الفهم، والعجز عن التواصل مع الآخَرين، والإخفاق في التعبير عن الذات. ففي بعض القصص تتداخل الحكاياتُ والأصوات، ويتخللها ضجيجٌ وتشويش من المحيط؛ لتكونَ محصلةُ التواصل حالة من الفوضى واللامعنى، تؤدي إلى انكفاء الفرد على ذاته من جديد.
حاجز اللغة يحضُر، في أكثر من قصة، كهاجسٍ يعزز الغربة والوحدة. يقول بطل قصة «جزيرة المنسيين»: «حاولتُ أن أفهم ما الذي يفعله أولئك البشر؟ من هم؟ بماذا كانوا يصرخون؟ بأي لغة؟ أهي لغة واحدة؟ أم لغات شتى؟». أما بطل قصة “كليم”، فيستيقظ في صباحٍ ما، وهو قادر على التحدث بلغاتِ اللاجئين الآخرين ولهجاتِهم. هذا التلاشي لحاجز اللغة يستدعي قدرةً أكبر على التواصل مع الآخَرين، إلا أن القصة تطرح سؤالًا مقلقًا آخر: ما جدوى هذا التواصل؟ في قفلة القصة نقرأ: “وترددتْ في الهواء الذي حلقتُ فيه، كأنني لم أكن على الأرض يومًا، كلماتٌ وهمهمات ودمدمات وهمسات واختلاجات، لا حصر لها، لم أحفلْ بها، ولم أرد عليها، لا أدري لماذا، هل لأن لساني قد انعقد؟ أم لأنني لم أجدْ جدوى من الرد؟”.
من القصص التي تستحق الوقوف عندها طويلًا قصة “متاهة”. فهي قصة مبنية باحتراف وذكاء، وبمعمارٍ مخاتِل يتناسب مع عنوانها. يتولى سردُها راوٍ عليم، وهي بعيدة فنيًّا من قصص المجموعة، لكنها تحمل خلاصة مكثفة لروحِها، وتقدم رؤية صادمة لأزمة هذا العصر. جاء في خاتمة القصة: “لم يرَ أحدٌ جثة الشاب التي سقطت، ولم يسمعْ أحد صوت ارتطامها بالأرض، ظل الدم يتدفق غزيرًا، دم داكن ولزج، ربما يتسرب من جثة الشاب وحدها، أو من جثث أخرى، سقطتْ في الوقت نفسه أو من قبل، جثث كثيرة لم يرها أحد، ولا أحد يعرف متى سقطت، أو أين هي الآن”.
0 تعليق