«خوف حارس المرمى عند ضربة الجزاء» عنوان رواية للألماني بيتر هاندكه. هذا العنوان، قبل قراءة الرواية التي ترجمها إلى العربية أحمد فاروق وصدرت عن دار الجمل منذ سنوات، الممعن في الدلالات المتعددة، هو الذي ظل يلاحقني بين الفينة والأخرى، وبخاصة حين أشاهد مباراة في كرة القدم ويفضي سياق اللعبة إلى ضربة جزاء. أسرح انطلاقًا من عنوان هذا النوبلي الألماني وأنا أحدق في حارس المرمى الذي تحتشد متجهة نحوه العيون والقلوب والأمنيات المكتومة، التي ستنفجر بعد الضربة فرحًا صاخبًا أو ترحًا وانكفاءً وحزنًا، خصوصًا إذا كانت المباراة حاسمة وعلى جانب من الأهمية في الصعود والفوز، وبالتالي تحقيق الأماني والتطلعات دامعة من فرط الفرح أو العكس، فنرى العيون الدامعة من فرط الحسرة والألم.
لكن الحارس في هيئته القلقة، يحاول مع فريقه التعالي على تاريخ الارتباك والإحباط في مثل هذه المواقف الحدية الفارقة، في اللحظة تلك لحظة يكون الحارس بمواجهة اللاعب القلق بدوره الذي يحمل على عاتقه عبئًا كبيرًا من المسؤولية الجسيمة إزاء جمهوره والعالم.
عيون الملايين، المليارات في المناسبات الكبرى، تتجه إلى الحارس: نجم عيون العالم ومسكينها في الوقت نفسه… أي وحدة يستشعرها هو الوحيد المنفصل عن فريقه وعن المحيط بمواجهة قدره ومصيره الذي قد يصيب ويخيب. وحيدًا وحدة قاسية تشبه هنيهة ذلك الرجل الذي قذفته الأقدار في قارب تحيط به العواصف والأمواج. وحينًا عابرًا آخر يأتيه المدد؛ إذ يستطيع التقاط الموجات الحرارية المتذبذبة للمشجعين، من عائلة وجمهور يمتد على مسافة الكون، وعيونه الشاخصة إلى ذلك المربع الصغير الأخضر، الذي يقف فيه الحارس وحيدًا أمام المصير.
نجم نجوم العالم هو الحارس في تصديه لضربة القدر المعجونة بكل تلك القسوة والهواجس المتناقضة التي تفترس الجسد والمكان. نجم النجوم هو لكنه أيضًا مخترق بهواجس المحكوم بالإعدام، تنتابه عابرة مدرجات الملعب والعالم.
وحدة اللاعب منفذ ركلة الجزاء
كثيرون كتبوا حول حارس المرمى من الأدباء والفلاسفة، منهم الأميركي من أصل روسي نابوكوف، لكن في حدود علمي لم أقرأ كتابة حول اللاعب منفذ ركلة الجزاء الذي لا يقل وحدةً ومصيرًا صعبًا؟ هنا أتذكر حين نطح زين الدين زيدان في المباراة النهائية لكأس العالم، اللاعب الإيطالي الذي نصب له فخًّا وكان ناجحًا في استفزاز اللاعب الأسطوري، من الأصول الجزائرية، الهادئ والوديع، لكن يبدو أمام الشتيمة المقذعة التي قذفها الإيطالي إلى شخصه وعائلته، استيقظت روح الجزائري في أعماقه الدفينة، وكانت تلك النطحة التي أخرجته من الملعب. حينها كتب عشرات من الأدباء والمفكرين الفرنسيين وعلماء النفس وغيرهم حول هذه الحادثة، التي أصبحت ظاهرة يتناولها التحليل العميق «نطحة زيدان الشهيرة».
وفي المسار نفسه، وحدة اللاعب ومصيره الصعب، أتذكر قصيدة عبدالمعطي حجازي حول لاعب السيرك، وهي من أبدع ما كتب. كيف استطاع التقاط وحدة لاعب السيرك وهو يمشي على حبل الهاوية بخطوات مرتبكة، مجردًا من أي سند حيث العيون تحدق في حركاته وتنتظر لحظة السقوط. حركاته وسكناته ببن التراجع والإقدام، فهو مطالب بألا يخطئ أبدًا هو الذي مثل أي إنسان آخر معرض للخطأ والصواب، ولكن أي مطلب مأساوي هذا؟
هواجس مبكرة لشاعر محتمل
وبمناسبة قصيدة حجازي والقاهرة يبزغ أمامي ذلك الفتى الذي كنته، حين كنا نلعب في نادي الجزيرة بالقاهرة بملعب هامشي مستأجر: فريق طلابي عماني في مواجهة فريق طلابي آخر. وكان قدري أن يتم اختياري حارس مرمى من غير تمرين ولا تدريب مسبق، عدا اندفاع الفتوة في تلقائيتها الأولى… مضت المباراة في سبيلها المعتاد مقتدين بكبار اللعبة. وأتذكر أن هناك أهدافًا عدة سجلت في المرمى الذي أوكلت على حراسته، لكن المباراة ما زالت في شوطها الأول. وحين وصلت المباراة إلى زمن بعينه، وربما راودتني آنذاك هواجس مبكرة لشاعر محتمل، وضرب أحدهم الكرة وشطت بعيدًا من الملعب، ذهبت جريًا لجلبها إلى ساحة المعركة، حيث أشرق على مقربة باب النادي المفضي إلى الخارج، حينها اجتاحتني لحظة بعبثية اللعبة بكاملها، فخرجت من غير عودة حتى هذه اللحظة. خمسون عامًا تفصلنا عن ذلك الزمان. دائمًا زملاء تلك المرحلة يذكروني بتلك الواقعة الطريفة المضحكة.
رب قائل يقول في هذا السياق: إن اللعبة هي تلخيص رمزي مكثف على نحو من الأنحاء للحياة والزمن والملعب، بمنزلة تلخيص على النمط ذاته لأرض البشر قاطبة.
0 تعليق