المقالات الأخيرة

اليوبيل الذهبي لمجلة «الفيصل»

اليوبيل الذهبي لمجلة «الفيصل»

ربما‭ ‬يكون‭ ‬حديثي‭ ‬عن‭ ‬مجلة‭ ‬‮«‬الفيصل‮»‬‭ ‬شهادة‭ ‬مجروحة‭ ‬لكوني‭ ‬رئيس‭ ‬تحريرها،‭ ‬ولكني‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬لا‭ ‬أكتب‭ ‬فقط‭ ‬انطلاقًا‭ ‬من‭ ‬ارتباطي‭ ‬العملي‭ ‬بالمجلة،‭ ‬بل‭ ‬أكتب‭ ‬أيضًا‭ ‬انطلاقًا‭ ‬من‭ ‬كوني‭ ‬قارئًا‭ ‬عربيًّا‭ ‬مشغولًا‭ ‬بالشأن‭ ‬الثقافي،‭...

مجلات صنعت زمنها وصنعت خيالنا

مجلات صنعت زمنها وصنعت خيالنا

كما‭ ‬أن‭ ‬للفكر‭ ‬‮«‬الجديد‮»‬‭ ‬مراجعه‭ ‬الكُتُبية‭ ‬الأقرب‭ ‬إلى‭ ‬الترجمة،‭ ‬كان‭ ‬له‭ ‬مجلاته‭ ‬الموافقة،‭ ‬ترحّبُ‭ ‬‮«‬بالأزمنة‭ ‬الحديثة‮»‬‭ ‬بأشكال‭ ‬مختلفة‭. ‬فالشعراء‭ ‬‮«‬المجددون‮»‬‭ ‬عرفوا‭ ‬مجلة‭ ‬تدعى‭ ‬‮«‬أبولو‮»‬،‭ ‬وجورجي‭ ‬زيدان،‭ ‬الذي‭ ‬‮«‬خلط‮»‬‭...

محاضرة لجائزة الملك فيصل العالمية في مركز أكسفورد الموسوي: العصر الإسلامي الوسيط يجب أن يُقرأ بعيدًا من التصورات الأوربية المهيمنة

محاضرة لجائزة الملك فيصل العالمية في مركز أكسفورد

الموسوي: العصر الإسلامي الوسيط يجب أن يُقرأ بعيدًا من التصورات الأوربية المهيمنة

أثار الدكتور محسن جاسم الموسوي، الحاصل على جائزة الملك فيصل العالمية، عصفًا نقديًّا في تبديد النظرة السائدة بين المؤرخين والباحثين والمستشرقين بشأن الآداب في العصور الوسطى، في محاضرة نظمتها جائزة الملك فيصل العالمية في مركز أكسفورد للدراسات الإسلامية، في المملكة...

حفل “أقرأ” الختامي: مهرجان ضخم ومتنوع حوارات وورش وتكريم غازي القصيبي بعرض فني موسيقي ولقاء للفائز بنوبل النرويجي يون فوسه

حفل “أقرأ” الختامي: مهرجان ضخم ومتنوع

حوارات وورش وتكريم غازي القصيبي بعرض فني موسيقي ولقاء للفائز بنوبل النرويجي يون فوسه

عقد من الزمن يمر اليوم، على انطلاق النسخة الأولى لمهرجان أقرأ، الذي ينظمه مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي إثراء، بالظهران، المهرجان الذي بدأ في المنطقة الشرقية في السعودية، ثم توسع ليشمل بقية المناطق السعودية، إلى أن أضحى مهرجانًا عربيًّا كبيرًا، يتقدم إليه...

نهلة الشهال: بوصلتنا الاستمرارية في «البحث وسط الخراب عما ليس خرابًا»

نهلة الشهال: بوصلتنا الاستمرارية في «البحث وسط الخراب عما ليس خرابًا»

نهلة الشهال، كاتبة وباحثة ورئيسة تحرير أسبوعية «السفير العربي»، لها مواقفها المعلنة ورأيها الصلب في القضايا الكبرى. وهي ابنة لأم عراقية حقوقية ساهمت في تأسيس ثانوية البنات في طرابلس وأب لبناني طبيب، وكان كل منهما مثقفًا يساريًّا. انضمت نهلة إلى ما عرف عالميًّا...

تداخل الرؤى… لماذا يُبهر أدب الفانتازيا اليمين الغربي الجديد؟

بواسطة | سبتمبر 1, 2025 | مقالات

إنَّ سحر الأدب الخيالي، بما فيه من عوالم ساحرة، وشخصيات بطولية، وصراعات أسطورية، قد أسَرَ خيال البشرية لقرون. ومع ذلك، فإنَّ هذا الانبهار يمتد اليوم إلى ما هو أبعد من مجرد الترفيه، ليشكّل قناعات سياسية عميقة، ولا سيما بين تيارات اليمين الجديد في الغرب حيث تجد المفاهيم اليمينية مثل التسلسل الهرمي، والتقاليد، والنضال ضد قوى التدهور، صدى لها في هذه العوالم الخيالية.

لم تعد العلاقة بين رموز اليمين الجديد في الغرب وأدب الفانتازيا محض مصادفة زمنية أو نتاج تقاطع نادر في الأذواق الأدبية، وذلك بعدما تعددت الأمثلة والشواهد من جانبي المحيط الأطلسي على تلاقٍ في الرؤى السياسيّة عابر للأماكن والأزمنة.

ويُمكن للمراقب الحصيف ملاحظة هذا الارتباط الغريب في أمثلة حديثة لافتة للانتباه. فجورجيا ميلوني، رئيسة الوزراء الإيطالية، التي أسست مؤتمرًا سياسيًّا للأحزاب المحافظة الغربيّة يحمل اسم «آتريو»، بطل رواية الفانتازيا «حكاية لا تنتهي» (1979م)، للكاتب الألماني ميخائيل إنده. وهو اختيار رمزي مدروس يعكس على منتسبي المؤتمر عناصرَ من سردية الرواية السياسية والثقافية: حيث بطلها صبي محارب من قبيلة نبيلة، يُكلَّف بمهمة إنقاذ مملكة متخيلة من خطر يهددها بالزوال الكامل اسمه (العدم). ميلوني، التي اعتادت في شبابها أن تتوشح خلال الحفلات التنكرية بزي (الهوبيت) -إشارة إلى الكائنات الخيالية التي ابتكرها الكاتب البريطاني ج. ر. ر. تولكين في رواياته الفانتازيّة الشهيرة «الهوبيت» (1937م)، و«سيد الخواتم» (1954م)- كلفت حكومتها بإقامة معرض متحفي عن تولكين في عام 2023م.

وغير بعيد من إيطاليا، يغرف فيكتور أوربان، رئيس وزراء المجر، من ثيمات تولكين لتطعيم خطابه السياسي عن حرب الحضارة ضد البربرية على نسق ثنائية الفانتازيا: الخير مقابل الشر، ويوظّف «عقدة الحصار»، وهي بنية سردية مألوفة في أعمال الميثولوجيا محولًا السياسة اليومية إلى ملحمة وجوديّة، مقدمًا نفسه في موقع القائد المنقذ، ابن الأرض البسيط الذي يرفض السلطة أولًا لكنه يضطر إلى حمل عبء الأمة وتحدى إمبراطوريات وقوى عظمى لإنقاذ شعبه، تمامًا وفق حكايا تولكين عن الأبطال المنقذين و«الشعوب الصغيرة التي تغير مجرى التاريخ».

وفي الولايات المتحدة لم يخف نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس تأثر تموضعه السياسيّ وفهمه للعالم بقراءاته لتولكين وكذلك سي. إس. لويس – مؤلف سلسلة «سجلات نارنيا »الأمثولة الفانتازيّة مسيحية الهوى التي صدرت بين عامي 1950 و1956م. كما يؤسس بيتر ثيل، ملياردير التقنية المؤيد للرئيس اليميني دونالد ترمب والمتشكك في الديمقراطية، شركات له في وادي السيليكون تحمل أسماء مستوحاة من أجواء رواية «سيد الخواتم»: فالشركة المتخصصة في بيانات الاستخبارات تحمل اسم «بالانتير» (اسم الأحجار السحرية الموجودة في الأرض الوسطى)، وصانع الأسلحة «أندوريل» (سيف تولكين)، وهكذا.

هذا الانبهار بأدب الفانتازيا الذي يبدو كأنه يوحّد المحافظين القوميين الأوربيين، وأثرياء التقنية في حركة «ماغا» (اجعل أميركا عظيمة مرة أخرى) المؤيدين لترمب يدفع للاعتقاد بوجود منطق فلسفي وراءه يتناغم بشكل استثنائي مع العقل اليميني في طور تشكله الأحدث مع نهاية القرن الماضي وبدايات القرن الحالي.

الفانتازيا كفلسفة رجعية بديلة: أمثلة وتفسيرات

لفهم هذا التناغم الملحوظ، يمكن استكشاف العديد من الثيمات المتكررة في أدب الفانتازيا التي تتقاطع مع الطرح السياسي للحركات اليمينية: التسلسل الهرمي الاجتماعي والتصنيف العنصري الجوهري. من السهولة بمكان فهم قدرة مفاهيم التسلسل الهرمي الاجتماعي في العصور الوسطى والتصنيف العنصري الجوهري، وكلاهما شائع في عوالم الفانتازيا، على إغواء أصحاب وجهات النظر الرجعية.

فعلى سبيل المثال، في «سيد الخواتم» لتولكين، نجد عالمًا يكافح للتخلي عن الصناعة المتقدمة والعودة إلى بساطته الرعوية السابقة، فيما يتولى الألفس، الذين يُشك في أنهم كناية عن الجنس الآري، رئاسة تسلسل هرمي عنصري عمره آلاف السنين، حيث تُحَدَّدُ الطبقة والحراك الاجتماعي بشكل ثابت ضمن نظام طبقي صارم من الفصل العرقي. ويُسمح للهوبيت بنحت وجود ريفي بسيط على الهوامش، يتجاهله العالم الأوسع تمامًا، أما الأقزام فهم مقبولون إلى حد كبير ولكن يُحتقرون لـ(جشعهم، وعنادهم، وأنوفهم الكبيرة، وهي صورة نمطية معادية لليهود بشكل مكشوف)، بينما يُصرف الأوركس الذين يبدون شيطانيين بطريقة متوحشة، ببساطة على أنهم دون البشر، ويُقتلون دون عقاب، ويُنفون إلى جحيم بركاني في جهة الشرق.

كما يُنظر إلى الخواتم الأسطورية نفسها على أنها استعارة للتقنية، كما كائن يتمتع بقوى تحويلية غامضة لكنها قوية للغاية، ويكاد يكون مستحيلًا التخلص منها. لقد أنشأها ساورون، الذي يحاول استخدامها لتحرير الشعوب المهمشة في موردور؛ لتصحيح الاختلالات المروعة في العالم القديم من خلال التقدم الصناعي.

بذلك فإن «سيد الخواتم» يحارب التقدم بكل أشكاله، سواء كان ذلك عبر المساواة العرقية أو مفهوم التقنية والصناعة نفسه. فتُعاد الأرض الوسطى منتصرة وبعنف إلى ماضيها الذهبيّ، ثابتة وغير متغيرة. وهذا ما تشترك فيه الرواية مع جميع أعمال الفانتازيا الأكثر شعبية: أن الأمور كانت أفضل في الماضي، وأننا فقدنا بعض المجد السابق الذي يستحق الاستعادة بأي ثمن، ما يقدم لنا الهوس بالتاريخ التليد في شكله الأكثر فجاجة.

ربما يكمن السر الأكبر في ولع اليمين بالفانتازيا كونها مساحة للهروب من الحداثة. العالم الحديث، بتعقيده المؤسساتي وتعدديته الثقافية، يبدو مرعبًا أمام بساطة العالم المتخيل، حيث الخير والشر واضحان، والعرق يحدّد الفضيلة، والتاريخ يسير في دائرة مغلقة يعود فيها كل شيء إلى أصله. في هذا المعنى، فإن الفانتازيا ليست مجرد ترفيه، بل هي استعاضة نفسية عن العالم الحديث. إنها تعويض عن فقدان السيطرة، وتعقيد الديمقراطية، وضياع «الهوية»، وضمور السرديات الكبرى. إنها توفّر، كما يقول أحد النقاد، «حرية التنوير التي وُعدنا بها، ولكن أجهضها تعقيد المجتمع».

ومن هنا يُمكن بسهولة فهم جاذبية التقاليد والطقوس لأولئك الذين يرفضون الحداثة. إن تعلق ميلوني وأوربان وفانس وثيل بكتابات تولكين وغيره متوافق مع فهمهم لذواتهم وأدوارهم كأناس (نقيين) يكافحون من أجل قيم متوارثة يقدّرونها، ولكنها موضع إهمال من قبل الآخرين حولهم، وهدف لعداء برابرة الخارج الأشرار.

البطولة والفردانية وتغلب الإرادة

على الأرجح، فإن المفتاح لفهم علاقة اليمين الغربي الجديد بالفانتازيا يكمن في ميل هذا الأدب للتمحور حول البطولة، حيث قصص عن المثابرة الشخصية في مواجهة الشدائد المانوية الطابع (الخير والشر المطلقين). إنها حكايا تنتصر فيها الفضيلة ويمكن للأفراد- إذا تمكنوا من اتخاذ الخيارات الصحيحة، وتبني القيم الصحيحة، واتباع الغرائز الصحيحة- هزيمة النظام في انتصار مجيد للإرادة على تشاؤم العقل.

يتماشى هذا التصور بشكل تام مع المزاج الشعبوي، فهو يدعم فكرة أن المشكلات في حياة الناس سببها قوى شريرة، وأن أفرادًا مميزين معنيين يمكنهم مواجهة هؤلاء الأعداء والانتصار. تعزز كلتا الفكرتين الخطاب الذي يقدمه السياسيون الشعبويون لسبب وجوب تصويت (الشعب) لهم. فـ«أنا انتقامكم»، كما قال دونالد ترمب في حملته الانتخابيّة للعودة إلى البيت الأبيض.

وبالطبع، يمكن أن تكون الشعبوية يمينية أو يسارية.  ولكن على نحو ما، فإن انتصار الإرادة في صيغته الفانتازية أقرب إلى الشعبويين اليمينيين منه إلى اليسار. فهو يمنح المرء شعورًا- زائفًا- بالتحرر من خشية أن تحدد هياكل المجتمع غير الشخصية حياتنا وخياراتنا وقيمنا مقابل العالم من حولنا، ويعكس رغبة في السيطرة والقوة، وآلية شفافة من الخيار الفردي، ورغبة في عالم ملحمي بدلًا من العالم الحديث. وهذه مما يصعب على اليسار قبولها؛ لأن التغيير عنده يأتي تحديدًا عبر الهيكل الاجتماعي الذي يسعى لتشكيله، في حين يهدف اليمين إلى تركه في مكانه (وفق النسخ الرجعية)، أو تدميره (وفق النسخ الأكثر ليبرالية).

هذه الأحلام اليمينية النقية محكوم عليها بالفشل؛ إذ تعيش البشرية في الحداثة سواء أحببنا ذلك أم لا، فالمجتمع، والدولة (والإمبراطورية والعولمة أيضًا) تنظم خياراتنا حتمًا. وليس من المستغرب إذن أن يغذي الإحباط الناتج عن ذلك توقًا للخواتم والتمائم السحرية -أو التقنيات القوية- التي يصعب تفسيرها!

الآخر عند البوابات: تجسيد العدو الخارجي

على الرغم من القشرة الليبرالية التي تطفو على سطح ملحمة فانتازيا «صراع العروش» لجورج آر. آر. مارتن، فإن جوهرها رجعي صارخ. دينيراس، الوريثة المنفية لعائلة تارجاريان المخيفة، تغزو قارة بأكملها من الشعوب ذات البشرة الداكنة؛ لتحريرهم من أسيادهم ومهربيهم المتوحشين. ومع ذلك، يصبح من الجليّ بسرعة أن المُحرَّرين الجدد جنّدوا جميعًا في حرب دينيراس من أجل الممالك السبع، وسيتحملون وطأة العنف اللازم لإعادتها إلى العرش الحديدي واستعادة ويستروس مجدها الماضي.

وفي مشهد اختير ليُعرض ضمن إعلان شركة HBO المنتجة للمسلسل، نرى دينيراس، ذات الشعر الفضي، والعينين الزرقاوين، والبشرة الفاتحة بينما تتقلب حرفيًّا على موجة من رعاياها ذوي البشرة الداكنة. وكما في هذا المشهد والعديد من المشاهد الأخرى، لا تُمنح الشعوب الملونة وكالة عن ذاتها في «صراع العروش»، وبدلًا من ذلك، يُقدَّموا كبيادق لتحريكها عبر رقعة الشطرنج، كأجساد يُمارَس العنف عليها، ويُضَحَّى بها لاستعادة حكم ذات البشرة البيضاء تارجاريان.

ففرسان الدوثراكي متوحشون بسطاء يقاتلون لأجل من يعتقدونه الأقوى، الذي تصادف أن يكون دينيراس، ملكة التنين نفسها. قواتها القتالية الأخرى، خصيان «الأونصوليد»، وهم عبيد محاربون سابقون حررتهم من أسيادهم الوحشيين لكنهم يختارون، وبشكل لا يصدق، العودة بإرادتهم إلى العبودية، ويتعهدون بالقتال والموت من أجلها.

الحرية، بالنسبة لدينيراس، مجرد عبودية باسم آخر تقدم نفسها بشكل متكرر على أنها محطمة السلاسل، مروجة لفلسفة ليبرالية مساواتية، التي لدى الفحص الدقيق، ليست سوى استغلال لا يرحم في السعي وراء السلطة. ترددها باستخدام تنينها لنسف كينغز لاندينغ، المدينة التي يجب أن تكسبها لربح الحرب، يُقدم في لحظة دليلًا على تقدمها. ثم يُقوّض هذا لاحقًا عندما تختار سلخ كتيبة كاملة من رجال لانيستر أحياء، موجهة تنينها لالتهام أي رجل يرفض الانحناء لها بعد ذلك.

في الوقت ذاته، وعبر حقول الجليد القاحلة بالشمال، يسير جيش من «المشاة البيض» نحو الجنوب بشكل لا يرحم. كما هو الحال مع جيوش موردور في تولكين، تظل نواياهم غير واضحة تمامًا. فالقليل الذي نعرفه عن الشعوب المهمشة في الفانتازيا يُنقَل عن مدّعي حكمة يَعُدُّونهم بالفعل وكأنهم دون البشر: في «سيد الخواتم»، غاندالف، مصدرنا الوحيد للمعرفة حول الأوركس، ليس سوى مُنْتِج دعايةٍ محض، وفي «صراع العروش»، يلعب بران الغامض الذي لا حدود لعلمه دورًا مشابهًا. يوفر كل من غاندالف وبران للأبطال تبصرًا حول دمارهم القادم، لكن هذه الرؤية التنبؤية ليست أكثر من خوف أساسي يتنكر في هيئة معرفة؛ للتنبيه بشأن إغلاق الفجوات في الصفوف ضد «الآخر».

الفانتازيا الكلاسيكية تؤسس بشكل متكرر لهذا «الآخر» كشخصية غامضة، تهديدية، لا يمكن فهمها أو التفاوض معها. الـ«أوركس» في تولكين، وجيش «المشاة البيض» في «صراع العروش»، كلاهما يفتقر لأي مبرر سردي واضح. وجودهم في حد ذاته تهديد. وهذه الآلية السردية تتماشى مع خطاب قومي يَعُدّ «الآخر» -سواء كان لاجئًا، مسلمًا، أو مهاجرًا- تهديدًا حضاريًّا يجب صده، لا محاولة فهمه. فالتفوق العرقي والتراتبية الاجتماعية قُدّرا كقيم أزلية، والشر، دائمًا يأتي من «الشرق» بطبيعة الحال، من بشر مشوّهين، وعفاريت تُقتل بلا مساءلة، بينما يُمثّل الغرب النقاء والخير.

التقنية بوصفها سحرًا: بالانتير وسيلكون فالي

اليمين التقني، كما يجسّده أمثال المليادير بيتر ثيل، لا يرى تناقضًا بين الفانتازيا ومشروعه الليبرتاري المعتمد على التقنيات المتقدمة. على العكس، فهو يتعامل مع التقنيات الحديثة كأنها أدوات سحرية خارقة بيد نخبة مختارة- كالأحجار الناطقة «بالانتير»، أو سيف «أندوريل» الأسطوري.

هذه النظرة التقنية-الأسطورية تُسقط على الواقع فكرة أن التحوّل الاجتماعي والسياسي يتم من خلال قوى خفية، خارقة، في أيدي قلة من الأشخاص، لا من خلال صراع طبقي أو عملية ديمقراطية. إنه منطق يكرّس الهروب من الواقع، لا التعامل معه.

وعد التغيير: فانتازيا تقدمية مقابل الفانتازيا المحافظة

لا يمكن الجزم بأن المحافظة متأصلة بالضرورة في كل أدب الفانتازيا، فهناك العديد من مؤلفيها المعاصرين الذين تمكنوا من قلب هذه المقولات النمطية بشكل مقنع. من أورسولا لو غوين إلى إن كيه جيميسين، تتوافر الآن أعمال فانتازيا يمكن وصفها بالتقدمية، وثيمتها السعي إلى بناء عالم أفضل بدلًا من التنقيب عن ماضٍ ذهبي مزعوم، واجتاحت أعمال لمؤلفات وكتّاب ملونين جوائز هوغو -نوبل أدب الفانتازيا- بقوة إبداعية ظاهرة.

لكن هذه الأعمال في مجموعها أَخْفَقَتْ في أسر المخيال الجمعي بالقوة نفسها التي فعلتها نظيراتها المحافظة. ومما أسهم في ذلك أن الأعمال التلفزيونية والسينمائية ذات الميزانيات الهائلة تقدّم دائمًا أنواع الفانتازيا الرجعية نفسها، لا التقدميّة، وهو أمر من غير المتوقع تبدله في المستقبل المنظور.

المحافظة، كما أكثر أعمال الفانتازيا الرجعية، لا تملك قوة خيال حقيقية؛ إذ تعيد اجترار (العدو الخارجيّ) نفسه بلا نهاية، وتعيد تقديم وتعبئة الأزمات الوجودية نفسها مرارًا وتكرارًا، في محاولة عبثية لإعادة العالم إلى ماضيه: إلى زمن سيادة الدول قبل الاتحاد الأوربي، ودخول بريطانيا في عضوية الاتحاد الأوربي، وما قبل إدارة بايدن بانتخاب ترمب، وقبل قدوم اللاجئين الملونين، وأميركا العظيمة التي كانت.

لكن هذا جهد ثبت عقمه برغم توسع شعبيّة اليمين؛ إذ لا يوجد ماضٍ ذهبي يستحق العودة إليه، ولا سحر أو ثقافة رجعية تستحق الاستعادة. فالثقافة، كما يتضح، لا تتضاءل أبدًا، فهي مثل الطاقة ثابتة، لا تُستحدَث ولا تَفْنَى، بل تتغير. وهكذا تبدو الفانتازيا الشعبية (الرجعية) أقرب ما تكون إلى صياغة أدبية لهوس يميني موتور يرتدي زي أسطورة أوربية من القرون الوسطى حول مجتمع يتحلل باستمرار.

السؤال المطروح في الغرب هذه الأيام عما إذا كان هوس المجتمعات المعاصرة بهذا النوع من الفانتازيا يؤثر في السياسيين، أو أن السياسيين هم الذين يروجون لها قد يُغفل النقطة الأساسية. فكلاهما يظهر في آنٍ واحدٍ، تَوْءَمانِ في رحم مخاوف الكتل المغيبة حيث تتداخل الخيالات بالحقائق، والأوهام بالرغائب. إن كل حكاية- فانتازيا كانت أو حتى سردًا تاريخيًّا أو زعمًا صحفيًّا- تستند إلى مفاهيم غامضة تكرّس التفوق الثقافي الغربي ستلقى دائمًا أقوى الأصداء لدى الجمهور الغربي الأبيض، حيث يمكن لليبراليين ذوي النيات الحسنة الانغماس في مخاوفهم من أعداء الحريّات، ويمكن لأولئك عن اليمين، رؤيتها تأكيدًا يحتفى به لفهمهم للعالم.

لكن الأدب مهما بدا رجعيًّا ومرآة، يبقى دائمًا ساحة صراع جدلي. فالفانتازيا قد تصير أداة للهروب أو للتحرر، وفضاءً للاجترار أو للاختراع. وما نحتاجه اليوم ليس إنهاء هذا النوع الأدبي، بل استعادته من يد ميلوني ورفاقها: أن نكتب فانتازيا جديدة، من الهامش، من الجنوب، من العالم الثالث، ومن أولئك الذين لا مكان لهم في «خريطة الأرض الوسطى»، ويريدون المُضِيّ قُدُمًا نحو عالم أفضل ما زال ممكنًا.

المنشورات ذات الصلة

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *