يشهد الأثر الترجمي، الذي خلّفه الشاعر الراحل عبدالسلام مصباح، على المكانة البارزة، التي شغلتها ترجمة الشعر في حياته الأدبية، وعلى القيمة العليا لهذا الفعل في تصوره للممارسة الإبداعية؛ إذ ارتقى بها، من مستوى الهواية والشغف، إلى مقام الالتزام الوجودي. والملتفت إلى إرثه، في هذا السياق، يعاين انحيازه الصميم إلى الترجمة، على حساب كتابته الشعرية، بل يمكن الافتراض أن تمثله لا ينزاح عن مدار تصور الرومانتيكيين الألمان للترجمة، من حيث هي تأليف وإبداع، وهو ما يجعل كلا الفعلين: كتابة الشعر وترجمته، يستويان في المقام ذاته. لا تفاضل بينهما. فعلٌ واحد يروم الإبداع، عبر مسلكين مختلفين. كأنّ مصباحًا يستعير من فيلهيلم شليغل قولته: «إن الشعر كله، في نهاية المطاف، [ليس سوى] ترجمة».
جوهر حاءاته الثلاث
إن التلامح بين تجربة عبدالسلام مصباح في الكتابة الشعرية، واشتغاله على ترجمة «أمير القول»، يتمرأى من خلال اختياراته. انكب في البداية على شاعرين رائدين في مجال الأدب الإسبانوفوني الحديث: فيديريكو غارسيا لوركا وبابلو نيرودا. صوتان شعريان شديدا التوهج والإشعاع الكوني، واختيارٌ جسور يشفُّ عن رغبة مشبوبة في الإقامة عاليًا. ثم استقر لاحقًا عند شاعر شيلي آخر معاصرٍ له هو سيرخيو ماتياس، أطال الإقامة في مختبره الشعري، مع التنويع عليه من خلال ترجمة شعراء ينتمون إلى الأفق الأدبي الناطق بلغة ثرفانتس، في مناسبات مختلفة.
إن الجامع بين التجارب الشعرية الثلاث: لوركا، نيرودا، وماتياس، هو الغنائية. والشاعر عبدالسلام مصباح غنائي حتى النخاع. وغنائيته من صميم نزعة رومانسية هيمنت باكرًا على ذائقته، وظلت غالبة على شعره، واضطلعت بدور حاسم في توجيه ترجماته. يتجلى نهجه هذا في ديوانيه: «حاءات متمردة» و«تنويعات على باب الحاء». ويتعزز هذا النزوع الغنائي في انتقاءاته للقصائد المترجمة لهذا الشاعر أو ذاك. فقد أوقف علاقته الترجمية مع نيرودا على نصوص الحب عنده، ما من قصيدة في مختاراته «أشعار الربان» تفلت من سطوة هذا الاصطفاء، كأنّ مصباحًا «ترجمان أشواق»، يراهن على النصوص المشحونة بالديمومة، وينأى بمجهوده الترجمي عن القصائد السياسية، التي قد تخبو شعلتها الشعرية مع الزمن.
يصفه في توطئة الديوان بـ«شاعر الحب والحرية» مثلما يسم لوركا بـ«قيثارة الأندلس». وهو ما يتناغم مع عقيدة عبدالسلام مصباح في الوجود والشعر، حين يكثف جوهره في حاءاته الثلاث: الحب، الحرية، الحياة. يتغنى بها على مدار عمر بأكمله. ويمتثل لقيمها العليا في القول والفعل. والحب عند نيرودا كوْنٌ قائم الذات، جديرٌ بالترجمة والاحتفاء. يتفنن الشاعر في تصوير جسد المرأة، بأجمل العبارات وأشدها وقعًا، ويمعن في التعبير عن أثرها السحري في روح العاشق، ثم يسمو بالوصف من مستواه المادي الملموس إلى مداه الأثيري الرمزي بعد توحد العاشقين في بوتقة التحاب.
يحرص عبدالسلام مصباح على منح القصائد المترجمة لبوسًا غنائيًّا يُجلّي هذا المعراج الشعري في حضرة العشق، ويحافظ للنصوص على قوامها الموسيقي بشكل لا يدع جسد القارئ في حالة حياد، مستثمرًا معرفته بالوزن في تحقيق التناغم المطلوب، ومستجيبًا لحدسه الشعري ومراسه الإبداعي في بلورة إيقاع يوجه «توتر الأثر الأدبي بما هو بنية كلية»، و«يعمل على تنظيم الذات الفاعلة نفسها داخل خطابها وبواسطته»، وفق تعبير هنري ميشونيك.
ممارسة إبداعية استكشافية
إن قيمة ترجمة عبدالسلام مصباح لبابلو نيرودا تتوضّح أكثر حين تُقارن، مثلًا، بترجمة بول شاوول للشاعر الشيلي العظيم؛ إذ تبدو الأولى أجملَ وأكثرَ شفافية من الثانية. قد يكون مأتى هذا التميز من نقل مصباح عن الإسبانية مباشرة، وليس عن لغة وسيطة، هي الفرنسية في حالة الشاعر اللبناني. بيد أن من خصال شاعرنا المغربي عدم الإقدام إلا على الشعراء، الذين تنشأ معهم علاقة حب خاصة. لعل هذا ما يضمن ذلك التماهي الحر مع عوالمهم الشعرية قبل ترجمة قصائدهم، بصورة ترقى إلى مقام التأليف والإبداع.
يُفسِّرُ سلوكُ العلاقة الخاصة بين المترجِم والمترجَم له انحيازَ عبدالسلام مصباح إلى الشاعر الشيلي سيرخيو ماتياس، وإقامتَه الطويلة في مختبره الشعري. فقد ترجم له ما يربو عن ستة دواوين هي: «بستاني الريح»، و«ليل لا أحد»، و«تطوان في أحلام أنديزي»، و«يوميات أميركي لاتيني حول بغداد وأمكنة أخرى ساحرة»، و«سحر ابن زيدون»، ثم «مخطوطة الأحلام»، عن سيرة المعتمد بن عباد وحبه العظيم للرميكية ومآله التراجيدي. يكاد، بهذا الانغمار في تجربة سيرخيو ماتياس، يكون قد كرس له نفسه، وصرف القسط الأوفى من عمله الترجمي إلى عالمه الشعري.
يتبدى هذا العالم الشعري الآفاقي مناطَ اشتغال عبدالسلام مصباح على مدار سنوات طوال، وبؤرة لتكثيف فعل الترجمة لديه بما هي ممارسة إبداعية، استكشافية. لم تُملها المعاصرةُ، ولا الصداقةُ بين الشاعرين وحسب، وإنما هَجّجَها أيضًا ما انطوت عليه تجربةُ سيرخيو ماتياس نفسِه من نداءِ أغوارٍ يخاطبُ الذاتَ المترجمة رأسًا، ويستثير فيها حسَّ الفضول المعرفي والشعري. يتعلق الأمر في العمق، بنهوض أعمال هذا الشاعر الشيلي الكبير على استلهام التراث العربي الأندلسي، واستيحاء الأصوات الشعرية لابن زيدون، والمعتمد بن عباد، وابن قزمان، وسواهم من قامات سامقة، وتشرُّب الأجواء الحضارية للأندلس بوصفها «فردوسًا مفقودًا».
لقد حفزتْ فعلَ الكتابة الشعرية، وفعلَ الترجمة المندغمَ فيه، رغبةٌ مشبوبةٌ لدى سيرخيو ماتياس وعبدالسلام مصباح في استعادة هذا الفردوس الأندلسي المضيَّعَ. والتقيا معًا في هذه البوتقة الصُّهارية حيث تتصادى الأصوات الشعرية، وتتفاعل الأزمنة واللغات والحضارات، وتتلاقى الأطراف، بتعبير عبدالكبير الخطيبي، وهو يتحدث عن هجرة نص مؤسس مثل «ألف ليلة وليلة» من فضائه العربي، إلى أوربا، ثم أميركا اللاتينية، قبل استعادته من خلال ترجمة بورخيس إلى لغة الضاد. رقصة كاملة تتعقب دوران الأرض حول الكواكب، وعلى نفسها.

القصيدة بلسانين
لا يكتفي عبدالسلام مصباح في «مخطوطة الأحلام» بترجمة ديوان سيرخيو ماتياس الأساسي من الإسبانية إلى العربية، بل يضطلع بدور الأركيولوجي، وهو يحفر بين صلبِ وترائبِ هذا العمل عن أثر المعتمد بن عباد من أجل استرجاع «المخطوط الأندلسي الضائع»، بوصفه «النصَّ الغائبَ» في أعمال ماتياس، والمُوجِّهَ الرئيس لشعريته. مخطوطٌ يرقى إلى مقام الرمز السحري والتعويذة اللاشعورية في المخيال الإسباني، منذ أن أثاره ثرفانتس في روايته التأسيسية «دون كيخوطي» ناسبًا مخطوطها لعربي أندلسي يدعى سيدي حامد بن الجيلي، إلى «المخطوط القرمزي» عن آخر ملوك الأندلس أبي عبدالله الصغير، لـ«خيميائي الكلمات» أنطونيو غالا المسكون حتى النخاع بروح الأندلس.
تستعير نصوص «مخطوطة الأحلام» صيغة القصيدة العربية القديمة. بيتٌ مزدوج يُذكّر بنظامِ الشطرين، سوى أنهما هنا في ترتيبٍ تعاقبي، يفصل بياضٌ بين كل سطرين شعريين. نفَسٌ تلو نفَسٍ في تسلسلٍ محكومٍ بفاصلةِ صمتٍ حتى يأخذَ رنينُ الصوت الشعري مداه. إنشادٌ يستدعي كلَّ بذخ موسيقا الشعر العربي منذ ما قبل الإسلام. «مخطوطة الأحلام» سرد شعري أخاذ لحياة المعتمد بن عباد وعشقه العظيم للرميكية ولمأساته في ضياع الملك والوقوع في الأسر. قريبًا منه يتمرأى ديوان «تطوان في أحلام أنديزي»، ترجيعًا لماضي الأندلس في حاضر تطوان، وقد استحال المتنُ الرئيسُ إلى هوامش، وتفتتت القصيدة الطويلة إلى التماعات شذرية، هي بمنزلة مشهديات تلتقطها عين الشاعر المسكون بحلم الفردوس المفقود من يومي الحاضرة الموسومة بـ«الحمامة البيضاء»، كما تُلتَقَطُ اللقى من موقع أركيولوجي يَكنُّ على كنزٍ نفيس.
إن ما يستلفت الانتباه في تجربة عبدالسلام مصباح الترجمية حرصه الدائم على تثبيت النصوص في لغتها الأصلية قبالة ترجماتها. يغدو الأثر الشعري هنا مضاعفًا بفعل الازدواج اللغوي؛ إذ تطل القصيدة على قارئها بلسانين، وهويتين حضاريتين، وجهًا لوجه، في عناق مرآوي تتعرف فيه كل واحدة منهما على نفسها في مرآة الأخرى، وتتبادلان المواقع والمقامات. يتعلق الأمر، ضمنيًّا، بتصور للترجمة باعتبار المتحقق منها إمكانًا يقترحه المترجم، ويُشْرك القارئ فيه. إنها شجاعة تُمليها أخلاقيات الترجمة، وهي في الآن ذاته نوعٌ من التعاقد الاستيثاقي، وفق منظور سيميائي، بين المتلفظ، وهو الذاتُ المترجمة هنا، والمتلفظ له، وهو القارئُ هنا المضطلعُ بصفة الملاحظ والحكم. فتثبيت النص الأصلي نفسه فعلٌ تلفظي.
قد يتعلق الأمر أيضًا بنوع من الشفافية؛ لأن ما يقترحه المترجمُ يأخذ صيغة إمكان، وهو ما يجعل من عملية الترجمة ككل «مشاركة تأويلية»، بالمعنى، الذي نظّر له أُمبرتو إيكو في أعماله السيميائية، حيث يحضر القارئ لا بالسلب، وإنما بصفته فاعلًا في صوغ ملامح النص وهو يهاجر من لغة/ ثقافة إلى لغة/ ثقافة أخرى. ويشترك بدوره في توضيب أجواء الضيافة الرمزية لا بما يليق بالآخر فقط، ولا بالذات وهي تغتني بلقائها بهذا الآخر وحسب، وإنما أيضًا وأساسًا بما يجعل «من الشعر مفتاحًا لأسرار «الإقامة على الأرض»، وفق العبارة المشرقة لبابلو نيرودا.
0 تعليق