ينطلق بشير البكر في كتابه الجديد «بلاد لا تشبه الأحلام» من نقطة الصفر. في هذه السيرة الروائية الصادرة عن دار هاشيت أنطوان، بعدد 258 صفحة، يدير البكر ظهره لكل شيء ويمشي. كانت الأحلام ثقيلة على كتفيه، وها هو يرمي بها واحدة بعد الأخرى، يعبر الصحراء والمدن ويجوب الآفاق، ودائمًا ينطلق إلى محطة جديدة دون خوف أو حساب للمخاطر. مثل جمل في الصحراء يخبُّ بخط مستقيم، وكلَّما تقدَّم أحسَّ بأنه لا يزال أمامه كثير. لقد ترك وراءه الأمكنة التي هي عبارة عن كرسي وطاولة وبيت وقرية ومدينة. إنَّه يمشي نحو قارات ملونة بالأوهام، فرحًا بالمطر وبهجة الشمس.
يبدأ مشواره من الجبال التي تحيط بالحسكة، ويشخص هذه الجبال، فإذا بها تقوم بما يشبه البشر، فتتنازع وتتقاتل مع بعضها وتزعل وتحرد وتعتكف على نفسها وسط بيئة قاسية تسكن فيها قبائل الحمام البري والطيور الجارحة وتعيش فيها الغزلان. يصف هذه الجبال، وكيف يأتيها المطر وأقواس قزح، والغيوم التي تعبر وتذهب نحو البحر، والرعاة وكلابهم يدركون أنَّ الأحلام التي تسافر بعيدًا لا يمكنها أن ترجع. إنَّه الركض وراء السراب الذي يهيمن على هذه البرية المفتوحة. قال لي ظلٌّ: «الذئاب والضباع في انتظارك. لا طعام لا ماء لا أهل لا أصدقاء».

بشير البكر
ويمضي بشير البكر إلى بلاد لم يكن يتخيَّل أنَّه سيصل إليها؛ تأخذه الكتب وتجعله يتنقل بين المحطات. ويجد في مخطوط أثري أنَّ سبب ذلك يكمن في سكان الصحراء، فيهم جرثومة خبيثة يتوارثونها منذ الأزل؛ أنَّهم لا يبيتون في مكان واحد أكثر من فصل. وتحط به رحاله، فإذا به أمام جثة ذئب قتلته رصاصات العسكر فيرى كوابيس تتكرر، يرى الذئاب تجتاح حارات دمشق، يراها تسرح في الجامعة وتركب الحافلات وأصبح يربط بينها وبين رجال العسكر الذين يحرسون جاره الجنرال. ثمَّ بدأ يتحاشى المرور بجانب مركز الحراسة، وكذلك يتذكر كيف أنَّ مجموعة من العسكر الذين يرتدون ثيابًا مموهة اعتدوا على صديقه الذي كان يجلس مع صديقته على ضفاف نهر بردى، لا لسبب سوى أن الفتاة من اللاذقية والشاب من دمشق.
ومرة كان في مطار بيروت، وعندما شاهد رجل الأمن جوازه، سأله: هل أنت (بشير؟) وعندما أجابه بنعم، تركه وذهب إلى مكتب آخر. وهنا صار القلق مسيطرًا عليه إلى أن جاء الضابط وختم له الجواز، والسيدة العراقية الكردية التي تسافر معه أسرت له، إن جواز سفرها العراقي الصادر من بيروت يمكن لها أن تسافر به إلى أي مكان ما عدا مطار بغداد. وحين عاد بعد أكثر من ربع قرن، وفي المطار ذاته، دخل بجوازه الفرنسي، وقد طلبت الضابطة منه أن يعطيها جوازه الأصلي مرفقًا بالبطاقة الشخصية. أخبرها أنه لا يملكهما، لقد دخل لبنان متسللًا، ورحل عنها إلى أثينا بلا أوراق ولا حقائب، مرافقًا ياسر عرفات والعلم الفلسطيني يرفرف فوق الباخرة إلى بلاد جديدة. وتبدأ علاقته مع القادة الفلسطينيين، فيمرُّ على معين بسيسو والذكريات معه، ويتعرَّف أكثر إلى ياسر عرفات.
لا تلعب مع أولاد اليزيدية، هكذا كانوا يقولون له حين كان صغيرًا، واليزيدي يسكن الجبال العالية، هادئ جدًّا، لكنه شرس، وحين رأى طفلة قرب الماء، وجدها مثل لعبة، بيضاء كالثلج مزركشة بألوان زاهية، وكان اسمها جنة، وغادرت سريعًا باتجاه جبل سنجار.
الذين عبروا الذاكرة
تنقله الذكريات إلى بحر مرمرة ويقف أمام كنيسة للسريان، فيدور حولها هو وسمير سعيفان. كانت أبوابها مغلقة، ولم يسمع أصوات نواقيسها كلَّ المدَّة التي عاشها هناك. ويتذكر أمَّه وصورها بالأبيض والأسود وبناتها، ويتذكر أصدقاؤه الأولاد هؤلاء الذين فقدَ كلَّ اتصال معهم. وتنقله هذه الذكريات إلى أغاثا كريستي فيعبر عن اختفائها مدَّة 11 يومًا في عام 1926م وبقيت حياتها لغزًا.
وبينما كان ينتظر الشاعر محمود درويش في باريس في مقهى «ماندران»، على الطرف الثاني من بولفار سان جيرمان، وفي أثناء انتظاره يجلس إلى الطاولة المجاورة السياسي الذي ترأس الحكومة «ريمون بار». وفي هذه الأثناء يصل محمود درويش، فيقف السياسي الفرنسي ليحييه؛ لأنَّه تعرَّف إليه من الصورة. طرح عليه أسئلة كثيرة، وحدثه عن شعره وعن فلسطين. وهنا يتذكر الجملة التي قالها المثقف والسياسي مع درويش في صنعاء بعد جلسة معه، في عام 1993م: «إنَّ التعرف على محمود درويش ليس أقل أهمية من شعره».
مثل مستنقع غرق فيه الجميع
وتجره أحاديث الخرافات فيتذكر القصة وراء القصة، وها هي قصة العنزة السوداء. فعلى الأولاد الصغار أن يناموا وإلا جاءتهم العنزة السوداء. ويتمكن عمه من بيعها إلى أحد الأكراد؛ فقد نزلت من الجبل بعد الهدنة التي حصلت بين صدام حسين والملا مصطفى البرزاني. والمقبرة مسكونة بحيوان الغرير الذي يخرج ليلًا وإذا ما شاهد إنسيًّا فإنَّه يهاجمه. وشمسة التي يحبها وهو في العاشرة من عمره وهي في العشرين، يتذكرها وهو يبحر من بيروت لا يدري إلى أين، وتلوح لهم كوفية الختيار وهو يهبط في ميناء أثينا، وتركهم لإكمال المسيرة.
أخوه يعود من حرب 67 مثل لصوص المواشي. وقد بقي مثل مئات الجنود الذين ضاعوا في فوضى الهزيمة، إلى أن وجد نفسه في لبنان، بعد أن مشى لمدَّة يومين. كان مع مجموعة لم تعرف سوى القصف الإسرائيلي من الحرب، هزيمة لم يتكبدها العسكر وحدهم بل البلد كلَّه. كانت مثل مستنقع غرق فيه الجميع، بينما يعلق القائد الذي لم يحارب المزيد من الأوسمة وهو يلوح بعلامات نصر يرفرف فوقه علم لم ينظفوه مما تلطخ به من وحل الهزيمة.
ولا ينسى حلب، فهو حين يدخلها تستقبله تربتها بلونها الخمري؛ كناية على تفوّقها في فن العيش على سائر مدن الشرق. إنها سيدة الطعام والشراب والموسيقا والطرب، حيثما تذهب لتسمع القدود الحلبية، شيوخ المساجد وفرق الإنشاد. ويظل يقفز من الحسكة في سوريا إلى دمشق إلى بيروت إلى أثينا، ثمَّ باريس وإلى بوينس آيريس فدول الخليج العربي، وصنعاء والدار البيضاء، وإلى قبرص. ويعرج على الزير سالم وأبي زيد الهلالي وعنترة. يجمعها خيط رقيق مع أصدقائه الشعراء والأدباء ومن لفَّ لفهم.
لقد عمل بشير البكر في صحافة اليوم السابع مع بلال الحسن وسجن في تونس من أجل مقالة كتبها ثمَّ رُحِّل إلى باريس، لقد عاش وجرَّب، ولا يزال يبحث عن مكان يتنفس فيه رحيق الحياة.
وتظلُّ اللغة أجمل ما في هذه السيرة، إنَّها لغة شعرية تنساب بهدوء إلى نفوسنا فلا نشعر إلا وقد فعلت بنا الأعاجيب.
0 تعليق