«المرأة في قصص لطيفة باقا» عنوان اخترته تفاعلًا مع ثلاث إشارات أو علامات قادتني إليه: أول هذه الإشارات هي انتماء لطيفة إلى الحركة النسائية المغربية، التي ولدت من رحمها، وحملتها معها دائمًا. تقول في أحد حواراتها: «الحضور النسوي داخل النصوص الأدبية التي كتبتها منذ التجربة الأولى «ما الذي نفعله؟» وإلى آخر إصدار «غرفة فيرجينيا وولف» هي لسبب واحد وهو أنني أنتمي إلى الحركة النسوية منذ مرحلة مبكرة من حياتي، فإقبالي على الأدب كان بوعي نسائي، وهو ما يفسر تسرب القضية النسائية بشكل سلس داخل نصوصي القصصية».
والإشارة الثانية هي أن لطيفة باقا كاتبة مهمومة بالمجتمع وقضاياه، وفي مقدمتها قضية المرأة. وهي هنا تتحرك بقبعة الباحثة التي تدرس بخلفية علمية وميدانية (خريجة شعبة السوسيولوجيا). ويظهر ذلك جليًّا في موضوعات مقالاتها. والإشارة الثالثة ماثلة في العنوان «الجرس» الذي أعطته لطيفة باقا لمجموعتها القصصية الأخيرة «غرفة فيرجينيا وولف». اسم فيرجينيا وولف وغرفتها يجران وراءهما تاريخًا قوي الدلالة والرمزية في مسيرة الكتابة النسائية عامةً، والأدب النسائي خاصة.
هذه الإشارات، تؤكد أن لطيفة المبدعة امتلكت جرأة مواجهة لطيفة المناضلة، ولم تُخفها تهمة ضمور الإبداع تحت وطأة القضية. فالكتابة عندها، رد فعل نحو العالم. فهي تكتب لتساهم في تصريف الغضب الذي تشعر به تجاه القبح والظلم والزيف، كما تقول، ولكنها امتلكت أدوات بناء النص القصصي السابح في عوالم الإبداع التي لا حدود لها… يقول نجيب العوفي في كتابه ظواهر نصية، عن القصة القصيرة: «أحد أكثر الردارات الأدبية، قدرة على التقاط إيقاعات وذبذبات العصر، وتسَقّطِ أدق خوالج ولواعج النفس البشرية، أضحت على قصرها، وصغرها، مستودعًا للأسئلة الكبيرة الساخنة» ص 115.
فكيف استطاعت لطيفة باقا أن توازن بين الالتزام (الرسالة) والقدرة على كتابة نص يملك شرعية الانتماء للإبداع القصصي بسماته الجمالية وعوالمه التخييلية المدهشة؟ صور المرأة في قصص لطيفة باقا متعددة، تعدد قضايا وندوب التاريخ النسائي بقساوتها وآلامها، التي وإن تفاوتت فإنها تجمع على الحيف الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي في حق المرأة. سنختار منها صورتين، نساء الهامش أو المرأة في وضعية هشاشة، وإعادة إنتاج هيمنة الفكر الذكوري عبر محافل مؤسسية مؤثرة، مثل المدرسة والدولة والأسرة.
الصورة الأولى
تحظى المرأة التي تعيش على هامش المجتمع، في قصص لطيفة باقا، بأدوار البطولة، تمكنها الساردة من فرصة الصعود على مسرح الحكاية لتبئير وجعها، تاريخِها وحكاياتها الخاصة.
في «الغرفة المجاورة» من مجموعة «غرفة فيرجينيا وولف»، نقرأ حكاية «عمتي زبيدة (المومس الطيبة)، التي كان يحبها الأطفال ويهربون إلى حضنها وبيتها، بينما يلفظها الكبار، حراس الفضيلة في المجتمع. لكن الساردة، لا تقدم زبيدة كحالة اجتماعية، أو قضية، بل كإنسان، امرأة على هامش الحياة. تقول: «كانت مهنتها هذه تجر عليها الكثير من المشاكل مع الكبار في العائلة، ليتم نبذها في النهاية. ومع ذلك كنت في طفولتي أنجح دائمًا في زيارتها أنا وحليم أخي الأصغر خفية عن أبي وأمي لنأكل عندها أطباق الحلزون اللذيذة التي كانت تعدها لأجلنا بالزعتر وقشور البرتقال فنجلس حول ذلك الطبق الطيني الكبير والبخار يتصاعد منه مدججين بدبابيسنا» (ص 10). هذه المرأة المنبوذة امتلكت قدرة الفوز بقلوب الصغار، ربما لأن حياتها توقفت وهي في سن الثالثة عشرة، عندما زُوِّجت برجل، لتقفز من نافذة منزله هاربة بعد شهر من الزواج. دخول هذه الشخصيات الهامشية إلى مسرح الحكاية، يأتي غالبًا من بوابة الذاكرة، عبر تقنية الاسترجاع الخارجي، أي استعادة الأحداث التي تعود إلى ما قبل الحكاية، ويأتي ذلك عقب حدث يشعل الذاكرة ويضيء زاوية، تفجر الذكريات الحكايات: «ريح باردة مفاجئة تمسح وجهي، في الأثناء كانت قد بدأت تصلني تلك النغمة الأليفة من مذياع مقهى الحي؛ أغنية شعبية قديمة وحزينة: لِله يالعَطَّار اعْطِينِي دوَايَا/ كَالُو لِي دوَايَا نصِيبُو/ عَطَّار كَيْدَاوِي حبيبُو… زبيدة عمتي، كانت تشدوها…آه يا زبيدة فينك الآن وفين أيامك».
تقنية الاسترجاع، التي توظفها الساردة، تجعل المتلقي دائمًا في مرمى مباغتاتها بنفَس شهرزادي تتناسل فيه الحكايات. وهي التي تمتلك قدرة الانتقال بين أنماط السرد وضمائره واختلاف شخصياته وأزمنته وأمكنته، في رسالة تكاد تصرخ: هل فعلًا تغيرت الأوضاع؟
الصورة الثانية
في قصة «آيس كريم» (ص83) تفتتح الساردة بالإقرار: «لم يكن الزمن واضحًا…» وتعود بعد ذلك لتؤكد: «المكان أيضًا لم يكن واضحًا بما يكفي». في هذه القصة المتشعبة الحكايات والأمكنة والأزمنة، تختفي الشخصيات وتبرز الأدوار أو الوظائف، حسب نموذج فلاديمير بروب، وكأن «الحياة» أو «المجتمع» هو تلك الحكايات الشعبية التي يختلف أبطالها ويتعددون ولكن الوظائف ثابتة لا تتغير. وبالتالي نصل إلى نتيجة وجود مجموعة من الشخصيات لدور واحد- وهم في «آيس كريم»: الأب والزوج- ولكل واحد منهم قسم من دور «الذكر» في حياة امرأة، وبدَفعة من سوء الحظ قد يلتحق بهم الابن.
رغم أن أب الساردة يدلف عالم الحكاية مريضًا على عتبة الموت، وطفلًا يشتهي الآيس كريم، ولكن طيف ماضِيه حاضرٌ يحاصر الساردة. تقول: «تذكرت طفلي. كان يتثاءب ويرفع يده الصغيرة إلى عينيه ويحُكُّهما. ودفعة واحدة تذكرت أمرًا حصل في زمن ما: هذا الرجل المريض الذي يمضي أمامي، حيًّا يرزق رفض أن يشتريَ لي الآيس كريم في أكثرَ من مناسبة…» وتنتقل الساردة من المونولوغ إلى الديالوغ- وإن كان شكليًّا في غياب المحاور تحت وطأة المرض والضعف-: «لماذا تريد الآيس كريم الآن؟ لو أنك ساويت بيني وبين إخوتي في حصص امتطاء الدراجة الهوائية لما تحولت أنا إلى امرأة بدينة بصدر كبير وبوجه مكتنز ومصابة بالملل، ولما كان زوجي (الذي يبدو أنني تعودت على سخافته، ولم يستطع هو في المقابل أن يتعود على نسوانيتي الأصيلة) قد فر هاربًا من تعاقدنا الذي سوف أفهم فيما بعد أنه لم يكن يلزمه بشيء محدد» (ص86).
وفي «رائحة القسوة»، يتناوب الطبيب والممرضة (المرأة)، و«عائشة لاميتريس»، والأغنياء البشعون… على دور/وظيفة، المتفرج اللامبالي وربما الشامت، والساردة تتلقى الخبر اليقين: «رحِمُك هذا يجب استئصاله». تقول: «إنهم سيستأصلون رحمي ومن بعدِه باقي أعضائي… ثدييَّ.. رجليَّ… كليتيَّ… عمودي الفقري… إلى آخره… سوف أنسحب إذن بالتقسيط، شعار الفقراءِ، الفقراءِ الشامخين الذين يقفون أمام بائع اللحْم ويطلبون عشرة دراهم من الكبد (ويلحون أن يكون طريًّا) ليتوجهوا بعد ذلك إلى دكان البقال ليطلبوا درهمًا من الشاي وآخر من السكر… وسيجارة ديطاي…. وحدهم الأغنياء البشعون ينسحبون بالجملة» (ص44).

لطيفة باقا
المرأة هي المجتمع… لذلك، فالسير في إثرها يقود إلى المجتمع بكل تصدعاته وأمراضه. لكن، وعلى الرغم من هذه الحمولة الثقيلة لثيمة الالتزام، وما تفرضه من إصرار واستحضار للواقع، لم تفقد قصص لطيفة باقا، جمالية القص، والدهشة التي تباغتك في كل منعرج ودرب، واللغة حمالة الصور التي تتأرجح بين حرارة الواقع ورحابة المتخيل، بأدوات فنية تبرز فيها المفارقة والسخرية؛ كآليتين شيدت بهما لطيفة باقا عوالمها القصصية وحاكت من قسوة الواقع صورًا وحكايات لترتقي بالواقعي إلى مقام الجمالي. وهذه بعض النماذج التي تبرز فيها المفارقة، وتصنع الدهشة…
أول ما يثير انتباه المتلقي، في ظهور المرأة (الحاملة لقضية)، على مسرح الأحداث، هو اقتحام الصور الصادمة مسار سرد هادئ بسيط عادي، ليس فيه ما يثير أسئلة أو قلقًا. تقول الساردة في «كتيبة من دخان» من المجموعة القصصية «منذ تلك الحياة»: «أسير فوق الرصيف المضاء، أنجح كعادتي كل صباح، في ضبط توازني حتى النهاية، أرى امرأة تركض نحو سيارة أجرة، ألحظ زرقة أسفل عينها اليسرى. الأرصفة، الدكاكين الضجرة، الزرقة أسفل عيون النساء المضروبات حديثًا… الشمس تسكب أشعتها الناعمة لتصنع الألوان والحركة في المدينة» (ص 73).
صورة النساء المضروبات حديثًا، تنبت بشكل طبيعي، في مفاصل القص، وكأنها «طبيعة الحياة» أو ما يجب أن تكون عليه، تمامًا مثل أطفال المدارس، والشمس التي تسكب أشعتها الناعمة، والدكاكين الضجرة. تخلق القاصة «المفارقة» بين إيقاع السرد الهادئ ووقعه الصاخب على أفق انتظار المتلقي، فالصورة التي تقدم على أنها جزء من الواقع تكشف في مقام آخر أن المجتمع تصالح مع البؤس والقسوة ومعاناة النساء إلى درجة أصبح معها ملح الحياة وأحد شرايينها.
وفي نص «منذ تلك الحياة»، تقول الساردة: «هنا أيضًا يسقط المطر، وتسيل المياه في المجاري، تخضر الأشجار، وتُجتثُّ أثداء النساء وأرحامهن… وسيقانهن. فتيحة تصفقُ نافذتها للمرة الأخيرة دون أن تودعني…» (ص113).
سقوط المطر الذي يعقبه سيلان المياه، واخضرار الأشجار، هذه الصورة الطبيعية للخصوبة والحياة التي من الطبيعي أن يعقبها الحصاد، ستنتهي باجتثاث الأرحام والأثداء، وكأنها الثمار التي تأذن باقتطافها الحياة، فيصبح القتل مرادفًا للخضرة والخصوبة.
تلك بعض ملامح وجوه نساء قصص لطيفة باقا، الجميلات، المحملة بأقسى صور الحياة/ المجتمع.
0 تعليق