«إن الصورة ليست بحد ذاتها شيئًا حيًّا (لا أعتقد بوجود صور حية) بالرغم من أنها تبعث فيّ الحياة: وهو الشيء نفسه الذي تُخلّفه فينا كل مغامرة» رولان بارت.
يبدو لي أن مجمل العمل الفني الذي أنجزه صديقي الفنان الفوتوغرافي مولاي يوسف الحادمي، على مدار عقدين من الزمن، يتمحور حول مفهوم الهامش: الهامش الاجتماعي والأيديولوجي، والهامش السياسي والإستطيقي. فهو إذ يبدأ من حيث ينتهي معظم الفنانين، لا يكترث بالتقاليد المعهودة فنيًّا سواء من ناحية المنظور المعتمد أو من ناحية المواضيع المنتقاة والأسلوب المتبع؛ ذلك أن الرجل بتعاطيه للفن الفوتوغرافي إنما يروم أن يمنح هوية للصورة، من طريق الحفر جينيالوجيًّا في كل أبعادها، وبخاصة ما يتعلق منها بالزمان.
مشروع يتقاطع فيه السحر بالميتافيزيقا
لعل عشق الحادمي لفن التصوير حتى الهوس، هو ما ورطه كليًّا، سواء أدرك ذلك أم لا، في اختبار مدى صحة أطروحة الفيلسوف اﻹيلي «زينون» الذي يرى أن الحركة هي حصيلة تجميع للحظات زمانية ثابتة، متنكرًا لكل ديناميكية ممكنة. بل نقول، علاوة عما سلف، بأن ما يُقْدم عليه ويقوم به في هذا الصدد، يكاد يغنينا نهائيًّا عن الاسترشاد بتلك التعريفات التي وضعها الفلاسفة، وذلك ليس فحسب عندما شرعوا يتأملون علاقة الفكر بالحركة، وما يربط الزمان بها، بل أيضًا عندما فكروا فيما قد يصل اللحظة المتحركة بالأبدية الثابتة. وخلافًا لزينون يبدو أن الفضل في حسم قضية علاقة الزمان بالحركة يعود أساسًا إلى رواد الفن التصويري الذين اكتشفوا بالممارسة أن ما يصل اللحظة بالحركة هو أشبه ما يكون بما يصل الذرة بالمادة. ولا بأس أن نعزو هذا السبق إلى الرغبة التي تحدو المصور نفسه وسعيه الدائم للقبض على لحظة واحدة من بين آلاف اللحظات المؤلفة للزمان، علّه يحصل منها على صورة ذات معنى ودلالة، وقابلة للإدراك وإثارة المشاعر.
يكاد فعل التصوير، والحالة هاته، أن يجسد كليًّا أطروحة زينون بوصفها ما يقرّ بأن الثابت يقبع في صلب ما يتحرك، وليس على المصور إلا الإمساك به، والتمكن منه قبل أن يقدمه ويعرضه على الأنظار. بهذا الشكل يغدو الفنان الفوتوغرافي، صاحب مشروع يتقاطع فيه السحر بالميتافيزيقا، والفينومينولوجيا بالديالكتيك واﻹيطيقا باﻹستطيقا؛ شأنه هنا شأن الفيلسوف المهووس بنحت الزمان وتجميد الذاكرة.
بلعبه مع الزمان إذن يظهر أن مولاي يوسف لا يحاول فحسب أن يبدع صورًا، وأن يبتكر أيقونات يتكلس معها الزمان على نحو الإغريق الذين يتقنون فن الكايروس(1)، بل يحاول أيضًا أن يختزل تعدد الأشياء في وحدتها، وأن يصون تآكلها من مكر «كرونوس»(2).
إن المصور بتعبير آخر هو من يُطلِق العنان لإرادة التأبيد والخلود، ضد التلاشي والانقراض وبداهة الموت المُعلَن في وجه الإنسان والحضارة؛ حفظًا للذاكرة من الضياع. فأن تصور هو ما يعني أن توقِف الزمان وتُخلِّد الأحداث، وتصون عهد الذكريات التي تؤلف حياة شخص ما، أو عصر من العصور أو منظر من المناظر. فضلًا عما سلف، يُقِيم المصور من جهة أخرى علاقة خاصة مع الحقيقة طالما أنه المسؤول عما يريد أن يلتقطه بآلته من مشاهد ومناظر، وما يرغب في عرضه على الناس من أحداث. فهو من ثمة يشتغل ضمن حقل أخلاقي قيمي، تكاد تلتبس فيه الأمور وتختلط فيه الأوراق. وإلا فأين تكمن الحقيقة عندما نكون أمام صورة تكتفي بعرض موضوعها علينا؟ والأدهى من ذلك إنْ كنا أمام صورة حرب، تثير المشاعر جراء ما تعكسه من رعب يستدعي منا أن نعلن التضامن أو التنديد. فهل نستطيع، والحالة هاته، أن نميز العدو من الصديق؟ وأن نفرز الحدث الحقيقي من المزيف؟ ونعرف الجلاد من الضحية؟

ثورة الصورة أو الكتابة بالضوء
على هذا الأساس يظهر أن الصورة جزء لا يتجزأ من الواقع الذي ينبغي علينا أن نفك شفرته تمامًا مثلما يفعل علماء اﻷركيولوجيا بوساطة ما يعثرون عليه من أحافير وآثار، تُيسّر لهم تحديد بدايات الحياة، وفهم الأنظمة البيئية القديمة في ارتباطها بتطور الكائنات الحية وانقراضها. وها هنا يرجع صدى المنظورية النتشاوية التي تنهض عليها أخلاقيات المصور، بوصفه يقترح علينا لحظة أنطولوجية، ستظل ملتبسة ما لم تُوصَلْ من ناحية ثانية بحركة ميتافيزيقية، فرزًا لقاسم مشترك يستحضر السياقات وظروف التصوير. علاوة على هذه الإشكالات كلها لا يمكننا أن ننفي عن المصور احتكامه أيضًا إلى جدلية النفي والإثبات، ما إنْ يقف خلف آلته، فاصلًا نفسه عن العالم، ليشرع في انتقاء مناظر دون أخرى، وتأطير جزء مخصوص من الواقع متنكرًا للباقي.
وإذا صح القول: إن الفنان الفوتوغرافي لا يتحدد فحسب بنزعته الميتافيزيقية القائمة على صيانة الذاكرة ومنظوريته التي تُقِر بتعدّد التأويلات، بل يتحدد كذلك بقدرته كساحر على اقتناص لحظات الكايروس، فلا محيد لي من الإشادة إيطيقيًّا بخصلة الصمود التي تميز بها مولاي يوسف، ما يزيد على عقدين من الزمن، وبقي وفيًّا لأسلوبه الخاص، مُخلصًا لأفكاره وتقنياته وطرق تناوله لقضاياه، متمسكًا برؤيته الفريدة للعالم ومنخرطًا في معاركه الصغيرة، منافحًا عن الضحايا لا الجلادين ومصطفًّا إلى جانب البسطاء بدل عِلية القوم.
هذا على كل حال ما يشهد عليه مشروعه الذي يريد من خلاله أن يبين لنا مدى أهمية الأشياء المخفية والمسكوت عنها، ولا سيما منها تلك المكبوتة حضاريًّا جراء ما استشرى تاريخيًّا من قهر واستغلال وما ساد من توحش وليبرالية. استيعابًا لهذا الأمر يلزمنا بداية، التذكير بتاريخ الفن الذي عرف مع ميلاد التصوير، موت طرق بعينها في مجال الرسم؛ على غرارها يجوز لنا القول: إن «نظار»(3) قد قتل «زوكسيس»(4)، فقضى على لوحاته بالرغم مما برع فيه الرسام اليوناني، من محاكاة للطبيعة.
ألا يتبدى أننا بهذه الهزات بالضبط أصبحنا نشهد اليوم، أكثر من أي وقت مضى، ثورة في طريقة التفكير بوساطة الصورة؟ وذلك ليس إلا لأن الكتابة بالضوء تختلف كليًّا عن بقية أصناف الكتابة. فالمصور والحالة هاته يوظف العالم توظيفًا ضوئيًّا بتحكمه في الإضاءة التي وفقها يغدو الكون أكثر تجلِّيًا وإشراقًا، حيث إن الفنان بقدر ما يبدع ويخلق مظهرًا جديدًا بقدر ما يبتكر واقعًا يقبض فيه على جوهر الأشياء عارضًا إياها أمام الأنظار في ماديتها المتنوعة.

لذلك عُدَّ فن التصوير أقلّ الفنون أفلاطونية ما دام أن الفوتوغرافي الماهر هو من يفلح في اقتفاء نهج نزعة كلبية(5)، بموجبها يضحى الواقع أكثر تطابقًا مع نمط تجليه بدل أن يكون مجرد انعكاس للظلال في الغرفة المظلمة تتويجًا لاستعارة الكهف.
وإذا كان الفن هو المجال المناسب للتَّنكّر لكل ما هو اجتماعي على حد ملاحظة «بيير بورديو»، فلوحات مولاي يوسف تأتي مُقوِّضة لهذه النزعة الاختزالية بالأساس، بحيث إنه خلافًا للتوجهات اﻹستطيقية التي تكتفي بإنتاج مقولات متسامية على مقاس المتعة الخالصة والجمال المحض، نلاحظ أن الرجل في كل بورتريهاته يعرض الجمال بطريقة مغايرة، تنطوي على قصدية مبيتة.
الهامش ضد الكوني: نظرة طفل جالس على عتبة الباب
يكفينا في هذا الباب أن نلقي نظرة بسيطة على بورتريهات الحادمي، لنلاحظ أنها تخلو كليًّا من ثيمات العائلة والعمل والوطن بوصفها الثلاثية المُمجَّدة من لدن «السوسيال» على مر التاريخ لا لشيء إلا لأنها مصدر قيام المجتمع من حيث هو كذلك. هكذا إذن يتبدى أن المغامرة الإبداعية التي انخرط فيها مولاي يوسف لا يمكن استيعابها إلا إذا توقفنا عن معارضة مضمون أعماله بسياقها الاجتماعي، وحاولنا قدر المستطاع مقاربتها اعتمادًا على مفهوم الهامش، كما أسلفت بوصفه مفهومًا مُحدِّدا وحاسمًا لفهم منظوره للكلمات والأشياء.
دعوني توضيحًا لهذا الأمر، أعرج لتأكيد مسألة -بالمناسبة- في غاية الأهمية بمكان، مؤداها أن عالمه التصويري ينهض على زمان الواقعيين المناقض تمامًا لأنصار الكوني، حيث لا ينفك يستدعي تنويعات مخصوصة من قبيل: الكايروس والأثر والمكان، والإتلاف والتكرار، وغيرها من المقولات المشحونة بالدلالات التي تُضفِي على لوحاتِه قوةً ومعانيَ غير قابلة للاستنفاد.
وهو بذلك كأني به يقتطع الصور من سديم العالم، ممزوجة برحلاته وسفرياته على مدار مراحل عمره. فهي إذن صور تقترح علينا قبل أي شيء آخر، سينوغرافيا معينة وتغوص بنا في شغف أيقوني يكاد يعكس جوهر قرننا الحالي بحذافيره. وفق هذا النهج، يمتثل مولاي يوسف كمصور ماهر، باحترافية منقطعة النظير مَكّنته كساحر «الكايروس» من القبض على اللحظة الحاسمة بوصفها الفرصة التي لا تعوَّض، إن لم نقل إنها «السنان» PUNCTUM بلغة «رولان بارت»، الذي يوشك أن ينفلت منا ما إنْ يطفو إلى السطح ما يشبه اللاشيء.
أسلوب مولاي يوسف، إن كان لا بد له من أسلوب فوتوغرافي، هو ما يتميز بفن اقتناص الفرص النادرة والمسك هنا والآن، بما لا يقبل الاستعجال ولا التأجيل، وذلك مخافة التلاشي والفقدان. فلوحاته تكاد ترسخ تلك اللحظات الهاربة والمنفلتة زمانيًّا، كشفًا -وهو الأهم- عن بعد جمالي شعري ما فتئ يخترق الواقع ليصون للذكرى حالة فقر هناك أو نمط عيش آيل للانقراض هنا، أو أحيانًا أخرى طريقة التفات الناس البسطاء لأحوال غيرهم بعيدًا من كل تصنع أو زيف معاصر، ناهيك عن نظرة طفل جالس على عتبة الباب، يُلقِّن الكبار براءة الصيرورة(6).

بديهي أيضًا أن يتعقب الرجل الزمان من خلال الصورة، على نحو الروائي «مارسيل بروست»، ليتلقّف منه اللحظات الضائعة مبقيًا منها على الأثر وذلك ليس بوصفه فحسب، وحده ما يشهد على أن شيئًا ما قد وقع بالفعل ويدعونا للتعلم، بل بوصفه أيضًا ما يجعل الحدث بالرغم من مُضيِّه يسترسل في التأثير فينا وتوجيهنا. ولئن كان الأثر والحالة هاته بحاجة ماسّة كيما يترسخ، إلى مكان ما وجغرافية ما، يجعلانه ملازمًا دومًا لماديته، فسيبقى الفنان الحاذق، أمام ما تقترحه عليه المناظر من ملايين الفرص للتصوير، هو القادر على انتقاء الاستثنائي منها حتى لا يضحى مبتذلًا.
الملاحظ أن مولاي يوسف في مجمل مشروعه يفضل البورتريهات التي تمتزج فيها الوجوه والأشخاص والمناظر الطبيعية، بالمُهمَّش من قضايا الإنسان والمسكوت عنه؛ ليكشف لنا من ثمة عن رؤيته الخاصة للفن الفوتوغرافي التي تمتزج فيها السخرية بالنقد على نحو الرومانسيين الألمان؛ من حيث إن «السخرية هي الشعور الواضح بالتغير السرمدي للعماء اللامتناهي المتدفق» كما كان يرى فريدريك شليغل(7). شعور بمقتضاه نستطيع الفصل بين عالَمين: عالم الجمال وعالم الرداءة. الأول بطبيعة الحال هو المنشود كفرصة للتسامي؛ من حيث إن التسامي هو ذلك الإحساس النادر الذي يخترقنا عندما نكون أمام منظر يرغمنا بضخامته وشُسُوعِه على أن نستشعر مدى صغرنا وضآلتنا. لعل هذا الشعور هو ما تنفرد به لوحات مولاي يوسف التي ما انفكت تروي لنا عن أبدية تقض مضجع اللحظي، سواء من خلال تموجات الألوان الحارة أو من خلال التواءات خيوط النسيج المصبوغة على نحو خاطف، يكاد يجعل الناظر إليها ينتابه نوع من الإحساس بالصمت أحيانًا والسعادة أحيانًا أخرى، كما قد يزج به في طمأنينة يخترقها الحب والسلم.
المصور الفيلسوف
إن مولاي يوسف عندما يضغط على الزناد، يلتقط الزمان الحاضر الذي تتجلى قيمته فيما يعِدنا به من إمكانات ثرية يظل شاهدًا عليها ومحافظًا بها للذكرى؛ ذلك أن الرجل خلافًا لتصور «رولان بارت»(8)، يَقصِد ما يُقدِّمه ويعرضه على الأنظار، أكثر من غيره، مدركًا أن زوال الذكريات هو أيضًا زوال المعنى وموت الدلالة. وهل أقول بالأحرى: إنه يلتقط الدفق الحيوي الذي يخترق الزمان ويخلخل المدة قبل أن يسكن الحدس والذاكرة مفرزًا التواقت بوصفه وعيًا باللحظي، حيث يذوب الحاضر في الماضي قدر ما ينصرم المستقبل في الحاضر؟ أكيد؛ لأن الصورة هي الفضاء حيث تتصلب الروح في الجسد، وتقترن الحقيقة بالواقع لتفسح للممكن إمكانية الانبجاس.
هوامش:
(1) مفهوم إغريقي يسمح بحكم ارتباطه باﻷيون والكرونوس بتعيين تلك اللحظة المناسبة لاقتناص الفرص قبل فوات اﻷوان.
(2) إله الزمن بحسب الأسطورة اﻹغريقية، وهو ابن غيا (اﻷرض) وهيدروس (الماء).
(3) نظار Nadar مصور وكاتب فرنسي (1820 – 1910م) عده رولان بارت أعظم مصور شمسي، بعد أن قدم لنا عن زوجته أو أمه إحدى أروع الصور في العالم. انظر بهذا الصدد كتابه بعنوان: Roland Barthes La chambre claire, Note sur la photographie, cahiers du cinéma, éd. de l’étoile, Gallimard, le Seuil, 1980.
(4) رسام يوناني عاش في منتصف القرن الخامس قبل الميلاد، اشتهر بلوحة العنب التي من فرط إتقانه لها جعل حمائم حية تنقر حباته.
(5) نسبة إلى مدرسة الفيلسوف الكلبي «ديوجين» الذي رسخ تقاليد فلسفية متعرية تكاد تناقض أخلاق التزمت السائدة وقتئذ في اليونان.
(6) انظر أرشيف صوره ولوحاته.
(7) الدكتور عبدالرحمن بدوي، «فلسفة الجمال والفن عند هيغل»، دار الشروق، الطبعة اﻷولى 1996م، ص. 40.
(8) يرى بارت أن «السنان» لا يخضع لنية المصور واختياراته، بل هو ما يشدنا إلى الصورة رغمًا عنا، مولدًا فينا تلك الرغبة الخاصة الخالية من أي تأثير تاريخي أو سوسيولوجي.
0 تعليق