يشكّل كتاب مذكرات الشيخ جميل الحجيلان «جميل الحجيلان: مسيرة في عهد سبعة ملوك» (شركة رف للنشر) بجزأيه الكبيرين (نحو 1500 صفحة من القطع الكبير)، إضافة نوعية إلى فن السيرة الذاتية والمذكرات، ويمكن وصفه بالموسوعة؛ لضخامة ما فيه من موضوعات ومعلومات، ولمنهجيته الدقيقة، ولامتداده الزمني الواسع، وللجهود الجبارة التي واكبت عملية إعداده.
في هذه المقالة، سأتناول الجانب الإعلامي. وقد وقع اختياري لهذا الجانب لأنه يستغرق وحده نحو 280 صفحة من المجلد الأول، ولأهميته البالغة في حياة المؤلف، وفي تاريخ المملكة الحافل بالأحداث أولًا، ولصعوبة تغطية جوانب الكتاب كافة في مقالة صحافية لمجلة!
تتألف السيرة من 19 فصلًا متفاوتة الطول وبعناوين كبيرة، تغطي -بقراءتي الشخصية للعمل- ثلاثة أقسام كبرى هي: السيرة الشخصية، والمناصب وحيثياتها، والدراسات والأبحاث. وكل فصل يتضمن عناوين فرعية لموضوعات كثيرة ووقائع وأحداث وأخبار وتحليلات ووثائق بالغة الدقة والموضوعية، بما في ذلك الصور النادرة.
وهذا المنهج الذكي في التناول والإعداد؛ يجعلني أصف السيرة بأنها «موسوعة ألفبائية مفهرسة»، تتيح للقارئ أن يختار منها ما يشاء وما يشتهي من عناوين وموضوعات تهمه ليقف عندها. وهكذا، فإن مجموع الموضوعات في فصول الكتاب بجزأيه هو 366 موضوعًا. وأطول فصول الكتاب هو الفصل التاسع، وعنوانه «وزيرًا للإعلام»، وينطوي على 50 موضوعًا فرعيًّا، ويستحق وحده أن يكون كتابًا مستقلًّا.
الحجيلان مديرًا عامًّا للإذاعة
في الفصل السادس من الجزء الأول، وتحت فقرة بعنوان «الحدث الأهم في حياتي!»، وبعد العمل لعشر سنوات بوظيفة ملحق في الخارجية في جدّة، ثم الخدمة دبلوماسيًّا في سفارتي المملكة في طهران وباكستان، أصدر الملك سعود عام 1960م مرسومًا بتعيين «السيد جميل الحجيلان مديرًا عامًّا للمديرية العامة للإذاعة والصحافة والنشر بالمرتبة الأولى بدرجة وكيل وزارة وبراتبها المقرر…» ص231. ويعترف الحجيلان أن ذلك التعيين كان «حدثًا حاسمًا في حياتي، وبداية لمرحلة من مراحل الصعود الوظيفي المُتواصل. كأن بساط الريح قد طار بي من عالم خانق كئيب، إلى جنة عرضها السماوات والأرض! إلى عالم سابح في النشوة، والابتهاج» ص232.
كان الإعلام في حاجة إلى إنسان ذكي عالي الثقافة، ذي تأهيل أكاديمي ومعرفي واسع، وقد توافرت هذه المزايا في شخص الحجيلان خلال مسيرته، فوصل إلى مبتغاه في وظيفة ملائمة لمزاجه وتطلعاته: «كان تعييني مديرًا عامًّا للإذاعة والصحافة والنشر حلمًا ألوذ به، وأفرغ إليه» ص 289. وكانت الإذاعة خطوة صغيرة في الطريق لوزارة الإعلام. تفاصيل هذه المحطة الوظيفية كثيرة ومتشابكة، وقد اجتازها الرجل بنجاح، وكانت أُولَى قواعده في العمل الالتزام بتوجيهات الملك، والإخلاص، والصدق، والشجاعة في اتخاذ القرارات والمواقف بما يحفظ المصالح الوطنية الثابتة.
كانت عجلة الإعلام السعودي في بداية دورانها تفتقر لبنية تحتية: «بدأت الإذاعة بمرسلة واحدة لا تتجاوز قوتها 3 كيلووات. أما المشروع الإذاعي الجديد، فمجموع قوى الإرسال تتجاوز الأربع مئة كيلو وات» ص252- 253. كما كانت الإذاعة تفتقر للخبرات، وميزانيتها المالية متواضعة، والموقف المحافظ للمملكة بثوابته الإسلامية لا يسمح بمبادرات تخرج عن السائد والمألوف. فضلًا عن تميُّز الإعلام المصري آنذاك وإمكانياته في استقطاب السامعين والمُعجبين من العرب. كانت الإذاعة في المملكة «قاصرة قصورًا مذهلًا عن الاستجابة للحد الأدنى من دور أي إذاعة وطنية. ولم تكن تُسمع في النهار، إلا في محيط جدة، ومكة والطائف. أما مدينة الرياض، فلا يصلها من هذه الإذاعة إلا صوت خافت ضعيف. وتكاد مناطق المملكة الأخرى تكون في عزلة تامة عن إرسالنا الإذاعي» ص 238.
لكن المدير العام الشاب والجديد استطاع أن يتخطّى كل هذه الصعوبات؛ ليضع الإعلام السعودي على طريق النهوض، وذلك باقتراح وسائل مغرية، ورسائل تخاطب رغبات الناس، والعمل الجاد لمواجهة تحديات الحاضر والتخطيط للمستقبل. أدخل الإعلامي الشاب رؤية جديدة للبرامج بخطوات حذرة؛ منها إعداد نشرة إخبارية أسبوعية باللغة الإنجليزية، وإعداد تعليق سياسي وإذاعته بنفسه، وكان ذلك «أمرًا نادرًا، إن لم يكن أمرًا محظورًا» ص 241. وسمح بجانب ترفيهي مطلوب، مثل: بث الأغاني الرصينة والموسيقا كخطوة تجريبية قابلة للتطوير، وهذا ما سيحدث في عهد إسناد وزارة الإعلام إليه كما سنذكر لاحقًا.
كانت الصحافة السعودية أيضًا في بداياتها؛ إذ لم يكن في المملكة عام 1961م سوى جريدة (الندوة) وجريدة (البلاد) اليوميتين، وصحافة أسبوعية متعددة، وكلها تعاني أوضاعًا مالية صعبة في غياب الإعلان التجاري. وفي اجتماع الشيخ جميل مع رؤساء التحرير، قال لهم بصريح العبارة: «سأساندكم في مواقف الصدق، وانتفاء سوء النية» ص265، وقد وفى بوعده أثناء إدارته ووزارته للإعلام.
لم تكن حقبة قيادة الحجيلان لإعلام بلاده محفوفة كلها بالتيسير؛ إذ واجه أزمات، منها افتتاحية كتبها عبدالغفور عطار في جريدة (عكاظ) انتقدت بلغة خشنة قرار إنشاء مجلس التخطيط، لكنه عالجها بالهدوء والتروّي، من دون عواقب. وكذلك أزمة صدور مقالة للكاتب محمد عمر توفيق بعنوان «الأصل والصورة». وقد تركت المقالة تداعيات غير مقبولة، لكن الحجيلان أفلح في «تهدئة العاصفة، واحتواء الغضب، وحصره في أدنى حدوده» ص 273. هذه القاعدة الإدارية الرشيدة سترافق جميل الحجيلان طوال مسيرته المديدة لعقود كثيرة والحافلة بمناصب متنوعة؛ أبرزها دوره الرائد في تأسيس الإعلام السعودي ومساهمته في تطوير المنظومة الإعلامية التنافسية الحالية المتفوقة، بحسب اعتقادي الشخصي.
الحجيلان سفيرًا وعميدًا للسلك الدبلوماسي في الكويت
اتَّسَمَت تجربة الحجيلان الإعلامية الأولى في الإذاعة بالتجديد والانفتاح، وهو ما تسبب في إعفائه من منصبه، وذلك استجابة لشكاوى بعض «المواطنين ذوي الرؤية الدينية المتشددة» ص413. بعدها عاد الشيخ الحجيلان إلى الخارجية، وكان ضمن وفد المملكة لحضور المؤتمر الأول لدول عدم الانحياز في بلغراد عام 1961م. وفي أثناء وجوده هناك، تلقّى أمرًا عاجلًا من الديوان الملكي بالعودة إلى الطائف؛ ليشرفه الملك سعود باختياره سفيرًا للمملكة في الكويت، ليكون أول سفير يقدم أوراق اعتماده هناك. وبهذا التعيين، قطعت المملكة الطريق على بريطانيا التي كانت تسعى لأن يكون مندوبها أول المعتمدين؛ لكي تحظى بموقع عمادة السلك الدبلوماسي في الكويت بعد استقلالها. ص 319.
استدعاه الملك فيصل عام 1963م وعينه في منصب أول وزير للإعلام في المملكة ص373. وهكذا، تحققت أمنيات صاحب المذكرات؛ إذ كان تعيينه مديرًا عامًّا للإذاعة مجرد بداية لصعود وظيفي متواصل، جعله أول سفير، ثم أول وزير.
أمضى الحجيلان ثماني سنوات وزيرًا للإعلام، خلال مرحلة حرجة من تاريخ المملكة، وظروف عربية شائكة.
ويُعَدُّ الفصل التاسع، المخصص لتوثيق مسيرته بصفته وزيرًا للإعلام، بما يشتمل عليه من خمسين فقرة؛ مدرسةً حقيقيةً للإعلاميين العرب؛ إذ يحفل بالدروس والعِبَر المهنية، ويكشف ملامح مرحلة تأسيسية للإعلام السعودي.
شكاوى ومساءلات ومتاعب وهفوات وحكايات
لم تكن مسيرة الشيخ جميل الحجيلان في وزارة الإعلام مفروشة بالزهور والعطور، فقد واجهت محاولاته التجديدية كثيرًا من الاعتراضات والتحديات، في أثناء إدارته للإذاعة. ولولا الثقة الكبيرة التي منحها الملكُ فيصلٌ وزيرَه، لما استمر في منصبه طوال تلك السنوات الثماني.
إن القواعد والمفاهيم والأفكار المُستقاة من نهج وتوجيهات وحكمة جلالة الملك فيصل رحمه الله، وبما فيها من رصانة، كانت هي الحصانة الحقيقية للشيخ جميل. وقد عبر الملك عن ذلك بقوله له: «أنا أعلم أن الإعلام مهمّة صعبة، ونحن ما اخترناك كي نعهد إليك بمهمّة سهلة مريحة، وإن شاء الله أنت قادر عليها» ص 370.
أما أُولَى الشكاوى والمساءلات، فكانت بعد ثلاثة أشهر فقط من التعيين، وتمثلت في أزمة الندوة الإذاعية التي حملت عنوانًا استفزّ بعضًا، وقد تناولها الخطباء في المساجد. كان عنوان الندوة «دور المرأة المسلمة في المجتمع» ص 396. وقد اندفع أحد المشاركين في «الدعوة لعمل المرأة، ومساواتها بالرجل، بل وحتى سفورها» ص 400.
تشكلت لجنة تحقيق، وصدر الحكم الذي أدان الندوة والشاب صاحب الرأي المتطرف، وحُسم الأمر. إن الإنجازات الإيجابية تُحسب للمسؤول وتبقى في سجلات مسيرته، لكن تجاوز السلبيات وترويض المصاعب وتخطي العقبات، والجرأة في اتخاذ القرارات التي ستكون توطئة للتقدم والتطور، هي من الإنجازات أيضًا، وهو ما يُحسب للوزير الحجيلان، الذي ساندت رؤيته للمستقبل البعيد كثيرًا من الأقلام، ودعمت مواقفه الاستشرافية الإعلامية المدروسة بحذر ومهارة، على الرغم من أن بعض الأصوات كانت تحذر من التمادي ومن الخروج على الثوابت.
ويفرد الكاتب عشر صفحات كاملة، تحت عنوان «هفوة الكبار»؛ لشرح ملابسات السماح بنشر كتاب الشيخ عبدالله السعد «رموز على اللوحة»، وهو الكتاب الذي «أغضب المراجع العليا» ص558. وقد لعب «أصحاب الوشاية، وألسنة السوء، والساعون في الوقيعة، والكارهون لذلك الرجل المؤمن الصلب» (ص 559) دورًا في تحويل مسألة نشر الكتاب إلى قضية تستوجب المساءلة والعقاب، ولم تكن الوزارة -ولا الوزير- في منأى من العتب. لكن بحسن النيات الوطنية لدى جميع الأطراف، وبالحكمة والتعقل والتدبير الحازم الرصين والماهر، وصلت الأمور إلى خواتم مقبولة في تطويق تبعات النشر، والتأني في تجنب الهفوات والسقطات، وهي ركائز الفلسفة الإعلامية السعودية التي ترسخت قواعدها بمرور الزمن.
وعلى رأس الإيجابيات التي تُحسب للوزير تأسيس المؤسسات الصحفية التي عززت دور الصحف السعودية وانتشارها وترسيخ إمكاناتها المالية، برغم ما اعترى هذا الإنجاز من عثرات، أبرزها تحوّل هذه المؤسسات من أدوات إعلامية إلى نشاط تجاري، بعد لجوء أعضائها إلى تداول وبيع وشراء الأسهم، «كما تباع أسهم شركات الإسمنت، ومصانع إنتاج الألبان وأسهم البنوك!» ص 439.
وفي سياق هذه المسيرة الحافلة لوزير الإعلام، افتتحت بهدوء قنوات للتلفزيون في جدة والرياض والقصيم والمدينة والدمام، مع وضع ضوابط خاصة بكل منطقة تراعي خصوصيتها الاجتماعية، وتسهم في تعزيز تقبّل المجتمع للمستجدات الإعلامية في مسألتين على الأقل: الأولى، قبول مبدأ الترفيه في البرامج، من غناء وطرب رصين، وغير ذلك. والثانية، السماح التدريجي بإطلالة صوت المرأة عبر الإذاعة، وصورتها عبر شاشات التلفزيون. وقد جلب هذا الحِراك انتباه مراسلة صحيفة (نيويورك تايمز) في الرياض، دانا شميدت، التي كتبت خبرًا وتعليقًا تحت عنوان: «سعوديون يقاومون جهود فيصل للإصلاح»، ذكرت فيه أن وفدًا قابل الأمير فيصل، وبعد أن تحدث الجميع، قال الأمير: إنه عليم بأمور الشرع الإسلامي، وذكَّرهم بأن النبي محمدًا كان يستمتع بأداء الخنساء قصائدها أمامه. ثم أعلن، والمشايخ في ذهول، بأنه بعد أشهر عدة لن يسمعوا صوت النساء فحسب، بل سيرون، أيضًا، وجوههن على شيء اسمه التلفزيون» ص422.
إنتاج أفلام وثائقية
ويروي الشيخ جميل تفصيلات الجهد في مجال الإعلام الخارجي تحت إشرافه المباشر، من خلال إنتاج الأفلام الوثائقية الإعلامية، وأولها وأهمها فِلم عن الحج عنوانه: «الطريق إلى عرفات» بلغات خمس، وطوله 63 دقيقة. وقد نال الفِلم، الذي يهز المشاعر والقلوب، إقبالًا واسعًا بعد عرضه في سفارات المملكة في الدول الآسيوية والإفريقية ذات الأغلبية المسلمة. وفيما بعد أنتجت الوزارة أفلامًا أخرى استعانت فيها بخبرات أجنبية وعربية، حازت شهرة واسعة.
ومن أطرف ما جاء في قسم الإعلام في الكتاب فقرة بعنوان «الحاج توماس أبركرومبي»، تحكي عن رغبة مجلة «ناشيونال جيوغرافيك» الشهيرة في إيفاد أحد كبار مراسليها «كي يُعِد مقال غلافٍ استطلاعيًّا عن المملكة، لأول مرة، في عدد شهري قادم… فـ «رحبتُ، فورًا، بهذا العرض الذي لا يمكن استقباله إلا بالابتهاج» ص 485. ويصل توماس أبركرومبي إلى المملكة ليبدأ العمل لمدة ثلاثة أشهر مرهقة، استعان خلالها بقافلة كاملة لاقتحام رمال الربع الخالي، وقد ظهر الاستطلاع في 52 صفحة، في عدد يناير عام 1966م.
طلب المراسل، صعب المراس، توماس أبِركرومبي، الإذن من الوزير بقبوله: «ضمن الوفود الإعلامية في الحج». شرح له الوزير أن دخول مكة مباح للمسلمين فقط. لكن المراسل فاجأه وهو يناوله جواز سفره الذي يحمل قرار المحكمة الشرعية الكبرى في جدة بإشهار إسلامه تحت اسم عمر، تيمنًا باسم الخليفة. وقد أثارت هذه النهاية المفاجِئة ردود أفعال تتعلق بإسلام بعض لتحقيق مصالح ومكاسب ذاتية!
يذكر صاحب المذكرات أن البدايات الإعلامية السعودية في مطلع الستينيات، كانت حقيقة ماثلة أمام الجميع! فكيف صار ذلك الإعلام في الألفية الجديدة هو الأقوى؟ الأسباب متعددة، ومذكورة في الكتاب، وعلى رأسها إيمان الملك فيصل بسياسة الانفتاح الإعلامي التي نفذها الوزير الحجيلان بنشاط وجدية، وهو ما أدّى إلى الطفرة التي نشهد معالمها هذه الأيام.
0 تعليق