شهد المشهد الثقافي السعودي في حقبة الثمانينيات والتسعينيات من القرن الفائت، حراكًا بين التيار التقليدي ومَن رفعوا راية التحديث والتجديد في الأجناس الأدبية، وبخاصة الشعر. رافق هذا الحراك ضجة إعلامية كبيرة، حالت دون تمكّن المتلقي من رؤية الصورة بوضوح؛ إذ كان متحيزًا لفريق ضد الآخر. وكما يُقال: إن القرب حجاب، ظهرت الحاجة إلى إعادة قراءة موضوعية لكثير من الأسماء والتجارب التي طغى حضورها، أكثر من سواها، بصورة واضحة. ولأن الحداثة -في جوهرها كما يرى مُنَظِّرُوها- مشروع دائم التجدد، تظل أسئلتها معلقة دون إجابات نهائية، فإننا نسعى في هذه المراجعة (التي أتوخى أن يعوض عمقها ونبل هدفها، عن كونها مراجعة قصيرة لناحية عدد كلماتها) إلى ما يشبه نزع السحر “أو القداسة” عن تجربة الشاعر محمد الثبيتي، الذي لا يزال حضوره طاغيًا، ولا أظنه يحتاج إلى مناسبة لمقاربة منجزه الشعري، على الرغم من أنه قريبًا ستمر الذكرى الـ25 على رحيله.
لم يكن محمد الثبيتي (1952- 2011م) الشجرةَ الوارفة التي تُخفي بظلالها كثافة الغابة، ففي المشهد الشعري السعودي يوجد أسماء موازية له في العمق، بل تفوقت عليه في نصوصٍ بعينها، كعبدالله الصيخان الذي تألق في قصيدتيه «فاطمة» و«هواجس في طقس الوطن»؛ والأخيرة تُعَدُّ أيقونة القصائد الوطنية بامتياز. وهناك محمد جبر الحربي الذي صاغ من «خديجة» أنثى الأسطورة والتراب، وعلي الدميني، وهو يحوّل «الخبت» إلى فضاءٍ أسطوريٍّ مكثّف، وعبدالكريم العودة وهو يستعيد في «وجه الشنفرى يملأ الأفق» صورة البدائي المُعذَّب ببلاغةٍ معاصرة، وقصيدة محمد العلي الأشهر «لا ماء في الماء».
ولا أود هنا أن أذكر شعراء قصيدة النثر، فالمقام لا يتسع لذلك، أمثال فوزية أبو خالد، ومحمد الدميني، وأحمد الملا، الذين قدموا فتوحات لغوية في أعمالهم إبان تلك المرحلة من ثمانينيات القرن الفائت. أما الثبيتي، فكانت قصائده -«تغريبة القوافل والمطر» و»التضاريس»- تُنبئُ بمشروعٍ شعريٍّ طموح، ينزع نحو التأسيس لرؤيةٍ تمتاح من صحراء الذات والوطن. بيد أن هذا المنجز، لم يبلغ مداه الأرحب؛ إذ أصابته نكسةٌ لغوية وفكرية، تجلّت في بعض نصوصه المتأخرة التي خرجت من عباءة التضاريس إلى سطحية مبتذلة.
لننظر إلى «بوابة الريح»، تلك القصيدة العمودية ذات الروي الموحَّد (الحاء)، التي تبدأ بهذا البيت:
«مَضَى شِرَاعي بِمَا لا تَشتهِي رِيحِي
وفَاتَنِي الفجْرُ إذْ طَالَتْ تَرَاوِيحِي»
هنا، يبدو الثبيتي وكأنه يستعيدُ إيقاعاتٍ تقليديةً بلا روح، فالقصيدة تفتقر إلى الانزياحات المجازية التي طبعتْ تجربته الأولى، كما أن الصور الشعرية تتراجع إلى مستوى المباشرة، وكأن الشاعر يُعيد إنتاج ذاته بلا وعيٍ نقديّ. والأمر ذاته ينطبق على مقطعٍ مستل من «موقف الرمال، موقف الجناس»
«أصادق الشوارع/ والرمل والمزارع/ أصادق النخيل/ أصادق المدينة/ والبحر والسفينة/ والشاطئ الجميل/ أصادق البلابل/ والمنزل المقابل/ والعزف والهديل/ أصادق الحجارة/ والساحة المُنارة».
لا يُنكر أحدٌ أن الثبيتي، في بداياته -مع ديواني «عاشقة الزمن الوردي» و»تهجيت حلمًا تهجيت وهمًا»- كان شاعرًا يبحث عن أثر خاص، وقد تمايز لاحقًا في مجموعة «التضاريس» التي مثّلتْ ذروة نضجه الإبداعي. لكنَّ هذا الصعودَ المبهر توقف فجأة، وكأنَّ ريحًا عاتيةً اجتاحت مشروعه، فتركته يُنازع بين انكسارَيْن: تراجع وهج اللغة التي فقدتْ حيويتها، ونكوص الرؤية وهي تتأرجح في فلك اجترار العادي والمألوف.
غير أن الموت، بوصفه حدثًا دراماتيكيًّا، وربما ظروف مرضه، أعادا تشكيل صورة الثبيتي في الوعي الجمعي، فبعد رحيله، سارع بعض الإعلاميين والنقاد والمؤسسات الثقافية إلى «أسطرته»، فحوّلوه إلى أيقونةٍ منفردةٍ، تزيحُ عن المشهد أسماء لامعة كانت تشاركه الرؤية ورحلة الإبداع. لقد قدّم أولئك الإعلاميون والكتاب، الشجرةَ الواحدةَ على حساب الغابةِ المزدهرةِ، وكأنَّ الشعر السعوديَّ وُلدَ وماتَ مع الثبيتي. لكن الحقيقة أن المشهد الشعريَّ ثري بتجاربَ متعاقبةٍ، كلٌّ منها يحملُ خطاب صاحبه، والثبيتي -رغم مكانته- ليس إلا واحدًا من نخبةٍ صنعتْ للقصيدة السعوديةِ هويتها المتجددة.
0 تعليق