لنعلم، بادئ ذي بدء، أن المقصود بـ«الأخلاق» في هذا المقال، هو الأخلاق العملية لا القيم النظرية. بمعنى أن ما يهمنا هنا هو التطبيق الواقعي للسلوك الأخلاقي، وليس المرجعية القيمية أو مدى صحة المبدأ الأخلاقي في ذاته. هذا التمييز أساسي قبل الشروع في شرح نظرية «المصلحة» عند ابن تيمية والفلسفة النفعية التي تميز بها منهجه الأخلاقي.
أولًا، من الضروري التفرقة بين الأخلاق وبين القيم. فالأخلاق «العملية» تُعنى بالبُنود التطبيقية المبررة فلسفيًّا بحسب سياق الزمان والمكان، وهي تنشأ من تفاعل الفرد مع الواقع، وتحليل عواقب الفعل ومخرجاته وفقًا للمصلحة العامة للمجتمع، لا مصلحة الفرد وحده. الأخلاق العملية، بهذا المعنى، فرع فلسفي يبحث في مدى صحة الفعل أخلاقيًّا عند تنفيذه، بالاعتماد على المنطق والتبرير العقلاني المقنع. أما القيم «النظرية، فهي عبارة عن معتقدات وقناعات يحملها الفرد في ذهنه كمنهج حياتي ومعيار قيمي لسلوكه الفردي، سواء كانت هذه القيم مستمدة من الدين أو من العرف. باختصار: الأخلاق العملية هي اتفاق اجتماعي، بينما القيم النظرية هي قناعة شخصية. ولتبسيط الفرق بين الأخلاق والقيم نستشهد بالمثال التالي:
لو أن جنديًّا قتل عدوه في الحرب، فإن فعله يعد عملًا أخلاقيًّا من الناحية العملية؛ لأنه يندرج تحت بند الدفاع عن الوطن، وهو مبرّر بحسب القيم الأخلاقية العامة للجماعة؛ إلا أن هذا الجندي قد يعاني تأنيبَ الضميرِ لأنه يرى فعله «عملًا خاطئًا» بناءً على القيم والمبادئ النظرية الشخصية التي يؤمن بها. فإذا كان الجندي مسلمًا وقتل عدوًّا مسلمًا في حرب بين دولتين مسلمتين، فإن فعل القتل هنا مبرر أخلاقيًّا لكنه مؤلم قيميًّا بالنسبة له بصفته فردًا مسلمًا.
لأن هذا الجندي القاتل يحمل مبادئ وقيمًا إسلامية تقول له: لا يجوز قتل المسلم للمسلم. مع ذلك، سيلتزم بتطبيق البند الأخلاقي العملي (الدفاع عن الوطن)؛ لأن الموقف يمس مصلحة عامة، ومن واجبه حماية المواطنين الذين أقسم على حمايتهم. لكنه قد يدخل في تأنيب ضمير بسبب أنه خالف قيمه المعنوية الراسخة في منظومته المعرفية. يتضح لنا من هذا المثال أن القيم النظرية تسكن الذهن وتوجّه ضمير الفرد، بينما الأخلاق التطبيقية تُمارَس على أرض الواقع وتُبنى على مبررات اجتماعية.
ولتقريب هذا الفرق أكثر، سنعرض تقسيمًا افتراضيًّا يُبسّط الفروقات بين القيم والأخلاق، وفق السياق المطروح في هذا المقال. هذا التقسيم ليس نهائيًّا، بل هو اجتهاد فكري قابل للنقد والتطوير. الأهم منه هو إيصال الفكرة بوضوح.
الفروقات المفاهيمية بين «القيم» و «الأخلاق»
القيم فردية أما الأخلاق فـاجتماعية، القيم نظرية وذهنية أما الأخلاق فهي عملية وتطبيقية، القيم تُعبّر عن أفكار ذاتية، في حين أن الأخلاق تتجسّد في أفعال ومعاملات موضوعية. القيم ترتبط بـالمعتقدات والمبادئ والتقاليد والأعراف، بينما الأخلاق تنعكس في سلوكيات تحمل تبريرًا منطقيًّا. القيم عادة ما تكون ثابتة ومثالية ومعيارية، أما الأخلاق فهي متغيرة ونسبية وإجرائية، تخضع لظروف المجتمع وسياقاته المختلفة.
بعد أن وضحنا الفرق بين الأخلاق العملية والقيم النظرية في فلسفة الأخلاق، دعونا نضرب بعض الأمثلة الملموسة في ثقافتنا الإسلامية لتتضح الفكرة أكثر. فمثلًا قضية «حاكمية الشريعة» تُعد، من الناحية النظرية، قيمة دينية راسخة عند أغلب المسلمين، لكن حين ننتقل إلى التطبيق، نكون أمام الأخلاق العملية. هنا يُطرح السؤال: هل من الحكمة، أو من الصواب، أو من المصلحة، تطبيق الشريعة كاملة بصورتها التراثية القديمة في دولة مدنية حديثة؟
أعتقد أن الجواب الحكيم هو: «لا»، بل لا بد من نسخة جديدة تتماشى مع ديناميكية الواقع المعاصر. في هذا المثال، نحن لا نتحدث عن صحة مبدأ «حاكمية الشريعة» من حيث الأصل النظري، بل نناقش إمكانية تطبيقه في الواقع فقط. وهذا هو الفرق الجوهري بين القيم والأخلاق؛ فالقيم تقاس بالمبادئ الذهنية المعنوية، بينما تقاس الأخلاق بالعواقب العملية على أرض الواقع. فالشخص الذي يؤمن بفكرة «حاكمية الشريعة» ليس بالضرورة أنه يرى ضرورة تطبيقها في كل وزمان ومكان؛ فالقيمة شيء، والتطبيق الأخلاقي شيء آخر.
نحن، في هذا المقال، لا نناقش القيم النظرية الذاتية، التي تختلف تصوراتها بين الأفراد بحسب أديانهم وأعرافهم ومذاهبهم، بل نركز على الجانب التطبيقي الموضوعي في الواقع، وصناعة أرض وسطية قابلة للتطبيق بين المختلفين داخل مجتمع متنوع. فالفيصل، دائمًا، في المجتمع المتعدد لا يكون على مستوى القناعات الفردية، بل في التطبيق المشترك؛ لأن الأهم دائمًا هو «المصلحة العامة» وجودة التطبيق، وجلب المنافع قدر الإمكان وفقًا للنوازل والمتغيرات.
وهنا نصل إلى واحدة من أهم النظريات في فلسفة ابن تيمية، وهي «نظرية المصلحة»، كما سماها جون هوفر في كتابه «ابن تيمية حياته وفكره». ولمن أراد تبسيطًا، فلجون هوفر سلسلة مرئية قصيرة على اليوتيوب يشرح فيها هذه النظرية باختصار.
نظرية المصلحة وفلسفة الأخلاق النفعية
ابن تيمية، على الرغم من حِدّته الشديدة وتعصبه أحيانًا في الفهم الديني «النظري» والقيم الإسلامية الكبرى، فإنه «براغماتي» ونفعي ونسبي في التطبيق؛ وهذا ما يهمنا. فمثلًا: ابن تيمية كان يرى الخلافة واجبًا شرعيًّا، من الناحية النظرية، لكنه لم يطالب قط بإسقاط الحكام أو الخروج عليهم من أجل تحقيقها؛ لأنه أولًا: كان يفرق بين فكرة الخلافة من الناحية النظرية الكلية في الذهن، وفكرة تطبيقها في الواقع. ثانيًا: كان يقيس القضية بعدسة «المصلحة العامة»، ومدى الضرر والنفع الذي سيحصل للمجتمع جراء المطالبة بالخلافة بحسب الزمان والمكان.
لم يكن يتعامل مع الفكرة بمنظور مجرد أو مطلق، بل كان يتتبع المعطيات الواقعية، ويُمعن النظر في الظروف المحيطة، ويطرح تساؤلات نقدية من قبيل: هل تتيح الأوضاع القائمة إقامة الخلافة؟ وهل يتلاءم نظامها مع معطيات العصر؟ فهو لم يكن ينظر بعين واحدة في التطبيق. ولذلك، قال في زمانه: إن الظروف لا تسمح بإقامة الخلافة لأن عللها قد رُفعت، فلا يصح المطالبة بشيءٍ زالت معطياته وانعدمت مقوماته في ذلك الزمن الذي يعيش فيه.
ولعلّ ما يُعبّر عن هذه الرؤية الواقعية البراغماتية هو قوله الشهير: «ستون عامًا تحت حكم حاكم ظالم خيرٌ من يوم واحد بلا حاكم». هذه نظرة براغماتية نفعية وواقعية تتعامل مع الظروف بواقعية ونسبية، بعيدًا من المثالية، وتهدف في جوهرها إلى تحقيق «المصلحة العامة».
يذكر ابن تيمية في بعض كتبه أنه لا يوجد واقع مثالي كامل، وأن كل شيء نسبي بقدر الإمكان، وأن الكمال لا يتحقق إلا في الكليات الذهنية. وكان يكرر دائمًا في أجوبته عن الأسئلة الأخلاقية التي كانت ترد إليه في عصره: أنه يجب قياس الحكم الأخلاقي التطبيقي بمعيار المصلحة؛ فإذا كان النفع أكبر من الضرر، أصبح الأمر أخلاقيًّا، وإذا كان الضرر أكبر من النفع، أصبح الأمر غير أخلاقي، حتى وإن كان شرعيًّا وواجبًا نظريًّا في الدين؛ لأنه يرى أن الشريعة، في المقام الأول، جاءت لمصلحة الناس كغاية كبرى، ولا بد لنا أن نكون في صف الشريعة لتحقيق هذه الغاية عبر التفاعل مع الواقع بمرونة وديناميكية.
وأن هذه الغاية الكبرى المرجوة من الشريعة لا تتحقق من الشريعة ذاتها -نظريًّا- من دون واقع حقيقي وتطبيق عملي متفاعل مع معطيات شرطية توصلنا إلى تحقيق هذه «المصلحة العامة» المرجوة من أجل عامة الناس.
في هذا السياق يقول ابن تيمية: العدل لا يتحقق بمجرد الإيمان بالشريعة من دون المتطلبات الضرورية لتطبيقها، فالعدل لا يتحقق بمجرد الإيمان الذهني بالإسلام، في صورة مثالية منفصلة عن حقيقة الواقع المتغير الذي يحتاج إلى تفاعل ومعطيات مختلفة للوصول إلى العدل. ويشدد على نسبية وجود أخطاء وتقصير حتمي في تطبيق العدل ذاته والشريعة نفسها. فيقول في قانون العدل: «إن الله يقيم الدولة العادلة حتى وإن كانت كافرة، ولا يقيم الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة». ويضيف أيضًا أن أمور الناس تستقيم مع العدل الذي يتضمن أنواعًا من الإثم والذنوب أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق، حتى وإن كان خاليًا من الإثم والذنوب «مجموع الفتاوى» (م٢٨ ص ١٤٦). هنا ابن تيمية كأنه يقول لنا: علينا أن نبدأ من الجزئيات إلى الكليات، من الواقع إلى الحكم الذهني، فبالمعطيات تتحقق النظريات.
يقول ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (م٢٨ ص١٤٦): «وأمور الناس تستقيم في الدنيا مع العدل الذي فيه الاشتراك في أنواع الإثم أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق وإن لم تشترك في إثم؛ ولهذا قيل: إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة؛ ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة. ويقال: الدنيا تدوم مع العدل والكفر، ولا تدوم مع الظلم والإسلام. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس ذنب أسرع عقوبة من البغي وقطيعة الرحم»؛ فالباغي يصرع في الدنيا وإن كان مغفورًا له مرحومًا في الآخرة، وذلك أن العدل نظام كل شيء؛ فإذا أقيم أمر الدنيا بعدل قامت، وإن لم يكن لصاحبها في الآخرة من خلاق، ومتى لم تقم بعدل لم تقم وإن كان لصاحبها من الإيمان ما يجزى به في الآخرة؛ فالنفس فيها داعي الظلم لغيرها بالعلو عليه والحسد له؛ والتعدي عليه في حقه.

نسبية الخير والشر عند ابن تيمية
يرى ابن تيمية في تصوره لمسألة الخير والشر أنه لا يوجد خير محض ولا شر محض؛ فداخل كل خير «شر قليل» لا يؤثر في حقيقة أنه خير، وداخل كل شر «خير قليل» لا يؤثر في حقيقة أنه شر «مجموع الفتاوى» (المجلد٣٥، ص٣٠). هذه النظرة الواقعية نحتاجها في ثقافتنا، خصوصًا داخل المنظومة الشرعية التي تميل أحيانًا إلى المثاليات النظرية. يضرب ابن تيمية أمثلة متعددة على نسبية الخير والشر في سلوك البشر، ويؤكد أن الإنسان، بطبيعته، يقع في الخطأ النسبي «الحتمي» بالضرورة حتى عندما يسعى إلى الخير ويقصده بنية صادقة.
فالحاكم العادل والسياسي الذي يؤمّن حياة الناس ويقيم النظام، لا بد أن يقع في أخطاء؛ بسبب رغبات النفس، مثل حب السلطة ومحاباة المقربين. وكذلك طالب العلم الشرعي، مهما بلغ من المعرفة والورع، سيقع في الخطأ، سواء عبر اجتهاد خاطئ، أو ميل غير واعٍ إلى رأي معين. ومن اللافت أن ابن تيمية أشار إلى أن المتخصص في علم الشعائر والعبادات، غالبًا ما ينزلق إلى نوع من الرهبنة أو المبالغة في الزهد، رغم أن الشريعة لا تطلب منه ذلك. وهنا يتضح أن ابن تيمية كان واقعيًّا نسبيًّا ذا فلسفة أخلاقية براغماتية (المرجع نفسه).
ولتعزيز هذا التصور البراغماتي الأخلاقي عند ابن تيمية، نسرد هنا اقتباسين مهمين يُظهران مدى وعيه بتعقيدات الواقع الأخلاقي. ففي الاقتباس الأول يقول: «فإن كثيرًا من الناس يستشعر سوء الفعل؛ ولا ينظر إلى الحاجة المعارضة له التي يحصل بها من ثواب الحسنة ما يربو على ذلك؛ بحيث يصير المحظور مندرجًا في المحبوب أو يصير مباحًا إذا لم يعارضه إلا مجرد الحاجة، كما أن من الأمور المباحة؛ بل والمأمور بها إيجابًا، أو استحبابًا: ما يعارضها مفسدة راجحة تجعلها محرمة أو مرجوحة، كالصيام للمريض، وكالطهارة بالماء لمن يخاف عليه الموت، كما قال صلى الله عليه وسلم: «قتلوه قتلهم الله! هلا سألوا إذا لم يعلموا؛ فإنما شفاء العي السؤال» (مجموع الفتاوى، م٣٥ ص٢٩).
أما في الاقتباس الثاني، فيقول (في مجموع الفتاوى م٣٥ ص٣٠): «والصورة الثانية، إذا كان يمكن فعل الحسنات بلا سيئة؛ لكن بمشقة لا تطيعه نفسه عليها، أو بكراهة من طبعه بحيث لا تطيعه نفسه إلى فعل تلك الحسنات الكبار، المأمور بها إيجابًا أو استحبابًا، إن لم يبذل لنفسه ما تحبه من بعض الأمور المنهي عنها، التي إثمها دون منفعة الحسنة فهذا القسم واقع كثيرًا: في أهل الإمارة، والسياسة، والجهاد، وأهل العلم، والقضاء، والكلام؛ وأهل العبادة، والتصوف، وفى العامة، مثل من لا تطيعه نفسه إلى القيام بمصالح الإمارة -من الأمر بالعروف، والنهي عن المنكر، وإقامة الحدود، وأمن السبل، وجهاد العدو، وقسمة المال- إلا بحظوظ منهي عنها، من الاستئثار ببعض المال؛ والرياسة على الناس، والمحاباة في القسم، وغير ذلك من الشهوات، وكذلك في الجهاد؛ لا تطيعه نفسه على الجهاد إلا بنوع من التهور. وفي العلم لا تطيعه نفسه على تحقيق علم الفقه، وأصول الدين، إلا بنوع من المنهي عنه، من الرأي، والكلام، ولا تطيعه نفسه على تحقيق علم العبادة المشروعة، والمعرفة المأمور بها، إلا بنوع من الرهبانية».
من الأدلة الأخرى التي تؤكد أن ابن تيمية كان نسبيًّا وواقعيًّا في نظرته إلى مفهومي الخير والشر، قوله: «ليس العاقل الذي يعرف الخير والشر، وإنما العاقل الذي يعلم خير الخيرين وشر الشرين (مجموع الفتاوي م٢٠ ص٥٤). هذا القول يعد من صلب الأخلاق النسبية القائمة على تحقيق «المصلحة العامة». فحين يقال في النقاشات: إن الأخلاق نسبية، فالمقصود غالبًا ليس القيم النظرية، بل الأخلاق التطبيقية.
فالقيم، في المستوى النظري، مثالية، لكن الواقع غير مثالي، فليس الإبداع في أن تعرف ما هو الخير وما هو الشر «نظريًّا»؛ وإنما الإبداع والمهارة المفيدة -وفقًا لابن تيمية- تكمن في قدرتك على التفضيل وقياس خير الخيرين وشر الشرين؛ لأنه يرى أن الواقع غير قابل للكمال المطلق كما هو في الذهن. يؤكد ابن تيمية: أنه لا يوجد واقع مثالي، وإنما الواقع هو نسخة نسبية من العالم المطلق الإلهي، بمعنى أن الدولة هي نسخة غير مثالية تسعى للوصول إلى الكمال الإلهي «المثالي»، لكنها تظل نسبية قدر الإمكان (Hoover, p111).
تطبيقات النظرية
ولكي نجسد هذه الفلسفة النفعية في عصرنا الحديث، يمكننا أن نتخيل موقف ابن تيمية لو أنه حاضر في عصرنا، والتقى الحركاتِ الدينيةَ المتشددةَ التي تنادي بـ»تطبيق الشريعة»، لقال لهم: إن المطالبة بتطبيق الشريعة في دولة حديثة، تختلف تمامًا عن الدولة الدينية الإمبراطورية السابقة، لا يصح أخلاقيًّا. وسيحذرهم من مغبة العبث بإسقاط الدول القائمة؛ لأن الضرر الناجم عن الفوضى سيكون أكبر بكثير من المنفعة المرجوة أو المتوهمة، حتى وإن كان تطبيق الشريعة واجبًا دينيًّا؛ فإن هذا الضرر سيكون عكس مصلحة وغاية الشريعة نفسها التي يطالبون بتطبيقها وهي «مصلحة الناس».
ونستحضر هنا رأي ابن تيمية في الخوارج عندما قال: إن الخوارج اعتقدوا أنهم يحققون إرادة الله في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتطبيق الشرع، لكنهم في الحقيقة جلبوا أضرارًا كثيرة على المسلمين، ومارسوا الهمجية في التعامل مع الواقع، ولم يحققوا إرادة الله على وجهها الصحيح (Hoover, p104).
هنا ابن تيمية يفرق بين القيم النظرية التي يحملها كعقيدة دينية وبين التطبيق الأخلاقي على أرض الواقع المعيش. ولو أخذنا مثالًا صريحًا على ذلك، فإن ابن تيمية في شرحه لتطبيق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان يعتمد على الفلسفة النفعية النسبية القائمة على المصلحة العامة والعواقب. فكان يقول في قضية الأمر بالمعروف إنه: إذا ترجح النفع على الضرر وجب الأمر بالمعروف، لكن إذا ترجح الضرر على المنفعة فلا يصح الأمر بالمعروف، حتى وإن كان الأمر واجبًا دينيًّا. بل يقول: إن من يأمر بالمعروف في حالة توقع الضرر فهو آثم ويصد الناس عن سبيل الله. والمميز في تحليله النفعي هو قوله: إذا تساوى مقدار النفع والضرر إلى درجة لا نستطيع التمييز بينهما، فلا يُؤمر بمعروف ولا يُنهى عن منكر حتى نتحقق من المصلحة العامة.
هذه نقطة دقيقة جدًّا في إيضاح معيار ابن تيمية «النفعي» وارتكازه على العواقب في التنفيذ، وليس على المبادئ المجردة عن الواقع. يقول: «وقد تكلمت على قتال الأئمة في غير هذا الموضع. وجماع ذلك داخل في «القاعدة العامة»: فيما إذا تعارضت المصالح والمفاسد والحسنات والسيئات أو تزاحمت؛ فإنه يجب ترجيح الراجح منها فيما إذا ازدحمت المصالح والمفاسد، وتعارضت المصالح والمفاسد.
فإن الأمر والنهي وإن كان متضمنًا لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة فينظر في المعارض له؛ فإن كان الذي يفوت من المصالح أو يحصل من المفاسد أكثر لم يكن مأمورًا به؛ بل يكون محرمًا إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته» (مجموع الفتاوى م٢٨ ص١٢٩).
ويضيف: «وعلى هذا، إذا كان الشخص أو الطائفة جامعين بين معروف ومنكر بحيث لا يفرقون بينهما؛ بل إما أن يفعلوهما جميعًا؛ أو يتركوهما جميعًا: لم يجز أن يؤمروا بمعروف ولا أن ينهوا عن منكر؛ بل ينظر: فإن كان المعروف أكثر أمر به؛ وإن استلزم ما هو دونه من المنكر. ولم ينه عن منكر يستلزم تفويت معروف أعظم منه؛ بل يكون النهي حينئذ من باب الصد عن سبيل الله والسعي في زوال طاعته وطاعة رسوله وزوال فعل الحسنات، وإن كان المنكر أغلب نهي عنه؛ وإن استلزم فوات ما هو دونه من المعروف؛ ويكون الأمر بذلك المعروف المستلزم للمنكر الزائد عليه أمرًا بمنكر وسعيًا في معصية الله ورسوله.
وإن تكافأ المعروف والمنكر المتلازمان لم يؤمر بهما ولم ينه عنهما. فتارة يصلح الأمر؛ وتارة يصلح النهي؛ وتارة لا يصلح لا أمر ولا نهي حيث كان المعروف والمنكر متلازمين؛ وذلك في الأمور المعينة الواقعة» (المرجع نفسه، ص١٣٠).
في ختام تحليله الأخلاقي لمسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يقول: «وأما من جهة النوع فيؤمر بالمعروف مطلقًا وينهى عن المنكر مطلقًا» (مجموع الفتاوى م٢٨ ص١٣٠). وهنا يتضح كيف يفرق ابن تيمية بين القيم النظرية المطلقة والأخلاق التطبيقية المتغيرة، فعندما قال: «من جهة النوع»؛ فهو يقصد الناحية النظرية، وهي عنده ثابتة، لكن التطبيق متغير حسب الظروف والمعطيات كما شرحنا سابقًا.
ويستطرد ابن تيمية لشرح فلسفته الأخلاقية الواقعية المبنية على غاية «المصلحة العامة»، فيقول: «ثم إذا علم أنهم إذا نهوا عن تلك السيئات تركوا الحسنات الراجحة الواجبة لم ينهوا عنها؛ لما في النهي عنها من مفسدة ترك الحسنات الواجبة؛ إلا أن يمكن الجمع بين الأمرين، فيفعل حينئذ تمام الواجب، كما كان عمر بن الخطاب يستعمل من فيه فجور؛ لرجحان المصلحة في عمله؛ ثم يزيل فجوره بقوته وعدله».
ويكمل: «ويكون ترك النهي عنها حينئذ: مثل ترك الإنكار باليد، أو بالسلاح إذا كان فيه مفسدة راجحة على مفسدة المنكر. فإذا كان النهي مستلزمًا في القضية المعينة لترك المعروف الراجح: كان بمنزلة أن يكون مستلزمًا لفعل المنكر الراجح، كمن أسلم على ألا يصلي إلا صلاتين، كما هو مأثور عن [بعض من أسلم على عهد] النبي صلى الله عليه وسلم، أو أسلم بعض الملوك والسلاطين وهو يشرب الخمر، أو يفعل بعض المحرمات، ولو نهي عن ذلك ارتد عن الإسلام».
ثم يقرر: «ففرق بين ترك العالم أو الأمير لنهي بعض الناس عن الشيء إذا كان في النهي مفسدة راجحة، وبين إذنه في فعله. وهذا يختلف باختلاف الأحوال. ففي حال أخرى يجب إظهار النهي: إما لبيان التحريم، واعتقاده، والخوف من فعله. أو لرجاء الترك. أو لإقامة الحجة بحسب الأحوال. ولهذا تنوع حال النبي صلى الله عليه وسلم في أمره، ونهيه، وجهاده، وعفوه، وإقامته الحدود، وغلظته، ورحمته.» (مجموع الفتاوى، م٣٥ ص٣٢).
لتبسيط رؤية ابن تيمية في الأخلاق النفعية المبنية على تحقيق غاية «المصلحة العامة»، لنأخذ قضية منع لبس الحجاب في فرنسا لدى المسلمين، على سبيل المثال. لو فُرض قانون منع الحجاب، من جانب الحكومة الفرنسية، وأتى داعية أو شيخ دين وأمر النساء في فرنسا بلبس الحجاب وحذرهن من عدم الالتزام به، رغم قانون الحكومة الفرنسية الذي يعاقب على ذلك؛ فإن هذا الشيخ -بحسب فلسفة ابن تيمية- يُعد مذنبًا ومنفرًا عن دين الله، حتى لو أمر بمعروف، كلبس الحجاب؛ لأن المصلحة العامة للمجتمع المسلم في فرنسا قد تتضرر في ظل القانون الصارم وقد يَخسرون وظائفهم أو يُرَحَّلُون أو يُعاقَبُون.
بالتالي، حسب نظرة ابن تيمية في فلسفة الأخلاق النفعية، فإنه لا يجوز أخلاقيًّا الأمر بالمعروف (لبس الحجاب) حين يكون الضرر أكبر من المنفعة في الواقع، ومن يأمر بلبس الحجاب يكون في هذه الحالة مذنبًا شرعًا ومنفرًا عن الدين وبعيدًا من تحقيق المصلحة العامة. وبرغم ذلك يرى ابن تيمية وجوب الحجاب كقيمة وحكم شرعي، لكنه يختلف معهم في رؤية التطبيق على أرض الواقع فقط.
ولو طُبق المثال نفسه في سياق معاصر كواقع المجتمع المصري، مثلًا، فإن ابن تيمية يرى وجوب لبس الحجاب والتشديد على وعظ النساء وتذكيرهن بالالتزام بذلك. ومن يأمر الناس بهذا المعروف -في هذا السياق- يُعَدُّ مأجورًا وغير مذنب؛ لأنه يرى هنا أن النفع للمجتمع سيكون أكبر من الضرر، وأن المصلحة العامة ستعود بنفع أكبر للمجتمع المسلم.
في هذا المثال، نرى كيف أن وجوب لبس الحجاب يُعَدّ «قيمة» ثابتة، وحكمًا لا يتغير ولا يتبدل في عقل المؤمن. لكن الامتناع عن لبس الحجاب في ظرف اجتماعي معين لا يُعَدّ نقضًا للقيمة ذاتها، بل يُعَدّ سلوكًا أخلاقيًّا متغيرًا يتكيف مع طبيعة الواقع المحيط. ومعيار الأخلاق هنا هو مدى الضرر والنفع على الإنسان والمجتمع عند تطبيق القيم والمبادئ والأحكام النظرية حسب فلسفة ابن تيمية الأخلاقية النفعية التي تعتمد على معيار «المصلحة العامة».
الخلاصة
يمتلك ابن تيمية منطقًا عمليًّا يختلف بوضوح عن منطقه النظري؛ إذ إن منطقه العملي واقعي، متغير، ومرتبط بسياقات الواقع، بينما منطقه النظري يمثل المطلق الثابت في فلسفته الأخلاقية.
وعلى الرغم من أننا نخالفه في بعض أوجه منطقه النظري، فإننا نتفق معه في منطقه العملي النفعي، الذي يفضي إلى نتائج عقلانية وواقعية، ويجعل العقل المنتمي إلى مدرسته ديناميكيًّا ومرنًا، قادرًا على التفاعل مع متغيرات الواقع دون صدام.
من هنا تظهر أهمية التمييز بين «القيم» و»الأخلاق» في فلسفة الأخلاق، ولا سيما في عالمنا المعاصر الذي تحول إلى قرية كونية، حيث لم يعد هناك مجالٌ لمجتمع أحادي الفكر أو معزول عن غيره؛ بل أصبحت معظم المجتمعات متعددة الأديان والأعراق والمعتقدات، وتعيش معًا ضمن محيط إنساني مشترك.
وبناءً على هذا، فإن القيمة الحقيقية للحوار الأخلاقي المعاصر لا تكمن في الجدل حول المرجعيات النظرية المجردة والدفاع عنها في فضاء نظري مغلق، بل تكمن في تحليل كيفية تطبيق المبادئ وقراءة النتائج المتوقعة من هذا التطبيق ضمن شروط الواقع؛ لأن التركيز على التنظير المجرد يُفضي غالبًا إلى إنتاج معرفي منفصل عن حاجات الفرد والمجتمع، بينما التركيز على التطبيق يحقق فاعلية أخلاقية حقيقية تسعى إلى مصلحة الناس في واقعهم المعيش.
في الختام، علينا أن ننتقل من الجدل النظري إلى الجدل العملي مع الثقافة الدينية السائدة في المجتمع، إذا أردنا أن نخطو خطوة حقيقية ملموسة نحو التطور الأخلاقي وتضييق دائرة الخلاف، بعيدًا من الجدل حول المعتقدات المختلفة داخل المجتمع الواحد.
لأن الجدل العقائدي التجريدي (الذهني) لا يضيف فائدة للطرفين المتنازعين؛ بل يزيد من حدة الاختلاف، خصوصًا إذا كان النزاع ايمانيًّا، عقديًّا، طائفيًّا. فالفائدة الأكبر المرجوة هي أن نتطلع إلى إنزال العقل المسلم من الفضاء المثالي المتخيل (غير الواقعي) إلى الفضاء الواقعي الحقيقي. فإن رحلة الانتقال من العقل النظري (المثالي) إلى العقل الطبيعي (الواقعي) يمثل مشروع نهضة العقل العربي المعاصر؛ لأن التفكير المثالي، في انفصاله عن الواقع، ينتج عَجْزًا، بينما التفكير الواقعي، في تفاعله مع المعطيات، ينتج تمكنًا وفاعلية.
المراجع:
– ابن تيمية (٢٠٠٤م)، مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية، تحقيق: عبدالرحمن بن محمد بن قاسم وابنه، طبعة مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، الجزء ٢-٣-٢٠-٢٨-٣٥.
– ابن تيمية (١٩٩١م)، درء تعارض العقل والنقل، تحقيق: محمد رشاد سالم، هجر للطباعة، الجزء الأول-السابع، الطبعة الثانية.
– Jon Hoover, Ibn Taymiyya (Makers of the Muslim world), Oneworld Academic, 2019.
– Hoover, Jon, “Ibn Taymiyya”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Spring 2025 Edition), Edward N. Zalta & Uri Nodelman (eds.), forthcoming URL =
https://plato.stanford.edu/archives/spr2025/entries/ibn-taymiyya/
0 تعليق