أتعمّد الهدوء، أربض على كرسيّ غير هزّاز؛ درءًا لتفلّت أدنى حركة. لا ألتفت لا يمنة ولا يسرة، لا أرفع نظري إلى سقف الغرفة، ولا أرشقه في أرضيّتها، حسبي المداومة على التحديق في الركن المقابل لمجلسي، أمتعض من كلّ تململ يتجاوز سيطرتي على نفسي: يعلو صدري وينخفض، ترفّ عيناي، تتّسع فتحتا أنفي، يصّاعد منّي زفير أو تنهّد. رضيت لنفسي الحصار، لكنّ الفضاء «المغلق» يفكّه عنّي عنوة؛ يرحل بي إلى عوالم مكتملة الأركان، بأزمانها وشخوصها وأحداثها، الباهتِ منها والمروّع. أطردها من ذهني، فترتدّ عجلى، وبعنف أشدّ. أترصّد العيش وقتًا، وإنْ قصيرًا، وأنا متخفّفة من ماضيَّ، من أرتال ذكرياتي المتدافعة، وأكوام مشاعري المتضاربة المتصارعة.
أحنّ إلى لحظة نقاء، كتلك التي ولدتني فيها أمّي. لا أريد أن أتجنّى عليك أيّها المكان المغلَّق بابُه وشبّاكُه. لن أحاسبك إلّا على ما اقترفتَه في حقّي، وأنا التي لُذتُ بك لتحميني من تشتُّتي ووعْثائي، فألفيتُك مستقدِمًا حشودًا من المتآمرين عليّ الذين آثرتُ الهروب منهم للاختلاء بنفسي؛ حتى «أحبابي»، ما بي رغبة في الاجتماع بهم الآن وهنا! سئمت الفضوليّين، لعنت المتعاطفين الخُلّب. لِمَ تركتني، أيّها المكان الذي خلته محايدًا، أستحضر وأراهن وأقارن وأراكم؟ أستطيع أن أعترف لك بوزنك وقدرتك على إخضاعنا لسلطانك، حين نركب فُلْك الحياة، ونُضطرّ إلى إلقاء السلاح إليك؛ فتحصي تحرّكاتنا وتطّلع على أسرارنا دون رادع عن إذاعتها، وأنت حاضنة نشأتها ومآلها.
تبدو ساكتًا، لكنّك لا تتوقّف لحظة عن التحدّث إلينا، ولا تتأخّر رسائلك عن التوافد علينا. ها أنا أقبع بغرفة هي جزء من منزل صار لأبي بالوراثة، وتُدعى غرفة «البشير»، لها أخوات بأسماء أعمامي: غرفة «سالم» وغرفة «الطاهر»…؛ ها إنّها تذكّرني وتحاسبني على تناسي دورها «الجليل» ومكانتها المرموقة في تاريخ العائلة الكبيرة. لا أنكر أنني علمتُ الكثيرَ من أبويّ عن أمرها. أعرف أنّ عمّي البشير قد استقبل عروسه في هذه الغرفة، وتوالى استقباله لمواليده الأوائل فيها؛ فيما تكفّل كلّ عمّ بتعمير الغرفة المخصّصة له. كان الجميع يقيمون تحت سقف واحد، بأقصى درجات الهدوء والانسجام والاحترام.
أعباء الداخل موكولة إلى الحماة/جدّتي وكنّاتها، فيما يتكفّل ربّ العائلة/جدّي وأبناؤه بالأعمال الفلاحيّة التي منها معاشُهم وتنميةُ ممتلكاتهم، وقد تحتّم الاستقلال السكنيّ للأسر المتنامية عددًا ومتطلّبات. لعلّ الأطفال هم الأكثر مرحًا لانشغالهم باللعب، وإن كانوا مأمورين أيضًا بالذهاب إلى كتّاب الحيّ لحفظ ما تيسّر من كلام الله، وتعلّم أساسيّات القراءة والكتابة. يلتحق الذكور بالمدرسة، ويتدرّجون في طلب العلم؛ أمّا الإناث، فلا يكون لهنّ ذلك إلّا بعد ربع قرن أو يزيد!
غرفة عمّي البشير صارت لأخواتي الأربع وأنا بالقسمة الداخليّة، كنّا نتقاسمها خاصّة في أوقات النوم على سرير مشترك، وهو عبارة عن سدّة مبنية في قاع الغرفة، نرقى إليها بمقعد صغير من الخشب، موضوع عند سفح مدخلها، وقد أُسدلت عليها ستارة، للستر. نستلقي متراصّات على حشيّة خشنة محدّبة، فنطوّعها بتقلّباتنا وصراعاتنا للفوز باللحاف الذي لا يكاد يكفي لتغطية أجسادنا، فتحرم منه بالتناوب الأختان في الطرفيْن، و«تشمت» منهما مَن يكنّ في وسط المضجع. لا شماتة ولا هنّ يحزنّ. إنّه الزمن المناسب للسمر والضحك والحكايات، بعد امتثالهنّ لأمر الأب بإطفاء النور، حتى لا تتورّم فاتورة استهلاك الكهرباء، ذاك الغول الخاضع لأقصى درجات التقشّف في جلّ البيوت.
أخال الغرفة ملتزمةً الصمت، والحال أنّها ترسل جنودًا ينوبون عنها، وبصرامة أوضح. تعيب عليّ الجدران بوادر التنطّع والخروج عن السمت، وإلّا، لم الحلم بغرفة خاصّة بي، مؤثّثة على أحدث طراز، مزوَّدة بآخر ما توصّلت إليه الثورة التكنولوجيّة والمعلوماتيّة من أجهزة وخدمات، ولا يُدخلُ فيها عليّ إلّا بإذني؟ ما هذا الجشع؟ هل ووريت القناعةُ الثرى؟ الشبّاك يجرّني من إحدى خصلات شعري المنفوش مستنطقًا إيّاي: «أنسيتِ ابتهالك من فسحتي لنيْل المُنى؟ كم دموعًا ذرفتِ ومنكباك مستندان إلى طرف قاعدتي! لم يفتني الاطّلاع على شكواك إلى الله بثّك وحزنك». يستلمني الباب مهادِنًا هامسًا في أذني: «لا تَنْسَيْ أبدًا أنّني المُبتدأ حين تشدّين الرحال والمنتهى لحظة تحطّينه!».
أصادق على كلامه بهزّة رأس خفيفة، أتنفّس الصعداء بنفس مكبوت؛ وإذا بالأرضيّة تخزني من تحت قدميّ آمرةً: «أنت مطالبة بتقبيلي كلَّ حين، أُسوة بأبناء عمّك البشير، تواضعوا، خفّفوا الوطء، وها هم اليوم في أعلى المراتب الاجتماعيّة، بأرقى الشهادات العلميّة»؛ ويأتي دور السقف، فيهزّني مخترقًا كلّ كياني، ليسمعني: «فيمَ الصلف والتعالي؟ أما يكفيك أنّي لم أَخِرَّ على رؤوسكنّ، أخواتك وأنتِ، فيُقصفَ شبابُكنّ، ويملأ ظرف ميتَتِكنّ صفحات الإعلام المكتوب والمسموع والمرئيّ، وكذلك فضاءات التواصل الاجتماعيّ الحديثة».
أبهتُ وينعقد لساني. أراني هاربة من الزمان المطارِد المتحكِّم، لائذة بالمكان، فأُهزم على يديْه، يشدّد عليّ الخناق بفيْض كلامه وإلزامي بالتفاعل والحيرة. ألهذه الدرجة أنا مخلوق ضعيف، رغم ما أتوهّمه وأوهم به من سلطان واقتدار على الفهم والاستيعاب وأخذ القرار؟ أين المفرّ؟ الزمان يجتاحني بدعوى الاحتواء، المكان يكبّلني بدعوى القِرى؛ أمّا توقي إلى الإفلات، فلا شوطئَ له!
0 تعليق