المقالات الأخيرة

اليوبيل الذهبي لمجلة «الفيصل»

اليوبيل الذهبي لمجلة «الفيصل»

ربما‭ ‬يكون‭ ‬حديثي‭ ‬عن‭ ‬مجلة‭ ‬‮«‬الفيصل‮»‬‭ ‬شهادة‭ ‬مجروحة‭ ‬لكوني‭ ‬رئيس‭ ‬تحريرها،‭ ‬ولكني‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬لا‭ ‬أكتب‭ ‬فقط‭ ‬انطلاقًا‭ ‬من‭ ‬ارتباطي‭ ‬العملي‭ ‬بالمجلة،‭ ‬بل‭ ‬أكتب‭ ‬أيضًا‭ ‬انطلاقًا‭ ‬من‭ ‬كوني‭ ‬قارئًا‭ ‬عربيًّا‭ ‬مشغولًا‭ ‬بالشأن‭ ‬الثقافي،‭...

مجلات صنعت زمنها وصنعت خيالنا

مجلات صنعت زمنها وصنعت خيالنا

كما‭ ‬أن‭ ‬للفكر‭ ‬‮«‬الجديد‮»‬‭ ‬مراجعه‭ ‬الكُتُبية‭ ‬الأقرب‭ ‬إلى‭ ‬الترجمة،‭ ‬كان‭ ‬له‭ ‬مجلاته‭ ‬الموافقة،‭ ‬ترحّبُ‭ ‬‮«‬بالأزمنة‭ ‬الحديثة‮»‬‭ ‬بأشكال‭ ‬مختلفة‭. ‬فالشعراء‭ ‬‮«‬المجددون‮»‬‭ ‬عرفوا‭ ‬مجلة‭ ‬تدعى‭ ‬‮«‬أبولو‮»‬،‭ ‬وجورجي‭ ‬زيدان،‭ ‬الذي‭ ‬‮«‬خلط‮»‬‭...

محاضرة لجائزة الملك فيصل العالمية في مركز أكسفورد الموسوي: العصر الإسلامي الوسيط يجب أن يُقرأ بعيدًا من التصورات الأوربية المهيمنة

محاضرة لجائزة الملك فيصل العالمية في مركز أكسفورد

الموسوي: العصر الإسلامي الوسيط يجب أن يُقرأ بعيدًا من التصورات الأوربية المهيمنة

أثار الدكتور محسن جاسم الموسوي، الحاصل على جائزة الملك فيصل العالمية، عصفًا نقديًّا في تبديد النظرة السائدة بين المؤرخين والباحثين والمستشرقين بشأن الآداب في العصور الوسطى، في محاضرة نظمتها جائزة الملك فيصل العالمية في مركز أكسفورد للدراسات الإسلامية، في المملكة...

حفل “أقرأ” الختامي: مهرجان ضخم ومتنوع حوارات وورش وتكريم غازي القصيبي بعرض فني موسيقي ولقاء للفائز بنوبل النرويجي يون فوسه

حفل “أقرأ” الختامي: مهرجان ضخم ومتنوع

حوارات وورش وتكريم غازي القصيبي بعرض فني موسيقي ولقاء للفائز بنوبل النرويجي يون فوسه

عقد من الزمن يمر اليوم، على انطلاق النسخة الأولى لمهرجان أقرأ، الذي ينظمه مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي إثراء، بالظهران، المهرجان الذي بدأ في المنطقة الشرقية في السعودية، ثم توسع ليشمل بقية المناطق السعودية، إلى أن أضحى مهرجانًا عربيًّا كبيرًا، يتقدم إليه...

نهلة الشهال: بوصلتنا الاستمرارية في «البحث وسط الخراب عما ليس خرابًا»

نهلة الشهال: بوصلتنا الاستمرارية في «البحث وسط الخراب عما ليس خرابًا»

نهلة الشهال، كاتبة وباحثة ورئيسة تحرير أسبوعية «السفير العربي»، لها مواقفها المعلنة ورأيها الصلب في القضايا الكبرى. وهي ابنة لأم عراقية حقوقية ساهمت في تأسيس ثانوية البنات في طرابلس وأب لبناني طبيب، وكان كل منهما مثقفًا يساريًّا. انضمت نهلة إلى ما عرف عالميًّا...

السفر: الانكشاف والتجلي

بواسطة | يوليو 1, 2025 | الملف

السفر: تحقيق فلسفي

يوليس باراتين كاتب فرنسي – ترجمة: عبدالرحمن إكيدر مترجم مغربي

إذا كانت لديك رغبة مفهومة في مغادرة بلدك للسفر، فاقرأ أولًا كتاب «التخلي عن السفر». هذا التحقيق الفلسفي، الذي أجرته جولييت موريس، غني بالمعرفة ويستمد مادته من الأدب بقدر ما يستند إلى الفلسفة أو العلوم الاجتماعية. يتناول هذا التحقيق القضية من مختلف جوانبها، ويحلل هذه الممارسة التي تحظى في الآن نفسه بالثناء والنقد.

البعد المعرفي للسفر

يقدم السفر كل الوعود بـ»التجديد»، و«اكتشاف الآخر»، و«تغيير الجو والمناظر الطبيعية» حيث تلتقي المتعة بالأمل في تعميق الشخصية. والآن أصبح السفر ديمقراطيًّا بفضل الرحلات الجوية منخفضة التكلفة، وأصبح عرفًا اجتماعيًّا. ولكن في الوقت نفسه، لم يسبق أن واجه السفر تحديًا كهذا؛ سماءٌ تتقاطع فيها الطائرات، ودول استبدادية يمنحها السيّاح نوعًا من الشرعية، وأماكن مشوّهة، ووضع استعماري يُخدَم فيه المصطاف، وشعور بالغثيان من المساهمة في صناعة الزيف، في وقتٍ اختفت فيه الأصالة.

قد يكون السفر أمرًا يسيرًا، لكنه، في الوقت ذاته وبشكلٍ مفارِق، مستحيل. فهل علينا أن نظل في بيوتنا، محكومين بالألفة؟ وهل هذا هو الوقت المناسب للتوقف عن السعي نحو المجهول؟

علاقتنا بالسفر تبدو مرآة دقيقة لعصرنا. تفكك جولييت موريس نرجسيتنا: لا جديد تحت الشمس، فالسفر كان مشكلة لمدة طويلة. ويميز كتابها على نحو خاص بين سؤالين متكررين: تحت أي ظروف يكون السفر وسيلة لمعرفة العالم؟ وهل هناك رحلة جيدة وأخرى سيئة؟

يستند رفض الفلاسفة للسفر إلى نقد طريقة المعرفة التي تكمن وراءه. إن السفر يعني أن تثق في حواسك، وفي المقام الأول في نظرك، حيث يكتسب المسافر المعرفة من خلال عملية الاستقراء التي لا تحتاج إلى أدوات نظرية. لقد أوصى مونتين بالتدريب القوي للمسافر الشاب، ولكن عندما يواجه المسافر المجهول، فإنه يمضي دائمًا بطريقة المحاولة والخطأ في كل الاتجاهات، وأحيانًا بلا منهج. يقول كانط: «شكرًا جزيلًا للمسافر التجريبي البحت وقصصه، وبخاصة عندما يتعلق الأمر بالوصول إلى معرفة متماسكة يجب أن يستعين بها العقل لتأكيد نظرية ما!» لماذا تسافر بينما يمكنك، مثل الرجل الذي لم يغادر كونيغسبيرغ قطُّ، قراءة قصص السفر؟ إذا كان هدف الرحلة هو معرفة العالم، فإن التأمل في قصص الآخرين يبدو أكثر عقلانية، وأقل خطورة؛ لهذا لا يزال من الضروري أن يكون هناك مسافرون. تطور المؤلفة «المفارقة الكانطية التي جعلت ممارسة السفر ضرورية ويمكن الاستغناء عنها. إن قراءة قصص السفر، واستخلاص معرفة المرء بالعالم من مؤلفين آخرين، يعني تصور إمكانية تجربة غير مباشرة للعالم، أي سفر عبر وساطة الآخرين».

يعد البعد المعرفي للسفر أكثر إشكالية؛ لأنه يعتمد على القصص. وليس من المستغرب أن يحلل هذا الكتاب نصوصًا فلسفية إضافة إلى أعمال كُتَّاب، من شاتوبريان إلى نيكولا بوفييه. ومن هنا تبرز مسألة وجهة النظر، ومعها مسألة الخيال: فمهما كثرت الأكاذيب، فإنها تأتي من بعيد. تشير المؤلفة إلى أن المعارضة بين الفيلسوف والرحالة كانت قوية بالفعل في زمن بوغانفيل. فقبل أن ينتمي إلى هذه الفئة التي يكرهها مؤلف كتاب «مداريات حزينة»، كتب المستكشف: «أنا مسافر وبحار؛ وهذا يعني كاذب ومعتوه في نظر هذه الفئة من الكُتّاب الكسالى والرائعين الذين في ظلال غرفهم يتفلسفون بقدر ما تستطيع أن تراه العين، ويخضعون الطبيعة لخيالهم بشكل استبدادي».

إن الشك في صحة روايات المسافرين في نهاية القرن الثامن عشر أفسح المجال للرحلة الرومانسية. وقد نقلت هذه الأخيرة الإشكالية من مسألة «صدق المعلومات المنقولة» إلى مسألة «صدق تجربة السفر» ذاتها. لقد شجبت الإثنوغرافيا، وعلى رأسها ليفي شتراوس، عجز المسافر عن ذكر أي شيء آخر غير التفاهات أو الكليشيهات. وتشير المؤلفة إلى أن التعارض بين المفكرين والمسافرين يضاعف التعارض بين الفلاسفة والكتاب. لقد تتبع فنسنت ديبايني، في كتابه «وداعًا للسفر» (غاليمار، 2010م)، هذه الديناميكية التاريخية التي قادت عالم الإثنولوجيا إلى التفوق على كاتب الرحلات. كان من شأن هذا النهج العلمي أن «يجرد» الأدب تدريجيًّا من إمكاناته المعرفية من خلال صياغة منهجية علمية متينة وكتابة مقابلة، كما كان من الممكن أن تدمر الإثنولوجيا سرد السفر كأداة لمعرفة العالم.

السفر الحقيقي والسفر الكاذب

إن إدانة فائدة السفر تتداخل مع سؤال أخلاقي: سيكون هناك سفر جيد وآخر سيئ. هل يتمتع المسافر الذي يسير ببطء، وبالتدريج، أكثر من ذاك الذي يسافر على متن الطائرات في لحظات سريعة؟ تستكشف الباحثة، من منظور ظاهراتي، السفر سيرًا على الأقدام، بالقطار، بالسيارة، وبالدراجة… ومن خلال هذه الدراسة لطرائق تحرك الجسد، ينخرط العمل في نقد كامل للدوكسا «البديلة» أو «المضاد للثقافة» التي بموجبها تكون بعض الأسفار أكثر «أصالة» من غيرها. إنه سؤال تقليدي في المحادثات بين الرحالة في الأراضي البعيدة (…) حيث كان أحد الأشخاص يسافر سيرًا على الأقدام لمدة عامين، وآخر كان محظوظًا بما فيه الكفاية ليختطفه مزارعون لبضعة أيام، بينما آخر تناول «البَيُّوت» مع الأميركيين الأصليين الحقيقيين… إلخ. في هذا المعرض العظيم من الزخارف والأناقة المغايرة، هناك دائمًا مسافر أفضل منك. ونظرًا لكون جولييت موريس باحثة جادة، فقد امتنعت عن الاستشهاد بدليل السفر «مولفانيا»، وهو الكتاب الذي يمكننا أن نقرأ فيه الجملة التالية: «إذا لم تنم بين صندوقي قمامة في شارع سيئ في لوتنبلاغ (العاصمة)، فأنت لم ترَ مولفانيا». وباختصار، كلما اقتربت الرحلة من المغامرة، وبالتالي من المخاطر، وبخاصة خطر الموت؛ اقتربنا من السفر الحقيقي.

ومن خلال تعديل مسألة السفر الحقيقي والسفر الكاذب، يبرز سؤال آخر: ما الذي يميز المسافر الجيد عن المسافر السيئ، أي المسافر عن السائح؟ وفقًا لجولييت موريس، يُعرَّف السائح بثلاث وصمات: «التعلق بالصورة (الفوتوغرافية خاصة)، وممارسة التخريب، اللجوء إلى الدليل». من فورنا، نتخيل نوعًا مثاليًّا من السائحين الغربيين من الطبقة المتوسطة، حاملًا عصا السيلفي في يده أمام إحدى الأهرامات، يركض نحو أول متجر للهدايا التذكارية. بدا نيرفال مختلفًا! من السهل إثبات أن فيكتور هوغو (الذي نصب نفسه مخربًا) أو شاتوبريان قد شاركا في هذه الممارسات، وهي ليست مخصصة بأي حال من الأحوال للسياح المعاصرين.

يقف السائح أمام تراكم المواد (مدينة إلغين الإسكتلاندية ورخامها)، مركزًا على المناظر الخلابة والأثرية على حساب السكان المحليين. وعلى نحو أكثر عمقًا، يرغب في الهروب من المعايير الثابتة التي حددها المرشدون، ينجذب حتمًا إلى الأماكن غير السياحية… التي تصبح سياحية بوجوده فقط. يجد المسافر نفسه «أسيرًا لقيود مزدوجة، ومحكومًا إما بالتخلي عن الرحلة، أو أن يكون مجرد سائح. لنلخص الأمر بشكل مبسط بالقول: «إن السائح هو الوجه الآخر للمسافر»؛ السائح هو الذي لا يقوم برحلة حقيقية، والشخص الذي سيحدد علامات هذه الحقيقة ذكي جدًّا، كما يشير إلى ذلك عالم الأنثروبولوجيا جان ديدييه أوربان.

وباختصار، فقد حلت العلوم الاجتماعية محل سرد السفر، وأصبح التمييز بين السائح والمسافر تعارضًا زائفًا. وعلى الرغم من ذلك، فإنه من المثير للاهتمام أن بعض الأشخاص يرون الأمور على نحو مختلف في أثناء السفر، ولكن بشكل خاص يرونها أفضل من الآخرين. لنـأخذ، على سبيل المثال، الروايات السياسية للرحلات الغائبة عن هذا الكتاب، ففي الأغلب تكون هذه لحظات مليئة بالوضوح أو العمى. عندما يسخر تروتسكي من «السياح الراديكاليين» الذين يسافرون عبر الاتحاد السوفييتي في أواخر عشرينيات القرن العشرين، فإنه يستهدف المثقفين الغربيين العاجزين عن رؤية ما وراء الأكاذيب التي تُقال لهم. على العكس من ذلك، تمكن بعض المسافرين، بسبب ثقافتهم السياسية أو انتمائهم الطبقي، أو كليهما، من إدراك حقيقة النظام، أو حقيقة البلاد، إذا جاز التعبير.

تطوير أخلاقيات السفر

لنتأمل كتابات كل من أندريه جيد أو بانايت إستراتي، اللذين تكشف قصص سفرهما الوجه الآخر للواقع. وفي المدة نفسها، كتب جورج دوهاميل رواية يشيد فيها بروسيا السوفييتية «رحلة موسكو»، (1927م)، بينما نشرت إيلا مايلرت رواية «بين الشباب الروسي»، (1932م) عن رحلاتها في منطقة القوقاز التي يسكنها البروليتاريون الودودون… أربع رحلات إلى الأماكن نفسها وفي الوقت نفسه. أربع قصص كتبت بلا شك بإخلاص متماثل. قال الأولان الحقيقة، فيما الآخران جانَبَاها. ونضيف أن جيد وإستراتي، اللذين لم يتبعا أي أسلوب آخر غير الأدبي، عرفا كيف يصلان إلى جوهر الأمور بدقة. ولنضف إلى ذلك أن جيد وإستراتي، وقد تجردا من أي أسلوب غير الأسلوب الأدبي، عرفا كيف يصلان إلى حقيقة الأشياء وبكل دقة.

قد لا يكون هناك شيء اسمه رحلة كاذبة أو حقيقية، ولكن بعض الرحلات فقط هي التي تعطي لمحة عن الحقيقة. وبالتالي، فإن الواقعية هي الفكرة المركزية لمسألة السفر هذه. تحلل الباحثة مفهوم الغرابة، وترى فيه علامة على ما قد اختفى، وهو أمر خارجي بالنسبة لنا، ولكننا مع ذلك ندركه. تظهر الغرابة وتشير إلى «رحلة حقيقية»، لكنها دائمًا ما تكون في الماضي، عندما لم يكن هناك سياح بعد. إنه الزي التقليدي الذي ترتديه سيدة عجوز في إحدى قرى البلقان، أو مهرجان ديني كان قد استمر في عمق وادٍ إيطالي، والبقاء على قيد الحياة في عالم من المفترض أن يكون موحدًا بشكل متزايد. ومن هنا تأتي كآبة العديد من الرحلات التي ربما تبتلع فيها الكيلومترات للوصول إلى زمن مضى وأكثر نقاء، وبمعنى أدقّ نقيًّا من السياح.

في ضوء ذلك، فإن أقصى ما يمكن أن نفعله، وفقًا لجولييت موريس، في قراءتها لكتاب ليريس «إفريقيا الشبح»، هو تطوير أخلاقيات السفر التي تبدأ بالاعتراف بالنقص الذي هو جزء لا يتجزأ من كل سفر. لذلك يجب أن نستمر في الانطلاق؛ لأنه لا يزال ممكنًا وقد يكون له بعض القيمة، لكن من دون أن يغيب عن بالنا حقيقة مفادها أننا سنتأرجح دائمًا «بين الخيبة والأمل المتجدد في القدرة على لمس شيء ما. أليست هذه الحالة -غير المؤكدة وغير المستقرة والهشة والمتحركة دائمًا- هي الأكثر حكمة ووضوحًا لأي مسافر؟».


عنوان المقال الأصلي: Voyage, voyage

المصدر: مجلة En attendant Nadeau، يوليو 2024م.


السفر تجربة وحكاية

ميساء الخواجا ناقدة سعودية

عرف الإنسان منذ بدء الخليقة فكرة الرحيل والسفر، وقد كان رحيله الأول مرتبطًا بفكرة المنفعة، ولا سيما البحث عن الطعام والملجأ، لكن مع الزمن ومع استقرار الإنسان وبناء الحضارات اكتشف الرحلة لأغراض أخرى، ولا سيما المتعة والمعرفة. ومنذ البدايات كان الإنسان حريصًا على حفظ حكايته في الجداريات والنقوش والحكايات الشفهية وصولًا إلى التدوين والتوثيق. وهذا يقودنا إلى ما عرف بأدب الرحلات الذي يحمل قيمًا فنية وأدبية وترفيهية، لكنه يحمل، في الوقت نفسه، مجالًا رحبًا للدراسات التاريخية والثقافية والمقارنة.

تثبت الكتب التاريخية والآثار القديمة رحلات قامت بها الشعوب أفراد وجماعات. تلك الرحلات التي اختلفت دوافعها ما بين الدوافع الدينية أو البحوث العلمية والاكتشافات الجغرافية، أو الدوافع السياسية والاستعمارية، أو السياحية والثقافية التي تصدر عن حب ذاتي للسفر واكتشاف الآخر والأمكنة والثقافات المختلفة. وهنا قد يهتم بعض الرحالة بتدوين مشاهداتهم وحكاياتهم، ويختلفون في ذلك ما بين التركيز على التوثيق أو على الكتابة الأدبية التي تجمع بين الخيال والوثائق أو الرحلات المتخيلة لعوالم من صنع الكاتب ومخيلته. وفي كل ذلك ما زلنا نبحث عن تلك الرحلات ونستمتع بما ورد فيها أو نفيد منها في كثير من الدراسات كرحلات ابن بطوطة وابن فضلان وغيرهما. وفي تجربة ذاتية كنت دومًا من عشاق السفر واكتشاف الأمكنة، وبناء علاقات مع المدن، وأرى مدنًا حميمة تستقبلك فتحتويك وتدعوك إلى العودة، ومدنًا باردة تمر بها عابرًا ويكفيك منها الزيارة الواحدة. المدن مثل البشر والأمكنة عوالم لا تنتهي، وفي كثير لا تستطيع فصل المكان عن ساكنيه أو عن تجارب خاصة عشتها فيه.

تجربة السفر دومًا هي اكتشاف ومعرفة كما هي متعة وفضاءات لا تحد. زرت كثيرًا من بلاد العالم وكل مكان يحمل ذاكرته الخاصة وملامحه التي أحملها معي وتشكلني في الوقت نفسه. وزرت مدنًا متعددة في وطني وبي شغف لاكتشاف المزيد. ما زلت أذكر المرة الأولى التي زرت فيها مدينة أبها حين وقفنا في مكان مرتفع نكاد نلامس فيه الغيم، يومها كنت أتسامى لأعانق السماء.

في جازان استمتعت ببحرها الجميل وسوقها الشعبية وبائعات الفل بكل جمال الإنسان وطيب قلبه وابتسامته. زرت الباحة وجبالها الخضراء، ونجران التي أتاحت لي زيارة مكان الأخدود ومعانقة التاريخ. تبوك حيث الورد ومزارعه التي يحتضنك أصحابها قبل ورودهم. الجوف وزيتونها وطيب أهلها، جدة التي لا تقل دهشتك في كل مرة تزورها فيها لتكتشف أنه قد فاتك الكثير. ومؤخرًا كان للبلد وجماله سحر لا ينتهي، وأصوات الباعة واحتفالهم وأهازيجهم التي تناديك لتقف وكلك فرح ودهشة بذاك الجمال. وللطائف ذاكرة قديمة مع الوالد والأسرة وأغنيات لا تنتهي. مكة والمدينة والأحساء والدمام والخبر ومدن عشتها وحملتها معي أينما ذهبت، وما زال بي شغف لمعرف العلا وأماكن أخرى.

وطني ثري بأمكنته وناسه. نسافر دومًا ونظن أننا عابرون لكننا في الحقيقة ننمو ونحمل معنا ملامح البشر والأمكنة وثقافات تعيد بناءنا وصياغتنا، فلا نعود كما كنا. السفر حكاية وخبرة واكتشاف. السفر هو نحن حين نرى العالم بعيون جديدة في كل مرة.


من أجل أن يكون للسفر

الاسم الذي يستحقه

عباس بيضون شاعر لبناني

لا أعرف متى صار السفر ركنًا في حياتي. أذكر أنه في يوم، في أثناء الطفولة، كان السفر عبئًا، نوعًا من الغربة الثقيلة. كنا نصل إلى مطل الضيعة ونكمل على الحمير. في تلك الآونة، لم تكن الضيعة مكانًا، بقدر ما كانت صفحة أخرى من العالم. لم تكن الأمكنة لنا، كانت تقريبًا علينا، وآخر، مجرد آخر، نطرد إليه. كنا ننتقل، وكأنه بالغصب، ننتقل طيلة حياتنا كلها، هروبًا من أنفسنا. لم تكن هناك حقًّا مواطن. لم ندر آنذاك أننا أبناء أرض ما، وأن هناك قربى ما بيننا وبين ركام العالم. لم نكن نملك شيئًا حتى أنفسنا. كانت لنا أسماؤنا فحسب، حتى هذه لم تكن باختيارنا، ولم تكن نحن إلا بدرجة من الحيرة. الأرجح أن وجودنا نفسه كان بعيدًا منا.

كانت لنا بالطبع أسماء، لكي نتعرف إلى أنفسنا، وكي لا نضيع عن الأمكنة، حيث ولدنا، وحيث ننتقل، أو نقصد، أو نيمم، لم تكن بمحال لنا، إلا بدرجة من التجاهل، درجة من الانفصال. وجودنا كله، حتى ذلك الحين، لم يكن يطرح سؤالًا. الأرجح أن الأسئلة لم تكن بعد مدار أي شيء. كنا نعيش بدونها، بل إن العيش نفسه لم يكن سؤالًا. كان يملك، مثلنا جميعًا، حقيقة لا يهم أن نجد لها اسمًا أو امتيازات. ذلك كله من زمن لا يخطر لنا أنه سبقنا، وأنه موجود بدونها.

انتقال فحسب

يمكن القول: إن السفر في تلك الآونة لم يكن يملك هذا الاسم أو ذاك العنوان. لقد كان انتقالًا فحسب، انتقالًا تمليه الحياة، دون أن يكون لها وجه آخر، ودون أن نصير نحن بسببه آخرين على نحو ما. بكلمة: كان المكان نفسه وقد صار له كنية أخرى، المكان نفسه الذي نبقي فيه أنفسنا، دون أن نَعُدّه فصلًا ثانيًا وحياة أخرى.

لا أعرف متى حدث هذا الذي سندعوه، فيما بعد، سفرًا. لا بد أنني كنت فيه وحدي؛ إذ إن الرحيل من قرية أمي إلى موضع عمل والدي، لم يكن له هذا الاسم، بل لم يكن شيئًا قائمًا بذاته. كان مجرد تكرار للشيء ذاته، كأنه ولوج في مطرحين. لم تسعفنا الكلمة، لم تكن هناك كلمة على كل حال، كانت السيارة أو الأوتومبيل هي الكلمة. فلكي يكون للسفر هذا الاسم أو يستحقه فإنه يحتاج إلى وحدة نكون فيها نحن حقًّا، ونملك أنفسنا. لنقل: إن هذا الانتقال يستحق اسمه كسفر، ينبغي أن يكون لنا فيه كيان، أن تكون لنا حقيقة ما، حقيقة قد لا تكون بهذا اللفظ، قد تستعير ألفاظًا وتسميات أخرى، لكن المطلوب أولًا أن نوجد بصفتنا أشخاصًا، أن يكون لنا ما يؤهلنا لنكونهم. هنا تغدو للأسماء حقيقة، أي حقيقة. هنا نتقاسم الوجود مع الأمكنة، نتقاسمه مع الأزمنة. هكذا نوجد بحق ونكون أحرارًا. وبقدر ما الحرية سؤال، بقدر ما تستحق أن نكون بصددها، أن نتراكب معها. وأن نتقاسمها وتتقاسمنا.

المعاناة للنقصان

يبدأ السفر هكذا حين يستحق اسمه. الاسم الذي يملك في داخله درجة من المضاد؛ من المعاكس. من النقصان. السفر قد يبدو لذلك حقًّا وحاجة. إنه تلك المعاناة للنقصان، ذلك الاصطدام بضدية داخلية، ذلك التعثر بالذات، الحاجة إلى امتلاء غير ممكن. السفر حين يغدو حقًّا اسمه، يستحقه بثمن هذه الضدية، بهذه الحيرة حول الذات، بذلك القلق إزاءها، حين يغدو في آن التحامًا وبعدًا. هكذا، يغدو السفر في الوقت ذاته حصولًا على اسم في وقت انتهائه. يغدو ملتحقًا بما يتخطاه ويبعده؛ إذ إن السفر لا ينفك يتصل بما يتخايل نفيه. السفر يستعير فورًا الغربة، بل إن الغربة قد تبدو أحيانًا مرادفًا له.

نحن حين نسافر نغترب. هذه الغربة، إذا تذكرنا «غريب» كامو، هي شرط مأساوي للحرية. كذلك نجد المنفى، اسم آخر، لكن لا يمنع ذلك من أن يتصل بالسفر، بل أن يبدو منبثقًا منه، بل هو صفحته المعاكسة، فهو نوع من حرية ضدية، من حرية مقلوبة، من حرية مطروحة. هنا نجد السفر وقد وجد بنيته الضدية، بنيته الدراسية، ومعركته الداخلية.

أغنية أخرى

قد يحتاج السفر إلى أغنية أخرى. المؤكد أنه نوع من المتعة، وأنه لذلك بحث عن جمال آخر، بل هو بكلمة بحث، وقد يكون بذلك سعيًا إلى حقيقة المرء، أو قد يكون نوعًا من طلب حقيقة أخرى. يستحق السفر هذا المديح الملحمي، بل قد تكون هذه الملحمية ركنًا فيه. يمكننا أن نتذكر هنا ملاحم شعرية قد ترد إليه. نفكر هنا أن السفر قد يكون بما يختزنه من ثراء جمالي وثقافة. لسنا هنا لننفي ذلك أو نعترض عليه. للغربة أيضًا ما يستحق المديح. هكذا نجد أنفسنا أمام تعريفات أخرى. قد يكون السفر أساسًا في الشعر وفي الخيال، لكنه يلبس الإنسان فقط من هذه الناحية، إنه يلبسه وربما أعمق من الناحية الثانية. لا يكون ملحميًّا إلا بقدرته على أن ينفذ إلى العمق. حيث يكون أيضًا غربة ومنفى، وحيث يكون اسمًا آخر للحرية المطرودة. نحن هكذا أمام تراكب يفضي إلى الجهتين؛ لأنه يحمل في داخله الجهتين، بل يجعل منهما واحدًا. واحدًا لكن ببعدين مزدوجين.

السفر، مثله مثل نقائضه، يملك القدرة على أن يصل إلى الجذر، لكن عن أي سفر نتكلم؟! علنا نتكلم عن سفر أقرب إلى التسول، عن سفر يلقي بصاحبه في البحر، وهو في هربه إلى حيث الرزق، عن سفر يقتضيه الجوع. إنه سفر آخر. نعتفي من أن نسميه سفرًا، بل يشق علينا أن نجد له اسمًا سوى الفقر والحاجة. هناك السفر الذي هو هروب من الاستبداد، وهو نوع من العقاب الإضافي. هل نسمي ذلك سفرًا، لمَ لا؟! عند ذلك لا يعود السفر وحده، بل نجد له أسماء أخرى، جميعها من الطاقة والبؤس والحرمان والاضطهاد، عند ذلك نجد أنفسنا في المحل ذاته وقد تعمق حتى بات فجيعة وسمًّا.


كيف كانت المباني والبشر

كتبًا في الطرقات

إبراهيم عبدالمجيد روائي وكاتب مصري

في البداية، لا بد أن أعترف أن رحلاتي جاءت نتيجة لكتاباتي وترجمات بعض رواياتي إلى لغات متعددة، وبفضلها جاءت الدعوات لحضور مؤتمرات ولقاءات ثقافية. وهذه من أعظم مكارم الموهبة في الكتابة التي هي أجمل منح الله. لولا ذلك، كيف كنت سأستطيع تحمل نفقات السفر والإقامة وغير ذلك؟

كثير من البلاد التي زرتها كنت أعرف عنها كثيرًا قبل سفري، مما قرأته عنها، فكنت حين أمشي في شوارع المدن أستدعي ما قرأته فأراه، أو أرى ما لم أقرأ عنه، فأقرأه في الكتب!

كانت أولى رحلاتي إلى الخارج عام 1990م، إلى موسكو وكييف. منهما عدت بحقائق مخالفة لما كنت أعرفه عن الاتحاد السوفييتي أيام الشباب. كنت قد قرأت أنه بلد المساواة والعدل، وأن الحكم الشيوعي ساوى بين الناس وجعل العمال في مقدمة الحكم. كانت لي تجربة مع اليسار المصري أيام الشباب، ثم ابتعدت منه عام 1978م، حين وجدت أن انحيازي الفكري يظهر ظهورًا مباشرًا فيما أكتبه من قصص ويفسدها؛ لذلك قررت أن أبتعد من العمل السياسي، السري والعلني، وأتفرغ لكتاباتي بعيدًا من الأيديولوجيا، لكن ظل البحث عن العدل غاية في كتاباتي. في ذلك الوقت، بدأت كتابة رواية «المسافات» التي جاءت حافلة بأساطير من صنعي، قبل أن يصل إلينا غابرييل غارسيا ماركيز، وما عرفناه عن العجائبية والواقعية السحرية؛ ما جعلني أقول: «وجدتها.. وجدتها!»

تمرُّ السنوات، وترشحني وزارة الثقافة، أيام فاروق حسني، ومعي الشاعر المرحوم محمد أبو دومة، للسفر إلى موسكو وإلى كييف، أوكرانيا. في موسكو رأيت أن كل ما قرأته عن العدل والمساواة كان كذبة. كنت إذا وقفت أنتظر سيارة أجرة، تقف أمامي عربة ملاكي صغيرة فيدعوني صاحبها للركوب. أسأله: هل أنت سائق أجرة؟ فأعرف أنه مهندس أو طبيب، لكن راتبه لا يكفيه. ذات يوم دعاني أحد الكتاب الروس إلى منزله، فوجدته يتألف من غرفة صغيرة ومطبخ. سألته: كيف تعيش في هذا المكان الضيق أنت وزوجتك وأولادك؟ فقال لي: إنه حصل عليه بعد أن بلغ الخمسين من عمره. أما الشقق الفاخرة فكانت تمنح لأعضاء اللجنة المركزية في الحزب الشيوعي، وليس للعامة. حتى في الملهى الليلي في الفندق، حيث سهرت مرة ومعي الشاعر محمد أبو دومة، وجدت المكان القريب من المسرح محجوزًا لأعضاء الحزب الكبار، كما قيل لي. فدفعت عشرة روبلات لمن يحرس المكان ليسمح لنا بالجلوس في المقدمة.

كانت هذه آخر سنة للاتحاد السوفييتي، ثم تفكك بعد ذلك، وأدركتُ سبب التفكك. لا أنسى طابورًا طويلًا أمام محل ماكدونالدز الأميركي الجديد، الذي فتح فرعًا في موسكو لأول مرة؛ كأن كل ما هو أميركي كان حلمًا ضائعًا. عرفت كيف أنهم عاشوا محاصرين فكريًّا، لا يعرفون أي شيء عن العالم إلا ما يُقدم لهم على أنه عالم لا عدل فيه، خلافًا للشيوعية. تحدثت مع كثيرين فعبروا عن رغبتهم في الهجرة إلى الغرب. ونادرًا ما كنت أجد أحدًا يتحدث الإنجليزية أو الفرنسية؛ فهما لغتان ممنوعتان في التعليم. لكنني كنت أتدبر أمري بلغة الإشارة وبما أعرفه من كلمات روسية قليلة. تلك الظروف لم تمنعني من الإعجاب بالبنايات والمتاحف والغابات والجليد، وأماكن أخرى حيث ظهر فيها أبطال روايات قرأتها لتولستوي ودوستويفسكي وجوركي وقصص لتيشكوف وغيرهم. كذبة العدالة الشيوعية ستظهر أيضًا بعد زيارتي لبلاد أخرى، مثل كذبة الجمهوريات التي انقلبت على الملكيات في بلادنا العربية. لكني سأؤجل الحديث عن ذلك لأتحدث عن رحلتي التالية إلى أوربا.

كل مكان سأراه أعرفه من قبل

كانت رحلتي إلى باريس عام 1994م مع مجموعة رائعة من الكتاب، بعد صدور روايتي «البلدة الأخرى» بالفرنسية، في دار نشر آكت سود. سافرت وفي عقلي وقلبي عشرات الكتب والروايات التي قرأتها عن باريس، والأفلام الفرنسية التي سبق أن شاهدتها. كنت أشعر أن كل مكان سأراه أعرفه من قبل. ما إن وصلنا إلى الفندق القريب من معهد العالم العربي، حتى شعرت بقدميّ ترغبان في الحركة. لم أستطع البقاء في الفندق ولو لدقائق. أخذت طريقي إلى السان ميشيل وكأني كنت أعرفه من قبل. ذهبت مشيًا؛ فهو ليس ببعيد. مررت بشارع السان جيرمان وجلست في كافيه دي فلور على مقاعد جلس عليها فلاسفة الوجودية: سارتر وألبير كامو وسيمون دي بوفوار.

كنت أشعر أن كل شيء يتحدث إليّ قائلًا: «كنتَ على صواب حين ابتعدتَ عن الماركسية، وجعلت من الوجودية فهمك للحياة والزمن». أخذت طريقي إلى كنيسة نوتردام دي باريس، بعمارتها القوطية؛ لأرى فيها بعض أحداث رواية «أحدب نوتردام» التي كنت قد شاهدتها في الفِلم القديم، المأخوذ عن رواية فيكتور هوغو. شعرت كأني أعرف كل شبر في الكنيسة وحولها. دخلت الكنيسة وصعدت إلى الأعلى كما فعل كوازيمودو الذي جسد دوره الممثل العظيم أنتوني كوين.

في كنيسة نوتردام تداعت إلى ذهني وروحي أعمال فيكتور هوغو، وكيف دشن عصر الرومانتيكية في الرواية والشعر. حدث الأمر نفسه وأنا أسير على ضفاف نهر السين في طريقي إلى برج إيفيل. أجل، كنت أمشي أكثر مما أستقل المترو، ولا أشعر بالتعب. بعد ترجمة رواية «البلدة الأخرى» ثم بعد ترجمات روايات أخرى، زرت مدنًا فرنسية عديدة، وقد دهشت من كثرة من أتوا ليشتروا كتب الكاتب المصري. ومن المواقف التي لا أنساها، عام 2000م، في حفل توقيع روايتي «لا أحد ينام في الإسكندرية» بالفرنسية، أن وقف أمامي رجل، في نحو السبعين من عمره، وفي يده نسختان من روايتي. وقعت له نسخة وسألته: لمن الثانية؟ قال: «لأمي. لقد عرفنا من الصحف أنك من الإسكندرية التي عشنا فيها أجمل أيام طفولتنا وصبانا وشبابنا». سألته: هل أمك على قيد الحياة؟ قال: «نعم.» عرفت حينها أنهم من اليهود الذين أجبرتهم سياسة عبدالناصر على ترك الإسكندرية.

كنت وقتها قد انتهيت من كتابة روايتي «طيور العنبر»، التي تتناول حقبة الخمسينيات، وسياسة عبدالناصر التي أرغمت الجاليات الأجنبية -من أرمن وأكراد ويونانيين وإيطاليين ويهود وغيرهم- على الهجرة؛ لتكون البلاد مصرية، ففقدت الإسكندرية طابعها العالمي. هذه الرواية هي الجزء الثاني بعد رواية «لا أحد ينام في الإسكندرية»، وقد كتبت فيما بعد الجزء الثالث «الإسكندرية في غيمة»، عن حقبة حكم السادات وتعاونه مع الإخوان المسلمين والسلفيين، وكيف تغير شكل البلاد وموضوعها، حتى صارت الإسكندرية لا عالمية ولا مصرية. المهم، عرفت من ذلك اليهودي أنه هاجر إلى فرنسا، ومثله فعل أغلب الذين هاجروا، أما من ذهب إلى إسرائيل منهم فلا يزيدون على عشرة بالمئة؛ فهم لا يحبون الصهيونية.

بين باريس ومصر

وأنا أسير في باريس، تذكرت العمارة التي بدأت في مصر في عهد محمد علي وابنه إسماعيل، وكيف أُرسلت البعثات ثم عادت لتبني الأوبرا والعمارات على الطراز الفرنسي أو الأوربي؛ فبلادنا تطل على البحر المتوسط بشريط ساحلي طوله ألف كيلو متر. هكذا، رحت أتذكر أيضًا شوارع أخرى في مصر صممت على طراز شارع الريفولي في باريس، مثل شارع كلوت بك، والفجالة، ومحمد علي. وتذكرت ما جرى لهذه الشوارع في بلادنا من إهمال مستمر حتى اليوم. وكان من أجمل ما رأيت في باريس، ركاب المترو وفي أيدي أكثرهم كُتُبٌ يقرؤونها. لم تكن الموبايلات قد ظهرت أو شاعت بعد، فكانت القراءة تسير مع الناس في كل مكان، حتى في روسيا وكييف.

من أعظم ما عدت به من زياراتي لباريس، زياراتي للمتاحف الفنية. غرامي بالفن التشكيلي قديم، وكانت فرصة رائعة أن أشاهد لوحات لمدارس فنية مختلفة، في متاحف مثل: متحف الأورسيه ومركز بومبيدو. هكذا، صرت أزور المتاحف في كل بلد زرتها. في مدريد، مثلًا، وحين زرت متحف البرادو، وجدت نفسي أمام لوحات جويا، فجلست على الأرض لساعات، والزوار ينظرون إليّ بدهشة، حين كنت أتأمل لوحات جويا وأشعر أنني الوحيد معها. في ذلك الوقت، كنت أكتب رواية «طيور العنبر»، ومن ضمن شخصياتها شاعر، فكتبت بلسانه شعرًا متأثرًا بتلك الزيارة. لا أنسى اتصالًا تليفونيًّا عام 2001م، من مترجم الرواية إلى الإنجليزية، الدكتور فاروق عبدالوهاب، رحمه الله، الذي كان أستاذًا للأدب العربي في جامعة شيكاغو. سألني: «أي شاعر كتب هذا الشعر؟ هل هو لوركا أم إيلوار؟» قلت له: من تأليفي، بعد أن عدت من زيارة متحف البرادو في مدريد وقضاء يوم مع لوحات جويا.

من أكثر البلاد التي أقمت فيها مدينة لاروشيل الفرنسية، التي تقع على المحيط الأطلنطي. زرتها مرتين ضمن برنامج لإقامة الكتاب، مدة كل إقامة ثلاثة أشهر. ذات يوم دخلت محلًّا لشراء سجائر. وجدت طابورًا ليس بالقصير، لكن صاحب المحل أشار إليّ أن أتقدم قائلًا للواقفين: هذا كاتب من مصر، اسمحوا لي أن أرحب به وأستثنيه من الطابور. كانت إحدى الصحف الفرنسية قد نشرت مقالًا عن روايتي في ذلك اليوم، وقد عرفت ذلك منه. بالطريقة نفسها، عرفني جرسونات المقاهي على الشاطئ. تلك المقاهي التي تحمل أكثرها أسماء قصائد أو كتب فرنسية.

في لاروشيل، ألقيت محاضرات في المدارس، فصرت معروفًا جدًّا، فكان يقابلني العشرات، في الطريق، بالقبلات والأحضان. وحين تعب قلبي أدخلوني مستشفى لعمل دعامات في القلب على نفقة الضمان الاجتماعي. عرفت هناك أن الصحة والتعليم بالمجان، وأن النقابات حققت أعظم مما حققته الدول الشيوعية أو الاشتراكية. عرفت، مثلًا، أن كبار السن، أو من تجاوزا الستين، يحصلون على العلاج مجانًا، إضافة لتذاكر المترو، والسفر بالطائرات بنصف الثمن تقديرًا لما قدموه. كثير من المكاسب التي تحققت للبشر عبر نضال النقابات فاقت ما حققته الدول الشيوعية أو الاشتراكية، بل فاقت ما حققته الدول ذات الحكم الشمولي التي تسمع فيها شعارات ولا ترى فيها مكاسب إلا للخاصة، القريبون من الحكم والحكام. لا أنسى أبدًا أني كنت في كل حجرة أقيم فيها، في فندق، أجد لوحة أو كتابًا لفنان أو لكاتب شهير نزل فيها من قبل. عرفت من ذلك كيف يكون تقدير الكتاب والفنانين حتى في أبسط الأشياء. ينقلني هذا الحديث إلى بلاد أخرى، حيث تستمر المفاجآت.

أولياء الله

عندما ذهبت إلى المغرب لأول مرة، في أوائل التسعينيات أيضًا، ذهبت وفي روحي ما قرأته وعرفته عن معظم أولياء الله في الإسكندرية وغيرها، وكيف أن أكثرهم ينحدرون من أصول مغربية، وأنهم قد هاجروا إلى المغرب بعد زوال الدولة العربية في الأندلس. ثم وفدوا إلى مصر، في طريقهم إلى الحج، فاستقر بعضهم فيها أو اختاروها موطنًا دائمًا. أولياء الله الذين كان يقول عنهم أبي ونحن أطفال: إن مصر محروسة من أولياء الله. الأسماء كثيرة، منهم: السيد البدوي، أبو الحسن الشاذلي، المرسي أبو العباس وغيرهم. حين وصلت إلى المغرب، كان أول ما لفت انتباهي كثافة الخضرة والأشجار في مدن مثل: مراكش والرباط والدار البيضاء وغيرها. مضت على الأشجار في الشوارع عشرات السنين، وربما المئات، لكنها لم تهمل ولا تُقطع إلا بمرسوم ملكي.

في المغرب، وجدت كثيرًا من مظاهر الحرية ما زالت باقية في الحياة الاجتماعية وذلك من أثر الحقبة الاستعمارية. أدركت أنهم، وقد تخلصوا من الاستعمار، لم يتخلصوا من المكاسب الثقافية؛ فهم يتقنون الفرنسية، أما في مصر، بعد انقلاب يوليو 1952م، فألغيت اللغة الإنجليزية في المدارس بحجة أنها «لغة الاستعمار». حدث ذلك بالضبط كما فعل فرانكو في إسبانيا، وكما فعل الحزب الشيوعي في روسيا، وكما فعل القذافي في ليبيا، وغيرهم من العسكر.

في المغرب، رأيت جمال الطرق واتساعها، ورأيت البحر مفتوحًا للجميع، تمامًا كما هو البحر في فرنسا أو إيطاليا. وفي المغرب أدركت كيف كسب الملوك وخسر الرؤساء، وأعني بالرؤساء الذين جاؤوا بانقلابات عسكرية. هؤلاء الذين صدروا لنا في الصحف المقالات عن فساد العهود الملكية، بينما أغرقونا في فساد ندفع ثمنه حتى اليوم.

هناك كثير مما يمكن قوله عن بلدان أخرى زرتها، مثل: إيطاليا وألمانيا وأميركا… لكني سأكتفي بذكر آخر زيارة لي خارج مصر، وكانت إلى معرض جدة السابق. كانت قد مضت خمس وأربعون سنة تقريبًا على آخر زيارة لي إلى المملكة، حين ذهبت للعمل عام 1978م. في معرض الكتاب، وفي مكان متسع للاستراحة، كانت تطوف بين الجالسين فتيات محجبات وغير محجبات، ليس من بينهن منقبة. وفي كل مقهى جلست فيه، كانت من تقدم لنا الطلبات فتيات غير منقبات. أعرف كل ما جرى من تطور في المملكة، وأتذكر أيام «الصحوة الإسلامية» التي وفدت إلينا في مصر ولا تزال آثارها قائمة بأفكارها التي جعلت خروج المرأة للشارع خطيئة. الآن تتخلص المملكة منها، في حين لا نزال في مصر نعاني إرثَها.

زرت الحي القديم، فوجدت أنهم قد طوروه وصانوه ليظل حاملًا تاريخه الثقافي، ولم يهدموه كما يحدث عندنا. وهذا حديث طويل كتبت عنه مقالًا وقتها.

في النهاية أعود من كل رحلة وكأني قد قرأت عشرات الكتب. وفي الختام، أتمنى أن تنجو أحياؤنا التاريخية القديمة مما يسمونه التطوير، وهو في الحقيقة هدم من أجل إقامة مولات وعمارات وجسور، أو لإقامة كمبوندات مغلقة على ساكنيها، تفرّق بين البشر ولا تتسق مع روح المكان.


ما لا يُوضع في الحقيبة

رائد وحش كاتب سوري مقيم في ألمانيا

نغادر أمكنتنا متأكدين من أننا نترك البيوت والشوارع والمدن من خلفنا، لكنّ ما نودّعه هو نسخة من أنفسنا لن تعود. وحين نملأ الحقائب نضع الملابس والأوراق والهدايا، إلا أننا نعجز عن حمل الضوء الذي غمرنا طوال الوقت، أو رائحة الفجر التي أدمنا عليها، أو شعورنا الغريزيّ الذي يُخبرنا متى ننام ومتى نستيقظ دون منبّه.

ولأنّ السفر يُعيد تعريف علاقتنا بأبسط الأشياء: الضوء، الهواء، المطر ومواعيده وحجمه، مشهد البيوت.. إلخ، لا تكتمل الرحلة بالوصول فقط، إنما حين نبلغ تلك النقطة التي يسأل فيها كلٌّ منا: «ماذا فعل بي هذا المكان؟ وأيّ غريبٍ صنع مني؟».

علاقة بالضوء

ومع مرور أكثر من عقد من الزمان على إقامتي في ألمانيا لا تزال علاقتي بالضوء غريبة. في الشتاء، لا أفهم كيف يأتي الظلام طويلًا ومربكًا. وفي الصيف، لا أستوعب كيف يرفض الظلام أن يحلّ قبل الساعة العاشرة مساءً.

في سوريا، للشمس معنى آخر، هي تطلع مع الفجر وتغيب مع الغروب. أما هنا فأصبح الشروق والغروب، وهما من أبسط حركات الكون، مصدرَ ارتباكٍ دائم. وبهذا غدا ما كان بوصلةً يومية عطبًا نفسيًّا لا شفاء منه.

ترافقت صدمة الضوء الأولى مع صدمة العين. فما إن وطأتْ قدماي البلاد الألمانية حتى شعرتُ أنني داخل مشهد لا يشبه الصور التي خزّنتها الذاكرة؛ إذ اعتدتُ على بيوت مربعة السقوف، سواء كانت متواضعة أو فاخرة، واطئة أو تمتدّ إلى طوابق عدة. وعندما وجدتني محاطًا ببيوت ذات رؤوس مثلثة، على الرغم من أنه شكلٌ مألوف بسبب دروس الرسم المدرسية والأفلام، بدت لي وكأنها تتهيّأ للطيران لا للسكن!

لطالما طلب المعلم، في طفولتي، أن نرسم بيتًا على شكل مربع تعلوه سقوف مثلثة. وكنا نطيع على الرغم من أن منازلنا في الحيّ من دون هذه المثلثات. ولم نكن نعلم أننا كنا في تلك الرسومات البريئة نُدرَّب، دون وعي، على شكل الغربة التي سنصل إليها بعد عقود.

وهكذا بدأت الغربة باكرًا، من قلم رصاص، من دفتر رسم، لتستكمل حضورها حين دخلتُ في المشهد الذي رسمته يومًا، وكأنني كنت أرسم مستقبلي!

تفاوض

في الغربة، لا يكون التفاوض مع مؤسسات الدولة وحدها، بل مع الضوء والظلام والهواء والبرد. وهو تفاوض صامت، بلا مقابلات تُوقّع فيها أوراق، لكنه يحدث يوميًّا في أعماق الجسد، حيث أُعلّم نفسي ألا تنهار حين يخطفها ظلام الرابعة عصرًا، وألا تتوتّر حين يتأخّر الليل حتى حدود العاشرة.

في تدريب الحواس على استقبال صباحٍ بلا دفء، وغروبٍ بلا إنذار، وليالٍ لا تهبط بسلاسة، بل تتسلل ببطء كغريبٍ فقدَ عنوانه؛ وفي محاولة فهم ضوء لا يشبه ضوء بلدي، خصوصًا حين يكون اليوم غائمًا فيبدو اليوم بطوله وكأنه صباح طويل جدًّا؛ كنتُ أُجري التفاوض على معنى الصباح والغروب، وعلى معنى الليل الآمن. وذلك هو التفاوض الآخر، العميق والخفي، غير ذلك الذي تخوضه مجتمعات اللجوء والهجرة من أجل اللغة والاندماج والعمل.

وفي حين يجري التفاوض المؤسسيّ في مكاتب الدولة وصفوف اللغة، يحدث هذا التفاوض في الجهاز العصبي، في انتظام النوم، في مواقيت الجوع (مواعيد الطعام الأوربية، عمومًا، لا تتطابق أبدًا مع مواعيدنا)، في حساسية الجلد تجاه الضوء، في محاولة مواءمة الساعة البيولوجية مع زمنٍ لا يشبه الزمن الأصلي، وكأنّ الزمن الذي هنا من مادة أخرى غير مادة الزمن الذي هناك!

تفاوض يُخاض يوميًّا، بصمتٍ، في الغرف المعتمة، في محاولات فهم إيقاع السماء الجديدة. وهو شيء يعثر عليه هنا، ولا يُوضع في الحقيبة عند الرحيل.

مغادرة

لكن ما الذي نغادره حين نغادر أماكننا؟ وما الذي نستقبله حين نصل إلى أماكن جديدة؟ بالتأكيد ليس مجرد بيتٍ أو شارعٍ في الأولى، ولا يقتصر على لغة ووجوه جديدة في الثانية. في العمق، نغادر أنفسًا كناها. نترك وراءنا نسخةً مألوفة من ذواتنا، ونقترب من نسخة أخرى لم نرها من قبل. وما نحسبه وصولًا لا يقاس بدخول البلد الجديد، في الانفتاح على الاحتمالات: احتمال أن نُعاد تشكيلنا، أن تُربكنا تفاصيل لم نحسب لها حسابًا، أن نصبح مختلفين عن كل ما اعتقدنا أنه «نحن».

لهذا، لا تبدأ الرحلة مع قطع تذكرة أو صعود طائرة أو سفينة. لا يجري السفر فوق الجغرافيا، ولا تُرسم خطوطه على خرائط، فالرحلة الحقيقية تبدأ من لحظة داخلية: حين تومض صورة في الذهن، أو يعلَق اسم مدينة في الحلق، أو تنبثق رغبة غامضة في المجهول. وهكذا أستطيع أن أجزم أن الطائرة، تقلع من مدرجات الرغبة لا المطار.

تأويل المألوف

ثمة من يسافرون لا ليكتشفوا المدن والعوالم الجديدة، بل ليعيدوا بناءها، كأن الأمكنة لا توجد إلا حين تُروى. هذا ما بدا عليه ماركو بولو، بحسب مخيال إيتالو كالفينو في كتاب «مدن غير مرئية»، حين ظهر أمامنا كصانع للمدن باللغة والكلمات، وليس مجرد زائر يعبر أرجاءها بالأقدام. ربما نسافر، نحن أيضًا، على طريقة بولو أيضًا، كي نعيد تأويل المألوف، لا لنصل إلى أماكن جديدة.

لا نصل إلى البلاد التي نمضي إليها فارغين. نصل ومعنا ظلّنا السابق، أي هويتنا التي صيغت في سياق العائلة واللغة والدين. نصل ومعنا ما نتوقّعه، وما تربّينا عليه؛ لأننا لن نغادر الطريقة التي ألفنا أن نرى بها العالم. وحين نصل لا نكتشف مكانًا جديدًا بمقدار ما نكتشف أنفسنا من زوايا غير مألوفة. وهذا لأنّ المكان لا يُعرّف إلا بالطريقة التي يوقظ فيها شيئًا خفيًّا في داخلنا.

يختبر السفر ذاكرتنا أكثر مما يختبر الأمكنة. يكتشفُنا أكثر مما ينشغل باكتشاف الخرائط والطرق. ولهذا لا نسافر إلى الشوارع أو الجبال والأنهار، لكننا نمضي نحو الصور التي حملناها عنها، وفي تلك الصور نُعيد اكتشافها في أنفسنا ونحن نعيشها. ولهذا، غالبًا ما يكون الصدام الأول عند الوصول ليس بين المكان وصورته المسبقة فينا، لكنْ بيننا وبين المكان الحقيقي.

تفتح المفارقة بين «المكان الحلم» و»المكان الواقعي» مساحة للخذلان أحيانًا، أو للانبهار المفاجئ، لكنها دائمًا اختبارٌ: هل نصدّق أعيننا أم خيالنا؟ هل نملك القدرة على التخلي عن التوقعات، أم نسافر لنتحقق من صدق الكليشيهات التي حملناها عن المكان؟

تفكيك الصورة

ولعل أجمل ما يفعله السفر الحقيقي هو تفكيك الصورة النمطية التي عشنا بها زمنًا طويلًا. في باريس مثلًا، لن نجد الحب في الشرفات أو في المترو. وفي برلين، لن نعثر على الحرب مثلما سنرى مدنًا متناقضة داخل مدينة واحدة مركّبة من عناصر متنافرة. وفي بيروت، لن يطالعنا صوت فيروز في كلّ محل أو شارع، بل ضجيج كهرباء مقطوعة ومدينة تبحث عن إيقاعها وسط الركام. وفي بغداد، لن نجد البنية السردية الحالمة عن الحاضرة العربية بقدر ما سنواجه مدينة منهكة من عقود الطغيان والحروب، تحاول أن تتذكّر نفسها دون جدوى.

في داخل كل رحلةٍ رحلةٌ أخرى ضد ذاكرتنا، ضد استعمار الصور الجاهزة لأماكن لم نرها. في النهاية، يوسّع السفر مساحة المعنى. وكلما خلناه يضيف بلادًا إلى جوازات سفرنا، تفاجأنا بأنه في الحقيقة يضيف طبقات أخرى إلى ذواتنا، لندرك أمرًا في غاية البساطة: لا تقود الرحلة الحقيقية إلى مكان، بل إلى نسخة معقدة منا.


إلى أي حد يستطيع السفر أن يغير من تفكيرنا

ويعيد صياغة الصور النمطية للبلدان والثقافات

صبحي موسى روائي وصحافي مصري – هدى الدغفق شاعرة وصحافية سعودية

لم يعد السفر مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بحثًا عن عمل أو سياحة أو علاج أو تنزه أو تجارة أو زيارة أو غير ذلك. صار أبعد من ذلك، ففيه تنشط العاطفة أكثر من العقل، ويسعى الإنسان من خلاله إلى الاقتراب من روحه والاستئناس بها، باحثًا عن الطمأنينة والوصول إلى الجوهر: جوهر الرحلة التي يعيشها، أو المكان الذي يصل إليه، متفرغًا لتأمل ذاته وكشف مجاهيل دروبها.

من هنا نصح الإمام الشافعي تلامذته بالسفر قائلًا:

تغرب عن الأوطان في طلب العلا

وسافر ففي الأسفار خمس فوائد

ونظر الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي إلى السفر على أنه فعل وحركة تمس كل شيء، وأنه حقيقة الأشياء، سواء في حال وجودها أو عدمها، بل هو عنده حقيقة إلهية. أما الفيلسوف الألماني فريديك نيتشه فقد ذهب إلى أنه يجب عدم الوثوق في أي فكرة لم تولد في العراء، ولم تخلق في أثناء التنقل بحرية. ونادى نظيره الفرنسي ميشال دو مونتاني بضرورة أن ينتعل المرء حذاءه دائمًا ويكون مستعدًّا للسفر.

ونحن على أبواب الصيف والإجازات الطويلة، يستعد كثير من الناس للسفر والارتحال بعيدًا، طلبًا للتغيير والتجدد واكتشاف جغرافيا جديدة، وأيضا بحثًا عن إجابات للعديد من الأسئلة الخاصة بالسفر، وفي مقدمتها: ما الأبعاد العميقة التي يمكن أن ينطوي عليها للسفر؟ وإلى أي مدى يستطيع السفر أن يغير من تفكيرنا ومن الصور النمطية للبلدان والشعوب في أذهاننا؟ وما الفارق بين المسافر والرحالة؟ وبين المسافر بالإرادة والمسافر قسرًا عبر التهجير أو الفرار من الموت؟ وهل السفر بالروح دون الجسد ممكن حقًّا؟ ولماذا خفت وهج كتب الرحلات ولم تعد تلقى الاهتمام، كما كانت في عصر ما قبل الاتصال الحديثة؟


السفر أمل وألم ومغامرة ونجاح ومنفى

طارق الطيب روائي وأكاديمي سوداني مقيم في النمسا

كلمة «سفر» تحمل غالبًا دلالات إيجابية، فهي تعني الانطلاق عبر عالم رحب وثقافات جديدة ومتع تنتظر الاكتشاف، وإن لم تخل في الوقت ذاته من بعض السلبيات. وقد تعني أيضًا فرصة لتحسين الحال والمآل، من خلال عمل مجزٍ ماديًّا ومعنويًّا.

في شبابي، أي قبل نصف قرن تقريبًا، وُلدتُ ونشأتُ في القاهرة، حيث المجتمع الجميل والمتنوع والمتناغم والفريد. كان السفر وقتها حلمًا وتجلى في فكرتين رئيستين: فكرة المغامرة بالسفر إلى أوربا في إجازة الصيف، بحثًا عن فرصة عمل، والاستمتاع بفاكهة الحرية غير المحدودة، التي سمعنا عنها من أقران سبقونا إليها، أو قرأنا عنها، أو رأينا لمحات منها في الأفلام، فتزيدنا شوقًا وانبهارًا. أما الفكرة الثانية للسفر فكانت تأتي فيما بعد التخرج الجامعي والالتحاق بفريق المغتربين ممن وجدوا فرص عمل في الدول العربية الغنية.

كنتُ أنا وأقراني من جيل المرحلة الحرجة، التي صعُب فيها نسبيًّا السفر سواء إلى أوربا أو أميركا، كما صعُب الحصول على فرصة عمل عربية مناسبة ومحترمة بمرتب يساهم في التأهل ماديًّا من أجل الزواج.

رب ضارة نافعة

حين أنهيتُ دراستي الجامعية في مصر وقُبِلتُ لاستكمال دراسة الماجستير، تعرقَلَتِ الأمورُ وانسدت الطرق، وجاء أول طيران لي في حياتي نحو الدولة العربية الوحيدة التي كانت تسمح في ذلك الوقت بالسفر إليها دون تأشيرة: العراق. كانت رحلة عجيبة لا تُنسى، وقد كتبتُ عنها في كتابي «محطات من السيرة الذاتية». هبطت الطائرة في الكويت، لعدم وجود طيران مباشر إلى بغداد وقتها، ثم واصلت الرحلة في مشوار طويل بميني باص من حدود الكويت حتى مدينة أربيل.

كان ذلك هو سفري الأول: مثيرًا، مقلقًا، شائقًا، مهينًا، منهكًا، طويلًا، مجهولًا. عدت منه بعد بضعة شهور بتجربة أولى حسيرة وخيبة أمل فائضة. ثم جاء السفر الثاني مصادفة إلى النمسا، في منتصف الثمانينيات، أيام التساهل و»التساهيل» وقليل من الإنسانية التي تجلت في قبولي للدراسة مجانًا في أكبر جامعاتها، لتحضير درجة الدكتوراه (إذ لم تكن درجة الماجستير متاحة آنذاك). كان سفرًا جديدًا ومجهدًا، مع صعوبة اللغة الألمانية، ولعله كان السفر الأطول والأصعب في عمري.

حصلت على درجة الدكتوراه، وهو ما أهلني للعمل في جامعة فيينا، التي يزيد عمرها اليوم على 660 سنة، ثم عملت في ثاني أكبر جامعة في النمسا، جامعة غراتس، التي تمتد جذورها إلى أكثر من 440 سنة، ثم عملت في جامعة ثالثة. وأنا ممتنٌّ بلا شك، لكني في الوقت نفسه قدمتُ لهم عصارة حياتي وجهدي العلمي على مدى أربعين سنة.

في عام 1990م، كان من حقي الحصول على الجنسية النمساوية؛ بحكم الزواج من نمساوية، لكنني أجّلت الموافقة إلى خمس سنوات أخرى؛ لعدم رغبتي في الالتحاق بالخدمة العسكرية في النمسا. وفي النهاية، حصلت على الجنسية النمساوية بشكل قانوني، بعد قضاء عشر سنوات في البلاد.

الجنسية والسفر

المحزن في عالمنا المعاصر أن السفر لم يعد حقًّا متاحًا للجميع، بل صار امتيازًا تحدده قوة «جواز السفر». من أسعده الحظ بجواز سفر قوي، فستفتح له بلاد العالم حدودها وسيتمتع بحرية الانتقال والتجوال، ومن كان جوازه في آخر القائمة، فسيجد نفسه في مواجهة جدران التأشيرات التعسفية، والمنع، والتحفّظ، وربما الإذلال. بوصفي مواطنًا نمساويًّا، وكاتبًا نمساويًّا مسجلًّا في اتحاد الكتاب النمساويين، وحاصلًا على العديد من التكريمات، من الدولة ووزارة الثقافة، فقد أتيح لي السفر إلى العديد من دول العالم، ممثلًا للنمسا: إلى أميركا والمكسيك والسويد وإيرلندا وجنوب إفريقيا وغيرها من البلدان. لم تعد هناك صعوبة في السفر ولا عناء في الحصول على تأشيرة بعض البلدان إلا نادرًا. لكن هذا الامتياز لا يعمّ الجميع، وهو ما يجعلني أشعر بالظلم الكبير الواقع على كثيرين، ممن حُرموا من حرية السفر، لا لذنب اقترفوه، بل لأنهم وُلدوا في المكان «الخطأ»، أو بالجنسية «الخطأ.»

أسعدني الحظ بزيارة تسع وأربعين دولة حول العالم حتى الآن. معظم هذه الزيارات جاءت عبر دعوات أدبية رسمية، إما من تلك الدول ذاتها أو من سفارات النمسا في بعض البلدان. لكن الأمر يتجاوز مسألة السعادة والغبطة ورؤية البلاد الجديدة والتعرف إلى العادات والتقاليد والإنصات لعشرات اللغات واللهجات واللكنات، أو حتى السياحة في هذه البلدان. يتعدى كل ذلك إلى الاحتكاك الفكري والثقافي مع مفكري وفناني وأدباء تلك البلدان أصحاب الأسماء ذات الوزن الهائل.

السفر فاجأني بكثير من المواقف المدهشة؛ مثل لقاء شخصيات عظيمة، وبمواقف محرجة؛ كتأخر وصول حقائب، وأخرى طريفة؛ مثل السكن الجماعي، أو صعبة؛ مثل فقدان طريق الوصول للفندق، أو مواقف عجيبة لا تعد ولا تُحصى. لكن السفر عندي ما زال من أحب الهوايات التي أمارسها بشغف لا يضاهى.

في كل هذه الأسفار، أتخلص من كثير من الماديات بمجرد صعودي إلى الطائرة. يتبقى لي حقيبة بوزن ثلاثين كيلو جرامًا تحوي كل ما أملك حتى أعود إلى بيتي. وتبقى الذكريات هي الأكثر كثافة والأعلى قيمة، والأخف حملًا، ترافقني في كل مكان. ويصبح الفندق بيتي الجديد بمساحته الصغيرة، حيث تداهمني فكرة الغرفة التي نزل فيها كثير من الضيوف، وفكرة أن هناك شخصًا غريبًا، لا نعرفه، يدخلها كل يوم ليرتبها ويجهزها ليوم إقامة جديد. لكن، في خضم كل هذه التنقلات، لا أنسى طائفة كبيرة تتعرض لنوع آخر من السفر؛ سفر إجباري، عبر «تهجير قسري» لم نجربه. وهو الحال الموجع في عصرنا الحديث.


فرصة للعزلة

هدى المبارك شاعرة سعودية

تعد تجربة السفر من التجارب الأساسية التي كنت أسعى إلى تحقيقها منذ سن مبكرة. ومع بداية حياتي العملية واستقلالي المادي، لم أتردد في السفر وخوض تجارب متعددة فيه، من باب أن ما تستطيع القيام به الآن قد لا تستطيع القيام به بعد أربعين سنة. فمتطلبات الحياة الثانوية يمكن تحقيقها في أي مرحلة من مراحل العمر، أما تجربة السفر فهي من تلك التجارب التي إن لم تستطع اللحاق بها، ربما تفوتك وتمضي؛ لأن القدرة والرغبة في الخروج من منطقة الراحة قد تقلان تدريجيًّا مع التقدم في السن وتعقد الظروف التي قد تكون في المجمل خارجة عن الإرادة. لهذا، فإن تجربة السفر في مقتبل العمر تختلف عن خوضها في مرحلة النضج وما بعدها، وبالتأكيد لكل قاعدة استثناءات.

في بداية العشرينيات، كنت أبحث عن الأنشطة الخطرة، والتجارب الصاخبة، التي تزيد من تدفق الأدرينالين في الجسد، وتمنحني شعورًا فريدًا بالحياة. أما اليوم، فأصبحت أتعامل مع السفر كفرصة جميلة للعزلة، وللتعرف إلى الذات الحقيقية التي قد ننساها في زحام الأيام العادية. وقد وجدت هذا المعنى في رحلاتي داخل الوطن، في ربوع مدننا الحبيبة.

في الأيام القليلة التي أقضيها بعيدًا من مشاغل الحياة اليومية، أجد نفسي ممتنة للتفاصيل الصغيرة التي تساعدني، كشاعرة قصيدة نثر، على استقصاء اللحظات العادية بالمجمل، لكنها قد تكون مميزة بصور شعرية مختلفة، مثل صوت تدفق مياه الري في المناطق الزراعية في الأحساء أو القصيم، أو رائحة النخل واللقاح التي تملأ أجواء مقهى شعبي يرحب بك لقضاء تجربة فريدة تجمع بين الذاكرة القديمة للمكان، ومشاعر الحنين والأصالة التي تغذي روحي في إيقاعها اليومي.

من التجارب المميزة التي لا تزال عالقة في ذهني، زيارة وادي لجب في منطقة جازان. ما زال أثرها حاضرًا بقوة إلى اليوم في تفاصيل الجبال، وفي علامات النحت التي رسمتها الرياح والمياه على صخورها عبر الزمن. حتى ضرب الأشجار جذورها في الشقوق الجبلية يجعلني أتأمل في قدرة الكائنات الحية على الاستمرار والمضي قدمًا، على الرغم مما تواجهه من صعوبات. فكلنا، بمختلف أشكالنا، بشرًا كنا أو حيوانات أو نباتات، نشترك في هذه الخصلة: إرادة الحياة، وإن اختلفت طرائق خلقنا ومساراتنا.

أما من الجانب الثقافي، فقد منحتني السياحة في بلادي السعودية فرصة فريدة للتعرف إلى زملائي بالعمل مِن قرب. ففريق العمل الذي أنتمي إليه منذ نحو اثني عشر عامًا يضم أفرادًا من مناطق مختلفة، وبعد زياراتي المتعددة لتلك المناطق أصبحت علاقاتي بهم أكثر عمقًا وتفهمًا. مثلًا: منطقة كان قد تحدث عنها أحد زملائي أو نشاطًا كان يقوم به في منطقته في مرحلة الطفولة، لهجة مميزة، أو مقولة شعبية طالما سمعناها في أوقات الاستراحة من دون أن نتوقف عند معناها، أو حتى طبقًا تقليديًّا كان يُذكر عرضًا، فإذا بي أتذوقه في موطنه الأصلي. هذه الزيارات المتعددة لمناطقنا المختلفة في المملكة تجعلنا ندرك أن ما يجمعنا اجتماعيًّا أكثر بكثير مما يفرقنا، وأن تشابهنا في القيم والتجارب الإنسانية أعمق من اختلافاتنا الجغرافية أو الثقافية.


خواطر حول السفر

مبارك وساط شاعر وروائي ومترجم مغربي

تكتسب سَفرة مُعينة قيمة بالنسبة لمن يقوم بها، بِحسب مدى رغبته في الانتقال إلى مكان آخر. وحين تكون تلك الرغبة فِعلية وقوية، تُعاش تجربة السَّفَر بِحماسة وتوق لاكتشاف، أو إعادة اكتشاف، أماكن وأناس وأنماط عيش. بدون هذه الرغبة، يُصبح السفر تجربة مُتعِبة، يَخوضها المرء على مَضض. ليس مهمًّا هنا إن كنتَ ستسافر إلى مدينة كبيرة تُحيط باسمها هالة قويّة، أو كنتَ ستسافر إلى بلدة صغيرة غير مشهورة، بل المهمّ الرغبة في السَّفر أو غيابها. مِن هنا، أتفهّم نُفور نجيب محفوظ، مثلًا، من الأسفار، كما أَنظر بإعجاب إلى التوق الدائم للانتقال من بلد إلى آخر لدى بلِيزْ سنْدرَارْ، مثلًا.

آخر مرّة سافرتُ فيها إلى فرنسا، كانت في صيف 2017م. ركبتُ طائرة مِن مَطار سَلَا، غير البعيد من بيتي، متوجهة إلى باريس، ومِن باريس كنتُ سأعود إلى مونبلييه. والغريب هو أنّي كنتُ فاقِدًا للرّغبة في القيام بتلك الرِّحلة، لكنّي قَسَرتُ نفسي عليها استجابة لِدعوة للمشاركة في مهرجان شِعريّ كان سيُقام في مدينة سيتْ، في جنوب فرنسا. ما حدث هو أن الطائرة، بعد إقلاعها براكبيها، حلّقت فوق البيت الذي أقطن فيه رفقة زوجتي وابني. وفي لحظة عبورها، شَعَرت بأنّني في حال من التعب والضجر، ووددتُ لو أني كنتُ في بيتي أو في مقهى قريب منه، أو حتى في الرباط، المدينة القريبة مِن سَلا الجديدة حيثُ أَعيش. لن أُحاول أن أجد تفسيرًا لذلك الشعور، لكنّه فرضَ عليّ نفسه وتقبّلتُه طبعًا.

بالتأكيد، فقد عِشتُ أيضًا حالات فرح بالسفر، وحدث أن شعرتُ برغبة قوية في الاتجاه صوب هذه المدينة أو تلك، والتجول في شوارعها ومجالسة مَن أعرفهم -أو أتعرف إليهم- مِن ناسِها. ولا شك أن هنالك مُدنًا وبلدات، بعيدة أو قريبة، قد أحُل بها زائرًا في المُقبل مِن الأيام.

عيون طالما سافرت

آخر مجموعة شِعرية صَدَرت لي، حتى الآن، تحمل العنوان التالي: «عُيون طالما سافَرَتْ». وهي مجموعة لا تستمِد مادتها أو عوالمها مِن أسفارٍ واقعية قُمت بها، بل من أسفار من نوع آخر، تتوغل من خلالها العيون في فضاءات (أو أَفضِية) تتميز بكونها جديدة على إدراكنا، وقد تكون عجيبة أو غريبة أو مُتميزة فحسب. أما القصيدة التي استقيتُ عنوان المجموعة من بيتٍ فيها، فهي موسومة بعنوان خاص هو: «غريبٌ أَمرُ هذا الحقل»، وتنتهي بالأبيات التالية: «غريبٌ أمر هذي المداخن/ المهجورة على السطوح/ حين ننظر إليها بعيوننا التي/ طالما سافَرَتْ/ رفقة لقالق الطفولة!».

حين أقرأ الآن هذا المقطع مِن تلك القصيدة، يتبدى لي أنه تولد في ذهني في أثناء توقفي لتأَمل كنيسة كانت مُخصصة لفرنسيين عاشوا وعملوا في مدينة صغيرة (نِسبِيًّا)، تُسَمى اليوسفية. وهي مدينة كنتُ قَد عِشتُ فيها شطرًا مِن طفولتي، ثم سافرتُ إليها، ومكثتُ فيها أيامًا، بعد سنوات طوال لم أزرها خلالها.

أجراس كنيسة

لقد عِشتُ في مدن عديدة، مثل: مراكش والرباط وسَلا، وسافرتُ إلى أُخرى، مثل: طنجة وباريس وفاس ومونبلييه ومرسيليا… وركبتُ طائرات وقطارات فائقة السرعة وأخرى عادية السرعة، لكني لا أستغرب أن يبدأ تفكيري في موضوع «السفر» بتلك العودة العابرة إلى مدينة طفولتي، وإلى لحظة الوقوف أمام تلك الكنيسة، وكان قد نُزِع عنها الجرس الذي يُزَين هامتها وكان يُقْرَع بِشكل خافت نوعًا ما، أَيامَ كانَ هنالك فرنسِيون في تلك المدينة الصغيرة. نُزِع الجَرَس إذن من الكنيسة التي بقيت لها هذه التسمية، على الرغم من أنها كانت قد أُغْلِقت لمدة، ثم أصبحت صالة جمباز بعد ذلك.

وبالنسبة إلي، فقد كان وقوفي قبالتها للحظات مشحونًا بمشاعر حقيقية، وربما كان قريبًا، أو شبيهًا نوعًا ما، بوقوف القُدامى على الأطلال، على الرغم من أن تلك الكنيسة لم تنقلب لِـ»رَسْم دارس»، لِحُسن الحظ! لا يتعلق الأمر بِشعور دِيني، فأنا لستُ مسيحيًّا، لكنْ، في زمن ما، وأنا طِفل، كنتُ أمر من أمام تلك الكنيسة، وأُطيل النظر إلى اللقالق وهي واقفة على ساق واحدة حول جرسها العالي. وحين كانت تلك الطيور تُقْلِع وتُحلق مبتعدة، كانت عيناي ترافقانها إلى أن تختفي. وإذ تحل أوقات غيابها كنت أتساءل عن البلدان التي قصدَتْها، وعن جِنسيات الأطفال الذين يَرونها ويتأملونها، وهي واقفة حول أجراس كنائس في مدن بعيدة.

القطارات والتدخين

في مرحلة مراهقتي وبدايات شبابي، سافرتُ كثيرًا على متن قِطارات. كانت تلك الرحلات تجري داخل المغرب، وكان من عادتي، في أثناء سفري في قطار، أن أشغل وقتي بقراءة كتاب ما. ومن الكتب التي قرأتُ أجزاء منها، في أثناء تلك السفرات، أذكر رواية «الدكتور جيفاغو» لبوريس باسترناك، ورواية «بداية ونهاية» لنجيب محفوظ، ورواية «قلب الظلام» لِجوزيف كونراد، وعددًا من روايات سيمنون.


مسافر بين مدن الأفكار

غسان حمدان شاعر ومترجم عراقي

السفر ليس مجرد انتقال بين الأماكن، بل هو تجربة حية تنعش الروح وتفتح الأفق. في كل رحلة، أكتشف جزءًا من نفسي وأرى العالم بعيون جديدة. إنه حكاية تتجدد مع كل مدينة تُطوى شوارعها تحت الأقدام. في تجربتي، كان السفر فسيفساء حية، ألوانًا تتداخل، وجوهًا تحمل حكايات، أصواتًا تختلط كأنها لحن لا ينتهي.

وُلِدت في العراق، في حضن دجلة، حيث تشبعت حواسي بقصص التاريخ وأصوات النخيل. لكن الحياة، كما هي عادة، لا تعرف الثبات، فأخذتني الأقدار إلى إيران، بين جبال زاغروس وأزقة طهران حيث تعانق الجبال ذكريات السنين. شوارع طهران ضاقت بمشاهدها الكثيرة، وقلوب الناس، برغم تعبهم، كانت تروي قصصًا مختلفة عن تلك التي عرفتها. ومن هناك إلى سوريا، بلد التاريخ والأسواق العتيقة؛ فدمشق لا تزال عذراء في ذاكرتي، والياسمين يعبق في الأزقة القديمة، والحجارة كانت ذاكرة تروي حكايات الحب والخسارة.

ثم مررت بتركيا، التي لا تشبه غيرها، حيث التقاء الشرق بالغرب، وإسطنبول بما فيها من أزقة قديمة وأناس يحكون قصصهم بين ضجيج المدينة وحكمة الأزمنة. وفي كابادوكيا، حيث الصخور البركانية تشكل وديانًا وكهوفًا نُحتت بيد الطبيعة والإنسان، وجدت سحرًا لا يشبه أي مكان آخر. التحليق بمنطاد الهواء الساخن عند الفجر، ورؤية الشمس تُلون التكوينات الصخرية بألوان ذهبية، كان أشبه بحلم يروي قصة حضارات مرت وتركت بصمتها في الحجر.

في عمان، حيث البحر يهمس لك بأسرار الحياة، اكتشفت مدى جمال الهدوء الذي ينبعث من المدن الصغيرة، فالسكون هناك ليس مجرد غياب الصوت، بل غياب الزمن نفسه. في صلالة، يلتقي البحر بالجبل وتتحول الصحراء إلى واحة خضراء في موسم الخريف، عشت تجربة مختلفة. الضباب الموسمي يغمر الجبال، والشلالات تنهمر كأنها قصائد ماء، فيما تعبق رائحة اللبان في الأسواق القديمة، وتروي حكايات طريق البخور.

ومررت بماليزيا، حيث تتعانق الغابات مع ناطحات السحاب، وتختلط روائح البهارات بأصوات الأسواق. وفي إندونيسيا، بين جزرها الساحرة، وأقنعة بالي التي تروي أساطير قديمة. وفي فيتنام، بين حقول الأرز وسحر خليج ها لونج، حيث التاريخ يهمس بين ضباب الصباح.

في سنغافورة، حيث الفخامة تلتقي بالجمال، كانت الزيارة قصيرة لكنها عميقة. برغم غلاء المكان، إلا أن هناك ما يستحق أن تراه. كنت هناك مدة يومين فقط، نصف يوم في المطار والنصف الآخر بين معالم المدينة التي تترك انطباعًا يدوم طويلًا.

اكتشاف المجهول

أما الآن، فأنا في تايلند، حيث المعابد تروي أسرارها في كل زاوية، ألوان الزهور تتراقص في الهواء، وهدوء البحر يهمس بحكمة القدماء. بين طقوس بانكوك ونغمات الطبيعة في بوكيت، أدركت أن السفر بحثٌ عن السلام، واكتشافٌ للمجهول وما تخبئه الحياة، ورحلة لاكتشاف النفس. وتعلمت أن السفر ليس في الجغرافيا فقط، بل في الأرواح التي تلتقي، في القصص التي يرويها الغرباء، وفي الفنون التي ترسمها الجدران العتيقة.

أسافر لأكتشف الثقافات وتراث الدول، وأنهل من معينها في أعمالي القصصية والشعرية. أبحث عن الجمال في الوجوه التي تروي قصصًا بصمت، في الأطباق التي تحمل نكهات الأرض، في الألوان التي تملأ الأسواق، وفي الفنون التي ترويها الجدران الصامتة.

ودائمًا ما أجد نفسي بين المكتبات، أراقب رفوف الكتب مثل مسافر بين مدن الأفكار، أختار كتابًا وأتصفح صفحاته كما أستكشف مدينة جديدة. في تلك اللحظات، أرى كيف يفكر الآخرون، كيف يكتبون أحلامهم وذكرياتهم، وكأنني أتعلم لغة جديدة لكل بلد. أبحث في السطور عن أصوات لم ألتقِ بها، عن حكايات تنتظر أن تروى.

في المكتبات، ألتقط كتب التاريخ، أبحث عن أسماء نسيتها الذاكرة الجماعية، أسمع أصوات الفلاسفة والشعراء، كأنني أجالسهم في مقاهٍ خيالية، أستمع إلى حواراتهم، وأتساءل: كم من الأفكار نشأت في عقول رحالة ومسافرين؟ وكم من الأوطان لم تُكتشف إلا في أحلام الأدباء؟

مسافر أم رحالة

ولكن أرحالة أنا أم مسافر؟ ربما أنا مزيج من الاثنين. المسافر يبحث عن الوصول، يسير نحو هدف محدد، يُخطط لرحلته، يعرف إلى أين يذهب. أما الرحالة، فهو من يسافر بدافع الاكتشاف، يضيع ليجد، يعيش بين الثقافات، يتأمل التفاصيل، يترك نفسه للصدف. أنا مسافر حينًا، رحالة أحيانًا، وروح تائهة تبحث عن معنى دائمًا. السفر أيضًا قد يكون هروبًا، أو محاولة لإعادة تعريف الذات. نهرب من ماضٍ ثقيل، من وجوه نعرفها أكثر مما نريد، من مدن تحاصرنا بذكرياتها. لكنه في النهاية، اختبار للذات، رحلة لتفكيك الأوهام وإعادة تركيب الهوية.

لقد علمني السفر أن كل مدينة تحمل سرًّا، وكل ثقافة تحمل حكمة، وكل طريق يفتح أبوابًا مغلقة في أعماقنا. ومع كل رحلة، أدركت أنني لم أكن فقط أعبر الأماكن، بل كانت الأماكن تعبرني، تترك بصمتها في روحي، وترسم ملامح جديدة.


أنا مسافرة حيث أقمت أو ارتحلت

أريج خطاب ناقدة وأكاديمية ليبية

يفتح السفر في المكان الأبواب على ثقافات وحضارات متنوعة، نتعرف من خلالها إلى عادات وتقاليد مختلفة، ونتذوق أطعمة جديدة تثير حواسنا. في كل مدينة نزورها، وفي كل قرية ننزل بها، نكتشف جزءًا جديدًا من هذا العالم الواسع، ونوسع آفاقنا ومداركنا. عند زيارتي «لكاباو» إحدى مدن جبل نفوسة في ليبيا، حيث يسكن بعض من أمازيغ الجبل، وعلى الرغم من أن أطروحتي في الدكتوراه كانت عن «المكان في الرواية الليبية»، وجدتني أقف عاجزة أمام سحر المكان وأهله: عراقة وتاريخ، أصول ثابتة وانتماء راسخ وهوية محفوظة ومصانة. وجريًا على عادة نساء كاباو خرجت بـ «الجرد» الجبلي، وهو طقس جذبني، وعادة استلذذتها فاستجبت لها حبًّا وإعجابًا.

قرية تشبه قرى برقة

أما عن رحلتي إلى اليونان، فقد أقمت لأيام عدة في «لافاديا»، قرية تشبه قرى برقة إلى حد كبير، في طبيعتها وجبالها وغاباتها. كانت رائحة الغابة تملأ المكان، ذكرتني برائحة ارتبطت في ذاكرة طفولتي ببيت جدتي في «خنافس»، رائحة الغاب بعرعارها وبطومها، ومبان تشبه مباني قورينا، وأيضا مباني المدن في برقة، الجدران القصيرة والنوافذ الخشبية، البرسيان والمداخل المزينة بالورد، وما يشبه السانية فيها، وما يلبي احتياجاتهم اليومية من الخضراوات.

ثم انتقلت إلى أثينا، المليئة بالأخلاط والأعراق كافة. كان عدد من يحاولون الحديث بالإنجليزية المحرفة محدودًا جدًّا، على الرغم من ذلك لم أجد صعوبة في التواصل. لعل الفضل يعود إلى تجربتي في تعليم العربية للناطقين بغيرها؛ إذ منحتني المقدرة على التواصل مع الأعراق والأجناس كافة دون استخدام لغة وسيطة.

هنا يستثمرون الطبيعة لصالحهم: الطاقة الشمسية والرياح لتوليد الكهرباء، والزراعة مورد اقتصادي وثقافي. فهم يزرعون كل شيء: القطن والأرز والخضراوات والفواكه والحبوب. أما عن الزراعة بوصفها ثقافة فالشرفات جميعها مزروعة، رغم بساطة البيوت ومقدماتها. يعتمدون في غذائهم على الأسماك والخضار والفاكهة وزيت الزيتون، ويفضلون لحم الأغنام وتربيتها ورعيها. ومن ألذ ما تذوقت عندهم: جبن الماعز، المشهور بـ «الفيتا».

زرت مبنى البرلمان اليوناني، برلمان أول إمبراطورية في التاريخ، وتابعت لحظة تبديل الحراسات بالزي التقليدي اليوناني القديم، وتابعت طقوس تبديل الحراسات، حيث يؤدي الجندي بزيه اليوناني التقليدي القديم حركات استعراض لطقس تقليدي يوناني قديم. وزرت مبنى الأولمبياد الحالي، وهو أول مبنى للأولمبياد في العالم. وهو في الأصل عبارة عن مسرح يوناني قديم، عمره أكثر من 3000 عام. كما زرت أكروبوليس، ذلك المعلم التاريخي المشهور في أثينا. كان يملأ قلوب السائحين بالدهشة، ويملأ قلبي بالحسرة على تاريخ مهمل وقلاع وقصور ومسارح تاريخية في بلادي أعظم وأكبر وأكثر تمامًا وعراقة؛ لكنها مهملة!

ذهبت في رحلة بحرية إلى الجزر الثلاث: إيدرا وبوروس وإيجينا، حيث تتميز بيوتها ومتاجرها بالبساطة والعراقة والحضارة. كما زرت جامعة أثينا الكابوديسترياكون الوطنية، والمكتبة الوطنية اليونانية، ودخلت بصعوبة ركن المخطوطات، بعد التفتيش وترك الموبايل في الأمانات. هناك وجدت العديد من المخطوطات التاريخية القديمة، وهم يرحبون بمن يعمل بها ويقدمون عروضًا سخية لمن يجيد اليونانية القديمة واللاتينية والعربية معًا. نُصب أمام المكتبة تمثال لبانايس أثاناس فاجليانو (1814-1902م) التاجر اليوناني ومالك السفن، تقديرًا له على تبرعه السخي في بناء المكتبة.

أقمت آخر يوم في غليفادا، جنوب أثينا، وهي منطقة عصرية هادئة، تتميز بمحلات الماركات والكافيهات والمطاعم العالمية، لكن لا روح حضارية ولا عراقة فيها، فكل شيء فيها جديد وعصري.

رحلة من نوع آخر

كل رحلة هي درس في الجغرافيا والتاريخ والحضارة، تجعلنا أكثر فهمًا وتقديرًا للتنوع البشري والطبيعي. أما السفر في الزمان فهو رحلة من نوع آخر؛ رحلة عبر صفحات الماضي والمستقبل. أنا، مثلًا، لا أتوقف عن استحضار الماضي، سواء عبر الذاكرة، عن طريق الاسترجاع، أو من خلال زيارة أماكن الطفولة، حيث كانت تقام مواسم واحتفالات مضت ومضى أهلها. ورغم ذلك، تبقى العودة إلى الماضي عبر الزمن -من خلال قراءة الكتب التاريخية التي تنقلنا إلى عصور خلت، أو مشاهدة الأفلام الوثائقية التي تبعث الحياة في أحداث مضت- غذاءً للخيال وإنعاشًا للروح. لكنني، في أحيان أخرى، أسافر عبر استشراف المستقبل، بالأحلام التي أقف عليها وأراها تتحقق كلما مضى بي الزمن قُدمًا.

إنها قوة الذاكرة التي تحملنا إلى الماضي، وقوة التخيل التي تدفعنا نحو المستقبل. أنا أمارس السفر في حلي وترحالي. إنه فرصة للتعلم والاكتشاف والتطور، وأرى فيه وسيلة لتوسيع آفاقي وفهم ثقافات وحضارات لم أكن لأعرفها لولا تلك الرحلات.


صحارى تبعث في الروح الرهبة والراحة النفسية

الغربي عمران روائي يمني

في صغري سمعت أن «السفر قطعة من جهنم!»، مقولة قارنتها بما ورد في آية ﴿بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾، وأنا أتأمل تضاريس جنوب شبه جزيرة العرب، حيث وجدت نفسي عالقًا ذات يوم، محاولًا تجاوز تضاريس تقطعها السلاسل الجبلية الوعرة. تخيلت الأوائل، قبل شق الطرق واختراع السيارات، فأدركت أن تلك التضاريس قد باعدت بين أسفارهم حقًّا. أن يسافر المرء أشهرًا مشيًا على الأقدام، تحت لهيب الشمس الحارقة، والطرقات الوعرة، فإن السفر قطعة من جهنم حقًّا. ليس على مستوى العناء الجسدي فقط، بل على المستوى النفسي. أما اليوم فقد اختلف كل شيء، حيث تتعدد أساليب السفر والانتقال: من السيارات إلى القوارب، ومن القطارات إلى الطائرات والسفن. بل حتى دون أن نغادر أماكننا، تتيح لنا وسائط التواصل الحديثة أن نعبر المسافات ونصل إلى العالم كله بكبسة زر.

الطبيعة سكنتني

زرت ما يقارب العشرين بلدًا، وأحلم بالمزيد، لأجد أن الطبيعة المتنوعة قد سكنتني، من الصحارى التي تبعث في الروح رهبة وراحة نفسية في آن معًا، إلى البحار التي أثارت فيّ أيضًا مشاعر مماثلة، كما لو أن البحر والصحراء يتشابهان في أعماقي. لا أعرف كيف تتشابه لدي هاتان الطبيعتان المتناقضتان، بينما تختلف مشاعري في أحضان الغابات التي عبرتها في مناطق من تركيا، وأخرى في إثيوبيا، وتلك الجبال السامقة في المغرب (جبال الأطلس)، أو جبال شمال العراق.

الطبيعة تستقر في وعينا وتأخذ مكانها في ذاكرتنا إلى الأبد. لكن ما هو أكثر تأثيرًا من البحار والصحارى والجبال والغابات والأنهار هو ذلك الكائن المحير: الإنسان، الذي يدير الحروب أينما حل، ليترك آثار الدمار جيلًا بعد جيل. الإنسان كائن معقد، فهو من ملأ الوجود جمالًا أيضًا. هذا الكائن الجدلي الذي يحمل في تكوينه شيطانًا وملاكًا، خلاقًا ومدمرًا، لا تزال تسكنني وجوهه التي قابلتها في أزقة القصبة في الجزائر، وفي حارات دمشق القديمة، وفي أحياء القاهرة العتيقة بمزاراتها، وسوق واقف في قطر، ومطرح في عُمان، وميدان (أبو جنزير) في الخرطوم، وميدان البيعة في جدة. إنه الإنسان، ذلك الكائن المحير، من تسكنه الألفة ونقيضها. هكذا، أجدني أحمل إنسان طنجة، والإسكندرية، واللاذقية وبيروت والعقبة والخبر وعدن، وجدة.

إنسان المدن الساحلية

لا أعرف لماذا تحتويه ذاكرتي أكثر، إنسان المدن الساحلية. حين كنت في السعودية، ترك إنسان جدة أثرًا كبيرًا في نفسي. وحين عبرت من مكة المكرمة إلى الرياض، حتى المنطقة الشرقية، وجدت نفسي مشدودة إلى إنسان الدمام. وهكذا، في عشرات المدن البحرية يسكن ذاكرتي إنسانها، بمساحة أكبر من إنسان الجبال. هل لأن إنسان البحر خليط من أعراق وثقافات مختلفة؟ فمع وسائط التواصل والمواصلات تحولت الكرة الأرضية إلى قرية كبيرة وزاد اختلاط البشر أكثر في المدن الساحلية. ومع ذلك، أظل أتساءل: لماذا يختلف إنسان البحر عن إنسان الجبل؟ أنا كائن جبلي، أجاور أعلى قمة في الجزيرة العربية، «جبل النبي شعيب»، حيث تتزاحم مدرجات اللوز والبن حول سفوحه، ومع ذلك تهفو روحي إلى البحر. ربما هناك ما يُشبه النداء الخفي، كما لو أن شيئًا في أعماقي يستجيب لما لمح إليه داروين، بأن أصل الكائنات من البحر.

السفر والرواية

كثيرًا ما تقودني بعض الأعمال الروائية لزيارة أماكن وصفها الكاتب، وسرد الأحداث فيها. ومنها رواية «واحة الغروب» لبهاء طاهر، التي أغرتني بزيارة واحة سيوة، حيث وجدت الخيال أروع من الواقع. لم يكن تمثال الإسكندر بعظمة وصف بهاء له؛ وجدته بقايا متواضعة لتمثال لا يلفت الانتباه. وكذلك فعلت رواية «لا أحد ينام في الإسكندرية»، لإبراهيم عبدالمجيد، التي دفعتني لزيارة هذه المدينة العريقة، حتى أصبحت بعدها من عشاقها. ومع أن المكان في الواقع بدا جميلًا، إلا أن الإسكندرية كما كتبها عبدالمجيد كانت أكثر بهاءً ودهشةً، كأنها مدينة أخرى لا تعيش إلا في الخيال. أما الخبز الحافي لمحمد شكري، فقد أغرتني باختراق أحياء طنجة، وأزقتها وأسواقها، بحثًا عن مدينة تشبه تلك التي رسمها قلمه، لكني لم أجدها كما حلمت أو قرأت، على الرغم من أن طنجة في حدّ ذاتها فاتنة. وهكذا مع «حي السلام» في المكلا، الذي تعرفت إليه من روايات صالح باعامر؛ بحثت عن صخرة وصفها على الساحل، فلم أجدها، بل لم أجد صخرة أصلًا، وجدت فقط جبل القارة وهو يلقي بظلاله على المدينة. فهل قصد باعامر الجبل؟ أم إنها صخرة في خياله؟

هنا تبدأ تساؤلاتي: هل خيال الكاتب أجمل من الواقع؟ هل يتعمد الكاتب إغواء قرائه ليحثهم على زيارة الأمكنة التي وصفها في أعماله، ويغريهم باكتشافها وعقد مقارنة بين الواقعين؟ وهل تصلح الرواية لأن تكون دليلًا سياحيًّا للأمكنة؟ أم إن الكاتب ينقل ما يراه حسب رؤيته، ويرى الشخصيات والأمكنة برؤية مختلفة عن رؤيتنا لها؟

من بين تلك الأمكنة التي قرأت عنها أحلم بزيارة أماكن رواية «شيفرة دافنشي»، لروعة ما رسمه خيال دان براون فيها، كما أحلم بزيارة أماكن أخرى في روايات كثيرة لا يحتمل الحيز لذكرها هنا. أما المفارقات التي صادفتها في أثناء أسفاري فكثيرة، بعضها تركت ندبًا في النفس، غير أن أجملها، وأكثرها حضورًا في الذاكرة، كانت في أغادير بالمغرب، حيث اكتشفت سحر شجرة الأركانا، تلك الشجرة التي حملتُ في القلب جمالها.


مسافرٌ في حلمٍ شاحب

زهير كريم – كاتب عراقي مقيم في بلجيكا

عندما أتأملُ تجربتي في الترحال، لا أجد فيها ما ينطوي على مرافعةٍ عاطفيةٍ مصدرُها شُحوبُ حلمٍ كان مزهرًا، ولا أجد فيها إلهامًا يستعرض مفاخر أو مباهج راسخة أو بطولات. ليس فيها، في آخر المطاف، هزائم ولا انتصارات. هناك فقط نوعٌ من الرضا عن كل ما مر بي، وهذا الرضا هو العلامة الأكثر نضجًا في تجربةٍ صارت جزءًا من تشكيلي الوجداني والعقلي.

ولا أدري، على وجهِ الدقة، إنْ كان ممكنًا أن أعرِف مغادرتي العراقَ، عامَ 1992م، بوصفِها سفرًا بالمعنى السياحي. لا أميل إلى هذا التوصيف إطلاقًا، ولا أقرنُ هذا السفرَ كذلك بهدفٍ واضح مستقبلي مرسوم بالمسطرة، أو مزاجٍ خاضعٍ لحماقة أو لتدبيرِ العقل أو لمعادلةٍ رياضية يمكن الاستناد إلى نتائجها. لم تكن هناك قصدية تفرز فرقًا حاسمًا بين «مسافر» أو «رحالة» من جهة، و«هارب» أو «هائم» بلا بوصلة، من جهة أخرى. لكني على الرغم من ذلك أستطيع القول عن التجربة: إنها نوعٌ من المغادرةِ أو التخلي. هكذا أستطيعُ طي التصنيفاتِ لأضع إصبعي على النقطةِ الأكثرِ وضوحًا في تجربتي، وأرسخ كلمة «رضا» بوصفها كل ما ترشح عن عملية التنقل بين المدن في تلك السنوات.

وعندما نتحدث عما يرافق كل رحلة بشكلٍ عامٍ، فإننا غالبًا ما نركز على النتائج المتوقعة للانتقالِ من مكانٍ إلى آخر، ثم نعود، في النهاية، للموازنةِ بين حجمِ الخسائرِ والأرباح. لكن السؤال الأهم: هل يمكن أن نضع من يذهب إلى المجهول في مقام المسافر الذي يحمل خريطةً في جيبه ودفترًا يسجل فيه مقدمات ونتائج؟ هل يُعَد الهروب من مكانٍ إلى آخر نوعًا من السفر ذاته؟ أم إنه لا يعدو أن يكون هامشًا على متن الفكرة، أي فكرة السفر؟ وهل يكتسب الانتقال الاضطراري ملامح الترحال لمجرد أن صاحبه قد يحظى بلذة الاكتشاف أو المعرفة؟ ما السفر؟ وما الرحلة؟ وما التخلي؟ كيف نميز بين هذه الأشكال في وصف التجربة الإنسانية؟

نحن نُحددُ الأشياءَ بالوظيفةِ التي سوف تُنجزها، وبالأهدافِ المُعلَنةِ مسبقًا. ولكن، ماذا لو جاءت الرحلة بلا هدف، والسفر بلا خريطة، والتخلي بلا قرار واعٍ؟ هل يفقد الأمر معناه؟ أم إن المعنى يتكون لاحقًا، كأثرٍ لا يُكتشف إلا بعد مرور الزمن؟

نتحدث عن السفر بوصفِه محاولةً للكشفِ، ونتحدث عن الرحلةِ بوصفِها تقشيرًا للمكانِ ولسلوكيات وعادات وثقافة الآخر بدافعِ المعرفة، بدافع العملِ التجاري ربما، أو لتكليفٍ من جهةٍ ما مقابلَ مردودٍ مادي أو معنوي أو حتى سياسي أو استخباراتي. لكنني، حين أتحدث عن تجربتي، لا أجد نفسي داخل هذه التمثلات الوظيفية. صحيحٌ أن تجربتي تتقاطعُ مع ملايين التجاربِ الأخرى المشابهة: المغادرةِ اضطرارًا بحثًا عن لجوء أو نزوح أو حتى للاختفاءِ هربًا من فساد في نظامِ العيش. مع ذلك، لكل تجربةٍ خصوصيتها، وهذا ما يجعل الحديث عنها ضروريًّا. لكن، كيف نقيسُ هذه الخصوصية؟ هل تقاس بجماليات المكانِ الجديد؟ بالمباهج أو الأرباح التي يحصلُ عليها المسافرُ في أثناء رحلتِه؟ أم بالإكراهات التي تعترض طريقه؟ بالخسائر أم بالمفاجآت؟ بالنسبة لي، كان قياسُ التجربة أقرب إلى ما يمكن أن أسميه «مِحرارَ الألم»، أو ربما «درجةَ الضياع»، أو «تراكمَ طبقةِ الفقد»، أو «شُحوبَ العالمِ أمامَ الحنينِ للمكانِ الأول»؛ إذْ يتشكلُ الحنينُ في كل الأحوال، في الانتقال اضطرارًا أو اختيارًا، وهو شعورٌ جوهري وأصيلٌ لا يمكن تجاوزُ اشتغالِه في الوجدانِ البشري.

شعور لا يمكن التخلص منه

في لحظةِ السفر، أو قبلها بقليل، اكتشفتُ شعورًا لم أتمكنْ من التخلصِ منه طوالَ سنواتٍ عديدة: الفقدانُ أو الغثيانُ العاطفي الذي يُسببُه التخلي عن مسقطِ الرأس. في كل مدينةٍ جديدةٍ، كانت تُضافُ طبقةٌ أخرى لهذا الشعور. صار مع الوقت مصدرَ تهديدٍ لوجودي. فكرتُ في العودةِ مرارًا، لكن في كل مرة كان الخوفُ ينتصرُ على الحنين. يقيدني، ويقول لي: كن عاقلًا يا رجل، هناك حماقات لا يمكن محو آثارها. حدث هذا في عمان، القاهرة، الخرطوم، طرابلس، نواكشوط، داكار، الجزائر، باماكو، الرباط، مدريد، ثم بروكسل. جاءت الفرصةُ في نهايةِ عامِ 2006م، عدتُ إلى البلاد بعد حصولي على الإقامة الدائمة، عدت مبتهجًا؛ لكني اكتشفتُ شيئًا مُروعًا، اكتشاف من النوعِ الذي يُفهَم فيه على الفورِ حجمُ التناقضِ بين الوهمِ والحقيقة، عرفتُ أن شعوري بالفقدانِ لم يكن حقيقيًّا، والطبقات التي راكمتها المدنُ كانت وهمية.

الصدمة أو الصداع

أتحدث عن السفر وأنا أتأملُ هذا الفراغ، الصدمةَ أو الصدع، أو حالةَ السكونِ المُروعِ الذي أحدثتْه زيارتي الأولى للعراقِ بعد خمسَ عشرةَ سنةً من الشعورِ بالفقد. لقد وصلتُ إلى فكرةٍ غايةٍ في التعقيد، تتعلقُ بالخطابِ الوجداني، الحماسي عن الوطن، ويبدو أن الانتقالاتِ المتعددة من مدينةٍ إلى أخرى تُفقِدُنا، دون أن ننتبه، تلك الخيوطَ غير المرئية التي تربطُنا بالمكانِ الأول. ولقد اكتشفتُ لاحقًا أن الشعورَ بالفقدان كان محاولةً للتمسكِ بشيءٍ ما. يدٌ خفيةٌ تُشعِرك أنها إلى جانبِك، تقول لك: «أنت خائفٌ من الضياع، وتشعر بشحوبِ العالم. لا تقلق، هناك مكانٌ أول، هناك وطنٌ لن ينفصل عنك ولا تنفصل عنه». أتحدث هنا عن الدافعِ الأساسِ للنوستالجيا، عن الفجوةِ التي تتشكلُ عندما تُغادرُ وطنَك؛ شعور بالرغبة لرأبِ الصدع. لكن الحقيقة أن المكانَ الأول لا يمكنُ استرجاعُه إلا من خلالِ هذا الشعورِ الدائمِ بالحنين، الذي يحمينا من التشردِ أو التشتت.

الحنينُ هو البيتُ الوهمي الذي يقولُ: إننا قريبون دائمًا من مسقطِ الرأس، بل يمكنُ لنا استعادةُ المفقود بسهولةٍ وفي أيةِ لحظة. مجردُ حقيبةٍ تجمعُ فيها ملابسَك وتُغادر. هناك حق واحدٌ لك هو أن تنظرَ وتلتفت، تشعرَ بالأسى ربما، أو تبتسمَ بطريقةٍ غامضة، هذا كل شيء، ما تراجعَ لا يمكنُ القبضُ عليه.

الرحالةُ يُشاهِدون ويُدَوِّنون؛ لأن لديهم غايةً مُسبقة. أما أنا فكنتُ في الرابعة والعشرين، ولم أكن قد سافرتُ من قبلُ خارجَ العراق، لكني واجهتُ خُشونةَ الحياةِ في عمان، القسوةَ التي تُجبِرُ المرءَ على العمل حتى استنزافِ الجسد. فكيف يمكنُ للعينِ أنْ ترى، وتُوثق؟ الذاكرةُ نفسُها مشغولةٌ بما هو ضروري للعيش، لم أشعرْ في عمان أنني مسافر، أو سائح، بل مجردُ شخصٍ يعملُ لكي يأكل، ويُرسِل لأهله بعض المال، ولديه حلمٌ غامضٌ، ليس لمكانٍ محدد، بل لنقطةِ ضياعٍ أخرى لا يمارس فيها الحنينُ تهديدًا بالعودة إلى العراق.

العبور إلى الضفة الأخرى

وفي يومٍ ما، غادرتُ عمان إلى مكانٍ بعيد، عبر القاهرة، إلى الخرطوم، ثم عبر الصحراءِ إلى ليبيا. صارت بغداد بعيدة، وطريقُ العودة لم يعُد سهلًا إطلاقًا، وكان علي أن أبدأ مرحلةً أخرى، محاولةَ نسيانِ فكرةِ العودة نهائيًّا. لكن الشعور بالفقد لم يتوقف عن النمو مثل شجرة تتكاثف أغصانها باستمرار. ثم انشغلت بشؤوني: الحياةُ أفضلُ في طرابلس، العملُ متوافر، والأجورُ جيدة. لكن التواصلَ مع الأهل لم يكن سهلًا كذلك. أما الحُلم بالعبور إلى الضفة الأخرى من البحر المتوسط، فقد صار هاجسًا يتفاقم مع كل حكاية لعابر جديد. حُلمٌ قادني إلى تونس، ثم في محاولةٍ أخرى إلى نواكشوط. عم أبحثُ حقًّا؟ عن الطمأنينة، الحرية، الاستقرار؟ هذه المفردات وأخرى اجتمعتْ وصارت هدفًا لا يمكنُ لي التخلي عنها.

ثم في محاولاتٍ ومطَباتٍ وتغيراتٍ في المسارات، قادتني إلى غربِ إفريقيا: باماكو، وداكار، وكوناكري، وتومبكتو والجزائر وغيرها. كانت تجربة قاسية وغنية في الوقت ذاته. القسوة تدفعُنا أحيانًا إلى العودة، إلى تلك الأماكن التي نعتقدُ أنها لا تناسبنا. هكذا عدت إلى نواكشوط ثانية ولكن بكثير من اليأس، في أن العالم قد توقف هنا، وينبغي لي أن أهدأ وأقبض على حبل الرضا. وصلتُ إلى نقطةِ الصفر. قلت: سأبقى في هذه المدينة التي تُحيطُ بها الرمالُ من ثلاثِ جهات، المدينةِ التي تُطِل على المحيط. لقد تعبتُ. لم أعد قادرًا على الإمساكِ بالحلم. تبخر. أما الفقد فقد صار كابوسًا أفسد كل محاولة للنوم العميق الهادئ.

ثم في يوم استفاقَ الهاجس، هاجسُ عبورِ البحر المؤلم. ولم يكن لي خيارٌ سوى الوصول إلى الرباط، المدينةِ الصدمة، المدينة الأكثر تحضرًا ومدنية من أية مدينة مررت بها؛ في معمارِها وحدائقِها ومظاهرِ الحداثةِ فيها. وللحظة، تشكلتْ رغبةٌ في البقاء هنا. وبين الرغبةِ في البقاءِ والعبور، انتصر هاجسُ الفردوس الذي يقع في الضفة الأخرى. هكذا عبَرتُ إلى إسبانيا، ثم بلجيكا أخيرًا. قلتُ: لقد انتهتِ الرحلة. لكن الفقد استفاقَ بكاملِ نشاطِه هذه المرة، والطريق أصبح سالكًا إلى بغداد ودون خسائر، سوف أزورها وأعود.

مقام الغريب

لكن بغداد كانت تعيش حالة التوحش. كانت الحربُ الأهلية قد اشتعلت قبل أشهر من وصولي. اكتشفتُ حينها شيئًا مُروِّعًا آخر: عائلتي وأصدقائي يُريدون أن أبقى في مقامي البعيد، مقام الغريب، وعلي أن أحتفظَ بهذا الوضع الذي رسموه لي: الزائر الذي يجيء ويذهب. الشخص الذي يشتاقون إليه وحسب، لكن يجب ألّا يقيم بينهم. تغير كل شيء: الناس، والمكان. ثم تفتتَ الشعورُ بالفقد. تبنيتُ في النهاية، فكرةَ التخلي. الشيء الحقيقي الوحيد. قلت: إن مدنَ العالمِ كلها صالحةٌ لتكونَ مدينتَك، لكنها، في الوقتِ نفسه، اقتراحٌ دائم للانتقال.


السفر: ضحكات واكتشافات وصداقات تقوى وأخرى تهن

إستبرق أحمد قاصة وكاتبة كويتية

أشعر أنني لست على ما يرام، في دائرة محمومة من الفتور، وروحي صدئة، يصطبغ ما حولي بالبلادة وبفرشاة الروتين. تطلب نفسي صالة لها سمة العابرين، أسترخي على كرسيها الأحب، يطل عبر نوافذها الكبيرة الزجاجية طيور حديدية رابضة، ولها مهمة كسر المسافات وتقريب الأحلام.

أجلس ممسكة بحقيبة يندس بها جواز سفري، ترعبني فكرة ضياعه أو تلفه (وقد حدث)؛ لأني امرأة تحترف ضياع أسفار أخرى يوميًّا فتفتش عن: هاتفها المليء بالصور والقليل من الأحاديث، علاقة مفاتيح مركبتها التي تأخذها للقاءات وفعاليات، محفظتها التي تساعدها على ذلك. هكذا يوميًّا ترتب حياتها وأغراضها البسيطة وتفقدها أكثر في تدخل صديقها «الحرص» الذي يدس الأشياء في المخابئ بذاكرة ضعيفة.

يقولون لي: ما أكثر ما تحبين ارتكابه؟ أبتسم وأنطق عن هوى: السفر. ويتساءل بعض: لماذا تغادرين؟ أطيلي البقاء معنا. هم لا يعلمون أن التغيير هو سر القرب منهم بمزاج رائق.

أفكر أنني نهمة للبلدان، وإن كنت قليلة التعرف إلى الناس. وما الإنسان إلا رحلة، وهذه رحلتي بعيدًا من سفر القراءة وقريبًا من الكتابة. ربما مثل حاجة دراكولا للدماء ليتجدد، أحتاج إلى اندلاع صور الأماكن والأحداث، أشعر بمذاقها في يومي فأنشط وأشتعل. فكرة التنقل تفك سلاسل قلقي من أخبار: تسارع التغييرات في العالم واختفاء الأماكن، ومن أفكار: رهاب الأماكن العالية والطيران، تلكؤ اكتمال المشروعات والرفرفة بها. وإلا كيف أفسر أنني غالبًا بارتفاع الطائرة وتجاوزي الخوف، تسكنني الطمأنينة، تتراءى في خيالي فتات أشياء كثيرة حول الفرح بلقاء الأصدقاء والدهشة وقصص قادمة كأنها ندف ثلج؟

قصة طريفة

تسيح وحدك فتجني مانجا التأمل والتفكير، أما سفر الأصدقاء ممن يشبهونك ويختلفون أيضًا عنك، فهو اكتشاف نكهات المعرفة ومطابخ التجارب وتوابل الاقتراحات الثرية عندهم. لدي صديقات قليلات جدًّا، لكنهن رفيقات إيجابيات ومغامرات. نجتمع على «تنحية التسوق» مقاربين «محبة المتاحف»، و»الأماكن الثقافية» و»الطبيعة». صادفنا في إحدى المرات قصة طريفة في «متحف أورسي» الفرنسي عند شراء تذكرة، إذ ارتدت إحدانا نظارة شمسية سوداء، وفوجئنا أن الموظفة المسؤولة أعطتنا تذاكرنا وأبلغتها بدخولها مجانًا. استغربنا وبالسؤال عن السبب. أجابت الموظفة: «لا تذاكر للكفيف»، لننفجر ضحكًا مع الموظفة حين تبينت الحقيقة.

الرفيقة حقيبة

هناك دائمًا حكايات «الرفيقة حقيبة» التي لها أدوار البطولة في الصبر على تغير هيئتها بانتفاخات مريعة، وإصرارنا على تحملها شد سحابها بقوة نختبر عزمها. خضراء، برتقالية، رمادية والصغيرة حمراء تسر بصبرها الناظرين، وتتغلب على مأساة الوزن الزائد، يتلوها مغادرة حقيبتك على حزام الأمتعة، حيث اختبار ما قاله لك البائع عن متانتها ومميزاتها، تتلقفها أيدٍ عاملة متعبٌ بعضها، والمؤكد غير معنية بترف انتقائك وحرصك على محتوياتك الهشة. تطيح بها دون حتى الالتفات لملصق «أشياء قابلة للكسر» كقلوبنا. تنزعها وتقذف بها لمساحات ضيقة، ترضها رضًّا.

فهل أعاملها بأقل قسوة؟ مطلقًا فالبحث دائم عمن تفتح فمها على وسعه وتكظم غيظها وأنا أحشوها بكل قطعة ممكنة. فهي المختارة من سائر المتشابهات من حقائب قوية وركيكة وقادرة وواهنة مصطفة بجانب بعضها كجيش مرتزقة، بأشكال وألوان تربطهن جاهزيتهن، ويفرقهن «قائمة مسافر»: ما يريد حمله وما يستوعبه جيبه.

سفر الغياب

لا أنسى أول الحقائب التي اختفت، وصلت دونها إلى البلاد، سجلت حيرتي وضيقي في شكوى، بينما رحلة جديدة ومريرة تعبرها أمي مع المرض. بات الحديث معها عن حقيبة ضاعت مدة أسبوعين وسيلة لتجاوز ما يتكدس من حقائب الرحيل في غرفة «9» بالمستشفى. ربما لو رأتنا «سوزان سونتاج» لغضبت من الاستعارات، فما أستذكره من أحاديث فيه كثير من المراوغة وإغماض العين عن الحقائق. هكذا حدثتها عن وصول الحقيبة إلى السودان، البلد الذي لطالما أحببت زيارته، وبات الآن مثقلًا بحقائب الجوع والتهجير، في صراع الجشع والاستنزاف. أخبرتها أنهم سيستردون الحقيبة قريبًا. وفي إنهاكها واصلت أمي سفر الغياب.

في آخر رحلاتي، لاحقنا ثعلب الشؤم في كل زاوية، مبتسمًا بخبث. سقطت مريضة في رحلة لمدينة ضاعت أيامها بتعبي، وسرق هاتفي في محطة قطار أوربية بخفة يد مؤلمة. وصلنا لبلاد في وقت متأخر بعد مظاهرات دموية، رفضنا استغلال عصابة سيارات الأجرة في أسعارها المبالغ فيها، فمشينا لمسافات بلا نهاية، دون أثر لمحطة مترو أو سيارة أجرة. وفي إحدى المرات، حل عطل غريب أوقفنا لأربع ساعات في رحلة قطار وسط غابة، لتكتمل الرحلة باختفاء حقيبتي من الخطوط الجوية ذاتها التي أضاعت الحقيبة الأولى. استغرق الغياب أيامًا بطيئة مليئة بالترقب، إلى أن عادت بقفلها الأمين الذي كنا ابتعناه بمبلغ بخس جدًّا من القاهرة التي تضع أقفال المحبة. اكتشفنا محاولات لكسره، محاولات عاندها الصغير، مجابهًا ومحاربًا محاولات التخلص منه كافة، لنصرخ فرحين: تحيا «الصناعة المصرية».

هكذا هو السفر: ضحكات، اكتشافات، دهشة، عراقيل، صداقات تقوى وأخرى تهن، مفاجآت، قصص، تغيرات، امِّحاء، ترسيخ. وغير ذلك كثير.


ما بين السفر والترحال.. التجربة والمتعة

محمد المسعودي – ناقد وأكاديمي مغربي

مما لا شك فيه أن تاريخ الإنسان هو تاريخ حركة وتنقل بين الأمكنة وفي الأزمنة. ومما لا شك فيه أن عشق الإنسان للسفر، والرحيل، وتغيير الأمكنة والمنازل، هو عشق فطري نابع من طبيعة الإنسان القلقة والمتسائلة عن الوجود والحياة والإنسان ودوره في الحياة، ونابع، أيضًا، من سعيه المستمر إلى تحسين شروط حياته ووضعه الإنساني.

من هنا، كان السفر، بالنسبة إلي، جوهرًا من صلب الكينونة الفردية التي تتطلع دومًا إلى التغيير، وإلى الاكتشاف والمعرفة المقرونين بالمتعة والبحث الدائب عن لذة اللقاء بالآخر، وبالحضارات والثقافات المغايرة لمعرفة موقع الذات في العالم والحياة. ولهذا أَعُدُّ السفر بوابة مشرعة دومًا نحو المعرفة: معرفة الذات، ومعرفة الناس، ومعرفة بعض أوجه الحياة في المجتمعات المختلفة التي تتاح للمسافر زيارتها، وعبور فضاءاتها وثقافاتها. وغالبًا ما يكون السفر في زمننا المعاصر -الذي صارت السياحة فيه صناعة وفنًّا- فرصة للأفراد والجماعات لتحقيق منافع مختلفة تجمع بين الفائدة المادية (كالتجارة) والفائدة المعنوية (كالاستمتاع بالحياة في مختلف أوجهها).

لقاءات ثقافية

وفي تجربتي المتواضعة، كان السفر مرتبطًا عندي بلقاءات ثقافية، ومتصلًا بحضور ندوات دولية أو وطنية داخل المغرب وخارجه. وقد أتاح لي، من جهة، معرفة أدباء من بلادنا العربية، ما كنت أحسب أني سأتعرف إليهم من قرب، وأن أجلس إليهم وأستمتع بأحاديثهم، بل أن تربطني ببعضهم علاقة صداقة استثمرناها في كتابة رسائل جميلة، أو في إنجاز مشاريع أدبية مختلفة: إنجاز كتب، تبادل خبرات في مجالات معرفية محددة… إلخ. ويكفي السفر أن يتيح للمرء مثل هذه العلاقات الإنسانية الدالة والعميقة ليكون له معنى في حياة الإنسان. ومن جهة ثانية أتاح السفر لي الفرصة لمعرفة بعض المدن المغربية وغير المغربية، ومعرفة بلاد أخرى، والوقوف على طبيعة أهلها، وبعض أوجهها الثقافية والحضارية، واكتشاف الغنى الإنساني في تنوع ثقافاته ورؤاه للحياة والوجود وتعاطيه معها.

من وجهة نظري، هناك فارق بين المسافر والرحالة. المسافر يتخذ بادرة ذاتية، أو حافزًا خارجيًّا سببًا لحركته وسفره: كالتجارة، أو زيارة بلد ما مع أسرته أو مع جماعة ما، حسب الأسفار الحديثة التي تشرف عليها وكالات الأسفار. أما الرحالة، فهو رجل وهب نفسه لفكرة السفر كلية واتخذها مهمة وعملًا، وليس هواية. وهو يتقصد السفر والرحيل، ويكثر من وجهات رحلاته، وربما يغامر في الآفاق والمجاهل، واضعًا نصب عينيه أن يقتنص ما يبهره وما يثيره كرحالة، ليأتي في تدوينه بجديدٍ لا تكرار فيه. ومع ذلك، لم يعد الأمر كما كان؛ فالتقدم الحديث في الإعلام ووسائل التوثيق والتصوير لم يعد يتيح للرحالة أن يقف عند أشياء كثيرة جديدة ومبهرة؛ لأن القنوات التلفزية تعرض يوميًّا برامج وثائقية تكشف عن أسرار في الطبيعة، وعن جمال مختلف بلاد العالم، وعن ثقافاتها وعادات أهلها واختلافهم من بقعة إلى أخرى. أمام هذا الانكشاف لم يتبقَّ للرحالة سوى أن يصور انفعالاته وتفاعله مع الناس من حوله، وسرد وجهة نظره حول ما يجري حوله في أماكن رحلته. أما العالم فصار معروفًا: صار فعلًا قرية صغيرة مكشوفة. وتبقى أهمية الرحلة في قدرتها على تجلية رؤى الرحالة وكيفية تفاعله فكرًا وشعورًا مع المحيط الذي يزوره، وكيف يتمكن من تقديم رؤى مغايرة عن السائد في النظر إلى البلاد التي يزورها.

حاجة إنسانية

في ضوء ما سبق، أرى أن السفر، والرحلة معًا، حاجة إنسانية نابعة من فطرة الإنسان التي تتوق إلى التغيير: تغيير الأمكنة، وإلى البحث والاكتشاف، وإلى معرفة الآخر، لفهمه وفهم ذاته الفردية، وفهم العالم والحياة من حوله. لكن السفر، في جوهره، متعة ذاتية وسعي لاقتناص ملذات الحياة، مهما اختلف الحافز من ورائه. أما الرحلة، فهي فعل قصدي، ديدنه الأول المغامرة والاكتشاف، وتأتي اللذة والمتعة في مرتبة تالية.

ويمكن أن أضيف هنا أن السفر، والرحلة معًا، يشكلان للكاتب والمثقف أفقًا للكتابة. فكثيرًا ما تكون تجربة السفر حافزًا على التدوين، وعلى التعبير عن رؤى المسافر والرحالة عن البلاد والمدن التي زارها، أو أقام فيها، أو عبرها. ولعل تلك الكتابة لذة مضاعفة تضاعف متعة السفر والرحيل بالنسبة إلى كاتبها. ومن هنا نرى كيف كان السفر، وكانت الرحلات، محركات مهمة للإبداع الإنساني وللكتابة شعرًا، وقصة، ورواية، وملاحم، وغيرها من أنواع الكتابة الإبداعية، أو العلمية والتاريخية والجغرافية، وهو ما جعل هذه المدونات ذخيرة معرفية وإنسانية عميقة الدلالة. ولا تزال المدونات الحديثة التي يكتبها رحالة محترفون أو هواة سفر تحظى بمقروئية لافتة للنظر في مختلف اللغات الإنسانية.


الـرحالة والـمسافر.. تجربة شخصية

باسم فرات – شاعر ورحالة عراقي

في أحد الأيام، أضافني شخص لا أعرفه، على موقع الـتواجُهِ (الفيسبوك)، وما إن قبلتُ طلب صداقته، ورحبت به، كما هي عادتي مع كل شخص أقبل صداقته، إذا به يُرسل لي صورةً وخبرًا عن سيدة كويتية لم تبلغ الأربعين بعد، وقد زارت ثمانية وتسعين ومئة بلد. ما استوقفني هو زيارة هذا العدد الكبير من البلدان، بمعنى أن هذه السيدة قد زارت معظم دول العالم.

لكن، هل يمكننا أن نتعامل معها بوصفها «رحالة» أم «مسافرة»؟ هذا هو السؤال. دون الإطناب في توضح الفروقات بين «الـرحـالة» و«الـمسـافر»، يكفي أن نعرف أن قراءة المكان، والخبرات المعرفية التي نكتسبها من احتكاكنا بالشعوب الأخرى، ومدى احترامنا للغة ومكان وثقافة وعقيدة وطعام وملبس الآخر، ومدى تأثير ذلك في وعينا وتفكيرنا وسلوكنا، هي الأسس التي تمنح الشخص صفة «رحالة». فالرحالة ليس مُترفًا بحيث يتعامل مع الـمكان للاستجمام، بل إن لديه مشروعًا وهمًّا ثقافيًّا يرتبطان بـمشروعه الجمالي والـمعرفي.

تجربة شخصية

شخصيًّا، أدين بخوض مغامرات الترحال، والإقامة في مجتمعات متنوعة وتأملها: أربع سنوات في عَـمان، ثماني سنوات في نيوزلندا، ثلاثة أعوام في هيروشيما، ثلاثة أعوام في لاوس وجنوب شرق آسيا، ثلاثة أعوام في الإكوادور، وستة أعوام في السودان. هذه التجارب أتاحت لي الوصول إلى مفاهيم كانت عصية عليَّ، وكانت تؤرقني؛ لحضورها الفاعل في حياتنا العراقية والعربية. وكان للاحتكاك الكبير بالتنوع الإثني والعقائدي في هذه الدول، دور كبير في إعادة قراءة السرديات: سواء كانت لغويةً أو عرقية أو إثنية أو قومية أو عقائدية.

كذلك، كان للترحال فضل كبير علي. وأنا أتأمل المجتمعات التي عشت فيها، اشتغلت على التفريق بين مُصطَلَحَي «اللغة الأم» و«اللغة الأولى». لحظتُ أن الشعر لا يُكتب إلا باللغة الأولى، ففي أغلب بلدان العالم، هناك جماعات لغوية متنوعة، لكن تجمعها لغة واحدة. هذه اللغة الرسمية هي اللغة الأولى. على سبيل المثال: في العراق يكتب الشاعران «سَركَون بولص» و«جان دمو»، نتاجهما الشعري باللغة العربية، غير أن لغتهما الأم هي السريانية. وكذلك الأمر في سوريا، ومثالها الشاعر والروائي «سليم بركات»، يكتب باللغة العربية، بينما لغته الأم هي الكرمانجية، إحدى لغات الأكراد الخمس.

الأمر الأكثر وضوحًا، هُو عند أبناء وبنات الجاليات العربية والفارسية والتركية والكردية والسريانية وغير ذلك من الجاليات، فهُم يتكلمون بلغتهم الأم في البيت، في حين أن أبناءهم وبناتهم يكتبون نتاجهم التدويني مهما كان نوعه، بلغتهم الأولى، التي هي لغة البلد الذي لَـجَأَت أو هاجرت إليه أُسَرهم.

ذاكـرة تدوينية

أَن تحمل كتابًا في يدك، وأنت تطوف العالم، بأماكنه النائية والـمهمشة، وبعيدًا من صخبِ عواصم الأَضواء والـمالِ والسياسةِ، تقرأ وتبحث وتتأمل وتقارن، وتقضي أوقاتًا تنصت فيها إلى نبض ثقافات أخرى، وعقائد لم تخطر على بال، تشارك في طقوس عقائدية واجتماعية، لإيمانك أن الطرق الأفضل لسبر أغوار ثقافة الآخر، تكون بالاندماج في تفاصيلها، وكأنها جزء من تكويننا الثقافي. هذا هو أنا، وكانت نتائج هذا الفعل، أن فهمي لتاريخي وثقافتي وبيئتي ووطني، اختلف كثيرًا. فالذاكرة الجمعية التدوينية الـمكانية، لا تتشكل في قَرنين أو ثلاثة، بل تحتاج إلى قرون. ولا يمكن للغة أن تكون الحاضن الأكبر للـهُوية، إن لم تتوافر فيها عوامل عدة؛ منها: الامتداد الجغرافي الـمتصل، وتاريخ مشترك للغة على امتداد ذلك الفضاء الجغرافي، الذي لا يشطره بحر واسع، ولا سلاسل جبلية عالية وعرة، إضافة إلى تاريخ ثقافي وأعلام عاشوا قبل الحرب العالمية الأولى بعشرات الأجيال، أي نُخب مثقفة لديها منجز يمتد على مدى يقارب ألف عام.

إن بعض الأشخاص، يخلطون بين الفضاء الثقافي العربي، والفضاء الثقافي الناطق بالإنجليزية أو الفرنسية أو الإسبانية أو البرتغالية، فيتخذون عوالم هذه اللغات الأوربية خارج أوربا، دليلًا قاطعًا ووحيدًا على رفضهم للـهُوية العربية، متجاهلين التقطيع الجغرافي والعوازل العظيمة مثل الـمحيط الأطلسي والهندي والهادئ، فضلًا عن البحر الـمتوسط الذي هو بحر واسع جدًّا. كما تفتقد اللغات الأوربية، خارج أوربا، لذاكرة تدوينية واجتماعية مكانية.

مصطلحات علمية

إن وحدة الجغرافية، ووحدة التاريخ عبر اللغة والعقيدة، أي اللغة العربية والدين الإسلامي، وعراقة التدوين الذي يمتد لأكثر من ألف عام سبقت الحرب العالـمية الأولى، وضخامته التي جعلت اللغة العربية صاحبة أكبر تراث تدويني بين اللغات قاطبة، جعل من مصطلحات «الوطن العربي» و«الأمة العربية» و«الوحدة العربية» و«العرب» وليس مصطلح «الناطقين بالعربية»؛ و«البلدان العربية» وليس «البلدان الناطقة بالعربية» و«الأدب العربي» وليس «الأدب الـمكتوب بالعربية»، مصطلحات علمية إناسية «أنثروبولوجية»، قبل كل شيءٍ وليست مصطلحات سياسية فضفاضة وليدة عواطف آنية.

فضلًا عن ذلك، توجد وثيقة تاريخية كُتبت في القرن العاشر الـميلادي، عن عَرَبية الـمنطقة الـممتدة من أعالي جبال طوروس والبحر الـمتوسط شمالًا، إلى الـمحيط الهندي جهة بحر العرب وخليج عُمان جنوبًا، ومن أعالي جبال زاغروس والخليج العربي شرقًا حتى المحيط الأطلسي غربًا. وقد ذكر ذلك الـمقدسي البشاري (ت: 990م) في كتابه «أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم» الذي أَلَّفَه عام (975م) وفيه ذكر «الجزيرة العربية والعراق وإقليم آشور «آقور» (معظمه ضمن تركيا) وبلاد الشام ومصر والـمغرب العربي. وقد تكرر ذلك في الصفحتين (15) و (46) (راجع منشورات محمد علي بيضون، دار الكتب العلمية، ط1، 2003م، بيروت).

إنني أشعر بالامتنان للترحال الذي قضيت أكثر من نصف عمري أعيشه وأتنفسه؛ لأنه منحني الـمقدرة على دراسة السرديات، عبر وضع منهج خاص بي، بعد أن فَرقْتُ بين الـمفاهيم التي أعدها مفاتيح لفهم مدى صدق سرديات الجماعات اللغوية والعقائدية، ولا سيما الأولى، التي أوغلت في الـمبالغات والتزوير، وأطنبت بخلق تاريخ عريق لها، وبعضها يَكاد كل ما كُتبَ وُدُوِّنَ في الـمدن والبلدات والـمناطق الـمجاورة لها، ليس بلغتها حتى الحرب العالمية الأولى.

خلطة ثرية

الترحال، قادني لـمعرفة أكبر بثراء اللغة العربية، عبر احتكاكي بعشرات إن لم يكن مئات اللغات. كما أتاح لي معرفة أكبر ببيئتي العربية، بتراثها الزاخر، وبهُويتي العربية، التي تعني لي خلطة ثرية من القوميات والإثنيات والأعراق. وعلى الرغم من أن اللغة الإنجليزية لغتي اليومية في البيت والعمل والـمجتمع، فإن تغلغل اللغة العربية في مساماتي وأعماق روحي، جعلني لا أعترف بفحص الحمض النووي؛ لأن علاقتي بالعربية ثقافة وفنًّا، أكبر من جميع نتائج فحوصات الحمض النووي. شعراء ما قبل الإسلام، وشعراء عصور ما بعد الإسلام، وأكثر من نصف مليون كتاب بالعربية في العراق قبل الاجتياح الـمغولي، وما أنتجته بلاد الشام ومصر والمغرب العربي واليمن والسودان، أهم، عندي، من النسب والحمض النووي.

لولا الاحتكاك بشعوب كثيرة ومئات الإثنيات وعشرات الأديان والعقائد، ومعايشتها بروح الـشاعر والـمغامر والباحث والعاشق للتنوع، لَـمَا وصلت لهذه الرؤية وحل لغز الـمفاهيم التي ذكرتها آنفًا، وأيقنت أن التنوع والاختلاف ثراء للبشرية، وأن أولى درجات الـمحبة، أن نعرف إخوتنا في الإنسانية.


لا تحدثني عن السفر

فائز أحمد علي – كاتب وباحث سوداني مقيم في الرياض

هأنذا أدخل إلى صحراء الربع الخالي. قال لنا سائق الحافلة: إن علينا أن نستعد لساعات طويلة قادمة لا توقف فيها، ولا حضن يضمنا غير كثبان الرمال الناعمة. إحساس غريب بالغربة داهم قلبي، ملأ صدري، تحول إلى غصة في حلقي. مسحتُ دموعي وأنا أغوص في مقعدي قليلًا وأنظر عبر النافذة التي عن يميني إلى الفراغ، حتى لا يرى ابن بلدي السوداني الأسمر الجالس عن يساري ما كتبته عيوني على خدي من كلمات الألم.

أنا ابن النيل. عشتُ حياتي كلها قريبًا من الصحراء، ولكنني بقيتُ ابن النيل. كلما كانت صحراء بلادي تحاول أن تشير إلى نفسها أمامي، كان النيل يضع على قلبي وعقلي قبلة رطبة من الأُنس والأمان والحميمية والارتواء. ثم إن صحراءنا ليست موحشة كهذه، صحراء بلادي ناطقةٌ بهويتها، ولكنها لطيفة رقيقة، إنها كأمٍّ تقسو عليك، ولكنها تظل بجانبك، تقدم لك ما تملكه وتعرفه من خير وبذل خاصّ بها.

حرب بلا معنى

الحرب التي اندلعت في بلادي خالية من المعنى، كخلو هذه الصحراء من الحياة، حارقة كشمس هذه الصحراء أو أكثر، مخيفة كهذا المجهول الذي أنطلق إليه وأتعمقُ فيه. احتضنتنا العواصم العربية. نحن الذين نفتح بيوتنا للعالم كله، أصبحنا نعبر الحدود بحثًا عن الأمان. أنا الآن قادم من عاصمة مُحِبَّة، متجهًا إلى عاصمة أخرى مُحِبَّة، ولكن مهما كان الحب الذي تقدمه لك العواصم المخلصة، فإن جرح الوطن يظل في داخلك داميًا نازفًا، وطعم الغربة العلقمي الأصل والجذور؛ لا يستطيع أن يلومك أحد على تجرع كؤوسه في عبراتك المتوالية المتعاظمة، ثانية بعد ثانية.

أنا ابن الضفاف والخضرة والطيور الصادحة والندى الذي يغسل الروح قبل أن يبلِّل الجسد، أنا الأخضر الذي قادته أقداره إلى الطريق القاحل، أنا الأسمر الذي قذفت به الحرب إلى غبار المفازات والفيافي، أنا الأرض الخصبة التي عليها أن تعبر الصحراء لساعاتٍ طويلة، بحثًا عن بدايةٍ جديدة. كم تمنيتُ أن أجيء إلى هذه البلاد زائرًا مستكشفًا سائحًا، ولكني أدخل إليها اليوم طريدًا. ألف صدرٍ يضمني، وألف كلمة ترحاب أمامي، ولكني أشتاق إلى صدر وطني وترحاب أرضى.

الحافلة تمضي عبر الكثبان صارخة، لكن لا يسمعها أحد، وكذلك صوت الحنين في داخلي. الصمت يخيم على الركاب، ولكن جرحي الدفين يصرخ ولا يسمعه أحد.

لم أغادر وطني من قبل. أحببت تراب بلدي حتى الثمالة، عشقت سماء موطني حتى الفناء، ذبت في هوى أهلي البسطاء حتى صرتُ لا أتصور الحياة إلا بينهم. والآن لا ترسلني عاصمة إلى أخرى فحسب، بل ترسلني فجيعة إلى أخرى، ودمعة إلى أخرى. غريبٌ هو الإحساس بالبعد عن الوطن لمن هو مثلي، في دفء حضور الأشقاء الجميل، تظل لمسة الحزن الباردة، تضع بصمتها في مكانٍ عميقٍ في أصل روحك، وعمق ذاتك.

فداحة المجاهل

على الرغم من فداحة المجاهل والدروب، ما نحن إلا الوطن. أنا الكاتب الطليق المفردات، أنا الشاعر الحر الخيال؛ سقط قاموسي وسقطت عوالمي، عندما عكَّرَتْ صفاء بلادي طلقة النزاع الأعمى الأولى. وجدتني عندما سمعتها؛ أرجع إلى لحظة التكوين، تكويني، بوتيرةٍ متسارعة. لم أجد هناك شيئًا. كل شيءٍ قد تلاشى، ولكن بقي الوطن. أدركتُ عندها، بأننا مهما تنوعنا، ومهما تعاظمنا، فإننا في بذرتنا الأولى؛ هذا الوطن، هذا المكان السحري الذي يعني ببساطة «حياتنا».

لا تحدثني عن السفر بالجسد، لا تحدثني عن السفر بالروح، لا تحدثني عن السفر بالخيال. عند النزوح أنت تسافر ولكن روحك تبقى، فهل هذا سفر؟ أنت تمضي ولكن نفسك تُزهق، فهل هذا سفر؟

الحافلة تمضي عبر تلال الرمال الناعمة، هي تعرف طريقها جيدًا، هي ذاهبة إلى مدينةٍ رائعة. وأنا أمضي عبر أحزاني، أغوص في مقعدي أعمق وأعمق، أشيح بوجهي عن رفيقي الذي يغمره الحزن مثلي. أنا أذهب إلى المدينة الرائعة، ولكني لم أفارق بلدي بعد. السفر لم يعد هو السفر الذي سمعتُ به قديمًا، معنى السفر صار مركبًا ومعقدًا. السفر لا يعني الانتقال، لا يعني الانتقال حتمًا.


المسافر

وليد علاء الدين – شاعر وروائي مصري

هناك مثل مصري يفتقر لفظًا للياقة، ولكنه في المعنى مهم، ومعناه: «في البلد التي لا يعرفك أحد فيها، يمكنك أن تركض عاريًا»، في إشارة إلى أن أول ما يسمح السفر للإنسان بالتخلص منه هو قيود المجتمع؛ فيصبح بذلك أقرب إلى جوهره مقبلًا على تجريب المختلف والجديد. كل مسافر هو «أليس» في بلاد العجائب، هناك حيث كل الأشياء «غير طبيعية»؛ لأن الحقيقة أنه لا شيء في الكون طبيعي من الأساس. الطبيعة نفسها ليست طبيعية، الحادث فقط أننا اعتدناها فتوقفنا عن إدراك كم هي مدهشة! والسفر هو الذي يكشف ستار الاعتياد هذا فيعيدنا إلى دهشتنا الطفولية، تصبح كل خطوة جديدة، كل صخرة جديدة، كل شجرة جديدة، كل مبنى صالح لأن تطالعه بعين جديدة.

في السفر نتأمل ونتعجب وندرك أننا ما زلنا قادرين على الاندهاش. نخرج من قوقعتنا التي سبكتها العادة حولنا؛ فعشنا ننظر ولا نرى، نشم ولا نتساءل، نلمس ولا نشعر. في السفر تعود الحواس للعمل من جديد؛ ننظر فنرى ونشم فنتساءل ونلمس فنحس، تتحرك الطاقات المعطلة وتصحو الغرائز الفطرية التي نسيناها حتى تعطلت.

وشيش الأسئلة

في الصغر، كانت لدي عادة في السفر، أظنها نشأت من أجل مقاومة وَشيش التساؤلات في عقلي الصغير، كنت أحصي أعمدة الإنارة التي تتراكض على الطريق عكس اتجاه السيارة، أدخل في تحدٍّ صامت أختبر فيه قدرة عيني ومخي على ملاحقة الأعمدة، وأحيانًا الأشجار التي تركض سريعًا على الطرق الزراعية. في الليل كنت أعد المطبات سرًّا. داخل المدن، أعد علامات الطريق البيضاء المتقطعة. لازمتني هذه العادة حتى في الطيران، لا بد أن أجد شيئًا أحصيه ورويدًا يتراجع صوت الإحصاء ويصبح خلفية لسؤال أو أكثر يصمد أمام الحيلة الفطرية فينبت أسئلة وأفكارًا وتأملات.

في السفر تتسع رقعة التساؤلات. تشعر أن وراء كل تنويعة حدوتة وتفسير ثقافي أو ديني أو حضاري. كل لون، كل انحناءة، كل ارتفاع أو انخفاض، لا بد يطوي خلفه حكاية بطعم البشر. يمكنك أن تقضي عمرك في السفر وتدوين قصص ما وراء الأشكال والأحجار وطرد التساؤلات.

بدون سكر

في أثناء رحلة شتوية في تركيا، توقفنا في محطة لتعبئة الغاز في منطقة ليست على خريطة السياحة، أهلها أقرب لطبيعتهم. كان للبخار المتصاعد من كوب الشاي في يد عامل المحطة تأثير السحر. يبدو أنه لحظ نظرتي للكوب، ارتبكت وهو يعرض علي بإشارات من يديه أن يُضيفني بكوب شاي؛ كيف أشرح له أني أشربه بلا سكر؟ قلت: «بدون سكر». هز رأسه وابتسم بشكل لا يدع مجالًا للشك في أنه لم يفهم. حاولت بالإنجليزية، حصلت على الهزة نفسها لكن مع ابتسامة أعرض، اشترك فيها السائق الذي تدخل محاولًا مساعدتي. بدا أنه هو الآخر لم يدرك مقصدي. كررت لهما بلغات متعاقبة: «من غير سكر، نو شوجار، شُكَر نيه… نو شاكار»، في النهاية وجدت الحل الأفضل أن أصحب الرجل إلى حيث يُعد الشاي فأشير إلى السكر مستخدمًا لغة الإشارة أو أن أرفع علبته وأبعدها مثلًا. أخذت ذراعه في ذراعي ومضينا. كانت ابتساماته تخفف من وطأة الموقف، وكنت في حاجة إلى كوب الشاي الساخن. قررت أنني لن أتنازل عنه، حتى لو جاءني متخمًا بالسكر.

بعد خطوتين فقط مع العامل اللطيف، سمعت صيحة السائق، قال من دون أي مقدمات وهو يهلل: «شوكار نو»، ثم قفز أمامنا كقرد بدين، نقل المعنى الذي وصله متأخرًا إلى عامل المحطة بكلام كثير لم أفهم منه شيئًا. كان يشير ناحيتي خلال حديثه مرددًا كلمة «مسافر»، بدت لي الكلمة كأن السائق «بيشحت علي» كما نقول بالعامية المصرية. دخلت في نوبة ضحك أفقتُ منها على إحساس غريب بوقع الكلمة على أذني. بدا غريبًا كأنه خارج للتو من حكايات «ألف ليلة وليلة».

لم تعد تلك الكلمة «مسافر»، كما نستعملها في عربيتنا اليومية، تعني لي الشيء نفسه. في تلك اللحظة بدت طلسمًا غامضًا يلفه إيقاع ساحر. منذ تلك اللحظة أيقنت أن المسافر هو ذلك الغريب الذي لا يعرف لغة القوم. المسافر هو ذلك الكائن الذي يبذل جهدًا كبيرًا في أشياء تبدو بسيطة وعادية. هو الذي يحتاج إلى العون والمساعدة والصبر من أهل المكان. هو ذلك التائه والجوال الذي يقصد شيئًا فينال غيره. هو ذلك الذي يرى ما لا يراه المقيم، ويسمع ما لا يسمعه، تخاطبه الكائنات والشوارع وتبوح له بما لا تبوح به لأهلها.


أعشق السفر وأكره الوداع

شامة ميرغني – كاتبة وروائية سودانية

السفر من التجارب الإنسانية الثرية التي تتيح للإنسان التعرف إلى الثقافات المختلفة والعادات المتباينة لشعوب الأرض. وللسفر فوائد عدة أوجزها الإمام الشافعي في قوله: «انفراج هم، واكتساب رزق، وتحصيل علم وآداب، وصحبة ماجد وأخيار». وهناك السفر الروحاني للأماكن المقدسة حيث يسمو الوجدان وتخشع نفس الإنسان، والسفر للعلاج، وهناك السفر للمجاملات في المناسبات، أما أسوأ أنواع السفر فهو أن تخرج من بلدك هاربًا من الحرب، باحثًا عن الأمن في غير وطنك، وقد شرع الله لك أن تهاجر إلى الأماكن الآمنة، كما فعل رسول الله حين هاجر من مكة إلى المدينة. وقد تطول الحرب، فتجد نفسك لاجئًا مهانًا تتلقى الإغاثات من بعض الدول.

أصفق مرحًا

أنا عاشقة للسفر منذ طفولتي، وبرغم أنني كنت أبكي وأملأ الدنيا صراخًا، إذا سافر أحد من أفراد أسرتي، إلا أنني لا أخفي سعادتي، وأصفق مرحًا، بأننا مسافرون، ولا أبالي لدموع جداتي وعماتي وهن يودعنني. ولا أنسى أبدًا كيف كانت جدتي تجمع التراب من تحت أقدام المسافر من أبنائها أو أحفادها مرددة: «سفر النبي للشام، سفرة وعودة، كاسب وغانم، وداعة الله عند الرسول». ثم تربط ما جمعت من تراب في قطعة من القماش وتحتفظ بها في صندوق أساورها ومجوهراتها!

ما زلت أعشق السفر وأكره الوداع، وأكثر ما يزعجني في السفر إعداد الحقائب، وبخاصة عندما يكون السفر مع أفراد الأسرة. أستمتع كثيرًا بالسفر بالباخرة فوق المسطحات المائية، حيث الباخرة معدة بكل وسائل الراحة. تتمشي وتأكل وتنام وتستمتع بجمال الطبيعة عند شروق الشمس وعند غروبها، وتصاحب الناس وتدير معهم النقاش في الفن والسياسة والاقتصاد، إذا كنت مدمنًا للنقاش. يليها، في الحب، السفر بالقطار؛ فهو سريع ومريح ويتيح لك متعة النظر إلى القرى والمدن وهي تمر أمام ناظريك سريعًا.

على متن طائرة

أكذب إن قلت: إنني أحب السفر بالسيارة أو أجد متعة في السفر بالطائرة. ومع ذلك، لا سبيل لزيارة البلاد التي أحبها إلا بالسفر على متن الطائرة. هناك يصم أزيزها الأُذنين فلا تسمع ولا تستطيع أن تتكلم؛ إذ لن يسمعك أحد. ولن ترى شيئًا؛ فليس في السماء مناظر تتسلى بها. فتسافر هكذا: صم، بكم، عمي، وتجلس مستكينًا هادئًا مهذبًا كطفل وديع.

من غرائب طبعي تعلقي بالمدن. كنت متعلقة بالسفر إلى مدينة ملكال، بالقطار أو بالباخرة. أحببتها كثيرًا، أحب أجواءها الممطرة معظم شهور العام، ودفء أهلها الذين أحبوني بدورهم، ويتعجبون من إصراري على إضاعة أيام الاجازة في السفر الطويل بالباخرة أو بالقطار، بدلًا من الوصول إليها في دقائق معدودة بالطائرة. كذلك استمعت كثيرًا بالسفر إلى المملكة العربية السعودية، وزرت مدنها الرائعة وطبيعتها الجميلة، وتعلقت بالمدن المقدسة. للسفر مزايا كثيرة لا يمكن حصرها في هذه المساحة الصغيرة.

المنشورات ذات الصلة

صعود الخصوصيات الثقافية

صعود الخصوصيات الثقافية

رؤى‭ ‬العالم وسؤال‭ ‬الخصوصية‭ ‬والعالمية محمد شوقي الزين - كاتب جزائري أوديسَّا مصطلحٍ: التلاشي والانتشال هيمنت مفردة...

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *