على مدى سنوات طويلة؛ كان الفعل الثقافي في المملكة العربية السعودية موزعًا بين عدد من الجهات والمؤسسات التي يعمل كل منها برؤية مختلفة عن سواه، حيث تقوم وزارة الثقافة والإعلام (سابقًا) بما يلائم دورها الذي يجمع بين تخصصين مختلفين، وتتقاسم برامج النشاطات الثقافية جهات أخرى غير ثقافية مثل: الرئاسة العامة لرعاية الشباب التي كانت ترعى الأندية الأدبية، وجمعيات الثقافة والفنون بفروعها المنتشرة في كل مناطق المملكة، إضافةً إلى قطاع الشؤون الثقافية في الحرس الوطني الذي أطلق المهرجان الوطني للتراث والثقافة (الجنادرية) وظل يعمل لأكثر من ثلاثة عقود تحت مظلته، وهو ما جعل الإستراتيجية الثقافية في المملكة متعددة الرؤى بحكم ارتباطها الجذريّ بطبيعة العمل في تلك المؤسسات متعددة المهام والأهداف والنشاطات، والحقيقة أن تلك الجهات والمؤسسات قدمت كل ما في وسعها لخدمة الثقافة السعودية، ولكن مع إطلاق رؤية المملكة 2030 كان من الضروري أن تُعاد هيكلة القطاعات الثقافية وفق الاختصاص، وأن تتوحد الجهود استنادًا إلى رؤية إستراتيجية موحدة، وأن يُفْصَل بين الثقافة والإعلام، وهو ما حدث بالفعل حين تأسست وزارة الثقافة في عام 2018م، واعتماد إستراتيجيتها الثقافية في عام 2019م، وما نتج عنها من تأسيس إحدى عشرة هيئة تمثّل مختلف القطاعات الثقافية السعودية، فأصبح للثقافة رؤية موحدة بأجنحة متعددة.
وهكذا؛ حدثت النقلة النوعية التي أخذت الخطاب الثقافي السعودي إلى آفاق أخرى ليس فقط على المستوى المحلي، بل على المستوى العربي والعالمي بما يحقق أهداف رؤية 2030، ويعزز العلاقات الثقافية بين المملكة والعالم، فقد هيَّأت رؤى التخصص الثقافي التي تعكسها الهيئات الثقافية التابعة للوزارة مناخًا ثقافيًّا مغايرًا يخدم أربعة عشر قطاعًا ثقافيًّا من خلال إحدى عشرة هيئة متخصصة؛ تعمل كلها على إعادة بناء وتفعيل الخطاب الثقافي السعودي عبر الاهتمام بالمواقع الثقافية الأثرية، والتراثية، والمتحفية، والعمرانية، والطبيعية، إضافةً إلى مسارات الهوية الثقافية المتمثلة في: اللغة، والشعر، والنشر، والكتب، والمكتبات، والتراجم، والمسرح، والسينما، والموسيقا، والفنون الأدائية، والفنون البصرية، والفنون الحرفية، وفنون العمارة والتصميم، وفنون الطهي، والأزياء، والعروض المرئية، والمهرجانات، وغيرها من روافد الهوية الثقافية السعودية، فشهدت المملكة في السنوات السبع الماضية نهضة ثقافية لم تشهدها من قبل، وهي نهضة مبنية على رؤية دولة وإستراتيجية وزارة، وقد لمسنا في تلك السنوات أثرها الإيجابي في المجتمع السعودي وعلاقته بالآخر في الوطن العربي والعالم.
ولأن الجهود التي تقوم بها وزارة الثقافة بكل هيئاتها الثقافية جديرة بالإشادة والاحتفاء، خصصت مجلة (الفيصل) ملف هذا العدد لتسليط الضوء على تلك الجهود من خلال أقلام عدد من المثقفين السعوديين والعرب، وقد أفاضوا في تناول تجربة الوزارة وهيئاتها ومبادراتها، وعبَّروا عن تطلعاتهم المستقبلية للعمل الثقافي في مختلف القطاعات الثقافية بالمملكة.
0 تعليق