المقالات الأخيرة

اليوبيل الذهبي لمجلة «الفيصل»

اليوبيل الذهبي لمجلة «الفيصل»

ربما‭ ‬يكون‭ ‬حديثي‭ ‬عن‭ ‬مجلة‭ ‬‮«‬الفيصل‮»‬‭ ‬شهادة‭ ‬مجروحة‭ ‬لكوني‭ ‬رئيس‭ ‬تحريرها،‭ ‬ولكني‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬لا‭ ‬أكتب‭ ‬فقط‭ ‬انطلاقًا‭ ‬من‭ ‬ارتباطي‭ ‬العملي‭ ‬بالمجلة،‭ ‬بل‭ ‬أكتب‭ ‬أيضًا‭ ‬انطلاقًا‭ ‬من‭ ‬كوني‭ ‬قارئًا‭ ‬عربيًّا‭ ‬مشغولًا‭ ‬بالشأن‭ ‬الثقافي،‭...

مجلات صنعت زمنها وصنعت خيالنا

مجلات صنعت زمنها وصنعت خيالنا

كما‭ ‬أن‭ ‬للفكر‭ ‬‮«‬الجديد‮»‬‭ ‬مراجعه‭ ‬الكُتُبية‭ ‬الأقرب‭ ‬إلى‭ ‬الترجمة،‭ ‬كان‭ ‬له‭ ‬مجلاته‭ ‬الموافقة،‭ ‬ترحّبُ‭ ‬‮«‬بالأزمنة‭ ‬الحديثة‮»‬‭ ‬بأشكال‭ ‬مختلفة‭. ‬فالشعراء‭ ‬‮«‬المجددون‮»‬‭ ‬عرفوا‭ ‬مجلة‭ ‬تدعى‭ ‬‮«‬أبولو‮»‬،‭ ‬وجورجي‭ ‬زيدان،‭ ‬الذي‭ ‬‮«‬خلط‮»‬‭...

محاضرة لجائزة الملك فيصل العالمية في مركز أكسفورد الموسوي: العصر الإسلامي الوسيط يجب أن يُقرأ بعيدًا من التصورات الأوربية المهيمنة

محاضرة لجائزة الملك فيصل العالمية في مركز أكسفورد

الموسوي: العصر الإسلامي الوسيط يجب أن يُقرأ بعيدًا من التصورات الأوربية المهيمنة

أثار الدكتور محسن جاسم الموسوي، الحاصل على جائزة الملك فيصل العالمية، عصفًا نقديًّا في تبديد النظرة السائدة بين المؤرخين والباحثين والمستشرقين بشأن الآداب في العصور الوسطى، في محاضرة نظمتها جائزة الملك فيصل العالمية في مركز أكسفورد للدراسات الإسلامية، في المملكة...

حفل “أقرأ” الختامي: مهرجان ضخم ومتنوع حوارات وورش وتكريم غازي القصيبي بعرض فني موسيقي ولقاء للفائز بنوبل النرويجي يون فوسه

حفل “أقرأ” الختامي: مهرجان ضخم ومتنوع

حوارات وورش وتكريم غازي القصيبي بعرض فني موسيقي ولقاء للفائز بنوبل النرويجي يون فوسه

عقد من الزمن يمر اليوم، على انطلاق النسخة الأولى لمهرجان أقرأ، الذي ينظمه مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي إثراء، بالظهران، المهرجان الذي بدأ في المنطقة الشرقية في السعودية، ثم توسع ليشمل بقية المناطق السعودية، إلى أن أضحى مهرجانًا عربيًّا كبيرًا، يتقدم إليه...

نهلة الشهال: بوصلتنا الاستمرارية في «البحث وسط الخراب عما ليس خرابًا»

نهلة الشهال: بوصلتنا الاستمرارية في «البحث وسط الخراب عما ليس خرابًا»

نهلة الشهال، كاتبة وباحثة ورئيسة تحرير أسبوعية «السفير العربي»، لها مواقفها المعلنة ورأيها الصلب في القضايا الكبرى. وهي ابنة لأم عراقية حقوقية ساهمت في تأسيس ثانوية البنات في طرابلس وأب لبناني طبيب، وكان كل منهما مثقفًا يساريًّا. انضمت نهلة إلى ما عرف عالميًّا...

المشهد الثقافي السعودي

بواسطة | مايو 1, 2025 | الملف

كل ما يحدث مثير للاهتمام:

خمسة أعوام على إطلاق هيئات وزارة الثقافة السعودية

سماهر الضامن ناقدة وأكاديمية سعودية

في عامي الدراسي الأول في الولايات المتحدة الأميركية، أعلن قسم التواصل في الجامعة عن عرض فِلم «The Rocky Horror Picture Show» في قاعة العرض الكبرى. اقترحت علينا صديقة أميركية مرافقتها للعرض والمشاركة في فعالياته. لم تكن لدي فكرة عن موضوع العرض والتقاليد المصاحبة له، ولم أتخيل حجم الإقبال والحماس الذي رأيته لهذا الحدث؛ إذ كان فِلمًا عاديًّا منخفض التكلفة، من فئة الأفلام التي يندر الاهتمام بها خارج دوائر معينة من المشاهدين المهووسين بأفلام النوستالجيا.

لكني عرفت بعدها أن الفِلم ما زال يعرض سنويًّا منذ صدوره عام 1975م، وأن الجماهير اعتادت حضور عرض الفِلم بشكل مستمر كتقليد من تقاليد الاحتفال السنوي. ولا يتوقف الأمر على الحضور، بل يقوم المشاهدون بمحاكاة بعض المشاهد في أجواء تفاعلية مرحة يحفظ فيها المشاهدون أدوارهم ويؤدونها بتزامن مع عرضها على الشاشة. في اليوم التالي، شارك رئيس قسم الأدب المقارن والدراسات الثقافية صورتنا الجماعية على صفحته في فيسبوك معلقًا: يمكن للتعليم أن يصبح مسليًا أيضًا!

لم يكن الأمر بالنسبة لي مجرد تسلية، لا لنفي جانب التسلية في الموضوع؛ لقد كانت التجربة مسلية حقًّا، لكنها كانت أيضًا تجربة ثقافية معززة أثارت لدي فضولًا خاصًّا نحو الفِلم، وأسباب ارتباطه بالذاكرة الجمعية لأجيال من المشاهدين. كما أن التجربة كانت تطبيقًا عمليًّا لتخصص الدراسات الثقافية المعني، من بين ما يعنى به، بفهم سلوك الجماهير وتحليل الظواهر الثقافية من خلال التفاعل والتحاور وسماع سردية الآخرين عن أنفسهم، لا من خلال التصورات المسبقة ووهم المعرفة من الخارج.

كان الفارق الوحيد بين أن أخرج من القاعة وأحكم على الفِلم بأنه فِلم سخيف، أقل من عادي، وبين أن أعيد التفكير فيه بصفته جزءًا من ذاكرة هذه الجماهير وهويتها، هو استماعي للصديقة التي كانت تشرح قيمة الفِلم وإحالاته الثقافية، ثم حديثها عما يرتبط به من معتقدات متوارثة وأساطير حول مواسم الزراعة والحصاد والعلاقة بين الموت والحياة، بعيدًا من الطابع التسليعي الذي أصبح سمته في الوقت الراهن. كل ما حدث ذلك المساء أكد أن قيمة المكون الثقافي لا تبرز إلا بتقديمه وشرحه للآخرين، سواء للأجيال اللاحقة داخل المجتمع، أو للمجتمعات الأخرى. وبطبيعة الحال تكرر مثل ذلك الموقف كثيرًا في أثناء مرحلة الابتعاث بحكم احتفاء الجامعة التي كنت أدرس فيها بالتنوع الثقافي لطلابها، وكثرة الفعاليات التي تقام بين عروض للأزياء الوطنية والرقصات الشعبية، ومهرجانات الطعام العالمية، أو الأركان التعريفية بثقافات الشعوب، أو دراسات ثقافية حول السينما والمسرح والعمارة والمتاحف والأساطير وغيرها من المكونات الثقافية.

تمنيت في تلك المرحلة أن أشهد مثل هذا الحراك الثقافي في جامعاتنا ومؤسساتنا الثقافية، أن نحتفي بتراثنا ونبرزه، وأن نقدم سرديتنا بنكهتها الأصيلة، ونُرِي عالمنا الخاص بأعيننا ونحكي عنه بصوتنا ولغتنا، وأن نتواصل مع الشعوب بشكل إيجابي ونعرفها بنا ونعرف عنها؛ إذ لا يوجد شعب باستطاعته، بتعبير فتحي المسكيني، أن يكلم نفسه وحيدًا خارج الإنسانية، وإلا فهو شعب غير قادر على التفلسف، وغير قابل للترجمة، وغير جاهز للدخول إلى ضيافة العالم.

عسير غير المكتشفة

لم يمض على عودتي من البعثة الدراسية وقت يذكر، بعد إطلاق رؤية المملكة، حين أُعلن عن الهيكلة الجديدة لوزارة الثقافة السعودية وتشكيل هيئاتها الإحدى عشرة. والحقيقة أن كل ما حدث بعد ذلك كان مفاجئًا وباعثًا للتفاؤل؛ فالمناسبة الأولى التي دُعيت لها من جانب هيئة الأدب والنشر والترجمة كانت أمسية للاحتفاء بإعادة نشر كتب الرحالة والمصور الفرنسي الراحل تيري موجيه؛ الباحث المولع بثقافة المملكة، وبخاصة منطقة عسير وتراثها. كانت أمسية بتفاصيل أنيقة ما زالت متوهجة في ذاكرتي رغم مرور أكثر من أربع سنوات. سبقتها حفاوة الاستقبال اللطيف بالأزياء العسيرية الزاهية، وتوزيع عصابات الرأس العسيرية؛ توليفة من نباتات عطرية طرية تصيب رائحتها الحواس بالخفة ويعشي جمالها العين. ارتديت اللوية وظللت أتبختر بها طوال الأمسية؛ التقطت ليلتها خمسين صورة لي وأنا أعتمرها، وقضيت الليلة أبحث عن أسماء الأعشاب المصنوعة منها. تعرفت يومها على الكادي والبعيثران وغيرها من أسماء النباتات والزهور.

لم يكن ذلك الطوق الطازج إلا فاتحة عطرة لأمسية حضرت فيها الأزياء واللهجة والناس، والحوار العفوي مع بعض من رافقوا البروفيسور موجيه وتحدثوا عن ذكرياتهم معه مشيرين إلى صورهم أو صور أقاربهم التي التقطتها عدسته وعرضتها الشاشات المضيئة، والتي تظهر افتتان موجيه بالفنون والحرف العسيرية بما فيها القط وتصاميم البيوت وزخرفتها. بعد انتهاء الأمسية كانت صفوف اللاعبين تزهو بالخطوة الجنوبية في الساحة الخارجية؛ خاتمة حيوية تليق بأمسية كتلك. لكن لم يكن ذلك كل ما لدى الهيئة، فعند بوابة الخروج وُزِّعَت مجموعة من كتب موجيه بطبعتها الفاخرة وبكمية العشق التي يكتب بها عن عسير وبدو المملكة. عشق يتجلى من عناوين الكتب: «رجال الطيب»، «رجال بحركة الفرشاة»، «عسير غير المكتشفة»…

في كتاب «رجال الطيب ومدرجات خضراء في المملكة العربية السعودية»، كتب موجيه في صفحة الإهداء: «عندما يقرأ الشباب السعودي هذا الكتاب بعد عقود من نشره، وحتى لا أترك انطباعًا بأن أجدادهم قد عاشوا على كوكب آخر، فإني أهدي هذا الكتاب لهم ليفتخروا بأجدادهم». يا لها من رسالة من شخص أحضرته الصدفة للعمل في المملكة ففتن بعراقتها وأصالتها، وقادته تلك الدهشة لتحويل مسار دراسته وعمله وحياته ليغرق في تفاصيل عسير وفنونها وحرفها وطبيعتها، ثم يوثقها ويحفظها لأجيال قادمة. إن قيمة أعمال موجيه، فضلًا عن أهميتها التوثيقية، تكمن فيما تقوله عن تراث منطقة عسير وفنونها التقليدية كثقافة جاذبة قادرة على اختراق حدود اللغة والثقافة والأجيال. وكأول فعالية أحضرها من تنظيم هيئة الأدب والنشر الترجمة، تركت لدي تلك الأمسية انطباعًا إيجابيًّا عن رؤية مختلفة للحراك الثقافي كعمل مؤسسي ينتقي الفعاليات بعناية، ويهتم بأدق التفاصيل، وينفذها بأناقة.

مؤسسات تعمل كخلايا النحل

بعد مرور خمس سنوات على إطلاق وزارة الثقافة لإستراتيجيتها وهيكلتها وهيئاتها، ما زالت هذه الهيئات تسابق الزمن وتسابق المهتمين والعاملين في المجال الثقافي بمشروعات ومبادرات وبرامج وفعاليات كانت قبل سنوات تنتمي لقسم الأمنيات. اليوم تطوف الأوركسترا السعودية العالم وتقدم فنون الأغنية السعودية، وتوظف تلك الفعاليات لتقديم الأزياء السعودية والرقصات الشعبية عبر التعاون مع هيئة المسرح والفنون الأدائية، التي تقدم بدورها برامج متميزة من خلال ورش الكتابة والمهرجانات الإقليمية والدولية والمنافسات واستضافة الفرق العالمية والعروض الأدائية الملهمة. تتوالى المبادرات النوعية أيضًا في قطاع الأدب والنشر والترجمة بين ورش الكتابة والمعتزلات الإبداعية والشركاء الأدبيين والمهرجانات والمؤتمرات الدولية في مسارات متعددة ومعارض الكتب ومشروعات الترجمة. كما أشرفت هيئة الأفلام على مشروعات كبرى تستهدف تدريب الكوادر ودعم الإنتاج وتنظيم المؤتمرات وتهيئة مواقع التصوير والبنى التحتية.

الواقع أنه لا يمكن لهذا المقال، ولا من أهدافه، حصر أو تعداد ما يحدث في خلايا النحل تلك، لكني أقترح على المهتمين زيارة واستكشاف موقع الوزارة على الشبكة (في حال أنهم لم يفعلوا بعد)؛ فالموقع في حد ذاته منتج إبداعي متميز، ومرجع غني بالمعلومات حول رؤية الوزارة ومستهدفاتها ومشروعاتها وخدماتها، وهو موقع مرن مصمم بشكل احترافي، ممتع بصريًّا بمكتبته البصرية والفيديوهات المصممة بجمالية عالية، فضلًا عن إمكانية الاطلاع على تقارير الحالة الثقافية للمملكة العربية السعودية للسنوات الخمس الماضية، والمسابقات التي تطلقها الوزارة، والفرص التدريبية، والبعثات الثقافية، والإقامات الإبداعية، حتى الشراكات التي تعقدها الوزارة وهيئاتها مع جهات محلية وإقليمية وعالمية.

قراءة في شعار وزارة الثقافة

بذكر موقع وزارة الثقافة، لا أود أن أتجاوز هويته البصرية وشعار الوزارة الذي يستوقفني كثيرًا بألوانه القوية المتوهجة وتصميمه التجريدي اللافت، وإن لم أجد فرصة للتأمل وتحليل عناصر الشعار ومكوناته سابقًا فلعلها فرصة مواتية الآن لتلك المهمة المؤجلة. نعم «مهمة»؛ لأن النقاد يحبون القراءات السيميائية للعلامات، وأي علامة أكثر تكثيفًا ورمزية من الشعار؟ والشعار الناجح لأي مؤسسة ليس مجرد فكرة اعتباطية، بل مصفوفة بصرية محملة بالرموز والمعاني، ويمكن من خلالها العبور إلى رؤية المؤسسة وإستراتيجيتها. يبدو شعار الوزارة لأول وهلة كمجموعة كتب مصفوفة بشكل متواز، وهي إحدى القراءات المقبولة على أية حال؛ لكون الكتب هي الأيقونات الأولى التي قد تحضر عند التفكير بالثقافة. على أن الشرح الذي تقدمه الوزارة لشعارها هو أنه يتشكل من ثلاثة عناصر أساسية: الخطوط الثلاثة عشر ممثلة مناطق المملكة، ومصفوفة الحمض النووي، أما الألوان فمستوحاة من النسيج وزخارف السدو. هذا الشرح يضعنا مباشرة أمام رؤية الوزارة التي تعيد من خلال رمزية الشعار إنتاج رؤيتها وإستراتيجيتها المنطلقة من قاعدة محلية عريقة وفق مقاييس عالمية.

يحمل الشعار مستوى متقدمًا من التعبيرية؛ فالألوان القوية تماثل ألوان نسيج السدو، وهي الألوان المستخدمة ذاتها في الفنون والحرف التقليدية المحلية من نقوش وزخارف على جدران المنازل والحلي والملابس والحرف اليدوية التراثية. أما الخطوط الثلاثة عشر الرامزة إلى مناطق المملكة التي جرى تشفيرها على شكل قواعد الحمض النووي، فترمز إلى الاستقرار والتوازن بما تحمل من معلومات وراثية تحدد خصائص الكائن الحي، كما أن الخطوط المتوازية توحي بالأصالة والجذور العميقة للثقافة السعودية وقدرتها على الاستمرار والاستدامة عبر الأجيال.

وكما يحمل الحمض النووي معلومات وراثية مهمة، يحمل شعار وزارة الثقافة رسائل مهمة عن هوية المملكة وتراثها؛ إذ يتموضع شعار النخلة والسيفين في وسط الشعار إلى اليسار قليلًا كما لو أنه يضع رؤية المملكة 2030 في موقع القلب من إستراتيجية وزارة الثقافة، ويبرز الجزء العلوي من السيفين (رمزية القوة) ليتوجه التركيز إلى النخلة في إشارة للقوة الناعمة. من جانب آخر، تبرز طريقة صف الخطوط، بأسلوب التلوين والطلاء، التقليدية التي تميل للبساطة والعفوية والاحتفاظ بالدرجات الخام والقوية للألوان لتبرز وسط الطبيعة الرملية والصخرية، كما تتميز الخطوط بالليونة والمرونة والشكل الطبيعي بعيدًا من النمط الهندسي الدقيق فتوحي بالأثر الإنساني في تفاعله مع البيئة والطبيعة.

شعار جريء؛ قابض على روح التراث، معبر عن تنوعه عبر طابعه التجريدي وألوانه المعززة، وتصميم جاذب غير تقليدي يستوحي عناصره من أصالة التراث وتعددية الثقافة المحلية ومكوناتها بأسلوب «التقليلية» (Minimalism) المعاصر، وعبر التكثيف الذكي لعناصر المنظومة البصرية. يعكس هذا الشعار، وشعارات الهيئات المنبثقة منه، الرؤية التي تنطلق منها وزارة الثقافة كرافد من روافد مسيرة التحول الوطني، وكجهة مسؤولة عن إدارة وتطوير القطاع الثقافي السعودي المتنوع الأصيل، فهي محملة برمزيات التراث الثقافي غير المادي، الذي يعرف بالممارسات والتصورات وأشكال التعبير والمهارات والمعارف المتوارثة عبر الأجيال بما يتوافق مع البيئة والطبيعة والتاريخ، وبما يضع في الحسبان احترام التنوع والامتداد والاستدامة.

أفكار ومبادرات طموحة

تتناغم رمزية الشعار مع فكرة إطلاق الهيئات المتعددة لوزارة الثقافة، حيث أعادت الوزارة من خلال هيكلتها الجديدة تعريف المكون الثقافي ومفهوم الثقافة ودوائرها. فقد كانت الفكرة الرائجة محليًّا عن العمل الثقافي مرادفة لـلإبداع الكتابي والحضور المنبري وشبه محصورة فيهما؛ يحضر المسرح في أحسن الأحوال، ويسير الفن التشكيلي في قنواته الخاصة، وعلى استحياء تقام الفنون الأدائية على المسارح أو في بعض الفعاليات الثقافية، وتكابد السينما للظهور، أما الأزياء والعمارة والطهي وغيرها من المكونات الثقافية فلا تكاد تعد ضمن الصناعات الثقافية، ولا حضور لها خارج نطاق المهرجانات والفعاليات التراثية الخاصة بالمناطق.

ربما لا يروق هذا الفصل لبعض العاملين في المجال الثقافي، لكن ما لا يمكن تجاهله أن تشكيل الهيئات الإحدى عشرة التابعة لوزارة الثقافة أحدث فرقًا ملموسًا في إعادة تصور الحالة الثقافية ومكوناتها، واحتواء المكون الثقافي المتنوع والمتعدد. ويحسب لهذه الهيكلة أنها وضعت هذه المكونات تحت دائرة الضوء واستحدثت المسرعات والبرامج لتعزيزها، ورحبت بالمبادرات والأفكار الجديدة، واستعانت بالخبرات المحلية والدولية لتطويرها، ووضعت مؤشرات قياس الأداء من أجل تحديد جوانب القوة وتعزيزها، وتعيين مواضع الضعف والقصور والتحديات ومن ثم معالجتها، هذا في الوقت الذي تبذل فيه الجهود الحثيثة لتهيئة البنية التحتية وتطوير المهارات ودعم المبدعين والمثقفين.

لا أتحدث من فراغ، ولا كمجرد مراقبة من الخارج، فقد تعاملت بشكل مباشر مع هيئات عدة، كهيئة الأدب والنشر والترجمة، وهيئة الأفلام، وهيئة المسرح والفنون الأدائية، سواء في مشروعات الاستكتاب والترجمة وتقديم المحتوى، أو الاستشارات الثقافية، أو تقديم المبادرات وتنفيذها. ولعل أبرز تلك التجارب الشراكة النوعية بين الجمعية السعودية للأدب المقارن وهيئة الأدب والنشر والترجمة. حيث كانت الجمعية السعودية للأدب المقارن جمعية ناشئة بأفكار ومبادرات طموحة تبحث عن جهة تدعمها وتتبنى مشاريعها. وقد دعمت الهيئة مشروعات عدة للجمعية، مثل: نشرة سياق التي صدر منها 24 عددًا، وبرنامج التدريب المكثف في النقد الأدبي (ناقد) الذي أقيمت منه ثلاث دورات، وموسم الفعاليات الثقافية الذي استضفنا فيه أسماء عربية ودولية لمناقشة أطروحات راهنة ذات أهمية محلية وعالمية؛ كما جرى التعاون بين الجمعية والهيئة لتنظيم أركان الفعاليات في مهرجان الكتاب والقراء بالمنطقة الشرقية، وكانت ثمرة ذلك التعاون فعاليات الأغلفة الموازية التي حققت تفاعلًا كبيرًا، وترجمة الأدب الشعبي، والترجمة البديلة، ومسرح الشارع الذي أعدنا فيه تمثيل المقامات العربية.

البدايات مبشرة والوصول غير مستحيل

لم يقتصر دعم الهيئة لمشروعات الجمعية على الرعاية المادية رغم سخائها، لكنها امتدت أيضًا للإشراف والمتابعة والتسهيلات اللوجستية التي مكنتنا من إقامة فعاليات نوعية، وأتاحت لفريق الجمعية أن يتعلم، ويعمل ضمن رؤية الهيئة وآليات العمل فيها، بما في ذلك التخطيط ووضع الإستراتيجيات ومناقشة الدروس المستفادة، وقياس الأثر من خلال مؤشرات الأداء، والمراجعة والتطوير. تعلمنا من تجربتنا مع الهيئة كيف نحول خبراتنا الأكاديمية إلى مساهمة ملموسة في الصناعة الثقافية، وأن نقيس ونقيم المخرجات، وأن نبقى على اتصال مع المجتمع الثقافي ونفهم الحالة الثقافية في المملكة.

بعد انتهاء الموسم الثاني من الشراكة بين الجمعية وهيئة الأدب والنشر والترجمة، وبينما كنا نلتقط أنفاسنا ونخطط لمشروعات جديدة، وردني اتصال من الهيئة لإبلاغي أن هناك هدايا وتذكارات بسيطة يحاولون إيصالها. وصلتنا الهدايا الأنيقة مع عبارات منتقاة ومصوغة بعناية تعبر عن هوية الهيئة وتخبرنا بطريقة لطيفة أننا جزء من هذا الكيان الطموح، وأننا مقدرون وحاضرون دائمًا في الحسبان. تلك التفاصيل البسيطة تحدث أثرًا كبيرًا. فشكرًا كثيرًا لهيئة الأدب والنشر والترجمة، ولأخواتها خلايا النحل التي لا تهدأ، وللحاضنة الأم وزارة الثقافة لكل ما يحدث، فكل ما يحدث مثير للاهتمام.

بالتأكيد، ما زال أمام الهيئات الثقافية تحديات كبيرة تتعلق بتهيئة البنية التحتية، وخلق البيئة الإبداعية المرنة، وعملية واسعة وشاملة ومعقدة للتدوين والتسجيل والتوثيق فيما يتعلق بالتراث ومكونات الثقافة، ومساحة واسعة للتطوير في المهارات والمدخلات وصولًا إلى جودة المخرجات؛ فالأرقام وكثرة الفعاليات والمبادرات لا تعكس الجودة بالضرورة؛ لذا فإن التأني في مراحل التنفيذ سيساعد على نضج الأفكار كما أن هناك كثيرًا من التوقعات من الجمهور الثقافي الذي يتطلع إلى منتجات ثقافية محلية تضاهي المخرجات العالمية وتنافسها. والحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أن البدايات مبشرة، والوصول غير مستحيل، إلى أن يحين وقت نشهد فيه فِلْمًا يبقى في ذاكرة الأجيال.


السعودية لا ينقصها شيء من أجل النهضة

يسري نصر الله مخرج سينمائي مصري

النشاط الوحيد الذي شاركت فيه هو مؤتمر النقد السينمائي في هيئة الأفلام، والحقيقة كان مبهرًا على مستوى النقاش والتنظيم، وشعرت من خلال ما سمعته ورأيته أن المثقفين السعوديين كانوا مختفين منذ سنين طويلة، لكنهم عادوا إلى الظهور من جديد، فهناك نقاش ثقافي جاد وقوي، فضلًا عن أن بعضًا كانت له أفلام روائية قصيرة مهمة، في فترات زمنية صعبة، بما يعني أنه كانت هناك نار مشتعلة تحت الرماد، وقد استطاعت هذه النار أن تظهر بقوة ووضوح خلال هذا المؤتمر وغيره من الأنشطة.

وعن نفسي أتعشم أن تتمكن النهضة الثقافية السعودية، وأن يتمكن التوجه الجديد الذي قامت عليه وزارة الثقافة مؤخرًا من أن يخلق نوعًا من التوزان الفكري والثقافي في الشارع، وأن يعود الناس إلى تقدير الثقافة والفكر.

أما بالنسبة للسينما فقد رأيت عددًا من الأفلام السعودية في مهرجان البحر الأحمر، كنت راغبًا في التعرف إلى السينما السعودية فقررت حضور المهرجان ومشاهدة الأفلام المعروضة، وبالفعل رأيت عددًا من الأفلام المهمة، والجيدة. وهناك حواديت وقصص سعودية مهمة تحتاج إلى صناع سينما مهمين؛ كي يقدموها للعالم.

نهضة سينمائية

أشعر أن هناك نهضة سينمائية ستحدث في السعودية وشبه الجزيرة العربية كلها؛ جزء منها بفضل الدعم المالي الذي تقدمه وزارة الثقافة أو هيئة الأفلام لصناع السينما، وجزء آخر بفضل الحركة الثقافية الممتلئ بها المجتمع السعودي. ولكي تستمر النهضة السينمائية والثقافية الراهنة في السعودية ليس مطلوبًا إلا أن يكون هناك إنتاج وحراك ثقافي، فالحركة الثقافية مبنية دائمًا على الإنتاج والحراك الفكري، وما دام هذان العنصران موجودين فإن النهضة ستظل مستمرة. والأمر لا يتعلق بوجود أموال؛ فمصر لا تملك أموالًا كثيرة، لكن بها حراك ووعي وفكر وإنتاج، وهو ما يجعل نهضتها مستمرة وحاضرة دائمًا. والسعودية لا ينقصها شيء من أجل إحداث نهضة ثقافية كبرى، فلديها كل المقومات، بدءًا من الرؤية القوية، والحس الوطني والثقافي الذي لم ينقطع عن المثقفين السعوديين، ولا يوجد سبب واحد الآن يمكنه أن يوقف النهضة ويمنع استكمال ما شرع فيه.


الطموح الثقافي السعودي

طينة مختلفة

سعيد الغانمي باحث ومترجم عراقي

تختلف الثقافة عن الوعي الفردي في كونها مؤسَّسةً اجتماعية تمارس التأثير التلقائي في وعي الأفراد. وهذا يعني أن الوعي الفردي يظل، إذا لم يتحوَّل إلى الفاعلية الاجتماعية، محصورًا في دائرة الفرد، ولا يتعداها إلى المجتمع. في حين أن الثقافة هي الفاعلية الحقيقية في توجيه أفكار المجتمع، وفي سياقةِ وعي الأفراد أيضًا. وبالنَّتيجة فإنَّ الثَّقافة، من حيث هي فاعليَّة اجتماعيَّة، تحتاج إلى مؤسَّسات ترعاها، وتعمل على ترسيخ التَّقاليد الاجتماعيَّة التي تغذِّيها، وتحرص على استمرار نشاطها الثَّقافيِّ التلقائيِّ في أذهان الأفراد.

وبالطَّبع يجب أن نضع في حسباننا أنَّ الثَّقافة لا تخضع للضَّوابط الحدوديَّة بين الدُّول والأمكنة، بل هي تتسلَّل في هواء اللُّغة، وتخترق هذه الحدود الفاصلة بين الدُّول الوطنيَّة والقوميَّة.

سيطرة الأيديولوجيا

ونحن نعرف أنَّ الثَّقافة العربيَّة شهدت منذ أواسط القرن الماضي انفتاحًا ثقافيًّا كان له أثره الكبير. لكنَّه يا للأسف بقيَ في الوقت نفسه خاضعًا لسيطرة الأيديولوجيا التي تفرضها الدَّولة. وهكذا فرضت الدَّولة القوميَّة في مصر والعراق وسوريا أشكالًا متعدِّدة من المناخات الثَّقافيَّة، التي بقيتْ جميعها خاضعةً لنفوذ أيديولوجيا السُّلطة الحاكمة، بمعنى أنَّ المشروع الثَّقافيَّ لم يحظَ باستقلاليَّته بحيث يتحوَّل إلى تقاليدَ مستقرَّة تحافظ عليها مؤسَّسات اجتماعيَّة، وتظلُّ تُديمُ نَسْغَها، بل كان مجرَّد بناءٍ سطحيٍّ أيديولوجيٍّ، من الأعلى إذا صحَّ التَّعبير، يرتبط بشخص المدير العام وقوَّة نفوذِهِ، لا بقوَّة المؤسَّسة وانضباط تقاليدها المتواصلة. ولذلك انكشفت خيبة هذا المشروع بسقوط السُّلطة الأيديولوجيَّة لهذه البلدان، وانهار انهيارًا مروِّعًا.

في المقابل، نشأت منذ العقد الأوَّل من القرن الحادي والعشرين محاولات في بعض دول الخليج لتحويل الثَّقافة إلى مؤسَّسة اجتماعيَّة، بدلًا من انغلاقها في الفضاء الأيديولوجيِّ. وهي محاولات جديرة بالثَّناء والتَّقدير؛ غير أنَّها يا للأسف لم تستطع تجاوز حدود الرَّغبة والأمنية؛ لأنَّ المؤسَّسات التي أرادت تكوين هذه المشروعات اعتمدت على الأسماء التي كانت رائجةً في ثقافة المدِّ الأيديولوجيِّ سابقًا. وبالنَّتيجة لم تستطع هذه المؤسَّسات التَّحوُّل إلى تقاليدَ ثقافيَّة بمعزلٍ عن شخصيّات مُديريها والنُّخب المؤثِّرة فيها.

حرية المؤسسات

يُخيَّل لي أن الطموح السعودي في تأسيس الثقافة العربية الحديثة من طينةٍ أخرى. أوَّلًا لما تمتلكه السعودية من عمقٍ حضاريٍّ ضاربٍ في التاريخ. وتستطيع تجنيد هذا العمق الثَّقافيِّ لخلق مؤسَّسات اجتماعيَّة فاعلة في تأثيرها وقوَّتها في المجتمع الحيِّ. وهذا يعني إعطاء هذه المؤسَّسات حرِّيَّتَها في التَّعبير عن نفسها، والعمل على خلق تقاليد ثقافيَّة تمتلك القدرة على الحياة والاستمرار والتفاعل مع الاحتياجات المتغيِّرة. وهكذا لا تعود الثقافة كيانًا مغلقًا على نفسه، بل مشروعًا متجدِّدًا ينفتح على التنوع والإضافة المستمرَّين. والنتيجة أن يتحوَّل الماضي نفسه إلى مادَّة يستلهمُها الحاضر، ويطمح إلى تخطِّيها لمشاريع مستقبليَّة متعدِّدة.


الثقافة شفرة لتنظم الحياة بأكملها

منصف الوهايبي شاعر تونسي

تعيش المملكة العربية السعودية تحولات ثقافية لم تكن معهودة لأكثرنا من قبل، أو هي كانت من عمل الأفراد. وأقدّر أن مردّ الفضل في هذا إلى اختيارات وزارة الثقافة التي توجه العمل الثقافي في ضوء معادلة دقيقة: وفقًا للخصائص الثقافية واللغوية التي تميز هذا البلد العريق جدًّا، من جهة، وارتباطًا بزخم الحداثة التي تزحمنا جميعًا عربًا وأجانب، في شتى مسالك العيش، من جهة أخرى. هي معادلة دقيقة؛ لأنها فيما عشته خلال زياراتي إلى المملكة، على قلتها (الرياض والطائف وجدة)، وما أتابعه بفضل وسائل الاتصال الحديثة؛ تشِجُ الصلات بين ما يسمّى «التصنيف المكاني» الذي ساد قرونًا العالم العربي، ولعله لا يزال، وبين تحويل الفضاء إلى وقت أو زمن؛ مما يفسر الأنظمة الثقافية السائدة والمتحولة، واستقلال أنماط تنظيم الناس عامة عن خصائصهم البيولوجية، فتتميز الثقافة عن الفطرية وعن كل ما يتم تعلمه؛ لكن من غير إغفال العلاقات المعقدة بين التغيرات في الواقع الاجتماعي، من ناحية، وتلك القائمة في الخطاب الثقافي وفي شتى الاستخدامات الاجتماعية لمفهوم الثقافة، من ناحية أخرى.

وفي هذا ما يفسر جوانب غير قليلة من سياسات الهوية الثقافية والنظريات «الثقافية»، وظاهرة ما بعد الحداثة، وتراجع الهيمنة الغربية؛ جنبًا إلى جنب مع صعود خطاب ما بعد الاستعمار… وفيه أيضا ما يسوّغ القول: إن الثقافة كما تعيشها المملكة اليوم في شتى المؤسسات التي تعنى بالأدب واللغة العربية والفنون الأدائية عامة، نوع من «الشفرة» الشبكية أو المعرفية التي تنظّم الحياة الاجتماعية بأكملها؛ على ضرورة تنسيب هذه «المصادرة» حتى لا يعامل الأفراد على أنهم استنساخ ثقافي.

الإمتاع والمؤانسة

والتفكير في الثقافة، كما هو الشأن في السياسة بالمعنى الواسع للكلمة، لا يمكن أن يتم بمعزل عن سياسة الدولة الثقافية، ومحدداتها. وواضح أن الوزارة تشرع الباب لكل أهل الثقافة في المملكة وخارجها. أقول هذا دون أي تقريظ أو إطراء، والأنشطة الثقافية في المملكة تشهد لذلك؛ حتى ما يتعلق منها بالصناعات الثقافية التي هي في جانب منها «صناعة ترفيهية»، والثقافة فيما أقدّر تنهض على دعامتين؛ هما: «الإمتاع والمؤانسة» أو «الحسَن والنافع» بلغة أهل الفلسفة. وحماية هذه التحولات العميقة في المملكة، إنما ينهض بها المثقفون قبل غيرهم جنبًا إلى جنب مع وسائل الإعلام والصناعات «التخيّليّة» التي تشكّل أقوى ناقل للتمثّلات الثقافيّة والتمثّلات السياسيّة. والسؤال إذن هو سؤال «التنوع الثقافي»، أي تعايش الثقافات دون أي هيمنة من أيّ منها.

وليس في هذا أي خلط بين الثقافة والاتصال أو السياسة، كما قد يقع في الظن؛ إذ نلحظ أن الوزارة لا تختزل الثقافة في «صناعة استهلاكية» مَثَلُها مَثَلُ جميع عناصر الاستهلاك الأخرى. وهذا لا يعني أن الترابط بين الثقافة والسياسة معدوم بالجملة، فكل عاداتنا الاجتماعية التي شكّلها التاريخ والأرض واللغة والدين والأدب… عنصر يشارك في ثقافة المجتمع. ومن ثمة فالثقافة بهذا المعنى لا تنفصل عن الهوية «السياسية» لأية جماعة.

دور الدولة الثقافي

وها هنا يحسن التشديد على أمرين اثنين: أحدهما دور الدولة الثقافي، فربما لا جدال فيه من حيث المبدأ، وهو موضوع توافق سياسي وأخلاقي حقيقي كما يفترض. لكن من غير أن يسوق ذلك إلى احتكار الدولة الحياة الثقافية؛ إذ ثمة في عالم اليوم، على تفاوت ذلك من بلد إلى آخر، مشاركة السلطات المحلية مثل البلديات والمجتمع المدني والمؤسسات الصناعية ودور النشر وغيرها، في الحياة الثقافية حيث الثقافة المنشودة مساحة للحرية المسؤولة حرية المثقف المبدع، وهي قاعدة وليست استثناءً.

والآخر هو المتغيّرات في العالم المعاصر التي تعزّز «الأنموذج» الثقافي الوطني، وتشرعه على شتى التنوعات الثقافية، وتبذر فيه روح التبادل؛ بما استجد من مفاهيم تحوي من قادم الأحداث والوقائع، ما قد لا تستوعبه إلا حقبة أو أكثر. ولا أحد اليوم، بميسوره أن يدرك ارتدادات هذه الحقبة في تاريخ العالم، وما قد تجلبه من تغيرات وتحولات جيوسياسية لن تكون الثقافة والحضارة عامة بمعزل عنها؛ بل هي قد تقلب مفهوم الثقافة نفسها، بل الفكر الأنثروبولوجي نفسه. وبخاصة في العالم العربي الإسلامي بثقافاته المتعددة المتنوعة، أو المختلفة من حيث التقاليد الجمالية والأسطورية والتاريخية. غير أن الواقع اليوم أكثر تعقيدًا، والغرب نفسه أو ما نسميه «المركز» على قلق هذا المصطلح، فالمركز مراكز؛ هم أنفسهم مصنّفون مثلنا ثقافيًّا أو حتّى «عرقيًّا» على كراهة هذا اللفظ. لكن على ضرورة تنسيب هذا الوصف، بسبب من القدرة البشرية على التعلم والتطوّر، وتعهّد الذات، ومراجعة المسلّمات.


أنشطة وزارة الثقافة بحاجة إلى الاستمرار والديمومة

عبدالوهاب الحمادي روائي كويتي

لا يمكن لأي متابع أن يتجاهل ما يحدث في المملكة العربية السعودية من اهتمام مكثف بالثقافة. وقد يظن ظان أن هذا أمر حديث يرتبط بفترة حديثة جدًّا، وقد يكون الأمر كذلك عندما ننظر للسطح. لكن من يرى ويحلل ويعرف عدد الطلبة السعوديين الذين يدرسون حول العالم في أهم الجامعات، وبخاصة منذ أوائل الألفية، سيعرف أن هذه الأجيال التي تخرجت من أرقى الجامعات عادت وأمامها شغف اللحاق بعالم لا يعرف التوقف، من هنا وجدت المبادرات السعودية شبابًا سعوديًّا متعلمًا ومتحمسًا لتنفيذ ورؤية تطلعات كبيرة.

بالإضافة للشغف الفني والثقافي عبر متابعة وسؤال الناشرين عن أهم معرض عربي من ناحية المبيعات؛ سيكون معرض الرياض الأبرز، وهذا ليس وليد اليوم؛ إذ إن سوق النشر العربي يعول في جزء كبير منه على القارئ السعودي وتوزيع المكتبات وسلاسلها هناك دليل واضح. وهذا الأمر يدرج معه الاهتمام بالفن السابع ومحاولات إنتاج أفلام سينمائية بكم وكيف؛ لوضع اسم المملكة على الخريطة. حتى في تفصيل يخص صناعة السينما العالمية نلحظ استقطاب السعودية لأهم الأستوديوهات العالمية لاتخاذ مواقع في المملكة لتكون أرضية لتصوير الأفلام. وهنالك برامج الترجمة التي تشجع دور النشر السعودية على ترجمة أهم الأعمال عبر دعم مالي مقابل النشاط؛ لذلك نرى تسارعًا محمومًا ووتيرة متزايدة في الحصول على الحقوق والترجمة، إضافة لخطة معلنة لترويج الأدب السعودي مترجمًا في أسواق العالم.

أثر الفراشة

كل ما ذكرته هنا أمور معلومة لأي متابع لما تقوم به المملكة من نشاط ثقافي متسارع، كما أن هناك زوايا أخرى لهذه المشروعات تتصل بالمسرح والموسيقا والأغنية والشعر وغيرها، كلها تصب في تحقيق أقصى ما يمكن تحقيقه من الرؤية المعتمدة في مشروعات المملكة. وهذه النهضة مثل أثر الفراشة سيمتد أثرها في المملكة ومن حولها؛ إذ إن الاشتغال في الثقافة العربية بالتأكيد سيحتاج فيه للمدرسة المصرية صاحبة التقاليد والأجيال التي ستكون عبر كتابها ونقادها وفنانيها وكل من يشتغل في الفن والثقافة، رافدًا، تستعين فيه المملكة في سبيل نهضتها، وهذا ما يلحظه أي متابع عبر الليالي المخصصة لأم كلثوم وباقي الملحنين والمطربين والاحتفاء بهم، كذلك نراه في الاستعانة بالموسيقيين لتقديم دورات وتعليم الشباب السعودي، وقل هذا القول نفسه على جميع مسارات الفن.

وهذا ينطبق بدرجة أو أخرى على جميع الدول العربية التي تمتلك طاقات بشرية؛ لأن شبابها سيجد في القاطرة السعودية وسيلة لتحقيق أحلامه الثقافية. وهذا الفوران تتفاعل معه دول المحيط الخليجي إيجابًا عبر الندوات والفعاليات الثقافية وتزايد وتيرة السياحة الثقافية من وإلى المملكة، ونطمح للأكثر بكل تأكيد. لكن كل هذه الجهود تحتاج لأن توضع على سكة الاستمرارية والديمومة، ولا يكون ذلك إلا عبر الدراسة الدائمة ومراجعة كل هذه الأنشطة بشكل دوري لضمان بقائها ورسوخها، حتى نصل لأن تكون كما هي الآن سوق عمل طموح ومبشر ثقافيًّا وسياحيًّا وتترك أثرها في إنسان المنطقة معرفة بتاريخه وتطلعاته وهمومه.


تحولات المشهد الثقافي السعودي:

كيف أعادت السعودية رسم خريطتها الثقافية؟

هدى الدغفق صحافية وشاعرة سعودية – صبحي موسى روائي وصحافي مصري

يمر المشهد الثقافي في السعودية، منذ سنوات قليلة بحراك واسع، مُجدِّدًا تشكيل ملامحه على نحو غير مسبوق؛ إذ لم تعد الثقافة مجرد أنشطة متفرقة، بل أصبحت منظومة متكاملة تضم مؤسسات وهيئات تعنى بالأدب والترجمة والنشر، والسينما والموسيقا والمسرح والفنون الأدائية، إلى جانب مبادرات نوعية تفتح الأفق أمام المبدعين، مثل معتزلات الكتابة التي تجمع أدباء من داخل المملكة وخارجها، والشراكات الأدبية التي تُنظَّم في المقاهي، فتجعل الكلمة تلامس الحياة اليومية. في ظل هذا الزخم، كيف ينظر المثقفون السعوديون إلى المشهد الثقافي بالمملكة اليوم، خصوصًا مع تهاوي أوضاع الثقافي في عدد من البلدان العربية بسبب الحروب وغيرها من الأسباب؟

وهل يمكن لهذا الحراك أن يعوّض شيئًا مما فقدته الساحة الثقافية العربية في ظل أزمات متلاحقة؟ من ناحية أخرى، بعض بلدان الخليج وغيرها، تبنت خططًا ثقافية كبرى واستمرت في تنفيذها سنوات، لكن مع مرور الوقت شاب هذه المشروعات بعض الارتباك والبطء والتعطل، ثم التوقف، فكيف يمكن للتجربة السعودية أن تتفادى مثل هذه النتائج، وأن تحقق نتائج مستمرة ودائمة؟ هنا آراء لعدد من المثقفين والمثقفات السعوديين والعرب.

تحولات حيوية في المشهد الثقافي

عبدالعزيز الصقعبي – روائي ومسرحي سعودي

تغيرٌ كبيرٌ حدث في المشهد الثقافي في المملكة العربية السعودية بعد إحداث وزارة للثقافة وإطلاق هذه الوزارة إستراتيجيتها عام ٢٠١٩م. تغير ما زلنا في مرحلة استيعابه والتماهي معه؛ لأننا تعودنا على نسق بسيط للفعل الثقافي من خلال فعاليات الأندية الأدبية وجمعيات الثقافة والفنون. فمن خلال الرؤية الجديدة للثقافة، توسع مفهومها إلى ما هو أوسع وأشمل، وبعد أن كان الأدب ممثلًا في الأندية الأدبية هو المكوّن الأوسع والأشمل، أصبح جزءًا من هيئة الأدب والنشر والترجمة، التي هي واحدة من إحدى عشرة هيئة، يشاركها تحت ظل وزارة الثقافة هيئات أخرى هي: هيئة الفنون البصرية، وهيئة المتاحف، وهيئة المسرح والفنون الأدائية، وهيئة المكتبات، وهيئة الأزياء، وهيئة الأفلام، وهيئة التراث، وهيئة فنون العمارة والتصميم، وهيئة الموسيقا، وهيئة فنون الطهي. كل هيئة بدأت تقوم بدورها المناط بها، بعد اعتماد هيكلها الإداري، وبكل تأكيد كل هيئة لها مهامها وأيضًا إستراتيجيتها الخاصة، وقد لحظنا كثيرًا من الفعاليات المبهجة؛ أقرب مثال حضور الأوركسترا والكورال الوطني السعودي، في عدد من الدول العالمية مما أعطى صورة مشرفة للثقافة في المملكة.

أمر مهم ينقص المشهد الثقافي

بالنسبة لي، ووفق علاقتي بالأدب والمسرح والمكتبات، فغالبًا يهمني ما تقوم به ثلاث هيئات: هيئة المكتبات، وهيئة المسرح والفنون الأدائية، وهيئة الأدب والنشر والترجمة. ربما تقاعدي من العمل بمكتبة الملك فهد الوطنية وعلى الرغم من تخصصي العلمي بالمكتبات والمعلومات، لكن ابتعدت كثيرًا من هيئة المكتبات وأصبحت أراقبها بن بُعد وكُلّي أمل في خدمة قطاع المكتبات والمعلومات في المملكة لتنتشر المكتبات العامة في أرجاء الوطن كافة. ولا أدري ما المشكلة في كلمة مكتبات لتغيير الاسم إلى بيوت الثقافة! اسم مكتبات مستخدم في كل أرجاء العالم. وبالنسبة لهيئة المسرح فأنا قريب، إلى حد ما، من فعالياتها من خلال حضور كثير من المهرجانات واللقاءات التي أقامتها، وأعتقد أنها بحاجة إلى عمل كبير لتحقق أهدافها. أما هيئة الأدب والنشر والترجمة، فثمة مبادرات كثيرة أطلقتها، ربما شاركت في بعضها مثل المعتزلات الثقافية، وقد كانت لدي تجربة جيدة لمعتزل أقيم في العلا بمشاركة بعض الأديبات والأدباء من المملكة والخليج العربي، مع مشاركتي بصفتي محكمًا في بعض المبادرات الأخرى.

يجب ألا نحكم على المشهد الثقافي الآن، لأسباب عدة، أهمها حداثة التجربة، وعدم فهمها أو استيعابها من جانب كثير من الأدباء والمثقفين، إضافة إلى أن كثيرًا من الفعاليات -وهنا أحدد الشريك الأدبي- تحتاج إلى كثير من التنظيم. أمر مهم ينقص المشهد الثقافي في المملكة، يتعلق ذلك بقطاع النشر، وهو افتقارنا إلى السلاسل الأدبية، وقد تحدثت عن ذلك أكثر من مرة. النشر ما زال باهتًا في المشهد الثقافي، مع وجود مبادرات كثيرة مثل «ترجم» ومبادرة الوكيل الأدبي التي تحتاج إلى تواصل مع المبدعين؛ لتمكينهم من نشر إبداعهم بصورة جيدة بكل اللغات. وأرى أن الوكيل الأدبي عليه أن يتواصل مع المبدعين، وليس العكس، بالذات ممن يمتلك تجربة كتابية طويلة، ليكون بعد ذلك لدى الأديب حرية اختيار من يكون فعلًا أحق بأن يكون وكيلًا أدبيًّا له.

أعود إلى مسألة النشر، باستثناء كتيبات صغيرة جدًّا، لقصص بعض الكتاب، لم نطلع على أي إصدار آخر. ربما هنالك من سيقول: إن هنالك دور نشر تتعاون مع هيئة الأدب والنشر والترجمة بنشر بعض الكتب، لكن أتمنى أن يكون النشر مباشرًا أسوة بالهيئة المصرية العامة للكتاب، أو وزارات الثقافة في كثير من الدول العربية، ومكتباتنا تزخر بإصدارات متميزة لوزارات تلك الدول دون تحديد.

مبادرات لم تُفعَّل بعد

الحديث يطول عن المشهد الثقافي في المملكة، وأنا أقول هنالك بعض المبادرات الجيدة، لكن هنالك مبادرات أخرى لم تفعل بعد، مثل: مبادرة المجلات والدوريات الأدبية، وأتمنى الاستفادة من تجارب بعض الدول مثل إصدارات المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالكويت، والهيئة المصرية العامة للكتاب. وحقيقة لم أطلع على خطط بعض الدول الثقافية لأحكم عليها، ولكن لنحقق كثيرًا من النجاح في مشهدنا الثقافي في المملكة العربية السعودية، علينا أولًا الاهتمام بالنشر الورقي والإلكتروني، إضافة إلى دعم المبدعين، وتهيئة مواقع ثقافية تقام فيها الفعاليات، مثل: مقرات الأندية الأدبية أو بيوت الثقافة، إضافة إلى المكتبات العامة، مع تمكين مكتبات بعض دور النشر بفعل ثقافي متخصص مثل تدشين وتوقيع الكتب، وأخيرًا، أعتقد أن لدى وزارة الثقافة طموحًا وفق رؤيتها لتعزيز الثقافة كأسلوب حياة، ليواكب رؤية المملكة ٢٠٣٠م، مع تمكين الثقافة من المساهمة في النمو الاقتصادي، وليعزز مكانتها الدولية، وبكل تأكيد الثقافة هي القوة الناعمة التي نشارك نحن بدعم من دولتنا الرشيدة لتعزيز مكانتها الدولية.

أجواء كتابة ملهمة وحوارات نقدية ثرية

فهد العتيق – روائي سعودي

شاركت في معتزل الكتابة بالقصيم في عام 2022م. وكان أجمل ما في هذه التجربة الجديدة، المفيدة والمشوقة، هو تلك اللقاءات الحوارية المسائية اليومية بين كتاب وكاتبات المعتزل، وفيها تعرفنا إلى تجارب أدبيّة متنوعة في الكتابة والقراءة، من خلال حوارات فتحت لنا آفاق الكتابة في مكان ريفي خلاق ومبدع وهادئ يعطيك أجواء كتابة ممتعة. عشنا أوقاتًا ثرية مع كتاب وكاتبات من السعودية والعالم العربي، قرأنا فيها نحو ثلاثين نصًّا قصصيًّا وبعض الفصول من روايات قيد الكتابة لبعض كاتبات وكتاب المعتزل. وفي الأمسيات الحوارية المثرية تعرفنا إلى آراء أدبية نقدية لافتة حول هذه التجارب الأدبية في أمور وأسئلة فن الكتابة الأدبية ورؤية كل كاتبة وكاتب حول هذه القضايا الأدبية والفنية. استمتعنا واستفدنا في أسبوع أدبي تاريخي رفيع ومبدع لا ينسى. ومثل هذه المعتزلات والملتقيات عامل مهم أيضًا يدعم العلاقات بين الكتاب والكاتبات في بلادنا السعودية وفي العالم العربي، ويهيئ الكاتب والكاتبة لمناخ جديد ومختلف.

وهذا البرنامج الأدبي المهم الذي تنفذه وزارة الثقافة السعودية، ممثلة في هيئة الأدب والنشر والترجمة، هو مشروع ثقافي طموح ومبدع حقق هدفه الأدبي في إدخال الكتاب والكاتبات في أجواء مشجعة على الكتابة والإنتاج الأدبي في بيئات ملهمة ومنعزلة، استُضِيفَ كتّاب من مختلف الجنسيات العربية والصديقة في إحدى مناطق المملكة ويرافقهم مرشد خبير بأحد الأجناس الأدبية. وهو يشمل أوقاتًا مكرّسة للكتابة وورش عمل وحلقات نقاشية وزيارات ميدانية للتعرف إلى المنطقة والاستلهام منها في إقامة الكتّاب، وهي تجربة ساعدت فعلًا في تبادل التجارب والخبرات بين الكتّاب وتحقيق التواصل الثقافي الدولي من خلال الإفادة من تنوع الثقافات الأدبية المختلفة.

ولا ننسى أن هذا البرنامج المهم، معتزل الكتابة، قد جاء ضمن برامج ومبادرات ثقافية متعددة، حققت نقلة أدبية وثقافية نوعية في وطننا الغالي، مثل أمسيات وندوات «الشريك الأدبي»، التي حولت الأدب والثقافة إلى اهتمامات يومية لعامة الناس ولم تعد للنخبة الأدبية فقط. في السابق كانت الجهات المهتمة بهذا الموضوع هي الأندية الأدبية الرسمية، وكانت تقيم أمسيات أدبية شهرية حول القصة والقصيدة والرواية والنقد فقط، ويحضرها في الغالب كتاب وكاتبات ونقاد، بينما تقام أمسيات «الشريك الأدبي» يوميًّا في المقاهي والمكتبات ويحضرها عدد كبير من المهتمين والمهتمات والقراء والقارئات وجيران هذه المقاهي.

ولهذا تنوع الحضور وتنوعت الموضوعات الثقافية والأدبية؛ إذ دخلت في التفاصيل حول المكان واللغة والتاريخ والموضوعات في النص الأدبي وحول الجديد في حياتنا الثقافية وفي وسائل التواصل. وكذلك تنوعت الأماكن وتعددت لتكون مقاهي ومكتبات داخل الأحياء، تقيم أمسيات وتطرح أسئلة حول قضايا أدبية وثقافية منوعة.

و«الشريك الأدبي» الآن يهتم أيضًا بإصدارات الجيل الجديد من الكتاب والكاتبات في مختلف أجناس الثقافة والأدب، ويقدم لها مراجعات نقدية في الأمسيات، دعمًا أدبيًّا لهذا الجيل الذي يكتب أدبه في الغالب بلغة مغايرة وهادئة فيها رصد لليومي برؤية عفوية عميقة وممتعة، متجاوزًا نبرات الصوت العالية والتكلف في كثير من التجارب الأدبية السابقة له، وهي تجارب أدبية جديدة تحتاج إلى قراءة واهتمام وإلى مراجعات نقدية تليق بطموحها الأدبي الكبير.

خطوات مهمة.. ولكن!

حسن آل عامر – قاص وروائي سعودي

لا شك أن النشاط الثقافي في السعودية، شهد نقلة كبيرة منذ إنشاء وزارة الثقافة عام 2018م وإطلاق الهيئات الأدبية والفنية التابعة لها، وذلك بالتزامن مع إشراك القطاع الخاص بشكل مباشر في تنفيذ الفعاليات الكبرى مثل المهرجانات ومعارض الكتب وجميع الأنشطة، مع ضخ مالي كبير في هذه الأنشطة، مما أعطاها زخمًا دوليًّا وتفاعلًا من جميع فئات المجتمع.

وللحق من الأمور التي أرى أنها تمثل نقلة كبيرة في تعزيز الحضور الثقافي للمملكة على المستوى الدولي هو استحداث «تقرير الحالة الثقافية» الذي صدرت منه أعداد في السنوات الأخيرة، حيث يُعَدّ مرجعًا رسميًّا ومهمًّا يرصد بالأرقام والتحليل العلمي والتوثيقي جميع ما تم من أنشطة ثقافية على مستوى المملكة، والميزة المهمة فيه أنه يشير إلى مواطن الخلل أو الضعف قبل مواطن القوة، وهذا منجز لم نكن نحلم به خصوصًا العاملين في قطاع الإعلام في العقود الماضية.

لكن من وجهة نظري، ومن خلال المتابعة لما يدور في الوسط الثقافي، أعتقد أن الاعتماد الكبير على شركات القطاع الخاص في التنفيذ، أدى في بعض الأحيان إلى التساهل في جودة المنتج وفاعلياته، وذلك بعد أن طغت المظاهر البراقة والحملات الإعلامية على المضمون في بعض الأنشطة وذلك تبعًا لمستوى المراقبة لها من الجهة المعنية.

الأكثر خطورة على جودة النشاط الثقافي -في اعتقادي– هو المبالغة في الاهتمام بالإحصاءات الرقمية للحضور مثلًا أو المتفاعلين على وسائل التواصل الاجتماعي، فمع أهمية الإحصاءات في التقييم، ولكن في الأنشطة الثقافية قد لا يكون الأمر مجديًا أحيانًا، فعلى سبيل المثال، إذا أقيم مهرجان للقراءة والكتاب، وكان حافلًا جدًّا بالندوات والأمسيات والمعارض الفنية المصاحبة، فإنه يكون مصحوبًا بأنشطة ترفيهية أخرى كألعاب الأطفال ومناطق الطعام وخلافه، وهي لا شك أمر جاذب جدًّا، لكنها في النهاية نشاط على هامش النشاط الأهم والأساسي وهو القراءة والكتاب، لكن المفاجأة «المتوقعة» هي أن الإقبال الكبير سيكون على الأنشطة الترفيهية والمطاعم، وهذا أمر جيد في الترويج للفعل الثقافي ولو من بعيد.

المشكلة هنا أن الشركة المنظمة للفعالية قد تستغل هذا الحضور «على الهامش» في إضافته إلى الأرقام والإحصائيات المطلوبة منها، وهذا قد يعطي صورة غير دقيقة عن مدى التفاعل مع النشاط الثقافي المستهدف، ففي الوقت الذي يكون حضور الفعالية الرئيسة حسب المهتمين فقط، وهذا أمر معروف في كل الأنشطة الثقافية العالمية ولا عيب فيه، تجد الشركة المنظمة تنشر إحصائيات كبيرة عن الحضور معتمدة على أرقام مرتادي المقاهي والمطاعم المصاحبة، وهذا الأمر سيعود سلبًا على النشاط الثقافي وتقييم أثره الحقيقي في المجتمع، وبالتالي لا تُصحح الأخطاء أو السلبيات التي من الطبيعي أن تلازم أي عمل أو نشاط، مع ملاحظة أن وزارة الثقافة وهيئاتها المختلفة تحاول في نهاية كل فعالية نشر استطلاعات رأي لقياس مدى رضى المستهدفين ومعالجة أي قصور قد يحدث من الجهة المنظمة، وعلى الرغم من ذلك تبقى الأرقام «غير الحقيقية» غطاءً مضللًا إلى حد كبير.

ولكي نحافظ على هذه النقلة الكبيرة في الأنشطة الثقافية، أعتقد أن أهم أمر هو استمرار التقييم العلمي والموضوعي لمدى فعالية أي نشاط وتأثيره الحقيقي في رفد الفكر والثقافة والتحول الاجتماعي الذي تشهده المملكة، كذلك إيجاد مصادر دخل ثابتة مثل: « الوقف الثقافي» وعدم إغفال أن الدعم الحكومي وتخصيص الميزانيات المناسبة هو الأساسي في استمرار وتطوير النشاط، فالقطاع الخاص الربحي، مهما كان مبدعًا وفاعلًا، فإنه في النهاية يبحث عن المردود المالي حتى لو كان ذلك على حساب القيمة الفكرية والثقافية المرجوة.

معتزلات الكتابة: تجربة متفوقة

علوان السهيمي – روائي سعودي

إن تجربة معتزلات الكتابة تجربة متفوّقة؛ لأنها تتيح للمبدع ترف الوقت، والخروج من مأزق المسؤوليات التي ربما تشوّش عليه أثناء كتابته، فمع الضغوط التي يواجهها الإنسان في هذا العصر، والالتزامات التي تمر به، سيخفت هاجس الانشغال بالكتابة، وتصبح ليست أولوية في ظل هذه الأشياء.

الكتابة في اعتقادي حتى وإن كانت قدرًا في حياة المبدع، إلا أنها لن تكون على رأس أولوياته إذا ما كان مسؤولًا عن أشياء أخرى غيرها، إنما ستحضر في اللحظات التي يهيأ للمبدع ترف الوقت، فالتالي سيكتب.

إن مشروع مبادرة معتزلات الكتابة الذي عملت عليه هيئة الأدب والنشر والترجمة، من أعظم المشروعات الثقافية التي ستسهم بشكل أو بآخر لدفع المبدع للإنتاج، وذلك من خلال شيئين مهمين: الأول أن تقدّم له الوقت والهدوء الذي يحتاجه ليكتب، ولو كتب فصلًا واحدًا في المعتزل؛ لأن هذه النواة ستتحول بمرور الزمن إلى منتج أدبي سنقرؤه في يوم من الأيام.

والأمر الآخر: الالتقاء بزملاء الكتابة، هذا الالتقاء له أثر كبير في تجربة المبدع أيًّا كانت تجربته، فلقاء من يتشاركون معك في الأدب، والكتابة، والنقاش معهم على مدار أيام عدة، والعيش معهم في مكان واحد، سيثري التجربة، وسيفتح نوافذ مغلقة، مهما كان هذا الكاتب، أو الكاتبة، محترفًا في كتابته؛ لأن الأدب حسّ إنساني بالدرجة الأولى، فمشاركة هذا الحس مع الآخرين سيوسّع رؤية الإنسان للحياة والفن.

تجربتي في معتزل الكتابة الذي أقيم في نيوم كمرشد أدبي فتح لي نوافذ كانت مغلقة، وهي التعرّف إلى تجارب جديدة في الكتابة، فقد كان معي في المعتزل سبعة روائيين وروائيات، كل واحد منهم نسيج وحده، وكلهم حتمًا لم أكن قد اطّلعت على تجربتهم في الكتابة، وهذا ما زاد المعتزل ثراء، حتى إن بعضهم كان اكتشافًا جميلًا لي، وقد قرأت تجارب مهمة، أضافت لي على المستوى الشخصي، والنقاشات معهم كانت تدور على مستوى عالٍ من الوعي بالفن، وهذا ما زاد التجربة جمالًا.

لقد كان المعتزل بذرة لإنتاج نصوص مع بعض الكتاب والكاتبات التي تشاركنا معهم فصولهم الأولى من رواياتهم القادمة، وتناقشنا حولها، بالاقتراح والنقد، وإبداء الإعجاب والملحوظات، وكانت هذه التجربة مهمة للكاتب لكي يكون لديه تصور أكبر للانطلاق في كتابة عمله.

تخصيص وقت محدد للكتابة بشكل يومي، حتى لو كان وقتًا قصيرًا لا يتجاوز الساعة فكرة مهمة لكل كاتب في هذا العالم لديه الرغبة الملحّة في الإنتاج والاستمرار، والمعتزل كان يوفّر هذه الفكرة، فالساعة التي نعتقد أنها وقت قصير، هي في الواقع ستكون شيئًا عظيمًا بمرور الزمن، وسيكتشف الكاتب مدى أهميتها في حياته، ومدى أثرها فيما ينتج.

إن هذي المعتزلات هي امتداد لفكرة الإقامة الخارجية للكتاب، وهو المشروع الذي أطلقته هيئة الأدب والنشر والترجمة، وقد كنت أحد المرشحين للاستفادة من البرنامج، التي كانت الإقامة فيه في دولة جنوب إفريقيا، وقد استطعت في هذه الإقامة إنجاز عملي الروائي الأخير الذي صدر مؤخرًا ويحمل عنوان «هجمة واعدة»، فأنا مدين جدًّا لهيئة الأدب على هذه الفرص العظيمة، وأشكرهم جزيل الشكر على مثل هذه المشروعات الخلاقة التي ساهمت بلا شك في مساعدة المبدعين لإنجاز أعمالهم الأدبية، وأتمنى أن تستمر لسنوات قادمة؛ لأنه المبدع لا يحتاج في أحيان كثيرة سوى للوقت، والتخفف من المسؤوليات الاجتماعية لكي ينتج، وهذه المشروعات تعمل على إخراج المبدع من جدول التزاماته؛ ليكون شغله الأساسي هو الكتابة، ولا شيء غير الكتابة.

التحديات وفرص التطوير

شيمة الشمري – قاصة سعودية

من خلال متابعتي لما يحدث ثقافيًّا في السعودية، أرى أن هناك نهضة صادقة في جعل الثقافة عنصرًا أساسًا في التنمية الوطنية. وقد تم تمثيلها برعاية خاصة، مثل هيئة الأدب والنشر والترجمة، وهيئة المسرح والفنون الأدائية، وهيئة الأفلام، وغيرها. وتساهم معارض الكتاب، والمهرجانات السينمائية، والشراكات الثقافية والمؤسسات المحلية والعالمية في دعم المبدعين، وإثراء التجربة الثقافية السعودية الواعدة. ولا شك أن الحراك الثقافي السعودي شامل ومتكامل، فلم يعد المجتمع مقتصرًا على النخبة، بل أصبح متاحًا للجميع، من خلال برامج مثل معتزلات الكتابة، والملتقيات الأدبية المفتوحة في المقاهي، وعروض المسرح. كما أن الاهتمام بالفنون الشعبية والتراث الثقافي يسير جنبًا إلى جنب مع دعم الفنون، بما يحقق إنتاجًا مميزًا يجمع بين التميز والأصالة وروح العصر.

عند مقارنة هذا الحراك بالوضع الثقافي في بعض الدول العربية، نجد أن السعودية تمثل نموذجًا إيجابيًّا للاستثمار في الثقافة، ضمن رؤية 2030، التي تؤكد أنّ الثقافة عنصر أساسي في بناء مجتمع المحبة والتعاون. وهذه الاستدامة الثقافية تجعل السعودية لاعبًا رئيسًا في المشهد الثقافي العربي، وتمنحها فرصة لتعزيز ريادتها في هذا المجال على مستوى المنطقة. ولا شك أن الجمع بين التخطيط الإستراتيجي الواضح، والمشاركة المجتمعية، والكفاءة الإدارية، والتمويل المستديم، والمرونة، ستساعد السعودية على تفادي مصير المشروعات المتعثرة وتحقيق أهدافها الثقافية طويلة المدى. وهذا يقودنا إلى سؤال مهم: كيف يمكن للتجربة الثقافية السعودية أن تتجنب التعثر وتحقق استدامة طويلة الأمد؟

لضمان استمرارية النجاح للمشروعات الثقافية السعودية وتفادي التحديات التي واجهت تجارب أخرى، يمكن اتباع إستراتيجيات أساسية عدة:

التخطيط الإستراتيجي المرن: وضع رؤية واضحة طويلة المدى مع أهداف مرحلية قابلة للقياس، مثلما تفعل رؤية 2030، مع إدراج آليات مراجعة دورية لتقييم التقدم وتعديل الخطط حسب المتغيرات. هذا يساعد على تجنب الجمود ويضمن مواكبة التطورات المحلية والعالمية.

المشاركة المجتمعية الفاعلة: إشراك المواطنين في تصميم وتنفيذ المشروعات الثقافية لتعزيز الشعور بالملكية والالتزام. على سبيل المثال، دعم المبادرات المحلية والفنون التراثية، وإنشاء منصات حوارية لتلقي ملاحظات المجتمع، مما يعزز الاستدامة ويقلل من خطر الرفض الاجتماعي.

الكفاءة الإدارية والمساءلة: تسهيل الإجراءات، واعتماد تقنيات إدارة مشروعات حديثة لتعزيز الشفافية ومتابعة الأداء، وتحديد مسؤوليات واضحة للجهات المسؤولة أو المخولة، مع وجود نظام محاسبة يحاسب على التأخير أو التقصير.

التمويل المستدام: تنويع مصادر التمويل عبر الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وجذب الاستثمارات الدولية، وإنشاء صناديق استثمارية مخصصة للمشروعات الثقافية. هذا يقلل الاعتماد على الموازنة الحكومية ويحمي المشروعات من التقلبات الاقتصادية.

الابتكار والتكيف مع التحديات: تبني حلول مبتكرة للتغلب على العقبات، مثل التحول الرقمي في تقديم المحتوى الثقافي (كالمتاحف الافتراضية)، والاستفادة من الأزمات العالمية (مثل جائحة كوفيد) كفرص لإعادة ابتكار الآليات.

التوثيق والتعلم من التجارب: تحليل أسباب تعثر المشروعات في التجارب الخليجية السابقة، وتوثيق الدروس المستفادة، وتطبيقها على المشروعات السعودية لتفادي تكرار الأخطاء.

وفي السياق ذاته فإنّ الجامعات والمؤسسات التعليمية لها دور محوري في تعزيز استدامة المشروعات الثقافية السعودية وتفادي التحديات، يتمثل هذا الدور في الآتي:

البحث والتطوير: إجراء دراسات أكاديمية حول الاحتياجات الثقافية للمجتمع، وتقييم تأثير المشروعات القائمة، وتقديم حلول مبتكرة بناءً على البيانات. على سبيل المثال، تحليل أسباب تعثُّر التجارب السابقة في المنطقة وتصميم نماذج استباقية.

بناء الكوادر: تصميم برامج تعليمية وتدريبية متخصصة في إدارة الثقافة والفنون والتراث، بالشراكة مع الجهات الثقافية؛ لضمان وجود كفاءات وطنية قادرة على قيادة هذه المشاريع باحترافية.

الشراكات المجتمعية: تنظيم فعاليات ثقافية مشتركة (كالمهرجانات، وورش العمل الإبداعية) لدعم الحوار بين الأكاديميين والفنانين والجمهور، وتعزيز الوعي بأهمية الهوية الثقافية.

الابتكار الرقمي: توظيف تقنيات مثل الذكاء الاصطناعي والواقع الافتراضي في الجامعات لحفظ التراث ونشره بأساليب جاذبة للأجيال الجديدة، كإنشاء أرشيفات رقمية للآثار السعودية.

دعم ريادة الأعمال الثقافية: احتضان حاضنات أعمال داخل الجامعات لدعم المشروعات الصغيرة في المجال الثقافي والفني، وربطها بفرص التمويل والاستثمار.

التوعية الإستراتيجية: إدراج مفاهيم التنمية الثقافية ضمن المناهج التعليمية لترسيخ قيم الانتماء والتفاعل الإيجابي مع المشروعات الوطنية.

بدمج هذه العناصر، يمكن للمشروعات الثقافية السعودية أن تحقق استدامةً تتناسب مع طموحاتها، مع الحفاظ على الهوية المحلية ومواكبة العولمة بفاعلية. وبهذا تصبح الجامعات شريكًا أساسيًّا في تحقيق التكامل بين المعرفة الأكاديمية والتطبيق العملي، مما يعزز استمرارية المشروعات ويضمن تحديثها وفقًا للمتغيرات، دون إغفال الجذور الثقافية التي تُبنى عليها.

تحول ثقافي متسارع

صلاح القرشي – روائي وقاص سعودي

يمر المشهد الثقافي السعودي عامة بمرحلة حيوية ونشطة في شتى مجالاته، سواء ما يتعلق بالفنون كالسينما والمسرح والإنتاج الدرامي التلفزيوني، أو ما يتعلق بالكتابة وتنوعاتها. وربما تبدو هذه الحيوية جلية وواضحة بشكل كبير (بالنسبة لي) فيما يتعلق بالسينما السعودية. بعد مشاهدة كثير من التجارب السينمائية الواعدة، وبعضها ذات المستوى المرتفع، يمكننا أن نتحدث عن سينما سعودية. والمثير هنا أن السينمائي السعودي كانت بدايته الفعلية متأخرة كثيرًا في وقت ارتفع فيه سقف جمهور السينما بعد أن فُتحت له المنصات العالمية التي تعرض أطيافًا هائلة من المنتج السينمائي في العالم. بشكل عام، ومع الإقرار بالتفاوت الطبيعي، يمكن القول: إن السينما السعودية استطاعت أن تشكل في وقت قصير نسبيًّا حضورًا مميزًا يستحق الإشادة به مع الأمل بأن يُبنَى عليه ليكون له ما بعده.

هذه الحيوية الخاصة بالمشهد الثقافي المحلي هي نتاج حركة دائبة ومتنوعة، لعل من أبرزها ذلك النشاط الأدبي الذي مسرحه المقهى من خلال الشراكة الأدبية، وهو نشاط أزعم أنه نجح في أن يكسر بيروقراطية استمرت طويلًا فيما يخص الأنشطة المنبرية. فوجود الأمسيات واللقاءات والقراءات الأدبية داخل رواق المقهى استطاع جذب كثير من المهتمين به من خارج الأجواء شبه الرسمية التي كانت سائدة سابقًا، وخصوصًا فئة الشباب. هذا الأمر سيتبلور لاحقًا ليخلق مقروئية جديدة لها علاقة بأجيال مختلفة من القراء، وبرغم أن هذه الأنشطة تتفاوت في تنوعها وشمولها لمناطق المملكة الواسعة فإن المرجو أن تواصل عطاءها لتشمل المزيد من المدن. وأعتقد أن إنشاء وزارة الثقافة إحدى عشرة هيئة ثقافية، تتعلق بالتراث والمتاحف والعمارة والأفلام والمكتبات والنشر والترجمة والمسرح والفنون البصرية والموسيقا والأزياء والطهي؛ هو أمر حافز وداعم لكل حراك جدّيّ يساهم في تقديم أعمال نوعية في كل مجال من تلك المجالات. وقد رأينا فعلًا كثيرًا من الأعمال النوعية المهمة، ولعلي هنا أشيد بأوبرا زرقاء اليمامة، وهي أول أوبرا سعودية والأكبر باللغة العربية، وهي من إنتاج هيئة المسرح والفنون الأدائية، من تأليف الكاتب والشاعر صالح زمانان، وتأليف الموسيقا للملحن الأسترالي لي برادشو.

كما لا بد من الإشادة بالعودة النوعية للقناة الثقافية السعودية التي عادت بشكل مختلف وبرونق وبرامج ثقافية متنوعة وذات إنتاج متميز على مستوى المادة والشكل. ولا بد من الحديث عن حدث ثقافي مهم نعيش هذه الأيام نسخته الثانية، وهو بينالي الفنون الإسلامية الذي يضم أكثر من 500 قطعة تاريخية إسلامية، ومجموعة واسعة من التحف التاريخية وأعمال الفن المعاصر، وبمشاركة مؤسسات ثقافية من دول عديدة، وهذا أمر يستحق الاحتفاء والإشادة والتقدير.

رؤى ثقافية متجددة

هيفاء الجبري – شاعرة سعودية

لم تعد المملكة العربية السعودية وجهة دينية أو سياحية فحسب، بل أصبحت مؤخرًا محط أنظار المهتمين بالآداب والفنون. فمنذ تأسيس وزارة الثقافة عام 2018م، شهد المشهد الثقافي تحولًا جذريًّا في اتساع رقعة الثقافة وتنوع ميادينها، ولم تقتصر جهود الوزارة على المشهد المحلي، بل انطلقت عالميًّا لتشارك في المهرجانات ومعارض الكتب الدولية، وقد شاركت شخصيًّا في أمسية شعرية في معرض الكتاب في تونس بدعم من برنامج التبادل الثقافي التابع لوزارة الثقافة، وكانت مشاركة مثمرة أتاحت لزائري جناح المملكة العربية السعودية التعرف إلى جوانب متنوعة من الثقافة السعودية.

ولقد كان لهيئة الأدب والنشر والترجمة الدور الكبير والفاعل في إحياء الأدب السعودي من خلال برامج متعددة، أحدثت نقلة في مفهوم التوسع الثقافي من خلال تمكين القطاع الربحي (المقاهي والمكتبات الصغيرة) من المشاركة في إحياء الثقافة في الأماكن العامة، التي يسهل الوصول لها من أطياف المجتمع كافة. نتج عن ذلك وفرة مبهجة في الفعاليات الثقافية لدرجة أن تتزامن فعاليتان أو أكثر في المقاهي متعددة المواقع، متيحة بذلك إمكانية الوصول والفائدة للجميع في أي مكان كان. أما ضيوف المقاهي فقد حرصت الهيئة على ألا تقتصر المقاهي على استضافة الأسماء المحلية، بل كانت المشاركة متاحة للضيوف من الوطن العربي، وأعرف شخصيًّا كثيرًا من الأصدقاء الكتّاب الذين سعدوا جدًّا بالاستضافة في الشريك الأدبي، وكانت فرصة لهم للاطلاع على الثقافة المحلية للمملكة العربية السعودية والتزود منها، وكان صدى مشاركاتهم مسموعًا في الوطن العربي، وقد أثنى كثيرون على هذا البرنامج من خلال وسائل التواصل الاجتماعي والمقالات المنشورة فيه.

وكان أيضًا لبرنامج معتزلات الكتابة الأثر الكبير في التقاء الكتاب من دول الخليج والوطن العربي، وتبادل التجارب والاستفادة من الخبرات في الكتابة الأدبية، بل نتجت بعض الأعمال من قصائد وقصص وروايات من ثمرات هذه المعتزلات. والجدير بالذكر أن وزارة الثقافة في سبيل تشجيعها للشعر، دعمت جوائز ضخمة يتطلع إلى المشاركة فيها الشعراء من العالم العربي، ومنها جائزة الأمير عبدالله الفيصل للشعر العربي، ومسابقة المعلقة التي شهدناها مؤخرًا، التي تكافئ القصيدة الفائزة بتعليقها في أحد المواقع البارزة في المملكة في دلالة واضحة على مدى تقدير الوزارة للعمق الثقافي الذي يحمله الشعر في كل مرحلة من مراحل التطور المدني.

ولا أنسى أيضًا برنامج القوافل الشعرية الخليجية والعربية وما كان لها من صدى واسع وتأثير كبير في عكس الثروة الشعرية التي تمتلكها السعودية. فقد نُفِّذَ هذا البرنامج على مدار عامين؛ في العام الأول كانت القوافل المحلية تنطلق من إحدى مدن المملكة وتمر بثلاث محطات في مدن متقاربة، وفي العام الثاني انطلقت قافلتان خليجيتان تحمل شعراء المملكة لدول الخليج الشقيقة، متيحة الفرصة للتعارف وتبادل القصائد، وانطلقت أيضًا قافلة لمصر شملت أكثر من مدينة مصرية واستقبلت بالبهجة والإعجاب من محبي الشعر في مصر الشقيقة. السعودية حاليًّا تشهد انفتاحًا ثقافيًّا إقليميًّا وعالميًّا قد لا ننصفه بالحديث عنه في بضع كلمات، ومن يقرأ تقرير الحالة الثقافية السنوي سيرى إلى أي مدى وصل إشعاع السعودية الجديدة، وأنا على يقين من أن ما كان ليس إلا قطرة من الفوج القادم، بإذن الله.

تقييم المشهد الثقافي

جابر القرني – كاتب وشاعر سعودي

المشهد الثقافي السعودي في السنوات الأخيرة يشهد حراكًا غير مسبوق، حيث أصبحت الثقافة جزءًا أساسًا من التحولات التي تشهدها المملكة في جميع المجالات، ولا سيما وهي جزء أساسي من مكونات ومستهدفات رؤية المملكة 2030 التي قادها وأطلقها قائد التغيير والإرادة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز. وقد تمثل دعم القيادة لقطاع الثقافة بوجود وزارة أصيلة تعنى بالثقافة بكل هيئاتها ومؤسساتها المتعددة التي تعنى بالأدب والفنون والترجمة والنشر والمسرح والموسيقا وغيرها، إضافة إلى الفعاليات والنشاطات المستمرة على مدار العام، وجميعها تعكس رؤية واضحة لدى القيادة السياسية لإعادة تشكيل الهوية الثقافية الوطنية وربطها بالمشهد العالمي.

لو تحدثنا عن تقييم المشهد الثقافي السعودي، فإن المشهد يتميز بعوامل إيجابية عدة:

تنوع الفعاليات والمجالات: هناك اهتمام بجميع ألوان الإبداع، من الأدب إلى الفنون الأدائية والسينما والموسيقا، مما يعكس رؤية شمولية للثقافة.

الانفتاح على العالم: الشراكات الدولية، واستضافة مبدعين ومفكرين وفنانين عالميين، والانخراط في مشروعات ترجمة واسعة، كلها مؤشرات على أن الثقافة السعودية تتجه إلى العالمية بقوة وبحجم تأثير كبير.

دعم مؤسسي قوي: وجود هيئات رسمية، مثل وزارة الثقافة ومن خلال هيئات الأدب والنشر والمسرح والموسيقا وغيرها من الهيئات، يضمن استدامة المشروعات ويمنحها إطارًا تنظيميًّا ويحولها إلى سياسات طويلة الأمد ويجعلها قادرة على تقديم منتجات ثقافية عالية المستوى.

التقاطع مع المشهد المحلي: الاهتمام بالمقاهي الثقافية والشريك الأدبي، والمبادرات المستقلة، وإشراك الجمهور في المشهد الثقافي، يخلق بيئة حيوية تشجع على الإنتاج والتفاعل.

لكن التحدي الأكبر هو كيفية ضمان استدامة هذا الحراك، ولا سيما في ظل تجارب بعض الدول السابقة التي شهدت انطلاقة قوية، ثم واجهت تعثرات لأسباب مختلفة. ولضمان عدم تعثر مشروعاتنا الوطنية الثقافية يجب العمل على محاور عدة؛ في مقدمتها تأصيل الثقافة والفعل الثقافي في المجتمع لضمان استمرار هذه المشروعات، بحيث تكون الثقافة جزءًا من الحياة اليومية، وليست مجرد فعاليات موسمية مرتبطة بالدعم الحكومي فقط. وإشراك القطاع الخاص والمؤسسات الأكاديمية، يمكن أن يعزز من ثبات هذه المشروعات واستدامتها، كما يجب العمل على بناء اقتصاد الثقافة، وتطوير نماذج ومنتجات اقتصادية تجعل المشروعات الثقافية قادرة على الاستمرار ذاتيًّا، مثل تعزيز صناعة النشر، والسينما، والفنون الأدائية، والسياحة الثقافية، بحيث لا تعتمد فقط على التمويل الحكومي.

ومن المهم كذلك أن تكون هناك خطط واضحة بأهداف قابلة للقياس والتنفيذ؛ لتلافي الاجتهادات البسيطة وعدم إطلاق أي مشروعات دون رؤية مستقبلية واضحة، مع الأخذ في الحسبان مرونة التنفيذ؛ فكثير من المشروعات تتعثر بسبب جمود الأنظمة والتشريعات، أو بسبب عدم القدرة على التكيف مع المتغيرات، وهو ما يتطلب تبني سياسات فعالة ومرنة تسمح بتعديل المسارات وفقًا للتحديات المستجدة وتحويلها إلى فرص للنجاح، على أن تكون هناك مراجعة وتقييم مستمريْنِ على نحو موضوعي وموثوق للمشروعات؛ للتعلم من النجاحات والإيجابيات، والعمل على معالجة السلبيات، وضمان التطوير المستمر بدلًا من الوقوع في فخ التكرار أو التراجع. وفي المجمل؛ ما يحدث في المملكة ثقافيًّا يشكل نموذجًا عربيًّا جديدًا وواقعًا مدهشًا يتشكل بوعي ثقافي عصري، ولا أغالي إذا قلت: إن بلادنا -ولله الحمد- صنعت معيارًا جديدًا لمفهوم النهضة الثقافية في المنطقة.

استعادة الهوية

محمد خضرشاعر سعودي

ما نشهده اليوم من حراك ثقافي شمولي متعدد الاهتمامات ومنفتح كأسلوب حياة على كل نواحي الفن والمعرفة في بلادنا أمر لافت ومدهش، واستطاع في مدة وجيزة تحقيق كثير من متطلبات وأمنيات وأحلام المبدع والمثقف، من خلال ما تقوم به هيئات وزارة الثقافة. وربما من أسرار نجاح هذا المشروع الثقافي اهتمامه بما كان مهمشًا ومهملًا بعض الشيء. يمتد هذا الفعل الثقافي إلى توظيف هوية المكان، وضمن مفهوم جديد ومواكب ليُدخل في إطار الثقافي الكثير مما يمكن استثماره. مشهد يحتفي بالأزياء، والعمارة، والطهي، والتراث الشعبي وغيرها، ويعمل ذلك على امتداد وتماهٍ وتوظيف لإرث ثقافي كبير، يمكن أن يتطور، ويقدم اختلافًا وتجديدًا بدلًا من ركوده وتهميشه كما في السابق.. نحن أمام تغير كبير وجذري، وكأننا نكتشف فيه ذواتنا ونستعيد المهمش الثقافي من جديد، تغير ينبغي أن نقرأه ضمن وعينا بلحظة اليوم، ودون قلق؛ فهو يشبه الركيزة الأولى التي تستحق الدعم والتفاعل، والمزيد من النقد الإيجابي الذي يتطلع إلى تطوير هذا الحراك واستمراره.

أما بخصوص استمرار هذا المشروعات والقلق من توقفها أو ارتباكها، فهذا أمر وارد لكني أعتقد أنه يجب النظر إلى تلك المشروعات بتمهل وهي في مختبرها، وبخاصة أنها مشروعات متعددة وشمولية وما زالت فتية قياسًا بالأوقات السابقة التي لم تحفل برؤية واضحة، وقياسًا بكونها تحمل على عاتقها مرحلتها المفصلية والمختلفة في الرؤية الثقافية. هذه المشروعات في حاجة أيضًا إلى أن نصغي للآراء المقدمة حولها؛ للنقد الإيجابي الذي يسعى إلى تطويرها وتحديثها، وأن نستشعر أهمية هذه اللحظة الجديدة، وما قد يبنى على خطواتها الأولى التي جعلتنا نمتلئ تفاؤلًا بها.

مشروعات ثقافية دائمة وراكزة

عبدالهادي سعدون – كاتب ومترجم وأكاديمي عراقي

ما يحدث في المملكة العربية السعودية، وفي غضون سنين معدودة، يعد تكليلًا لثقافة رصينة جاءت بالتدريج ولم تظهر بخطوات غير محسوبة. والحقيقة ما شهدته بنفسي وبمعاينة من قرب من خلال المشاركة ببعض تلك النشاطات الثقافية، أو من دراسة وتحليل المشروعات الكثيرة التي تزخر بها الساحة الثقافية هناك، وتجعلنا على بينة أنها مركزية الثقل وليست طارئة. وهذا ما يجعل من متابعتها والنظر لها نظرة إيجابية تتخذ من تدابير ثقافية عالمية سندًا رئيسًا لها. والحق أن الأمر عام وفي كل حقول الفنون والثقافة والأدب ومن داخل صروح وطنية غير مفتعلة، ولا بد أن استمراريتها ضمن هذه المجالات التي نشهدها اليوم هو ما يحقق لها أهميتها ضمن رقعة البلد التي امتدت إلى بقاع مجاورة تأثيرًا ومشاركة؛ لأنها ذات ركائز حقيقية تبني مع الآخر وحدة موضوعية وإنجازًا عامًّا يُعلي من الإنجازات الفردية المواكبة. ولعلها خطوات متمكنة؛ لأنها لم تحضر الساحة إلا بعد دراسة وتمحيص ومقاربة مع تجارب أخرى عالميًّا وعربيًّا.

شجاعة النقد

وفي رأيي أن هذه النهضة يمكن لها أن تستمر ضمن هذه القاعدة الثابتة الراكزة، وأن تفتح الآفاق نحو أفكار وخطط لآخرين مساهمين ومشاركين من مختلف الجنسيات والتوجهات. وليس بالضرورة أن يكونوا من ضمن المؤسسة نفسها، بل يمكن أن تطفر نحو مؤسسات مشاركة ومتعاونة في مسائل الدعاية والترويج والتنظيم والتنسيق. ونحتاج أيضًا إلى الشجاعة بالنقد لأية خطوات ومشروعات وأفكار لم تكن ناجعة ومفيدة وخصبة بالمرة، ثم العمل على أن تكون العملية الثقافية من داخل العمل الثقافي، لا أن تكون مجرد واجهة دعائية أو ترويجية فقط دون عمق ومحتوى حقيقي؛ فعمليات الترويج الشخصي والعام ضمن قطاع الثقافة دائمًا ما ينتهي بما لا نرغب به أو نشاء له. القدرة الاقتصادية ليست كافية لبناء صروح ثقافية كبيرة، بل يحتاج إلى ديمومة وصيانة ومتابعة واحتضان للفكرة والاستمرار بها ضمن حقول واسعة ومؤثرة متشعبة لتغطي كل تلك الاتجاهات والأفكار والرؤى المتنوعة.

نهضة ثقافية سريعة الإيقاع وجيدة التخطيط

لطيف زيتوني – ناقد وأكاديمي لبناني

لم أشارك يومًا في فعاليات وزارة الثقافة السعودية ومؤسساتها، ولم أتابع نشاطاتها ومشروعاتها إلى أن بدأت الصحف تتحدّث عن الاكتشافات الأثرية هناك، وعن إدراج مواقع في قائمة اليونيسكو للتراث العالمي. أثارت هذه الأخبار اهتمامي؛ لأن ما يحدث يشكّل اتجاهًا جديدًا ومختلفًا في نظرة البلاد إلى نفسها وهويتها، ويؤشّر إلى رغبتها في توسيع حدود تاريخها ليشمل كل هذا التاريخ. هذا فضلًا عن تنويع مصادر ثروتها؛ لأن السياحة التراثية عامل استقطاب للسياح وللمهتمين بالتاريخ، خصوصًا في هذه المنطقة المهمة. كانت البلاد العربية، إلا القليل منها، تنظر إلى التاريخ نظرة أيديولوجية، فمن تشدّد في فهم الإسلام أهمل ما سبقه من تراث شفهي أو مادي، ومن تشدّد في فهم القومية العربية أهمل كل ما سبق الفتح من آثار، ولم يسلم من هذا وذاك سوى التراث الشفهي الجاهلي، الشعري خاصة؛ بسبب الحاجة إليه لجمع اللغة وتفسير القرآن.

اتجاه جديد

العودة إلى التراث المهمل، الشفهي والمادي معًا، هو إذن اتجاه جديد لا يخالف الإسلام ولا يسيء إلى القومية، بل يوسّع النظرة إلى التاريخ. فتاريخ كل بلد هو سيرة الجغرافيا التي تحتضن شعبه، وكل حذفٍ من هذه السيرة بتر ونقص وتشويه لها. هكذا صرتُ متابعًا لأعمال الهيئات التي تهمّني نشاطاتها، فاكتشفت حجم الجهد المبذول، واعتماد الرقمنة، والأرشفة، وكثرة المشروعات المرسومة.

النهضة الثقافية في السعودية سريعة الإيقاع وجيدة التخطيط، ولكنها تحتاج إلى مواكبة من المثقفين السعوديين، وهم كثر، مواكبة تسير على الإيقاع نفسه، وتتوجه إلى عموم الناس ولا تنحصر في منتديات النخب.

غير أنّ حصر تأثير النهضة الثقافية السعودية في حدود بلادها يجافي الواقع؛ فتأثيرها سيمتد إلى جيرانها الأقربين، أي دول الخليج، وسيمتد دون شك إلى البلاد العربية التي تتطلع إلى النهوض من السجن الذي أدخلتها إليه ثوراتها وانقلاباتها وحروبها الداخلية، وسيمتد خصوصًا إلى النخب العربية التي تجري منذ سنوات مراجعة لسياساتها وخياراتها. ولا شك أن موقع السعودية السياسي والاقتصادي سيدفع بهذا التأثير إلى مداه؛ لأنه يضعها في موقع الريادة والقيادة. ولا شك في أن استعداد الشعوب العربية للتغيير هو اليوم أفضل من أي وقت مضى. فقد جرّب العرب التغيير من خلال الجيوش، ففشل التغيير وتضعضعت الجيوش، وجربوا التغيير من خلال الثورات الشعبية، ففشلوا بسبب كثرة الأطراف الخارجية التي تلاعبت بهذه الثورات. فلم يبق أمامهم سوى الحل البسيط الذي كان عليهم أن يجربوه قبل غيره، وهو التغيير الإيجابي السلمي، وهو الذي تنتهجه السعودية اليوم، ولا تفرضه على أحد، ولكنه سيكون نموذجًا يتطلع إليه الجميع.

تتطلّب الاستمرارية حالة من الحرية العامة والفردية تسمح للكاتب بأن يتناول موضوعات أحاطتها التقاليدُ بألوان المحرّمات، فليس أفضل من النقد المغلف بالحكاية سبيلًا إلى تطوير هذه التقاليد وتنقيتها من غبار الزمن؛ وتتطلب الاطّلاع على الجديد في العالم الواسع، فليس أفضل من المعرفة سبيلًا إلى تطوير الكتابة وتوسيع آفاق التفكير؛ وتتطلّب الانفتاح الذي يخرج الثقافة المحلية من العزلة ويربطها بالعالم وبالحاضر. وأعتقد أن الدولة السعودية اليوم تسير في هذا الاتجاه، وتضبط سرعتها على هدى التوفيق بين تطلعات مثقفيها واستعداد شعبها وهوية أرضها.

الثقافة ضمن رؤية شاملة للتطوير

محمد مشبال – ناقد مغربي

إن نجاح العمل الثقافي في أي بلد مرهون بوجود رؤية وإستراتيجية توجهانه، ولا شك أن المملكة العربية السعودية قد أدرجت الثقافة ضمن رؤية شاملة لتطوير البلد وإدماجه في السياق العالمي، ولا شك أيضًا أن القائمين على التخطيط الثقافي بنوا رؤيتهم على أن الثقافة مكون أساس في بناء صورة جديدة للبلد تتجاوز الصورة النمطية التي حشر فيها لعقود من الزمن؛ وهي الصورة التي جعلت أبناءه من الأجيال الجديدة التي درست في أوربا وأميركا أو التي خضعت للتأثيرات الثقافية التي فرضت عليها بعد الثورة التقنية الأخيرة، أن تُظهر بشكل أو بآخر توقها إلى بناء عالم جديد يشبه العوالم التي يرونها حولهم.

الانفتاح على التحديث

إن بناء صورة جديدة للبلد تتسم بالانفتاح على التحديث بكل مظاهره الترفيهية والرياضية والثقافية والسياحية وغيرها، لا يجوز فهمه في سياق طموح إلى تقويض صورته النمطية للاندماج في الكونية فقط، ولكنه طموح أكثر عمقًا ويتعلق بغايات أخرى لا تقل عنه هذه الغاية أهمية؛ منها توسيع مفهوم الثقافة وإغناؤها، ومنها أيضًا بناء صورة للبلد تمتح ملامح وجودها من الهوية الثقافية؛ فالثقافة التي خطط لتنميتها لم تعد محصورة في إنتاج أدباء وفنانين ونقاد ومفكرين أكاديميين يتوجهون إلى نوع مخصوص من القراء، بل اتسعت لتشمل إنتاجًا أدبيًّا وفنيًّا وثقافيًّا يتوجه إلى الجمهور العام. كما أنها من جهة أخرى لم تعد محصورة في ألوان معينة؛ إذ اتسعت لكل ضروب الإبداع الإنساني من أدب وفكر وسينما ورقص وتشكيل وموسيقا ونحت ومسرح.

وفي هذا السياق أنشئت هيئات لرعاية عديد من هذه الفنون وترسيخها في المجتمع، كما أحدثت جوائز لتكريم مبدعيها (جائزة التميز وجائزة القلم الذهبي…) فلم يعد التكريم محصورًا فيما يمكن تسميته بأصحاب الثقافة العالمة (جائزة الملك فيصل وجائزة الملك عبدالله…)، كما لم تعد الثقافة محصورة في مدرجات الجامعات والنوادي الثقافية المنتشرة في المدن السعودية، بل خرجت إلى فضاءات ما سمي «المقاهي الثقافية» التي تمزج بين البعد الترفيهي والبعد الاقتصادي والبعد الثقافي؛ ذلك أن القارئ العادي أو العام لم تعد أوضاع الحياة المعاصرة ووسائل التواصل المستحدثة فيها تساعده في الإقبال على القراءة وحضور الأنشطة الثقافية بشكلها التقليدي.

لأجل ذلك فإن الاستجابة إلى حاجيات الجمهور والتفكير في وسائل جديدة لمخاطبته واستدراجه للتفاعل مع المادة الثقافية بات ضروريًّا، وبخاصة بعد تعاظم العزوف عن القراءة وعن حضور الندوات واللقاءات التي تقدم الأعمال الأدبية الجديدة. فالثقافة مهما تكن نخبوية تتعاطاها فئة قليلة من المجتمع، فإن هناك دائمًا إنتاجًا ثقافيًّا جماهيريًّا لا ينبغي إغفاله أو التقليل من قيمته، وبخاصة بعد الشهرة الواسعة التي بات يحظى بها بعض الكتاب الذين يؤلفون أعمالًا روائية تتوجه إلى الجمهور، بل إن الثقافة العالمة مطالبة بتوسيع موضوعاتها وذلك بمقاربة خطابات جديدة لغوية وغير لغوية ومقاربة التراث المادي مثل المباني والتحف والمواقع الأثرية، والتراث اللامادي المتمثل في التقاليد والمجالس والقهوة ورقصة المزمار والصقارة وحداء الإبل وآلة السمسمية ونقوش الحناء وغيرها من الإبداعات الشعبية التي تثبت الهوية الثقافية للبلد. وعلى هذا النحو تسهم الثقافة في بناء صورة جديدة للبلد؛ صورة قائمة على إظهار الإبداع الإنساني المتجذر في التاريخ والمتجدد في الحاضر.

الثقافة الحقيقية

إن المملكة العربية السعودية التي قدمت للعالم العربي مبدعين ومثقفين بارزين، واحتضنت ندوات فكرية أصبحت علامات في الثقافة العربية، أدركت أن الثقافة الحقيقية ينبغي أن تعبر عن تاريخ هذا البلد وعن طاقاته الإبداعية بكل أطيافها، وأن تنزل للناس وتحطم الأسوار من حولها؛ لأجل ذلك سعت إلى إحداث تغيير جذري في مفهومها ودوائر اهتماماتها ضمن رؤية إستراتيجية تروم ترسيخ صورة جديدة لبلد يتطلع إلى أن يثبت وجوده عبر هويته الثقافية.

إن اعتماد الثقافة أداة لبناء الهوية ينطوي على وظائف عدة؛ فهو يساهم في خلق التفاعل مع شعوب وحضارات أخرى، ويغير الصورة النمطية التي ترسخت في الأذهان عن البلد، ويساهم في الحد من التطرف الديني ويعمل على تنويع الاقتصاد الوطني.

ومما يقوي هذا التوجه الثقافي نحو العناية بالتراثين المادي وغير المادي أن بعض المؤتمرات في الجامعات السعودية أصبحت تقترح للنقاش موضوعات غير نظرية تتساوق مع التوجه الثقافي العام للبلد من قبيل البحث في الشعر النبطي والإبل والحرف والصناعات التقليدية وغيرها من الموضوعات التي تستقطب اهتمام الناس بقدر ما تسهم في بناء الهوية.

بالثقافة تعزز المملكة دورها في المشهد الثقافي الإنساني

عبدالله عيسى – كاتب ودبلوماسي فلسطيني

تتجسّد النهضة الثقافية السعودية بتجليات فعلٍ ثقافي خصوصي لا بد أن يحفر ملامحه عميقًا في الحركة الثقافية والإبداعية في العالمين العربي والإسلامي، لما تملكه المملكة من مكانة استثنائية شديدة التأثير والفرادة، ولا شك سوف يطول أثره المشهد الثقافي والإبداعي الدولي، وهو ما يتبدى الآن في كثير من المهرجانات والفعاليات والنشاطات الباهرة والمدهشة في مجالات مختلفة.

على هذه النهضة الثقافية أن تتقدم كي تقيم في المستقبل بوصفها عملية تتفاعل مع أدوات وتصوّرات قدمتها نهضة شمولية تتطور في مجرى رؤية ٢٠٣٠ الخلاقة، تلك التي تؤسّس لها المملكة في ظل خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود وولي عهده الأمين صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، حفظهما الله.

وشموليّة هذه النهضة مؤصّل على التحصّن بالاعتصام بعروة المضيء في تاريخنا وثقافتنا، وإطلاقه في مدارات الحداثة التي تتحرّك نحو مستقبلها بالملكات الإبداعية الكامنة والمتجذّرة في المجتمع، والتي تعد لا شك مختبر تطورها وضمانة صيرورتها، بما ينبغي أن يحكم علاقتها بالفعل الثقافي من حرية تفكير وتعبير، وتعدد رؤى ومسارات معًا.

إن ثورة الحداثة كما تقدمها هذه الرؤية يجب أن يكون إعلان قطيعة مع الثابت والمعتم في تاريخنا وثقافتنا، للانتقال إلى خلق علاقة شديدة الخصوصية بين الأصالة والمعاصرة، والتراث والحداثة.

لكن هذا كله مرتبط بإدراك الدور الذي تلعبه الثقافة الوطنية في تشكيل وتطوير الوعي المعرفي، وتكوين الذات الثقافية؛ لكونها تجسد الهوية التي تنهض وتتحاور مع الآخر، تجسيدًا لقيمها وتقاليدها المضيئة.

كما أن ارتباط النهضة الثقافية في السعودية برؤية ٢٠٣٠ بما تحمله من طموحات ودلالات يحرسها من التكرار وتكريس السائد، ويحرضها على خلق أدوات تطورها وتجددها من داخلها بفعل توحد الذات بثقافتها الخصوصية. وبهذا، تعزز المملكة العربية السعودية مكانتها ودورها في المشهد الثقافي الإنساني بوصفها فعلًا ثقافيًّا جماليًّا مؤثّرًا في حركته وتحولاته، ويشكل إضافة جوهرية تنحاز للجمال والتلاقح الحضاري، في مواجهة سرديات القبح والإلغاء النقيضة.

إن هذه النهضة الثقافية تمتلك عناصر حضورها الدائم وتطورها محمولة على دعم كبير، وعلى تهيئة الأوضاع لانطلاقها بإشعاعات التآخي والسلام وإرساء القيم، وبقائها منارة لفعل ثقافي متنوع ومتكامل وملهم في آن.

إن ارتباط هذه النهضة الثقافية بالفكرية والتعليمية والعلمية والمجتمعية يأتي من إدراك لأهمية الثقافة في تشكيل الهوية الحضارية المعاصرة للشخصية، وتمكينها من طرح ذاتها في عمليات التفاعل مع الثقافات الأخرى، وتأصيل مشروعها الثقافي الحضاري. فلا يمكن تأسيس فعالية ثقافية مستمرة دون خلق تفاعل مستمر ومتواصل مع المجتمع بمكوناته كافة. ومن هنا تكمن أهمية تأصيل علاقة توازن بين الفائدة والمتعة لتكريس تقاليد التواصل والتفاعل مع الثقافي بصورة مستمرة، وجعل المجتمع حاضنًا أساسيًّا للنهضة الثقافية، وحاضنًا لها في آن.

وهذا دور تاريخي مهم منوط بوزارة الثقافة السعودية، والوزير الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان، من شأنه أن يطلق الثقافة السعودية، بما تمتلكه من عناصر إلهام ونجاح وقدّم لها من إمكانات مختلفة، في مدارات جديدة، تجد ظلالها في حركة الثقافة الدولية.

الثقافة السعودية مؤهلة لأن تصبح مركزًا إقليميًّا كبيرًا

مصطفى عبيد – باحث وروائي مصري

لا يحتاج أي متابع للشأن الثقافي العربي جُهدًا كبيرًا ليلحظ ما تشهده الساحة الثقافية والفنية السعودية من حراك لافت يتمثل في حركة نشر واسعة، ومتنوعة، تشمل الرواية والأدب والتاريخ والسِّيَر والموسيقا، واحتضان لمناسبات وفاعليات إبداعية عظيمة، إلى جانب نجاح جماهيري لمعارض الكتب بشكل عام. فضلًا عن زخم وتفاعل كبير من جمهور واسع مُطلع وناشط ولديه حضوره وتأثيره في المجتمع ككل. وإلى جوار كل ذلك فهناك اهتمام كبير بالسينما صناعة وأداء ومهنًا مباشرة وغير مباشرة، وكوادر متنوعة عاملة فيها.

لقد سعدت بالمشاركة مُحكمًا في مسابقة القلم الذهبي للروايات الأكثر تأثيرًا في دورتها الأولى لعام 2025م، واطلعت على نماذج مبهرة لشباب سعودي مُبدع ومتميز في مجال السيناريو والروايات بمختلف مساراتها، ولمست بوضوح نشوء جيل جديد من المبدعين اللافتين القادرين على طرح موضوعات جديدة بأساليب فنية مستحدثة وغير مطروقة من قبل.

صورة مغايرة

لا شك أن ذلك كان مغايرا تماما للصورة الذهنية السابقة النمطية والمقولبة الموروثة عن المبدعين في السعودية، وهذا يعني أن هناك جهد وعمل مدروس ومخطط وراء هذا التغير الكبير. إن هناك أفكارًا متميزة جدًّا في مجال الفانتازيا والخيال العلمي والروايات ذات الخلفية التاريخية، بما يدلل على إمكانات ناشئة يُمكن أن تُحدث تغييرًا كبيرًا في المجتمع السعودي في السنوات المقبلة، فضلًا عن قدرتها على التأثير بشكل واضح في العقل العربي كله.

تبدو سمات الحداثة واضحة في الصعود الثقافي في المشهد السعودي، وهو صعود قائم على رحابة فكر وتعددية واطلاع واسع وتقبل للآخر وثقافته، مع مواكبة للتطورات التقنية العالمية.

لقد شهدت المملكة العربية السعودية في السنوات الأخيرة تحررًا فكريًّا وحداثيًّا ترسخت فيه قيم التسامح والانفتاح على الثقافات الأخرى واحترام المرأة وفتح الآفاق أمام الا بداع للانطلاق دون قيود، بما يؤسس لإنسان جديد قادر على تحقيق الإنجازات في المجالات كافة.

وهذه المسيرة تتمايز عن مشروعات حداثية أخرى شهدتها بعض المجتمعات العربية على مدى نصف القرن الماضي، لكنها لم تكتمل. وهذا التمايز وراءه في الأساس إرادة عليا وسلطة فوقية تؤمن بحرية الفكر والإبداع وضرورة التكيف مع التطور العالمي، وتسعى للتعايش مع الآخر. كما أنه مُستمد من قيم راسخة تستهدف النماء والتطور، استكمالًا لمسيرة آباء وأجداد آمنوا بحق الإنسان في العيش في أمان وحرية وتقدم.

إنها لحظات فارقة تمثل عتبة صعود حقيقي للإبداع والفن والفكر الحر باعتبارها أعمدة رئيسة تقوم عليها صناعة المستقبل، وهو ما تؤمن به قيادات عليا داخل المملكة ويظهر بجلاء في أنشطة وفعاليات واحتضان ودعم للثقافة والإبداع في مختلف فئاته.

برامج التحفيز

يبقى أن هذه الطفرة الصاعدة تستلزم سياجًا من برامج التحفيز مثل توسيع آفاق الترجمات وتنظيم مسابقات وفاعليات متنوعة تستهدف إشراك شرائح أكبر من الشباب واليافعين لاكتشاف المواهب الحقيقية وتنميتها بينهم. كذلك لا بد من تيسير القواعد المنظمة لعمل الفاعليات والأنشطة الثقافية المختلفة، وتجنيبها تعقيدات اللوائح والقوانين، والاستفادة من الخبرات العالمية المتميزة في هذا الشأن.

إن المملكة مرشحة بقوة للعب مكانة رائدة في الثقافة عالميًّا وعربيًّا، ولديها الامكانات المادية والبشرية للتحول إلى مركز إقليمي كبير لصناعة السينما والثقافة، ومن الضروري أن تواصل مسيرتها التحديثية بخطوات ثابتة وقوية.

الثقافة السعودية بدأت من حيث انتهى الآخرون

أحمد السلامي – شاعر وروائي يمني

الوجه الثقافي للسعودية حاضر بقوة في كل المراحل، ومن له اهتمام بالجوانب الفنية والأدبية يمكنه الحديث بإسهاب عن تراكم ثقافي وفني مستمر في المملكة لم ينقطع، منذ عقود، عن الإضافة وطرح الجديد، رغم هيمنة التيار التقليدي في بعض الأوقات، لكن السعودية في السنوات الأخيرة تقدم للعالم صورة جديدة، فيها تركيز أعمق والتفات حكومي مدروس، لدعم القوة الناعمة؛ ممثلة في الفن والثقافة والصناعات الإبداعية.

أرى أن العقود الماضية أنتجت ما صقل وجدان المجتمع في السعودية والجزيرة العربية والمنطقة، فكان فن الغناء والطرب والألحان والتوزيع الموسيقي للأغاني البديعة لنجوم الطرب في السعودية بمنزلة القاطرة التي تحركت وحملت معها السرد والنقد والشعر الغنائي الحديث وقصيدة النثر. هكذا أرى النهضة الثقافة في السعودية بوصفها حصيلة ما غرسه الفن، فتكونت في البلد أرضية ثقافية وكتلة سكانية شابة جاهزة لدعم حالة النهوض الثقافي واستهلاك الصناعات الإبداعية. فبدون التلقي والجمهور الذي يذهب إلى الحفلات والمعارض والقاعات يبقى المنتج الفني والإبداعي معزولًا، والمجتمع السعودي الشاب يمثل بيئة لتلقي كل جديد يتصل بالصناعات الإبداعية التي لم يستوعبها بعضٌ أو يتصالح مع حقيقة أنها صناعة تتطلب الجودة والاحترافية والتسويق، دون أن ينقص ذلك من القيمة الإبداعية للمنتج الإبداعي، سواء كان تأليفًا أو ترجمة أو حفلًا غنائيًّا أو مسرحيًّا أو سينمائيًّا.

ما يلحظه المتابع من تجليات للحضور السعودي في معارض الكتب ومنصات الفن والإبداع، يكشف أن المؤسسة الثقافية الرسمية معنية بدعم المشروعات وحفز الصناعات الثقافية وتعبيد الطريق أمامها، دون الحاجة إلى أن يكون كل منتج أو ناشر تحت المظلة الرسمية، وهذا عين الصواب؛ لأن وزارات الثقافة في البلدان العريقة معنية بدعم مؤسسات الثقافة التي يطورها المجتمع وليس الهيمنة عليها.

ويصعب الحديث عن النهوض الثقافي الملموس في السعودية دون التذكير بإخفاقات وتراجعات في أماكن أخرى؛ لأن المشهد الثقافي العربي مترابط وكل نجاح في بقعة هنا أو هناك يجلب السعادة وينعكس بصورة إيجابية على المشهد العام.

إلا أن الحفاظ على استمرارية ملمح النهضة الثقافية المشهودة في السعودية يتطلب توسيع قاعدة التلقي، وتجنب المركزية في الأنشطة، والذهاب إلى المجتمع، وعدم تجاهل أهمية التعاون بين قطاعي الثقافة والتعليم من زاوية تطوير المناهج الدراسية؛ لتخريج أجيال وثيقة الصلة بالمنتج الإبداعي والأدبي الجديد لردم الهوة التي تنشأ بين قطاع من المجتمع وبين المنتج الثقافي الأحدث، دون أن يعني ذلك التنكر لكل ما هو مضيء في التراث.

الحراك السعودي له تأثيره الفارق في الثقافة العربية

أحمد عبداللطيف – روائي ومترجم مصري

أعتقد أن الحراك الثقافي السعودي في السنوات الأخيرة، تجاوز حدود بلده ليشمل البلدان المجاورة. أود أن أشير بالتحديد إلى ما أحدثته هيئة الأدب والنشر والترجمة بالتحديد، ربما لأنها النشاط الأحدث لو وضعنا في الحسبان أن معارض الكتاب السعودية قديمة وإن كانت في الآونة الأخيرة أكثر حداثة وانفتاحًا.

مرت مشروعات الترجمة في العالم العربي بمراحل عدة، من المركز القومي للترجمة بالقاهرة، إلى مشروع كلمة بأبوظبي، والآن تساهم هيئة الأدب والنشر والترجمة مساهمة لافتة في تطوير هذا المشروع السعودي العربي. لقد دعمت الهيئة دور النشر الخاصة بشكل يسمح لها بتطوير مشروعاتها ورؤيتها، كما ساهمت بالتالي في حركة ترجمة يستفيد منها العاملون في الكتب المترجمة عمومًا، من مترجمين لمصححين ومحررين، وهو ما يصب في النهاية لصالح القارئ، ويُشاهد أثره في الثقافة وبالتالي في المجتمع. المجتمع السعودي مجتمع قارئ من طراز رفيع، يلمس ذلك من يزور معرض الرياض مثلًا، كذلك من له صلات صداقة بمثقفين سعوديين، والمجتمع القارئ هو القادر على إحداث طفرة في المجال الثقافي، وبخاصة مع اختيار شخصيات مدركة لحركة العالم ليتولوا المسؤولية.

النشر والترجمة

في حدود علمي، تساهم هيئة الأدب والنشر والترجمة في دعم دور النشر بمنح كريمة، كما تدعم دور النشر السعودية أو التي تقع في نطاق المملكة بترخيص مزاولة النشر. هذا ما كنا نحتاج إليه، أن تأتي مؤسسات قوية تساهم في دعم أحد أهم مشروعات النهضة العربية: مشروع الترجمة؛ إذ لا نهضة لمجتمع دون نهضة عملية الترجمة فيه، إذ تسمح بالاطلاع على العالم وآفاقه، وتضعنا على خط التساوي مع دول العالم الأول ثقافيًّا. إضافة لعمل هيئة الأدب والنشر والترجمة، أود الإشارة إلى إحياء فكرة المجلة الثقافية، وهي بمعنى ما الأرشيف الثقافي المهم والمرجعي من أجل اليوم والمستقبل.

في هذا السياق، عملت مجلة «الفيصل» على جمع المثقفين العرب كُتابًا ومترجمين، وفتحت لهم مساحات رحبة لتناول قضايا ثقافية راهنة أو تراثية، وفتحت نافذة على الأدب العالمي عبر ترجمته، وساهم توافرها أونلاين في تسهيل الاطلاع على موادها وحفظها كأرشيف إلكتروني. كذلك أشير إلى مجلة القافلة، التي تتميز بمواد ثرية وكُتّاب من طراز رفيع. وأظن أن المجلتين من أفضل المجلات الثقافية في العالم العربي، ولدى كل منهما الرؤية والسعي لوضعنا في اللحظة الراهنة أدبيًّا وسينمائيًّا وترجمةً.

المؤكد أن هذا النشاط الثقافي في السعودية يدفع الدول المحيطة لنشاط ثقافي مماثل، كما أن فائدته تعم على كل الناطقين بالعربية. في سياق آخر، على الرغم من أني لم أجرّب معتزلات الكتابة التي تخصصها السعودية للكُتّاب، فإنني أراها فكرة فريدة وتستحق الإشادة، فهذا اللقاء الهادئ والمثمر بين كاتب محترف وكُتّاب في بداية طريقهم، وتبادل الخبرات في صيغة ورشة عمل، كان مشروعًا أوربيًّا بامتياز ونفتقده في عالمنا العربي. هذه المعتزلات سدت هذه الثغرة.

فك العزلة وتغيير المفاهيم السائدة

محمد جعفر – روائي جزائري

لقد أدركت الدول المتقدمة منذ عهود طويلة دور الثقافة في نهضتها، وعملت جاهدة على تكرسيها والاحتفاء بها، كما مكنتها من خلال مؤسسات وازنة تخدمها وتسهر على تطويرها والتعريف بها. فالثقافة هي أحد أوجه الحضارة بما فيها من متاحف وآثار، فضلًا عن المساهمين فيها من مثقفين وفنانين وأدباء، بوصفهم علامة من علامات شهرتها. كما أن الثقافة مجال صناعي وتجاري لا يمكن إغفاله، ويعول عليها في العودة بمكاسب مهمة، كما يحدث مع سوق الكتاب في ألمانيا وفرنسا، أو مع السينما في كل من أميركا والهند. ويبدو أننا في عالمنا العربي لا نزال بعيدين من مواكبة نهضة الغرب في المجال الثقافي، وإن عرفت بلدان مثل مصر والكويت ولبنان حركة رائدة في هذا المجال قبل زمن طويل، قياسًا بنظيراتها، بينما ظلت دول أخرى تراوح مكانها لزمن طويل، هذا إذا لم تتراجع في حركة متذبذبة نظرًا لغياب الرؤية الواضحة والإستراتيجية العميقة، كما شهدت بعض دول الخليج في الفترة الأخيرة انطلاقة جادة عكست اهتمام مسؤوليها بالثقافة، وإدراكهم لدورها الخطير، وفاعليتها الكبيرة في صناعة الوعي والتأثير والتوجيه.

وما كان ليتأتى كل ما تشهده السعودية حاليًّا، لولا تبنيها حراكًا جادًّا ورؤية شاملة الأبعاد راهنت على الأصالة، وحفلت بالتجديد والانفتاح، وذلك في سبيل تحقيق التنوع والثراء والتعدد والاختلاف في نهضة غير مسبوقة مست جميع الميادين والقطاعات، واعتمدت في ذلك على شبابها وخيرة طاقاتها ممن يملكون الخبرة والمعرفة، ثم ها هي في وقت وجيز تحقق الغايات وتحصد النتائج.

في اعتقادي استطاعت السعودية وفي وقت وجيز أن تفك عزلتها، كما استطاعت تغيير المفاهيم السائدة التي ظلت تعانيها لعقود داخل المجتمع السعودي نفسه، ولدى أولئك الذين يتابعونه من الخارج، وهو ما جعلها محطَّ أنظار كثير من الدول العربية والعالمية.

الثقافة السعودية.. رؤية في إستراتيجية الأداء

رائدة العامري – ناقدة وأكاديمية عراقية

يمكن معاينة الثقافة السعودية الحديثة بوصفها مشروعًا مستقبليًّا يقوم على أسس راسخة في فكر الاحتواء والتجديد والتحديث على المستويات كافّة، بما تمتلكه من أرضيّة خصبة وصالحة وواعدة بوسعها أن تفعل الكثير على صعيد بناء رؤية مغايرة، تستطيع فيها أن تقدّم إستراتيجيات عابرة للحدود الإقليمية ومنفتحة على أفق عالمي لا حدود له، بضمانات راسخة وقادرة على حفظ الهوية العربية والإسلامية بروح عالية من التفاهم مع الآخر، وتتفرّع هذه الإستراتيجيّة على شبكة من النشاطات الاستثنائية المميزة الجديدة في كل شيء، بحثًا عن مجالات لم يسبق للثقافات المجاورة أن ارتادتها أو مارستها على النحو الذي يحقّق الجدّة وقوّة المعرفة وإبهار الأداء الثقافي الإجرائي معًا.

حقّقت وزارة الثقافة السعودية في السنوات الأخيرة تقدمًا كبيرًا على مستوى الأنشطة الثقافية والفكرية والمعرفية بشتّى أنواعها، بمناهجها الحديثة في مقاربة القيم والأفكار التي ترسم سياسة ثرية وخصبة داخل الرؤية العامة التي تنتهجها المملكة في هذا السياق، ولا شكّ في أنّ هذه الأنشطة حقّقت منجزات هائلة صارت محطّ أنظار العالم، بما انطوت عليه من حراك مدهش على أكثر من صعيد ثقافي وفي مختلف الفنون التي تقارب تطلّعات الإنسان العصري الحديث، وصارت كثير من المدن السعودية منارة لهذا الحراك الذي يشعّ على منطقة الخليج والوطن العربي بأكمله، في ظلّ وعي يناسب هذه الرؤية ويستجيب لتطلّعاتها نحو فضاء ثقافي معرفي يتلاءم مع طموحات الإنسان المعاصر.

لم تترك هذه الفعاليات الثقافة جنسًا أدبيًّا من غير أن تعنى به عناية يستحقها، من الشعر إلى القصة القصيرة إلى الرواية وصولًا إلى بقية الفنون الأخرى الكثيرة، وتتحرك كل هذه الآليّات الثقافية والفكرية بِسندٍ من عقل ورؤية منفتحة على الفضاء العام والخاص بحساسية صادقة وسليمة وحيوية، وهذا هو ما يضمن الانطلاق نحو مستقبل زاهر يحمل في طياته بشائر الانضمام بكل جدارة إلى حركة الفكر العالمي الحديث، مع الحفاظ على الهوية العربية الإسلامية على وفق حاجات الإنسان العربي المناسبة لما يحصل في هذا العالم من تطور تقني وتواصلي عظيم، يحتاج من الإنسان العربي التفاهم معه بروح ثقافية جديدة كما تعمل عليه وزارة الثقافة السعودية في سياق برامجها العالية المستوى وعلى الأصعدة كافّة.

حققت (جائزة القلم الذهبي) السعودية الرائدة على سبيل المثال قفزة حضارية كبيرة على مستوى التنافس الإبداعي الحقيقي، وعلى مستوى المشاركات ذات الصيغ الذهبية المتنوعة بقدرات عالية ومتطورة، وعلى مستوى استيعاب الأسماء الفكرية والثقافية والأدبية الكبيرة وجذبها وتشجيعها على أن تجعل من هذه الجائزة منبرًا حرًّا وأصيلًا، وصارت هذه الجائزة في طليعة الجوائز العربية ضمن رؤية مستقبلية طليعية وتنويرية لا تكتفي بطرح الموضوعات الثقافية والأدبية الجديدة، بل تسعى إلى إنشاء حراك معرفي حول القضايا الكبرى في الثقافة الحديثة والمعرفة الحديثة، ضمن إطار رؤية متكاملة من حيث المرجعيات النظرية والإجراءات التطبيقية بلا تحفظات أو موانع أو إكراهات، إلا ما يتعلق بجوهر الهوية العربية الإسلامية التي هي اليوم هوية متحضرة تتفاعل مع الهويات الأخرى بروح التحدي والمنافسة الحرة الشريفة، ومن دون أية حساسيات ثانوية وهامشية لا قيمة لها. إذن الثقافة السعودية اليوم هي ثقافة حرة وأصيلة وذات طبيعة معرفية تنظر من خلال وحدة الفكر والرؤية والمصير.

المنشورات ذات الصلة

صعود الخصوصيات الثقافية

صعود الخصوصيات الثقافية

رؤى‭ ‬العالم وسؤال‭ ‬الخصوصية‭ ‬والعالمية محمد شوقي الزين - كاتب جزائري أوديسَّا مصطلحٍ: التلاشي والانتشال هيمنت مفردة...

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *