يعتقد كثير من الخبراء أن المعايير التقليدية التي حكمت مفهوم وتصميم المشروعات المعمارية أصبحت اليوم موضع جدل، وتحتاج إلى نظرة شمولية جديدة تتماشى مع الواقع الحالي. في حقبة ما بعد جائحة كورونا، أصبح لدينا تصور مختلف حول البيئة المبنية والطريقة التي نتفاعل معها، في الوقت الذي بدأ فيه كثير من الناس اليوم يتساءلون حول طبيعة ووظيفة المنازل التي نعيش فيها وأماكن العمل التي اعتدناها لسنين طويلة. بل إننا وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها الناس يفكرون مليًّا في أفضلية الاختيار بين الحياة الحضرية أو الريفية، وبمعنى آخر المنازل الواسعة في الأرياف مقابل الشقق المتواضعة في المدن المزدحمة.
ولا نبالغ بالقول: إن الشمولية أصبحت اليوم في عالمنا المترابط أمرًا مفروغًا منه، كما يؤكد المعماري فرّخ درخشاني، مدير جائزة الآغا خان للعمارة ذائعة الصيت، في مقدمة كتاب «العمارة الشمولية»، الذي نشرته مؤخرًا دار النشر الألمانية «أركي تانغل بَبْليشرز»، وحررته باللغة الإنجليزية سارة م. وايتنج، إلى جانب مشاركة عدد من المعماريين والباحثين المرموقين في العالم. يقول درخشاني في مقدمة الكتاب: «ربما للمرة الأولى في تاريخ البشرية، يتشارك الناس اليوم في جميع أركان العالم الأربعة الآمال والمخاوف نفسها من أجل مستقبل أفضل». ويضيف قائلًا: «لم تعد المشاكل العالمية مقصورة على سياق جغرافي محدد، بل يجب أن ننظر إلى العالم من منظور جديد».
في هذا المشهد المتغير والصعب، يسعى المهندسون المعماريون وصناع القرار والبناؤون والمستخدمون إلى الاستفادة من المشروعات المعمارية النموذجية التي تعالج القضايا الحالية وتعزز جودة الحياة، والتي يمكن أن تكون أمثلة يحتذى بها في مناطق أخرى من العالم. يشدد كتاب «العمارة الشمولية» على هذه الحاجة من خلال تسليط الضوء على عشرين مشروعًا رائدًا اخْتِيرَت ضمن القائمة القصيرة للمشروعات المرشحة لجائزة الآغا خان للعمارة، ومن ضمنها المشروعات الستة التي فازت بالمحصلة بالجائزة، في دورتها الأخيرة لعام 2022م. ومن المهم الإشارة هنا إلى أننا لا نتحدث عن «العمارة الشمولية» التي تعني نوعًا من العمارة التي أنشأتها الدول الشمولية، بل نتحدث عن المشروعات المعمارية التي تتخذ من مفهوم الشمولية أساسًا لها في عملية التصميم والتنفيذ.
توضح المشروعات المعمارية المدرجة في الكتاب، الذي يقع في 327 صفحة من الحجم المتوسط، كيف يمكن للعمارة أن تؤدي دورًا حيويًّا في تعزيز التنوع والتسامح، وتأكيد الهوية الثقافية والجذور، والحفاظ على كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية، وإعادة استخدام الأماكن والمرافق العامة، والاستجابة للاحتياجات والتحديات المتزايدة الهائلة داخل المجتمعات وخارجها، وإعادة تأهيل العمارة الحضرية، والترميم كوسيلة لإحياء التقاليد والتكيف معها، والاندماج في المجتمعات التي يعيش فيها المسلمون، كوسيلة لتوحيد بيئات منفصلة، حضرية أو ريفية، وأخيرًا البحث عن التميز في التصميم ضمن إمكانيات متواضعة أو ميزانيات مالية منخفضة.
كما يركز الكتاب أيضًا على العديد من الموضوعات المهمة الأخرى، بما في ذلك دور العولمة في تصميم العمارة اليوم، ونظرة عامة على الممارسات والعمليات الشمولية، وإعادة تصور الواقع، والعمارة المحلية كمشروع إنساني راديكالي، والحوار في العمارة، وأخيرًا إعادة النظر في مفهوم الحداثة.
الحاجة إلى نقلة نوعية
يذهب كتاب «العمارة الشمولية» إلى أبعد من مفهوم العمارة ويطرح بداية فكرة جريئة مفادها أنه بعد أكثر من عقدين من الترابط العالمي غير المحدود، الذي صاحبته ثورة تقنية غير مسبوقة بداية من وسائل التواصل التقليدية والهاتف المحمول، ومرورًا بوسائل التواصل الاجتماعي التي حولت العالم إلى قرية صغيرة، وانتهاء ببرامج التقنية التي سُخِّرَت لخدمة المشروعات المعمارية الصغيرة منها والكبيرة، أصبح من الضروري اليوم إعادة النظر في هذا الترابط ووضعه ضمن سياقات واضحة وسليمة.
بالنسبة لكثيرين، يحوّل هذا الترابط العالمي التعاريف والحدود الوطنية إلى فكرة قديمة، ويحل محلها مواطنون عالميون يشكلون بشكل جماعي «أهدافًا اجتماعية يُعَاد تحديدها باستمرار من خلال الحوار الذي ينشأ عن طريق استخدام التقنية الحديثة للحصول على مدخلات منتظمة من طيف كامل من المواطنين». هذا الأمر كما تقول سارة وايتنج في مستهل الكتاب لم يأتِ من دون ثمن «ولم يكن تدفق المعلومات مجانيًّا أو من دون عواقب».
تشير سارة إلى تشابه العمارة إلى حد كبير على الرغم من اختلاف السياقات والبيئات الخاصة بها، في ظل استخدام التقنية الحديثة في التصميم. وتقول: «أدى التوسع العالمي السريع والمتطرف في العقود القليلة الماضية إلى إنشاء مبانٍ ومواقع مناظر طبيعية ومدن بأكملها لا تعترف بموقعها من حيث الشكل أو المادة، ولا تلقي بالًا إلى الاعتبارات المناخية والثقافية»، وتضيف قائلة: «من الواضح أن التفاؤل الجامح فيما يتعلق بإمكانيات الترابط العالمي في بداية القرن الحادي والعشرين جاء في الواقع مصحوبًا بقيود مرتبطة به. وبعد ربع قرن تقريبًا، حان الوقت بالنسبة لنا لتحديد كيف يمكننا استعادة عالمنا.»

من أجل استعادة عالمنا واحتضان الشمولية حقًّا، نحتاج إلى إعادة تقييم نهجنا في التصميم. قد يكون من المهم الاستفادة من التقانة والبرمجيات الحديثة التي تسهل من عملية التصميم المعماري، ولكن يجب ألّا يكون ذلك، في أي حال من الأحوال، على حساب الإبداع أو الاعتماد على البيئة المحلية. كما يجب ألا تركز العمارة الشمولية على الترابط العالمي فحسب، بل يجب أن تأخذ في الحسبان أيضًا ديناميكيات القوة الكامنة والتفاوتات الاقتصادية التي تشكل بيئتنا المبنية. لتحقيق هذه الغاية يجب على المهندسين المعماريين والمصممين إعطاء الأولوية للحساسية الثقافية والاستدامة البيئية والخصوصية الاجتماعية والاقتصادية لكل موقع.
من الضروري الاهتمام بتنوع الهويات والتراث داخل المجتمعات، والاعتراف بأن الممارسات الحديثة تؤدي دورًا حيويًّا جنبًا إلى جنب مع الثقافات التقليدية. كما يجب على العمارة الشمولية أن تحتفي بالتنوع، من حيث الجماليات والوظائف؛ إذ يقوض توحيد التصميم في جميع أنحاء العالم الطابع الفريد لكل موقع ويقلل من ثراء الاختلافات الثقافية والفنية. وبعبارة أخرى يجب أن تكون الأماكن المرغوبة خاصة بما يكفي لتكون ممتعة، وعامة بما يكفي لتكون في متناول الجميع. يمكن أن يخلق هذا التوازن بين الخصوصية والعالمية مساحات شمولية جذابة وأصلية.
يجب على المهندسين المعماريين والمصممين أيضًا مراعاة تأثير مشروعاتهم في البيئة؛ إذ يمكن أن تساهم ممارسات التصميم المستديمة، مثل دمج مصادر الطاقة المتجددة، وتحسين الإضاءة الطبيعية والتهوية، واستخدام المواد من مصادر محلية، في الاستدامة الشاملة للمشروع. إضافة إلى ذلك، تتطلب العمارة الشمولية نهجًا تعاونيًّا متعدد التخصصات. يجب على المهندسين المعماريين والمخططين الحضريين ومهندسي المناظر الطبيعية وواضعي السياسات وأعضاء المجتمع المحلي العمل معًا لإنشاء بيئات مبنية عادلة ومستديمة ويمكن الوصول إليها بسهولة.
أخيرًا يجب أن تولد العمارة الشمولية حوارًا مستمرًّا، وأن تتطور باستمرار وتتكيف مع التغيرات الاجتماعية والثقافية والبيئية، وهذا الأمر يتطلب فهمًا عميقًا للسياق المحلي، وتقديرًا للتنوع، والالتزام بالعدالة الاجتماعية. من خلال تبني مبادئ الشمولية، يمكن للمهندسين المعماريين والمصممين إنشاء مساحات تحتفي بالهويات الخاصة بالمجتمعات، وتعزز التماسك الاجتماعي، وتحسن نوعية الحياة للأفراد جميعهم ضمن المجتمع.
أمثلة ملهمة من العالم العربي
ينطلق كتاب «العمارة الشمولية» من المفاهيم الأساسية السابقة في اختيار المشروعات العشرين التي يستعرضها عبر صفحاته. كما تعكس هذه المشروعات النموذجية -التي اخْتِيرَت من بين مئات المشروعات التي رُشِّحَت لجائزة الآغا خان للعمارة- عملية اختيار طويلة وشاملة ومعقدة. وتُراوِح هذه الأمثلة الملهمة بين المشروعات الحضرية واسعة النطاق والمخططات الريفية، وهو ما يسلط الضوء على الأساليب المتنوعة للعمارة الشمولية.
اللافت في الكتاب أن قائمة المشروعات المدرجة تضمنت مشروعات متميزة من سبع دول عربية هي البحرين، لبنان، الكويت، المغرب، فلسطين، تونس والإمارات العربية المتحدة. إضافة إلى مشروعات أخرى من بنغلادش، الرأس الأخضر، الهند، إندونيسيا، إيران، النيجر، السنغال، سريلانكا، وتركيا. ونسلط الضوء في السطور التالية على المشروعات العربية السبعة المدرجة ضمن الكتاب.
البداية من مشروع «إعادة تأهيل مكتب بريد المنامة»، الذي نفذه أستوديو آن هولتروب في المنامة بالبحرين، حيث بُني مكتب البريد في عام 1937م، وأُعيد تأهيله مع مراعاة المحافظة على شكله الأصلي واستمراره في تقديم خدماته البريدية، فضلًا عن إضافة جناح جديد للمبنى الحالي. أما المشروع الثاني فهو «تجديد دار نيماير للضيافة» في طرابلس بلبنان، الذي نفذه «أستوديو الشرق للهندسة المعمارية». وهذا البناء من تصميم المعماري البرازيلي أوسكار نيماير، ولكن جرى التخلي عن البناء عندما اندلعت الحرب الأهلية في عام 1975م، قبل أن تُحَوَّل دار الضيافة اليوم إلى منصة تصميم ومنشأة لإنتاج وصناعة الأخشاب المحلية.

المشروع الثالث هو «برج الرياح في الوفرة» بمدينة الكويت، الذي نفذته «المجموعة المعمارية الدولية»، حيث يتألف المبنى من 13 طابقًا، وصُمِّم كبرج للرياح لإيجاد حل طبيعي لمشكلة المناخ الحار، إضافةً إلى تمتعه بفناء مركزي عمودي يوفر تهوية طبيعية لكل وحدة سكنية. بينما المشروع الرابع هو «تحسين وادي إيسي» في بلدة آيت منصور بالمغرب، الذي نفذته المهندسة المعمارية سليمة الناجي، حيث حُسِّنَت بساتين النخيل وخزانات المياه، إضافةً إلى تحسين وترقية الممرات والمرافق المخصصة للسياح في المرحلة الأولى ضمن مشروع أكبر يستهدف منطقة الوادي.
المشروع الخامس هو بناء «محكمة طولكرم» في مدينة طولكرم بفلسطين، الذي نفذه مكتب «إيو أناستاس، ويضم مبنيين؛ الأول مخصص للمرافق الإدارية، والآخر يحتوي على 10 قاعات محكمة. يرتبط المبنى الرئيس مباشرة بالفضاء العام الأمامي، بينما يرسخ المبنى السياق الحضري المباشر للمكان، ويقدم لمواطني مدينة طولكرم مساحة للتجمع.

المشروع السادس هو «حديقة إفريقيا» في مدينة جرجيس بتونس، التي أسسها الفنان التشكيلي الجزائري رشيد القريشي وهي عبارة عن مقبرة لضحايا الهجرة غير الشرعية الذين غرقوا في مياه البحر الأبيض المتوسط، حيث توفر هذه المقبرة ملاذًا أخيرًا ومكانًا كريمًا للراحة الأبدية لمئات الضحايا والجثث التي انْتُشِلَت من مياه البحر في أثناء رحلتهم للوصول إلى الشواطئ الشمالية. أما المشروع السابع والأخير فهو «إعادة تأهيل مبنى الطبق الطائر» في مدينة الشارقة بالإمارات العربية المتحدة، الذي نفذه أستوديو «سبيس كونتينوم» للتصميم المعماري، والذي تديره المهندسة المعمارية منى المصفي، حيث استمد مبنى الطبق الطائر تصميمه من مزيج من تأثيرات الهندسة الوحشية، ورُمِّم بالكامل كمساحة فنية مجتمعية، إضافةً إلى أنه يسهم في إنعاش الذاكرة الثقافية الجماعية في الشارقة.
من خلال المشروعات الرائدة المدرجة والموضوعات التي طُرِحَت، يخلص الكتاب إلى أنه في عالم ما بعد الجائحة، ستستمر أهمية العمارة الشمولية في النمو، وستتحول إلى أداة قوية لخلق مساحات تلبي الاحتياجات والتطلعات المتنوعة للأفراد والمجتمعات. ومن خلال اعتماد نهج يركز على الناس، ومعالجة التحديات المرحلية، واحتضان التنوع الثقافي، ومعالجة الاحتياجات الاجتماعية والبيئية، يمكن للمهندسين المعماريين تشكيل مستقبل أكثر شمولية واستدامة. وبينما نمضي قدمًا نحو الأمام، من الأهمية بمكان بالنسبة للمهندسين المعماريين والمعنيين بشؤون العمارة إعطاء الأولوية للشمولية، وتصميم الفضاء الذي يحتفي بإنسانيتنا المشتركة مع احترام اختلافاتنا الفردية، فمن خلال العمارة الشمولية فقط يمكننا إنشاء مساحات تنتمي حقًّا للجميع وتلبي احتياجات الجميع.

0 تعليق