العدمية والاغتراب الثقافي
قراءة نسقية في «الوداع في مثلث صغير» لأحمد يماني
بواسطة خالد حسان - كاتب مصري | مايو 1, 2025 | كتب
إذا حاولنا أن نستجلي النسق الثقافي المضمر الذي يختبئ تحت عباءة النسق الجمالي داخل ديوان «الوداع في مثلث صغير» للشاعر أحمد يماني سنجد أن العدمية هي إحدى القيم الثقافية التي تحرك الجمالي وتقف وراءه. فعندما تقرأ هذه المجموعة الشعرية يسيطر عليك شعور ثقيل بالعدمية؛ إذ تدور معظم القصائد في أجواء الحزن والخسارة والفقد، لكن منبع هذا الحزن وتلك الخسارة ليس فقد أو خسارة شيء ما وإنما الشعور باللاجدوى؛ باللاجدوى من الحياة أصلًا؛ لذا يتساوى فيها كل شيء: الوجود والعدم، المكسب والخسارة، الفرح والحزن.

أحمد يماني
يعبر الشاعر عن ذلك بطرق مباشرة وأقاويل صريحة مثل: «في بعض الأيام التي تساوي حدتها عدمها» و«في تلك اللحظات السعيدة أو التعيسة». كما يعبر عنه بطرق أخرى غير مباشرة، مثل غلبة الحياد وغياب الانفعال. ويقترب الشاعر من العالم -خلال ديوانه- اقترابًا محايدًا بلا انفعالات أو مشاعر زائدة، من خلال وجهة نظره الفردية بوصفه إنسانًا عاديًّا. وعليه، جاءت لغته إلى حد كبير تقريرية ومقاربته للعالم حيادية. نستطيع أن نتلمس ذلك في معظم قصائد الديوان، إن لم يكن كلها. ولنأخذ مثالًا واحدًا على ذلك من خلال قصيدة «بين الحين والآخر» التي يقول فيها لحبيبته:
«أحب أحيانًا أن تفكري بي/ لا أقول كل يوم وكل ليلة/ لكن أحب أن تفكري بي/ بين الحين والآخر».
ومن خلال التفاصيل أو المبررات التي يسوقها لها كأسباب لرغبته في أن تتذكره «بين الحين والآخر» نجد أنهما عاشا معًا لمدة عام كامل، وبينهما حتمًا ذكريات ومساحات مشتركة، لكن المثير هنا أن الشاعر لا يناقش الأمر بأي قدر من الانفعال، بل بأريحية شديدة وحيادية واضحة، وكأن الأمر شيء عادي أو كأنه يخص أحدًا غيره، لدرجة أنه يقول لها أيضًا: «لكن ليس دائمًا/الحقيقة أنه بإمكانك أن تنسى كل شيء» وكأنه من فرط المعاناة والألم الذي يشعر به نتيجة الإحساس بالفقد وصل إلى درجة التبلد، بحيث أصبح سيان أن تتذكر أو تنسى.
التعبير عن الاغتراب
تمتلئ قصائد الديوان بمفردات عن الغربة والسفر والبلاد البعيدة… إلخ، ولا شك أن تجربة اغتراب الشاعر وإقامته في بلد آخر -إسبانيا- واضحة بعمق في صميم رؤيته للعالم. إن الشاعر يريد للقارئ أن ينتبه لأمر مهم بالنسبة له وهو أن الغربة التي يقصدها هي غربة أخرى أبعد وأعمق من غربته الحقيقية. في قصيدة «تلك الضحكة» يطرح هذه الإشكالية الثقافية التي تلاحق كل شخص يقيم في بلد آخر غير موطنة، وكيف ينظر له الآخر وكيف ينظر هو لنفسه وللآخرين، وهو إذ يلاحق ضحكته التي هي جزء أصيل منه. يقول في النهاية: «لقد اختفت مرة واحدة/ طارت في الهواء لتلحق بالضحكات والأصوات/ التي تحيط بنا في الأعالي على بعد أمتار قليلة من رؤوسنا/ أسماها البعض ضحكة الغريب/ أنا لم أسمها/ أنا لست غريبًا/ الغرباء سعداء وأنا لست غريبًا».
الشاعر هنا يطرح إشكالية ثقافية يواجهها المثقفون المغتربون عن أوطانهم، فهم يشعرون بشيء من الازدواجية في الثقافة والوعي، وينعكس ذلك في طريقة اقترابهم من اللغة. هناك جملة مفتاحية يمكن أن ننفذ منها إلى محاولة الشاعر لتجاوز قضية الغربة وهي جملة «وكانت الضحكة هي التجسيد العملي لروحي القابلة كل صورة»، وهي تحيلنا إلى بيت الشعر الذي قال فيه ابن عربي: «لقد صار قلبي قابلًا كل صورة…» يقودنا الشاعر بذلك إلى تجاوز العقائد والألوان والجنسيات إلى الإنسانية، فضحكته التي يقول عنها: «البعض» ضحكة الغريب، هو لا يراها كذلك، فهو لا يعد نفسه غريبًا؛ لأن «الغرباء سعداء»، بمعنى أنهم عاديون، أما هو ليس سعيدًا، ليس عاديًّا في وجعه وهمه الإنساني الذي يتجاوز بالطبع آلام الغربة الحقيقية.
قصائد مسرودة
في بعض القصائد ينقطع خيط السرد فلا نلمح سوى ومضات من مشاعر غير مكتملة في عقل الشاعر، وفي قصائد أخرى نجد حكاية ما، وسردًا لهذه الحكاية، بكل ما يحمله السرد من مفردات؛ حيث المكان والزمان والحدث والشخصيات… إلخ. قصيدة «أتقدم في البيت» تمثل نموذجًا لهذا النوع من القصائد التي تقدم حكاية يتحدث فيها الشاعر عن صديقته الشابة التي تعاشر رجلًا تجاوز التسعين، الرجل الذي بدوره يرعى زوجته العجوز المريضة. يحكي الشاعر مجموعة من التفاصيل المرتبطة بحياة الرجل بين هاتين المرأتين، والعلاقة القائمة بينهما التي نتلمس منها تفهُّم الشابة الصغيرة لمرض العجوز وقدرتها على التعامل معها وتقديم المساعدة لها… التفاصيل الحياتية التي تأتي للشاعر من خلال سماعة التليفون في أثناء مكالمته لهذه الصديقة الشابة. لكن الحكاية التي يرويها الشاعر تصل إلى ذروتها في النهاية عندما يقول الشاعر: «وفجأة تصبح الساعات الثقيلة أخف ما يكون/ حتى إنني أراها قليلة وإن عليّ أن أطيل الحوار/ وأتقدم أكثر في البيت حتى إنني على وشك إعطاء المرأة أقراصها». الشاعر إذ يتقدم في البيت فإنه يتقدم في علاقته بصديقته الشابة لدرجة أن مكالمتها الطويلة معه تخفف ثقل الأيام، وبالتدريج يتقدم في علاقته بها حتى يقع في حبها، ويصبح على وشك أن يطلب يدها.
يعتمد الشاعر في سرده هنا على سرد ثقافي كبير، يتمثل في علاقة الصداقة التي تتحول بين الرجل والمرأة بالتدريج إلى حب، فالقارئ يستدعي من خلال هذا السرد تلك العلاقات التي تبدأ عادة من خلال مكالمات تليفونية يكون الغرض منه دفع الملل، ثم شيئًا فشيئًا تتوطد العلاقة ودون أية مقدمات يأتي الحب. يتخيل القارئ هذا السرد الثقافي الكبير، ويبدأ في تأويل القصيدة وإعطائها دلالات في ضوئه، فيتخيل مثلًا الشاعر وهو مُستلقٍ على الأريكة في المنزل يتحدث مع تلك المرأة الطيبة، التي في الغالب تكون جميلة، وفي الناحية الأخرى يتخيل تلك المرأة وهي تمسك الهاتف بيد ويدها الأخرى مشغولة في تلبية احتياجات الزوجة المسنة، كما يتخيل أيضًا اللحظة التي ظهر فيها الحب فجأة -عبر إحدى المكالمات- ويفترض حينها ابتسامة تلك المرأة حين وصل لها إحساسه.
تشظي الذات والعالم
يعبر الديوان عن ذات شاعرة متوجسة قلقة مرتابة من العالم ومن الناس ومن التفاصيل الصغيرة التي تبدو مكررة ومملة، ذات تشعر بالوحدة والاغتراب طوال الوقت حتى في غمرة اشتباكها مع الآخرين. إن الذات الشاعرة وهي تراقب نفسها وتراقب العالم تثير أسئلة قد تبدو بديهية لكنها حقيقية ومؤلمة، من مثل السؤال عن «فائدة المشي وفائدة الجلوس» في قصيدة الأجساد الناقصة، حيث يتأمل الشاعر جسده ويطرح همه الوجودي، وأسئلته التي تعكس حيرته إزاء وجوده في هذا العالم. وبتساؤله عن هذه الأشياء البسيطة يبدو كأنه يقول: إنه لا جدوى من أي شيء في هذا العالم، فتظهر العدمية بوصفها رؤية ثقافية للعالم والأشياء. ها هو يقول في القصيدة ذاتها:
«ذلك الكون الذي رأيت نفسي فيه منقسمًا إلى أجساد أخرى غير إنسانية، أجساد كانت في طريقها للتكون يومًا ما لكن شيئًا ما أعادها دون اكتمال».
الشاعر هنا يفكك العالم إذ يفكك ذاته، ويعبر من خلال عبارات أقرب إلى الفلسفة عن رؤية ما بعد حداثية، تشير إلى موت الإنسان. وهي رؤية عدمية بالطبع، ولكن ما الأسباب التي دفعت الذات هنا إلى هذا العمق الفلسفي أو بالأحرى القضايا الكبرى التي تبعد إلى حد كبير من طموح الخطاب الشعري الذي يتبناه الشاعر ويكرس للتفاصيل الصغيرة؟ أقول: إن ما دفع الشاعر لذلك هي التفاصيل الصغيرة ذاتها، جلوسه وحيدًا بين أربعة جدران، تأمله المستمر لجسده وحركات يديه ورجليه. إن تأمل الحياة في تفاصيلها الصغيرة حتمًا يثير أسئلة وجودية حول الجدوى والماهية.
تشيع في الديوان مشاعر الحنين المرتبطة بأحاسيس الضياع والاغتراب، وهو ما يعرف بالصدمة الثقافية التي يعانيها الناس عند انتقالهم من مكان إلى آخر حيث يجدون أنفسهم في مكان لا يستطيعون فك شفرته الثقافية فيحدث لهم نوع من الخلل النفسي والعاطفي، إنه الاغتراب الناشئ عن مفارقة الأماكن الأولى، والطفولة السعيدة، حيث الشعور بالهدوء والسعادة والاكتمال.
يمكن أن نتلمس هذه المشاعر في قصيدة « قطيع» التي يستعير فيها الشاعر جملة ثقافية شهيرة من إحدى قصائد إيليا أبي ماضي -التي غناها عبدالحليم حافظ- والتي يقول فيها إيليا: «جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت ولقد أبصرت للدنيا طريقًا فمشيت»، ويقول يماني:
«جئت لأشاهد شيئًا/ لا أعرف من أين أتيت/ لكنني جئت من مكان قريب/ ربما جئت من البيت/ لأجلس وأشاهد شيئًا لا أتبينه…»
إن جملة يماني تستدعي لدى المتلقي قصيدة إيليا، ومن ثم تجعله يستحضر حالة الضياع الإنساني بأسئلته الوجودية التي تحملها أسئلة القصيدة واستفهاماتها، لكن يبدو أن الشاعر انتبه، بوعي أو بدون وعي؛ لذلك عمد إلى مفارقة نص إيليا بتهويماته وأسئلته الوجودية وتجريداته الفلسفية إلى مجموعة من التفاصيل التي ترتبط بذكريات البيت الذي نشأ فيه والذي يبدو أنه بيت ريفي ببساطته وهدوئه حيث «أشعة الشمس، والأتربة العالقة في الجو، والأصوات الحميمة لبشر وحيوانات وطيور وحشرات ونباتات». وفي النهاية يقول الشاعر كما لو كان يريد أن ينفي عن نفسه تهمة اقتران الضياع الذي يقصده بضياع إيليا:
«فهمت ذلك الانسجام متأخرًا/ حينما لم يعد موجودًا»
وكأن مصدر إحساسه بالضياع هو افتقاد ذلك التوافق الذي كان يشعر به في ذلك البيت، لكن الشاعر إذ ينفي عن نفسه هذا الاتهام كأنه يثبته بشكل أو بآخر، ولعل ما يؤكد ذلك عنوان القصيدة، الذي يتكون من كلمة واحدة وهي «قطيع»، وكأن الشاعر يضع أمامنا الوجه الآخر من الإحساس بالوحدة والضياع الإنساني والاغتراب الذاتي، النقيض من هذا الهم الفردي وهو المجموع أو القطيع.
0 تعليق