فلسفيًّا، يؤرخ هيغل للحداثة منذ القرن السابع عشر أي بعد عصر النهضة الأوربية، واكتشاف أميركا، والإصلاح الديني اللوثري، حيث رسمت تلك المرحلة ملامح أفول العصور الوسطى وبزوغ فجر العصور الحديثة. منذ القرن السابع عشر (عصر العقل) شهدت أوربا سيرورة عقلنة شاملة علمية وتقنية وفنية وفكرية وأدبية قطعت مع الماضي القريب وتغيرت معها أشكال الحياة في المجتمعات الأوربية وشكل الدولة وأنظمة الحكم وأنماط الإنتاج. كما تحولت لغة الفلسفة من مصطلحات الجواهر الثابتة والغائية والإرادة الكلية للرب والعناية السماوية، التي طبعت مرحلة القرون الوسطى المسيحية إلى مفاهيم أكثر فيزيائية وميكانيكية تأثرًا بفيزياء غاليليو ونيوتن فظهرت فيها تصورات جديدة للكون ترى العالم بمفاهيم جديدة مثل الحركة والزمان والمكان والميكانيك والمادة حيث ستطغى الروح العلمية والتجريبية والوضعية وروح الشك والمراجعة على انشغالات الفلاسفة الحديثين.(1)
الإنسان في مركز الوجود
من رحم الحداثة أيضًا سيولد التنوير، في القرن الثامن عشر، بقيمه المثالية حول العقلانية والحرية والفردانية والعدالة الاجتماعية والمساواة والتسامح والسلام وقد ساهمت الثورة الفرنسية بترجمة قيم التنوير الفلسفية إلى مؤسسات سياسية وبرامج عمل اجتماعي ومؤسساتي فصارت أفكار الفلاسفة في متناول الجميع (وهو ما يسميه كانط بالاستخدام العمومي للعقل) فظهرت آنذاك الفضاءات العامة والصالونات الأدبية والثقافية لمناقشة شؤون السياسة والمجتمع والفن، كما شُجِّع الاقتصاد الليبرالي والمَلكية الدستورية.
هكذا وبفضل الحداثة والتنوير ستحل نظريات العقد الاجتماعي مكان سلطة الكنائس واستغلال الإقطاعيات المَلَكية القروسطية المتحالفة مع الكنيسة حينًا والمتصارعة معها حينًا آخر. لكن لعل أهم مقولات التنوير تمثّلت في إعلان ولادة الإنسان الحديث، الحر، المفكر، صاحب الإرادة والواثق بعقله وبمستقبله وبنفسه بالنتيجة. مع تلك الوثوقية شبه المطلقة -التي لا تخلو من السذاجة، كما سيكشف بعد ذلك فلاسفة ما بعد الحداثة- بقدرات الإنسان وعقله التي أشاعها عصر التنوير نشهد على أول محاولة فلسفية (صامتة) تقول، دون أن تقول ذلك صراحةً، بنهاية التاريخ: فالعقل سيسيطر قريبًا على جميع مقدرات الطبيعة ويخضعها له، والتقدم سكة قطار ثابتة للإنسان الحديث لا يمكن له الخروج عنها بعد الآن، والسلام الدائم بين شعوب الأرض قادم لا محالة وإن كان كل ذلك لا يزال يحتاج إلى مزيد من العمل والوقت.
بوضعها الإنسان في مركز الوجود تكون الحداثة قد ترجمت عمليًّا مقولة السفسطائي الإغريقي بروتاغوراس الذي طالب بعَدّ الإنسان مقياس كل الأشياء فولدت الذاتية في الفلسفة الحديثة. ونحن لو أردنا وضع عنوان مختصر لمجمل الفلسفة الحديثة منذ ديكارت وصولًا إلى سارتر لقلنا: إنها فلسفة الذاتية، أو الفلسفة المتمركزة على الذات منذ «أنا» ديكارت المفَكِّرة وصولًا إلى فلسفة كانط المتمركزة على الذات في نقدياتها الثلاث مرورًا بفلاسفة التجريبية والعقلانية معًا.
وفي القرن التاسع عشر (عصر القوميات) تبلور الفكر السياسي الجدلي وفلسفة التاريخ مع هيغل وماركس، بحيث نُظر إلى التاريخ معهما كنسق خطي متواصل وتكاملي تصاعدي: دائمًا نحو الأعلى والأكثر تقدمًا. في الجدل الهيغلي الماركسي هناك نهاية تاريخ أيضًا وتخوم وحدود للحداثة.
وإذا كان هناك توافق بين الفلاسفة على أن الذاتية والعقلانية هما ابنتا الحداثة الأوربية وأن الحداثة، فلسفيًّا، قد ولدت على يد ديكارت (وربما هوبز أيضًا)، إلا أنها لم تتحول إلى إشكالية فلسفية، أي كموضع سؤال وتأمل فلسفيّ قبل هيغل، الذي جعل منها، بحسب هابرماس، «المشكلة الأساسية لفلسفته.»(2) في «فينومينولوجيا الروح» (1807م) لهيغل، ستُطرح إذن وللمرة الأولى إشكالية الأزمنة الحديثة فلسفيًّا حيث ستصبح الحداثة في قلب الجدل الفلسفي الحديث والمعاصر الألماني على وجه الخصوص إن لم يكن الحصر.
الحداثة عربيًّا بوصفها نهضة وتقدّمًا
إذا كانت الحداثة الأوربية قد قطعت أشواطًا بعيدة في القرنين السابع عشر والثامن عشر في تحديث مجتمعاتها التي أسّست فيها لأنظمة حكم ديمقراطية واقتصاديات ليبرالية ومؤسسات دول قوية وحققت قدرًا كبيرًا من الحريات لشعوبها، فإنها راحت توسِّع نفوذها آنذاك خارج حدودها القومية بعد أن نجحت، إلى حد كبير -منذ اتفاقية وستفاليا (1648م)- بوضع حدٍّ للحروب فيما بينها. وقد أدى توقف الحروب بين دول أوربا وفيها إلى تراكم فائض من القوة لديها وتحول الصراع فيما بينها إلى تسابق على أدوات السيطرة والهيمنة والثروة خارج الحدود الأوربية، فراحت تستعمر الدول وتبني المستعمرات في إفريقيا وآسيا بما فيها دول شمال إفريقيا، لكن أيضًا وعلى نحو خاص دول ما ستُطلق عليه (بنظرتها لنفسها على أنها مركز العالم) ﺑ«الشرق الأوسط».
وقد كان لحملة نابليون بونابرت (1798م) أثر الصدمة الحضارية التي تعرّف فيها العرب، في مصر أولًا، على حداثة الغرب وتقدمه ليدركوا بالمقارنة مع الجيش الفرنسي والحملة الفرنسية مدى تخلفهم التاريخي والحضاري. كان من النتائج غير المباشرة لتلك الحملة وصول محمد علي باشا إلى السُّلطة في مصر (1805- 1848م) الذي كان معجبًا بحضارة الغرب فطمح لتحويل مصر إلى دولة قوية «حديثة» بجيش منظّم حديث جيد التسليح. ومع أن تركيز محمد عليّ انصب على الجيش قبل كل شيء، إلا أن تحديث الجيش وبناءه كان يعني بالتبعية بناء مؤسسات الدولة والقيام بعمليات تحديث شاملة تقريبًا بما يتضمن ذلك بناء المدارس والجامعات الحديثة بدل الكتاتيب أو الاكتفاء بالأزهر.
هكذا ولد التعليم الحديث في مصر بفضل محمد عليّ مُستلهمًا التعليم الأوربي الحديث، فقد أرسل محمد عليّ الإرساليات العلمية التي مهد مبتعثوها -وعلى رأسهم رائد النهضة العربية رفاعة الطهطاوي- لولادة نهضة فكرية عربية من خلال التراجم عن الغرب والانفتاح الحضاري على أفكاره وحرياته المدنية ونظرياته الحديثة الاجتماعية والسياسية.(3) من الطهطاوي (1801-1873م) إلى طه حسين (1889-1973م) سيتداعى جيل من المفكرين العرب الساعين إلى تحديث بلادهم تأثرًا بما وجدوه عند الغرب من حداثة وتنوير وتقدم وعقلانية وحريات.
إذن مع نهايات القرن التاسع عشر بدأ تواصل العرب مع أفكار الحداثة الغربية، لكن وعلى خلاف الخصوصية الألمانية التي حوّلت، منذ هيغل، الحداثة إلى موضوعٍ للتأمل الفلسفي، استقبل مفكرو النهضة العرب أفكار الحداثة الأوربية الجاهزة دون الخوض الفلسفي المبكر بمفاهيمها. وبمعنى آخر لقد كانت النهضة العربية هي المحاولة العربية لتحقيق حداثة عربية مستلهمةً بمشروعها هذا مقولات الحداثة الأوربية في: العقلانية والحرية والأفكار القومية والتقدم والتفكير العلمي والعلمانية والاستقلال الفكري والدولة الحديثة والبرلمانات والانتخابات والدستور والنظام السياسي والمَلَكية الدستورية والجمهوريات والليبرالية، والاقتصاد الحر، إلخ. وبمعنى آخر، منذ الصدمة الحضارية التي خلّفتها حملة نابليون على مصر، اكتشف العرب -مفكرون وزعماء سياسيون- ضرورة تحديث مجتمعاتهم وأفكارهم ودولهم للنهوض من واقعهم المتخلف واللحاق بركب العالم الحديث المتطور الذي تجاوزهم بقرون.

الحداثة والتراث أو الأصالة والمعاصرة
يذكر المُفكِّر برهان غليون في كتابه «سؤال المصير» (2023م) كيف «فرض التحديث نفسه آنذاك على جميع النخب الحاكمة كخيار إجباري للحفاظ على البقاء، قبل أن يخضع لأي تأمل فكري أو مساءلة شرعية أو أخلاقية.»(4) قبل أن يضيف: «وفي سياق هذا الاحتفاء بالتقدم- الأوربي- ولد المثقف الحديث المتميز عن عالم الدين والفقيه والحامل لإرث الحداثة. والتقى في نهاية القرن التاسع عشر في القاهرة، عاصمة الحداثة العربية من دون منازع في تلك الحقبة، نخبة من رجال الأدب والفن والفكر من عموم العالم العربي. وازدهرت الصحافة ودور النشر والجامعات وظهرت الأنواع الفكرية والأدبية الجديدة من المقالة الفكرية والرواية التاريخية والقصة والمسرح وغيرها من الفنون التشكيلية والغنائية الحديثة. وانتشرت الثقافة الحديثة المتأثرة بالفكر الأوربي التنويري ونما، بموازاة ذلك، الشعور بالهوية العربية وإحياء الإرث التاريخي العربي.»(5)
لكن إن كانت «النهضة» هي محاولة العرب التحديثية، فإنها لم تنجح لأن تتحول إلى حداثة حقيقية فكرية ومجتمعية وقد يعود ذلك برأيي إلى سببين اثنين: الأول واقعي موضوعي، يتمثّل في انحصار مشروع محمد عليّ في بناء الدولة على الجيش، وهو ما جعل هذا المشروع هشًّا وضعيفًا على مستوى الروح، وقد تجلى ذلك بنجاح بريطانيا وفرنسا بوضع حد لطموحات محمد علي العسكرية حينما حاول التوسع نحو سوريا فقد خشيت القوى الأوربية آنذاك من ولادة دولة قوية ترث الإمبراطورية العثمانية وتهدد مصالحها الاستعمارية في المنطقة. أما السبب الثاني فهو في رأيي ذاتيّ يخص بنية فكر النهضة العربية ذاته الذي لم يكن جذريًّا كما كان عليه الفكر الغربي الحداثي الذي قطع بقوة مع الماضي المعوِّق وتخلص من باراديغم العصور الوسطى ليبني باراديغم الحداثة.
فقد ظل رواد الحداثة العربية الأولى، من وجهة نظري، يتأرجحون بين التوفيقية بين أفكار الحداثة الغربية والتمسك بتراث الماضي واضعين رِجْلًا في الحداثة ورِجْلًا في التراث، متقدمين خطوة في التحديث ومتراجعين خطوة ونصف خطوة معاكسة نحو الهويات المعوِّقة للحداثة وهذا ينطبق على الطهطاوي (وبخاصة بعد عودته إلى مصر) مرورًا بالأفغاني، ومحمد عبده، وخير الدين التونسي، ومحمد رشيد رضا، بل حتى طه حسين الأخير الذي غرق في التراثيات بعد أن كان جذريّ الفكر وحداثيّ المواقف. كانت النهضة العربية ممزقة إذن بين الماضي والحاضر بين ما سيعرف -ويعاد إنتاجه في الفكر العربي في الربع الأخير من القرن العشرين على نحو تراجيدي- بإشكالية الحداثة والتراث أو الأصالة والمعاصرة.(6)
تشييء المفاهيمي
نقطة أخيرة أود التوقف عندها تتعلق بتشييء مقولات الحداثة الغربية مع استخدامها العربيّ أو ما سأدعوه ﺑ»متلازمة الملك ميداس»(7). فللمفاهيم حياة وهي تمر بمراحل من القوة إلى الضعف، وقد تتحول بعض المفاهيم التي كانت ثورية ومحرّرة في زمن ما وفي شروط معينة إلى عوائق وقيود معوِّقة إن تجاوزها الزمن أو لم يستجب لها الواقع. ففي السياق العربي اسْتُقْبِلَت مفاهيم الحداثة والتنوير جاهزة من الغرب. ومع أن هذه المفاهيم والمقولات قد أدت، في البداية، دورًا توعويًّا مهمًّا ومحركًا قويًّا لحركات التحرر الوطني وولادة الوعي بالحريات الشخصية وحقوق الإنسان، وسيادة الشعب من خلال الديمقراطية، وحرّضت العرب على النهضة وفتحت وعيهم على العالم ودفعتهم للدخول في التاريخ الحديث ومحاولة اللحاق بركب الحضارات المعاصرة والاستقلال السياسي، إلخ، إلا أنها سرعان ما تحوّلت -وقبل أن تنضج ثمارها في حداثة عربية- إلى عوائق مفاهيمية معطِّلة للحداثة بعد أن صارت أصنامًا جامدة وشعارات مفرغة من محتواها في التلقي العربي لها. ولهذا أشبه التشيؤ المفاهيمي الذي لحق بمقولات الحداثة بأسطورة الملك ميداس.
ويعود السبب الأول في هذا التشيؤ المفاهيمي في رأيي إلى سرعة اختلاط هذه المفاهيم الحداثية التنويرية بالأيديولوجية السياسية الأداتية، كما حصل مثلًا في مأساة ترجمة مفاهيم القومية العربية والأمة الواحدة والتحرر من الاستعمار في أحزاب سياسية ارتبطت سريعًا بالعسكر كما كان حال حزب البعث في سوريا والعراق مثلًا. فقد أفرغ العسكر الفكر القومي العربي من كل طاقة تحررية قومية حضرت في طروحاته النظرية وكرّست الدولة القُطرية الأمنية مفاهيم التجزئة باسم الوحدة، والتخلف باسم التقدّم، والطغم الطفيلية باسم الاشتراكية، والاستبداد باسم الجمهورية، إلخ.
هكذا تكلّست المفاهيم وبدل أن تكون عجِلة التقدم صارت عصيًّا في تلك العجلة. وهكذا تحوّل الدفاع عن التنوير عند بعض المفكرين العرب إلى جملة مقولات مُقدسة تُرَدَّد كتمائم وتعاويذ بشكلٍ تكراري أُفرغ من محتواه فصارت العدالة، والمساواة، وحقوق الإنسان، والسلام، إلخ، مجموعة من العزائم والتمائم التي لا تعني شيئًا اللهم مجرد شهادة انتساب إلى نادي التنويريين العقلاء المُغلق. وبمعنى آخر تحولت الأفكار الثورية السائلة -التي حركت الغرب وأسست نظريًّا لحداثته وتقدمه وتحرره- إلى أصنام جامدة عديمة الفاعلية، هذا إن لم تكن قد شكلت سدودًا أمام التحديث والتقدم والتنوير.
لكل هذا قد يبدو تفكيك هذه المقولات من أجل فك الصدأ الأيديولوجي الصنميّ عنها مهمة تحديثية أولويّة. وبمعنى آخر قد تسمح أدوات ما بعد الحداثة «(التفكيك هنا) بتحرير محركات الحداثة من الصدأ الذي علق بها ومنع حركتها.
هوامش:
(1) انظر في ذلك: صادق جلال العظم، «دفاعًا عن المادية والتاريخ»، بيروت، دار الفكر الجديد، 1990م، ص43.
(2) Jürgen. Habermas, Le discours philosophique de la modernité, trad. Christian Bouchindhomme et Rainer Rochiltz, nrf, Gallimard, 1988, p. 19.
(3) لم يكن الطهطاوي أحد المبتعثين أو الطلاب الموفدين في البعثات التعليمية التي أرسلها محمد علي، وإنما إمام أول بعثة مصرية إلى فرنسا (1826م). ومع ذلك فقد درس الطهطاوي هناك وتعلم اللغة وقدم أبحاثًا في التراجم وكتب فيها «تلخيص الإبريز في تخليص باريز» وقد تولى بعد عودته إلى مصر مناصب كبيرة بعد أن افتتح في القاهرة مدرسة للترجمة وأشرف على مؤسسات التعليم.
(4) برهان غليون، «سؤال المصير: قرنان من صراع العرب من أجل السيادة والحرية»، بيروت، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2023م، ص، 23.
(5) المرجع نفسه، ص، 26.
(6) دار في فلك هذا التيار التوفيقي بين الحداثة والتراث أو الأصالة والمعاصرة نخبة من أهم المفكرين العرب المعاصرين: حسين مروة وطيب تيزيني وحسن حنفي ومحمد أركون ومحمد عابد الجابري، حتى جورج طرابيشي، الذي كان قد وصف العودة إلى التراث بأنها «عصاب جماعي» في أحد كتبه التي حملت هذا العنوان قبل أن يلتحق بركب التراثيين. في رأيي أن جميع هؤلاء المفكرين بعودتهم إلى التراث بقصد تثويره وجعله متوافقًا مع الحداثة عبر قراءات إبستمولوجية أو علمية أو ماركسية أو بنيوية إلخ عادوا إلى الماضي بدل التوجه للحاضر الذي به تتأسس الحداثة فعلقوا في شباك الماضي ونصوصه، بل انتهى بعضهم إلى شبه فقهاء ومفسري نصوص أو مؤرخين في حين تميزت الحداثة الغربية بالقطيعة مع الماضي والانفتاح على الجديد أو، كانت «موقفًا من الحاضر» كما سيؤكد ميشال فوكو. بسفرهم إلى الماضي بقصد إنقاذ الحاضر يذكرني مفكرو التراث العرب بأورفيوس الذي ذهب لاستعادة يوريدس من مملكة الموت فعلق في عالم الموتى فلا هو أنقذ زوجته ولا استطاع الإفلات من عالم الأموات هو نفسه. لعل إشكالية التراث كانت مقتل النهضة العربية الذي منعها من أن تتحول لحداثة.
(7) في كتاب «التحولات» للشاعر أوفيد، نتعرف إلى أسطورة الملك ميداس الذي أكرم وفادة وأحسن معاملة الساتير سيلينوس، والد الإله زيوس بالتبني ومربيه بعد أن أسرف في الشراب فتاهت خطاه إلى أن قادته إلى أراضي ميداس. عرفانًا بالجميل لإنقاذ سيلينوس، أراد زيوس مكافأة الملك ميداس بأن يحقق له مباشرة أمنية وحيدة يختارها. فطلب الملك من رب الأرباب أن يتحول كل ما يلمسه إلى ذهب. وبالفعل حقق له زيوس أمنيته تلك فتحولت مباشرةً ملابسه التي كان يرتديها ذهبًا خالصًا وصار كل ما تلمسه يداه ينقلب ذهبًا، لكن المشكلة ابتدأت عندما أراد أن يأكل ويشرب إذ كان الماء يتحول إلى ذهب ما إنْ يلمس فمه وكذلك الطعام. عندها راح ميداس يتوسل زيوس ليخلصه من تلك الأمنية/اللعنة.
0 تعليق