المقالات الأخيرة

اليوبيل الذهبي لمجلة «الفيصل»

اليوبيل الذهبي لمجلة «الفيصل»

ربما‭ ‬يكون‭ ‬حديثي‭ ‬عن‭ ‬مجلة‭ ‬‮«‬الفيصل‮»‬‭ ‬شهادة‭ ‬مجروحة‭ ‬لكوني‭ ‬رئيس‭ ‬تحريرها،‭ ‬ولكني‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬لا‭ ‬أكتب‭ ‬فقط‭ ‬انطلاقًا‭ ‬من‭ ‬ارتباطي‭ ‬العملي‭ ‬بالمجلة،‭ ‬بل‭ ‬أكتب‭ ‬أيضًا‭ ‬انطلاقًا‭ ‬من‭ ‬كوني‭ ‬قارئًا‭ ‬عربيًّا‭ ‬مشغولًا‭ ‬بالشأن‭ ‬الثقافي،‭...

مجلات صنعت زمنها وصنعت خيالنا

مجلات صنعت زمنها وصنعت خيالنا

كما‭ ‬أن‭ ‬للفكر‭ ‬‮«‬الجديد‮»‬‭ ‬مراجعه‭ ‬الكُتُبية‭ ‬الأقرب‭ ‬إلى‭ ‬الترجمة،‭ ‬كان‭ ‬له‭ ‬مجلاته‭ ‬الموافقة،‭ ‬ترحّبُ‭ ‬‮«‬بالأزمنة‭ ‬الحديثة‮»‬‭ ‬بأشكال‭ ‬مختلفة‭. ‬فالشعراء‭ ‬‮«‬المجددون‮»‬‭ ‬عرفوا‭ ‬مجلة‭ ‬تدعى‭ ‬‮«‬أبولو‮»‬،‭ ‬وجورجي‭ ‬زيدان،‭ ‬الذي‭ ‬‮«‬خلط‮»‬‭...

محاضرة لجائزة الملك فيصل العالمية في مركز أكسفورد الموسوي: العصر الإسلامي الوسيط يجب أن يُقرأ بعيدًا من التصورات الأوربية المهيمنة

محاضرة لجائزة الملك فيصل العالمية في مركز أكسفورد

الموسوي: العصر الإسلامي الوسيط يجب أن يُقرأ بعيدًا من التصورات الأوربية المهيمنة

أثار الدكتور محسن جاسم الموسوي، الحاصل على جائزة الملك فيصل العالمية، عصفًا نقديًّا في تبديد النظرة السائدة بين المؤرخين والباحثين والمستشرقين بشأن الآداب في العصور الوسطى، في محاضرة نظمتها جائزة الملك فيصل العالمية في مركز أكسفورد للدراسات الإسلامية، في المملكة...

حفل “أقرأ” الختامي: مهرجان ضخم ومتنوع حوارات وورش وتكريم غازي القصيبي بعرض فني موسيقي ولقاء للفائز بنوبل النرويجي يون فوسه

حفل “أقرأ” الختامي: مهرجان ضخم ومتنوع

حوارات وورش وتكريم غازي القصيبي بعرض فني موسيقي ولقاء للفائز بنوبل النرويجي يون فوسه

عقد من الزمن يمر اليوم، على انطلاق النسخة الأولى لمهرجان أقرأ، الذي ينظمه مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي إثراء، بالظهران، المهرجان الذي بدأ في المنطقة الشرقية في السعودية، ثم توسع ليشمل بقية المناطق السعودية، إلى أن أضحى مهرجانًا عربيًّا كبيرًا، يتقدم إليه...

نهلة الشهال: بوصلتنا الاستمرارية في «البحث وسط الخراب عما ليس خرابًا»

نهلة الشهال: بوصلتنا الاستمرارية في «البحث وسط الخراب عما ليس خرابًا»

نهلة الشهال، كاتبة وباحثة ورئيسة تحرير أسبوعية «السفير العربي»، لها مواقفها المعلنة ورأيها الصلب في القضايا الكبرى. وهي ابنة لأم عراقية حقوقية ساهمت في تأسيس ثانوية البنات في طرابلس وأب لبناني طبيب، وكان كل منهما مثقفًا يساريًّا. انضمت نهلة إلى ما عرف عالميًّا...

إميل بنفينيست مُتلفِّظًا راهنية مشروعه وملاءمته

بواسطة | مايو 1, 2025 | مقالات

في حديث مع الأستاذ مصطفى غلفان في أحد مطاعم الرباط منذ أشهر أشدت بالمنجز العلمي لإميل بنفينيست في مجال اللسانيات العامة بالنظر إلى دوره في إحداث الطفرة من الإبدال البنيوي إلى الإبدال ما بعد البنيوي. وهي ثورة لا تقل أهمية وشأنًا عن الثورة الكوبرنيكيَّة التي أحدثها فرديناند دو سوسير بالقطع مع التفكير اللغوي الذي كان يستخدم اللغة لأغراض شتى، واستحداث علم جديد (اللسانيات) يُعنى باللسان في ذاته ومن أجل ذاته. على رغم المكانة العلمية لإميل بنفينيست الذي عانى الإقصاءَ لسنوات عديدة، ولم يبرز منجزه اللغوي بما يوازي كفايته ويساوي جدارته(1) إلا بدءًا من عام 1970م.

حينها فاجأني الأستاذ مصطفى غلفان -في مجريات الحديث- بأنه قد فرغ من تأليف كتاب عن منجز إميل بنفينيست(2). ما حفزه على ذلك هو أن الناشر سالم أحمد الزريقاني طلب منه أن يكتب مقدمة للكتاب الذي ترجمه محمد الشاوش من اللغة الفرنسية إلى اللغة العربية «قضايا في اللسانيات العامة لإميل بنفينيست، في جزأين(3). استجاب مصطفى غلفان طوعًا للطلب بحكم سلاسة الترجمة ووضوحها، لكن ظل في نفسه شيء حرصًا على الوفاء للعالم اللغوي إميل بنفينيست، وتقديرًا لمنجزه العلمي، وسعيًا إلى إعادة الاعتبار له. وهو ما أسفر عن إصدار كتاب يقدم العناصر الجوهرية التي استأثرت باهتمام إميل بنفينيست، ويسعف القراء العرب على الاستفادة من تصوراته العلمية في مجال اللسانيات العامة بالعودة إلى مصادره وبخاصة كتابه «قضايا في اللسانيات العامة» الذي أحدث -بجزأيه- «مفارقة حيال التقليد، وحيال ما أسميه بالطليعة السطحية التي تكرر، عوض أن تبحث»(4).

النحو المقارن

أبان إميل بنفينيست عن مؤهلاته العلمية عندما أعد بحثًا لنيل شهادة المدرسة التطبيقية عام 1929م، ثم تفتقت عبقريته بإعداد أطروحة جامعية «أصول تكوين الأسماء في اللغة الهندو-أوربية» تحت إشراف جوزيف فندريس عام 1935م. عين بعد ذلك أستاذًا في المدرسة التطبيقية للدراسات العليا، التي تأسست سنة 1868م، وأضحت المؤسسة العلمية الوحيدة بفرنسا المخول لها رسميًّا تدريس النحو المقارن واللغات الهندو-أوربية وسياقاتها الثقافية والحضارية والتاريخية.

إميل بنفينيست

منذ تأسيس المدرسة التطبيقية توالى على كرسي النحو المقارن علماء كبار؛ من ضمنهم إميل بنفينيست الذي استطاع أن يجدد درس النحو المقارن في فرنسا معتمدًا العدة اللسانية السوسيرية والمعطيات اللغوية المستمدة من اللغات القديمة التي اكتُشفتْ وفُكَّتْ شفراتُها بفضل الرحلات والبعثات العلمية والعسكرية.

لم يحظ إميل بنفينيست بالاهتمام العلمي إلا بعد صدور الجزء الأول من كتابه «قضايا في اللسانيات العامة» عام 1966م؛ وهو -في الأصل- جماع من البحوث والمقالات العلمية التي سبق له أن نشرها في المنابر العلمية المتفرقة. ومنذ هذا التاريخ بدأت صورة بنفينيست العالم الضليع بالنحو المقارن تتوارى لتحل محلها صورة بنفينيست العالم اللساني الذي اعتنى بالقضايا اللغوية من منظور بنيوي (الشكل والمعنى، طبيعة الضمائر، علاقات الزمان في الفعل الفرنسي، مقولة الفعل ومقولة الشخص ومقولة الضمير).

لما نشر دراسته الموسومة بـ«الجهاز الشكلي للتلفظ» عام 1970 في مجلة «لغات» (عدد خاص بالتلفظ)، فتح آفاقًا جديدة للدراسات اللغوية والأدبية والسيميائية بإحداث قطيعة مع التصور البنيوي المغلق، والاهتمام بقضايا جديدة (التلفظ، الذاتية، الخطاب، علاقة اللغة بالمجتمع والثقافة)، والتمييز بين الثنائيات الآتية: التلفظ/ الملفوظ، واللسان /الخطاب، والخطاب/ التاريخ. ومن ثم أصبح اسمه في عداد المفكرين الفرنسيين المرموقين (مثل: ميشيل فوكو، ورولان بارت، وجاك لاكان، وليفي شتراوس، ولويس ألتوسير)، وأضحى «أيقونة جديدة ضمن تيار الحداثة في فرنسا الذي يحظى بمتابعة مستمرة من المهمتين كافة باللسانيات والعلوم الإنسانية من إثنولوجيا؛ وعلم النفس؛ وعلم الاجتماع؛ والتحليل النفسي؛ والفلسفة؛ والسيميائيات؛ والآداب(5).

مع سوسير وضده

تعرف إميل بنفينيست تصوراتِ فرديناند دو سوسير في مجاليْ النحو المقارن واللسانيات عن طريق دروس أندريه مايي وجوزيف فندريس. عندما نلقي نظرة على فصول كتابه «قضايا في اللسانيات العامة»، نعاين مدى تأثره بكتاب فرديناند دو سوسير «محاضرات في اللسانيات العامة» (1916م)، واستفادته منه وإحالته عليه بوصفه مصدرًا أساسيًّا في اللسانيات العامة.

ما يدل على أن إميل بنفينيست كان يقرأ الكتاب بنباهة وذكاء هو اضطلاعه بنشر مقال في الثلاثينيات من الألفية الثانية حول طبيعة العلاقة اللغوية لنقد سوسير بحجة إغفال طرف ثالث وهو الشيء (الواقع الملموس)؛ وعليه أقر إميل بنفينيست بأن العلاقة بين العلامة والمرجع هي اعتباطية، في حين أن العلاقة بين الدال والمدلول هي علاقة ضرورة. «بينهما اتحاد وثيق جدًّا لدرجة أن التصور «ثور» هو بمنزلة روح بالنسبة إلى الصورة الأكوستيكية (السمعية) /ثور/؛ لأن الذهن لا يتضمن صورًا فارغة أو تصورات غير مسماة؟ ومن ثم، فإن الرباط بين الصورة السمعية (الدال) والتصور (المدلول) ليس اعتباطيًّا كما يذهب إلى ذلك سوسير، بل هو -في نظر بنفينيست- رابط ضروري»(6).

مسَّ إميل بنفينيست -بنقده البناء- العنصر الجوهري في النظرية السوسيرية؛ وهو ما يتعلق أساسًا بالاعتباطية التي تقوم عليها الثنائيات اللغوية (دال/ مدلول، التزامني/ التعاقبي، اللسان/ الكلام) المكرسة في نسق تصوري متماسك ومغلق.

كما أخذ على سوسير -في المنحى نفسه- عدّ اللسان نسقًا مجردًا مفروضًا على المتكلمين دون أن يتيح لهم هامشًا من الحرية للتعبير عن مواقفهم وآرائهم؛ ما جعله لا يعد اللسان والكلام طرفين متناقضين بل يشكلان قطبين مترابطين ومتلاحمين في عمليات «تحقق الخطاب». بهذا التصور، أعاد إميل بنفينيست الاعتبار إلى لسانيات الكلام (ما يصطلح عليه بلسانيات التلفظ) وإلى المتكلم المتدخل في النشاط اللغوي باستثمار المؤشرات التلفظية التي تكشف عن آثار الذاتية في اللغة(7).

مصطفى غلفان

ومع ذلك حرص إميل بنفينيست على التحرك باستمرار بين تصورين للسان: أحدهما مغلق يتمثل في عدّ اللسان نسقًا مغلقًا من العلامات، وثانيهما دلالي منفتح على المتكلم والخطاب والعالم الخارجي. «ينطلق إميل بنفينيست من جهة أولى من اللسان كنسق من العلامات مغلق على ذاته [ قضايا 2، ص46]، ومن جهة ثانية، يمارس انفتاحًا يتمثل في المنظور المغاير الذي اقترحه في «قضايا في اللسانيات العامة» من أجل سبر أغوار عوالم غير مطروقة من الظاهرة اللغوية».

كان هم بنفينيست آنئذٍ هو بناء نظرية عامة للدلالة، تهتم بالاستعمال الفردي للسان، وتحويله إلى خطاب، وتُوسِّعُ مجالَ السيميولوجيا حتى تستوعب اللغة والثقافة والذات، وتحدث قطيعة مع الصرامة البنيوية بالمراهنة على ما يلي:

ربط اللغة البشرية بدراسة الإنسان في علاقته مع الآخرين، ومع المحيط الاجتماعي والثقافي (ما تحيل إليه العلامة اللغوية (المرجع)، وما يقتضي معالجة اللغة في تزامنها مع عناصر خارجية من قبيل العمل والتاريخ والثقافة والمؤسسات (واقع الإنسان))(8).

والاستفادة من اللسانيات الاجتماعية، وتحليل الخطاب، والتداولية لتعزيز التفاعل الدلالي داخل اللغة والنص (الاندلالية)، وتوطيد علم واصف للدلالة يعنى بالتحليل العابر للنصوص والآثار.

والإقرار بحركية الذهاب والإياب بين المنغلق والمنفتح باعتماد ثنائية اللسان/ الكلام، وتعزيز علاقة اللغة بالواقع/ المرجع، وتجاوز المفهوم السوسيري للعلامة «باعتباره المبدأ الوحيد الذي تتأسس عليه في الآن نفسه بنية اللغة واشتغالها»(9).

اضطلع مصطفى غلفان بتقسيم محتويات الكتاب «قضايا في اللسانيات العامة» إلى فئتين: وسم إحداهما بالنصوص-الحصيلة، وعرض فيها ما أنجزه إميل بنفينيست في اللسانيات الحديثة وما لم ينجزه (ما يتعلق بالدلالة والخطاب والتلفظ)، واختزل مضامينها في الإشكالات العامة التي تقوم عليها اللسانيات بمختلف توجهاتها (مهمة اللساني، طريقته في وصف الموضوع (خصائص اللغة)، وظيفة اللغة). في حين تستوعب الفئة الثانية -بحسب مصطفى غلفان- النصوص التي تحلل جملة من الظواهر اللغوية (علاقات الزمان في الفعل الفرنسي، مفهوم الإيقاع في صورته اللغوية، وجوه التقارب الأنماطية، تصنيف اللغات، سيميائية اللغة..).

تركت بعض فصول الكتاب تأثيرًا كبيرًا في الدراسات اللغوية والأدبية والسيميائية لما حملته من تصورات جديدة تهم مستويات التحليل اللغوي، وسيميائية اللغة، والجهاز الشكلي للتلفظ، وتميز بين السيميائي والدلالي.

ما يميز بحوث بنفينيست وأعماله عن غيرها وقتئذ، هو خروجها من معطف سوسير سعيًا إلى وضع مسألة اللغة البشرية في صلب رؤية شاملة تستوعب الأبعاد اللغوية والإنسانية والثقافية على قدم المساواة، وتدمج الإنسان وتجربته في حضن النشاط اللغوي، وتوطد العلاقة بين الظواهر اللغوية والأنساق الثقافية والاجتماعية.

يجمل مصطفى غلفان ذلك في قوله: «ولعل ما يشجع على الاهتمام بكتاب «قضايا في اللسانيات العامة» أن صاحبه استطاع أكثر من سابقيه ومعاصريه أن يضع مسألة اللغة البشرية وما يرتبط بها من قضايا شائكة ومعقدة في صلب رؤية شاملة تتسم بتأكيد أهمية الأبعاد اللغوية والإنسانية والثقافية على قدم المساواة ودورها في فهم قضايا اللغة وظواهرها»(10).

من الذاتية إلى التلفظ

ظل هاجسٌ يرافق إميل بنفينيست ألا وهو تبيان أن اللغة حمالة الدلالة؛ وهو ما يقتضي من العالم اللغوي أن يراعي ذلك في تحليله، ويبحث في الموضوع بالعدة الإجرائية المناسبة في توافق مع البرنامج اللغوي الجديد الذي يمر -بحسب إميل بنفينيست- بمرحلتين:

الأولى: ما يتجسد في الاستعمال الفردي للغة بالضمائر والجهات والأزمنة والأفعال الإنجازية. وهي -في مجملها- «مؤشرات صريحة أو ضمنية تجسد مواقع المتكلم- السامع زمانًا ومكانًا»(11). وبرغم تبني إميل بنفينيست هذا الطرح المتقدم ظل وفيًّا للمواءمة بين ما هو بنيوي -دراسة وحدات لغوية متعلقة بذاتها ولذاتها (اللسان نسق مغلق من العلامات)- وما هو خارجي، وحدات تحيل إلى كيفية اشتغال اللسان (اللسان نشاط لإنتاج الخطاب). تكمن أصالة إميل بنفينيست في كونه عد اللغة نشاطًا أو ممارسة تلفظية تشمل التحقيقات الخطابية وصيغ الاستعمال الفردي للسان.

استثمر إميل بنفينيست -في المرحلة الثانية- مفاهيم من قبل «تحقق الخطاب»، و«التملك» و«الاستعمال الفردي» في إطار برنامج أو تصور لساني يتحرى في الآثار التلفظية وفي الطريقة التي يعتمدها كل متكلم في تملك اللسان وتشغيله للتعبير عن آرائه وأفكاره ومشاعره. ومن ثم، أصبح الأمر يتعلق بالكيفية التي يتعين بها رصد انبثاق اللسان وتكون معالمه من خلال محاولة الإجابة عن السؤالين التاليين: ما اللسان؟ وكيف يشتغل»(12).

يتمثل المشروع التلفظي لإميل بنفينيست في المستويات الآتية:

– يتملَّكُ المتكلمُ الجهازَ النظريَّ للغة باعتماد المؤشرات التلفظية، وابتكار لغة خاصة للتعبير بوساطتها عن شواغله وهواجسه وأهوائه. «فعندما تقول كل صباح «صباح الخير» لشخص آخر، فأنت تبتكر كل مرة إنجازًا جديدًا، وليس مجرد إطلاق كلام عابر»(13).

– تتحدد الخصائص التلفظية من خلال علاقة المتكلم باللغة، واضطلاعه في الآن نفسه بإيصال مقاصده إلى المخاطب.

– ما يتلفظ به المتلفظ أو المتكلم في مقام معين (العلاقة مع الكون، وشروط التسخير نفسها).

– ينبغي للعالم اللغوي أن يستعين باللغة الواصفة المناسبة لوصف التلفظ وضبط آلياته وطرائق اشتغاله (الجهاز الشكلي للتلفظ)(14).

اللسانيات والشعرية

أثرت اللسانيات في الحقول المعرفية جميعها؛ ومن ضمنها نظرية الأدب التي استوعبت الإبدال المعرفي الجديد بإحداث القطيعة مع التصورات الاجتماعية والتاريخية المتوارثة عن منجز جوستاف لانصون، وهيبوليت تين وفرديناند برونتيير، ومقاربة الأدب في ذاته ولذاته (أدبية النص وفنيته). وهو ما أدى -من بين عوامل أخرى- إلى بروز الشكلانية الروسية التي راهنت -في العشرينات من الألفية الثانية- على العناية بالمكونات الفنية والأدبية للنص عوض إسقاط معطيات خارجية عليه. ظلت الشكلانية الروسية محافظة على ألقها إلى حدود الستينيات من القرن الماضي في تزامن مع صدور ترجمة تزفيتان تودوروف «نظرية الأدب: نصوص الشكلانيين الروس» إلى اللغة الفرنسية (1965م).

عندما صدر كتاب إميل بنفينيست «قضايا في اللسانيات العامة» أحدث طفرة من التصور المحايث (أدبيَّة النص) إلى المقاربة التلفظية (شروط إنتاج الخطاب وتلقيه، والآثار الدالة على الذاتية). اضطر بنفينيست -بحكم طبيعة الموضوع- إلى توسيع مجال اهتمامه، والعناية بالأدب لأن له طريقة خاصة في إعادة إنتاج اللغة، والرقي بها إلى المستوى الإيحائي والشعري. وإن كان همه الأساس هو اللغة المتداولة والمشتركة، فهذا لم يمنعه من استثمار الآليات التحليلية في إضاءة اللغة الشعرية وتدبيرها وفهمها. ومن جملة هذه الآليات يذكر غلفان علائق التماثل التي تسعف على فهم نظامين سيميائيين مختلفين (مثل «تجاوب الحواس» عند الشاعر شارل بودلير)، والعبرنصية التي تستدعي بلورة لغة واصفة لتحليل النصوص جميعها، والعلم الواصف للدلالة لتحليل المؤشرات التلفظية وتطوير الفروع الأخرى من السيميائيات العامة.

فضلا عن ذلك عُرف عن إميل بنفينيست شغفه وولعه بالأدب (شعر هوميروس، وبلوت، وراينر ريلكه، وترانيم الرق قيدا، ونصوص الأفيستا)، وانخراطه- إلى جانب الشعراء السورياليين (بول إيلوار، أندري بروتون، لويس أراغون) في توقيع عدد من البيانات الأدبية الملتزمة لمناهضة القوات الفرنسية في حرب الريف بالمغرب، كما خلف نصوصًا نقدية تعنى بالمتخيل الأدبي وبعلاقة اللسانيات بالشعرية «الماء الذكوري» (1945م)، «مفهوم الإيقاع في صورته اللغوية» (1951م)، «سيميائية اللغة» (1969م)، وبحضور المميزات الذاتية في شعر شارل بودلير. لكن الظروف الصحية لم تسعفه على إتمام مشروعه عن بودلير.

ويتضح من المسودات والمخطوطات التي وهبها إلى المكتبة الوطنية بفرنسا أنه كان بصدد إعداد مقال عن لغة بودلير لنشره بمجلة «لغات» بعنوان «لغة بودلير»، «يتضح من حجم صفحات المسودات المتعلقة بهذه الدراسة أن المسألة كانت تتعدى نطاق مقالة عادية للنشر في مجلة متخصصة؛ إذ بلغ عدد هذه المسودة ثلاث مئة وسبعين صفحة مزدوجة. وهي تبين اهتمام بنفينيست بشعر كبير شعراء فرنسا اهتمامًا فنيًّا يرقى إلى مستوى صياغته لأسس شعرية عامة تستفيد من مكتسبات اللسانيات ونتائجها»(15). بما أن الشاعر يبدع لغة سيميائية جديدة، فهذا يقتضي من الشعرية أن تعتمد لسانيات مختلفة، وأن تستثمر المكاسب التي تحققت بفضل النقلة من لسانيات التلفظ إلى شعرية التلفظ (من قبيل أن هنري ميشونيك استفاد من تصورات بنفينيست حول الإيقاع، لكنه جعل منه مفهومًا مركزيًّا في الخطاب وفق الطفرة عينها).

خاتمة

يمكن أن نجمل المعالم الكبرى لمشروع إميل بنفينيست في النقاط الآتية:

خلف إميل بنفينيست المشروع التلفظي الذي اقترن باسمه، وأضحى -بمرور الوقت- مصدر اهتمام اختصاصات ومعارف متعددة؛ وفي مقدمتها التداولية وتحليل الخطاب والسيميائيات. تأثرت معارف أخرى من قبيل علم الأناسة والفلسفة وعلم النفس للاستفادة منه، وإعادة الاعتبار إلى دور المتكلم في الخطاب. ترك كتاب «قضايا في اللسانيات العامة» تأثيرًا طيبًا في الأوساط العلمية وصدى إيجابيًّا بإقبال القراء على قراءته (طبع من الجزء الأول ما يربو على 141 ألف نسخة ما بين عامي 1966م إلى عام 2014م).

بعد موت إميل بنفينيست طُبعت الدروس -التي كان يلقيها بكوليج دوفرانس في السنة الجامعية 1968-1969م- في كتاب موسوم بـ»الدروس الأخيرة في كوليج دوفرانس». وعثر ضمن المسودات التي وهبها إلى كوليج دوفرانس على دراستين مهمتين؛ وهما على التوالي: «الترجمة واللسان والذكاء»، «المفرد والجمع».

وإن مرت عقود على وفاة إميل بنفينيست ما زال فكره اللغوي يحضر في الإصدارات الجديدة، والأطاريح الجامعية، والمنتديات والندوات العلمية؛ وذلك بالنظر إلى صرامته العلمية، وإسهامه في تحقيق الطفرة من الإبدال البنيوي إلى الإبدال ما بعد البنيوي، وإرساء قواعد جديدة لتحليل الخطاب بالتمييز بين «النص المحقق» و»فعل إنتاج النص»، وبين «البنية» و»الصيرورة»، وبإعادة إدماج إبداعية المتكلم في الخطاب مقابل القواعد العمياء للبنية(16)، وبتوطيد العلاقة الجدلية بين الملفوظ والتلفظ، وبمنح لمفهوم «التملك» بعدًا إجرائيًّا ثوريًّا. «ليس التلفظ هو مجرد حضور الذاتية في الخطاب، بل هو الفعل المتجدد الذي يتملك من خلاله المتكلم اللسان (يتملكه بالتعبير الدقيق لبنفينيست)(17).

تفاعل الباحثون والنقاد العرب مع المشروع التلفظي لإميل بنفينيست، بتبني المقاربة التلفظية في تحليل المتون اللغوية أو الروائية أو المسرحية، والانفتاح على الإسهامات العلمية التي وضعت أسس نظرية التلفظ، ووسعت مجالها؛ ومن جملتها أعمال: أنطوان كلوليولي، وأسوالد يدكرو، ودومنيك مانغونو، وكربرات أركشيوني، وجون لوغاليو، وسيمون لوكوانتر. ويكفي في هذا المقام أن نذكر على سبيل المثال بعض الأعمال العربية التي استثمرت المقاربة التلفظية: «الخطاب السياسي للحركات الاستقلالية (من ديسمبر 1942م إلى مارس 1956م)، بنيته ووظيفته في ضوء لسانيات الخطاب، 2015م». لمحمد البكري، «أزمة الذات في الرواية المغاربية المكتوبة باللغة الفرنسية» لأحمد محفوظ (باللغة الفرنسية)، «السرديات (النظرية والتحليل التلفظيان للسرد)» لعبدالله علي مدغري (باللغة الفرنسية)، «سيميائية الكلام الروائي» ثم «سلطة التلفظ في الخطاب الروائي العربي» لمحمد الداهي، «التلفظ الماوراء لغوي. من تلفظ الذات إلى تلفظ الآخر في العالم وفي سروال صاموئيل بكيت» للمختار سحنون، «لعبة القص مدخل إلى السرديات التلفظية» لرونيه ريفارا (ترجمه عن اللغة الفرنسة محمد نجيب العمامي).

لا يخفى على أحد التأثير الذي مارسه المشروع التلفظي لإميل بنفينيست في النظرية الفرنسية بحفْزها على الاهتمام بالخطاب في علاقته بالنفوذ والسلطة والمؤسسات (ميشيل فوكو) وباستيعاب البنيات الاجتماعية (بيير زيما)، وبلا شعور المتكلم (جاك لاكان). لما امتد تأثير هذه النظرية خارج فرنسا إلى مجال الدراسات الثقافية استُثمرتْ تصورات إميل بنفينيست، ومُنحت لها منزلة جديدة؛ وفي هذا الصدد، تكفي الإشارة إلى اعتماد هومي بابا مفاهيم من قبيل «التملك» و«الملفوظ» و«التلفظ» لفهم اضطراب هوية المنفيين والمهاجرين على الحدود سعيًا إلى التموقع ثقافيًّا وتلفظيًّا (أن يكون له موقع في الفضاء الثالث).

هناك من يغيض من راهنية كتاب «قضايا في اللسانيات العامة» بوصفه تقليعة (موضة) مبالغًا فيها. لكن رولان بارث أصر على إبراز مدى ملاءمته وراهنيَّته، ومدى حبه وتقديره لمؤلفه(18). وإن كان من الواجب قراءة مؤلفات لسانيين آخرين، فإن كتاب إميل بنفينيست يفرض نفسه لتوافره على مميزات وخصائص فريدة؛ ومن ضمنها أن إميل بنفينيست ليس منظرًا للتلفظ فحسب، بل هو متلفظ أيضًا لتمتعه بمؤهلات أسعفته على «إدماج الفكر اللغوي فورًا في إطار تصور نظري يتسم بنفوذ مصطلحيَّته الخاصة».(19)


هوامش:

(1) من جملة مؤلفاته: «بحوث في النحو السوقدي» 1929م، «أصول تكون الأسماء في اللغات الهندو-أوربية» 1935م، «أسماء الفاعلين وأسماء الفعل في اللغات الهندو-أوربية» 1948م، «معجم المؤسسات الهندو-أوربية» 1969م، «الدروس الأخيرة في كوليج دو فرانس» (1968 -1969م)، 2012م. من بين المهمات التي اضطلع بها بحكم مقامه العلمي وإتقانه اللغات القديمة: أستاذ في كوليج دو فرانس، مدير الدارسات في المدرسة التطبيقية للدراسات العليا، كرسي النحو المقارن، عضو الجمعية اللسانية ومدير نشرتها، أول رئيس للجمعية الدولية للسيميائيات، مدير معهد الدراسات الإيرانية، الأمين العام للجمعية الآسيوية، مدير مجلة الدراسات الأرمينية، مدير مجلة الدراسات اللاتينية، مدير مجلة الدراسات الإغريقية.. إلخ.

(2) مصطفى غلفان، «مدخل إلى لسانيات إميل بنفينيست»، منشورات الكتاب الجديد، بيروت، ط1،2024م.

(3) Emile Benveniste, Problèmes de linguistique générale, Tome1, Gallimard, 1966 Tome II Gallimard,1974.

(4) Roland Barthes, “Pourquoi j’aime Benveniste” in le bruissement de la langue : essais critiques IV, Seuil, 1984,p.208.

(5) المصدر نفسه، ص.ص.81-82.

(6) المصدر نفسه، ص.40.

(7) المصدر نفسه، ص.51.

(8) Roland Barthes, “Pourquoi j’aime Benveniste” in le bruissement de la langue : essais critiques IV, op.cit.,p.208.

(9) المصدر نفسه، ص.55.

(10) المصدر نفسه، ص.106.

(11) المصدر نفسه، ص. 141.

(12) المصدر نفسه، ص.153.

(13) المصدر نفسه، ص.112.

(14) انظر في هذا الصدد، المصدر نفسه، ص ص 125-126.

(15) المصدر نفسه، ص ص180-181.

(16) Voir Samir Badir et autres “Benveniste serait-il aujourd’hui un linguiste de l’énonciation ?”, Arts et Savoirs,2-2012 ( Les théories de l’énonciation : Benveniste après un demi-siècle), p.13.

(17) Roland Barthes, “Pourquoi j’aime Benveniste” in le bruissement de la langue : essais critiques IV, op.cit.,p.p.194-195.

(18) Ibid.,p.205 /p.218.

(19) Voir Samir Badir et autres “Benveniste serait-il aujourd’hui un linguiste de l’énonciation ?”, Arts et Savoirs, op.cit.,p .18.

المنشورات ذات الصلة

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *