تتميز مسيرة الروائي القطري الدكتور أحمد عبدالملك بالتنوع والإبداع في مجالات عدة، فقد حصل على مؤهلات أكاديمية عالية، وقدم إسهامات قيمة في مجال الإعلام والأدب. للدكتور أحمد عبدالملك بصماته الواضحة في المشهد الثقافي والسياسي القطري؛ إذ شغل مناصب عدة منها مدير الشؤون الإعلامية بمجلس التعاون الخليجي في المدة من 1993 إلى 1999م، وكذلك استُدعي ليكون مستشارًا ثقافيًّا في المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث في عام 2004م، إذ برزت خبرته وتميّزه في هذه المناصب. ومن خلال عضويته بالمجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث، ومشاركته في لجان عدة، أثرى الدكتور أحمد عبدالملك المشهد الثقافي بخبراته وأفكاره. ولقد اختير للإشراف على دورات متخصصة في العمل التلفزيوني من جانب جهاز تلفزيون الخليج وتلفزيون قطر، وهو ما يعكس الاحترام والتقدير الذي يحظى به في المجال الإعلامي.
بدأت مسيرته المهنية مذيعًا في تلفزيون قطر، حيث تطور مساره الوظيفي ليشغل مناصب مهمة كرئيس وحدة النصوص والترجمة ورئيس قسم الأخبار، إضافة إلى تجربته رئيس تحرير لجريدتين قطريتين. ثم عمل مديرًا للشؤون الإعلامية بمجلس التعاون الخليجي، حيث كانت له إسهامات كبيرة في تطوير وتنمية المشهد الإعلامي في المنطقة.
لم يقتصر عطاء الدكتور أحمد عبدالملك على مجال الإعلام فحسب، بل قدم مساهمات فريدة ومتنوعة في المجال الأدبي، فهو يمتلك سجلًّا حافلًا بالإصدارات الأدبية والمهنية التي تعكس مدى تنوع مواهبه وعمق تأثيره في المجتمع والثقافة. وتوج الدكتور أحمد عبدالملك مسيرته بحصوله على جوائز مرموقة عدة، من بينها جائزة كتارا للرواية العربية فرع الرواية القطرية مرتين في عام 2019 و2022م. هذه الجوائز تعكس تقديرًا كبيرًا لإسهاماته الأدبية والثقافية وتأثيره الإيجابي في المشهد الأدبي العربي.
إطلالة على عوالمه السردية
تتنوع روايات الدكتور عبدالملك بين القصص الواقعية والخيالية، وتستقر في أذهان القراء بفضل تصويره الدقيق والواقعي للمشاهد والمواقف. من خلال كتاباته، يتناول الدكتور قضايا اجتماعية وثقافية معاصرة، وينقل رسائله بأسلوب راقٍ ومؤثر. كما تتحلى رواياته بعمق الشخصيات وتطورها الملحوظ عبر الأحداث، حيث يلقي الضوء على الجوانب الإنسانية المعقدة والتناقضات التي تمتزج في كل شخصية. وتُراوِحُ رواياته بين الجدة والحداثة، وتختلط في صفحاتها روح التاريخ وروح الحاضر، مع التركيز على معالجة القضايا المهمة بطريقة مبتكرة ومنفتحة، تتجاوز التقاليد النمطية واستخدام التقنيات السردية التي قد يغفل عنها العديد من الأعمال الأدبية، وتُعطي أعماله أهمية كبيرة للتفاصيل الجمالية التي ترتقي بتجربة القراءة.
عادةً ما يكون العملُ الأولُ للروائي عبارةً عن سيرةٍ ذاتية، أو رواية سيَريَّة، أو شبهِ روائية. في روايته «أحضان المنافي» تهيمن ظروفه الاجتماعية، وبالأخص عمله الرسمي، ومن هنا جاءت سلسلةُ المنافي، التي كان لكلٍّ منها طابعٌ خاص، وأَحداثٌ خاصة. بطل الرواية (ميهود)، يعاني حب (وردة) التي هي الوطن، ومن هنا تتداخل الأحداث، وتطلُّ الشخصيات، وتتداخل الأزمنةُ والأمكنةُ، في قالب سردي، حزين، ومتشائم، في لحن جنائزي متناغم بين حبِّ (ميهود) لـ(وردة)، وحبّ (أحمد) للجوهرة، فيتشابه صدرا الحبيبتين في صفة الرفض.
وتدور رواية «الأقنعة»، عن جنّة، وهي سيدة خمسينية، ثرية، رائعةُ الجمال! في كل صيف تسافر جنة مع ابنتيها، إلى لندن، حيث تستمتع بوقتها، وتدع البنتين، تأخذان حقّهما من الحياة. تتعرف إلى مروّجة لمواد التجميل، وتُعرفها الثانية إلى شاب ثري ووسيم. جنّة تلبس قناعًا، وكذلك سعود وغنوة المغربية والبنتان وناصر وخالد. الرواية تحكي ما يحدث خلف تلك الأقنعة! جريمة قتل تحدث في أحد فنادق لندن، حيث تقتل (جنّةُ) (سعودًا) الشابَّ الوسيم الطائش؛ لتتمكن منها الشرطة البريطانية في مطار هيثرو، وتسجنها؛ بعد أن سجلت كاميرات الفندق آخر شخص يخرج من جناح المغدور سعود.

رواية تخييلية
ورواية «الموتى يرفضون القبور»، هي روايةٌ تخيّليةٌ، تعالجُ سلوك البشر ما قبل الموت وما بعده، بأسلوبٍ ساخر، وعبر حوار يجري بين الأموات في المقبرة. فيها محاكمة لضابط مجرم، ومحاكمة لتاجر جشع، ومساءلة لعاشق تعدهُ زوجته بعدم الزواج بعد وفاته، لكنه يعرف أنها تزوجت من مديرها، كونها رائعةَ الجمال. ونقرأ في الرواية عن مجنون يتحول إلى (حكيم المقبرة)، ورئيس تحرير مظلوم، ونقد لحياة المجتمع من النواحي كافة. وفي الرواية إسقاط على مبدأ الوطنية؛ فالموتى يرفضون القبور عندما تقرر الحكومة إزالة المقبرة، فيهبُّ الموتى في مظاهرات عارمة ضد القرار، وتخرج الأرواح من الأجداث، في صورة خيالية، وتستقر في مدينة حديثة بنتها الدولةُ للشباب، وتظل تُراقب أعمال بني البشر.
أما رواية «غصن أعوج»، فهي رواية تخيّل تاريخي، استلهمها الروائي من سطر قرأه في الإنترنت وهو: «إن قائد الفتح الإسلامي قتيبة بن مُسلم الباهلي أمرَ جنوده بمُساكنةِ أهل ما وراء النهر، بعد الفتح الإسلامي»!
هذه العبارة أوحت له بكتابة الرواية، فتخيّل عائلة مُسلمة من سلالات العائلات المسلمة التي سكنت بلاد ما وراء النهر، وهي الآن أوزبكستان! وناقشَ في الرواية قضية العنصرية، والتباهي بالعِرق والأصول. تتلخص الرواية في عائلة مسلمة مكونة من أب وأم وابن وبنت، يعيشون في كنف ملك مسلم من الجنس الآري. وتقع الأحداث في القرن السادس عشر. يهجم جيش الفرس على المملكة ويُؤسَر الملكُ وأسرتُه. يفرُّ (حسن) ابن النجار الذي توفي والده قبل المعركة، ويطلب المدد من ولاة سمرقند وبُخارى. يأتي بجيش جرار ويطرد الحاكم الفارسي من المملكة، ويزحف مع الجيش ويحرر الملك وأسرته ويُعيدهم إلى المملكة. يفرح الملك، ويقرر مكافأة القائد (حسن)! فيطلب (حسن) يدَ بنت الملك! يغضب الملك، ويسخر من (حسن)، ويقول له: «أنت غصن أعوج»! بمعنى أنك عربي ولست من جنسنا. يهيمُ (حسن) في البراري ولا يلتفت لنداءات (شجن) التي هجرت القصر وتبعته.
ورواية «ميهود والجنيّة»، من روايات الفانتازيا المُتخيلة. كُتبت بسبب ما يُقال عن وجود الجنّ في منطقة بروق شمال غرب قطر. تخيل الكاتب وجود جنيّة جميلة في منطقة يأتي إليها الشباب وقت التخييم في منطقة بروق. تنشأ بين الجنيّة وميهود قصة حب مجنونة. يتعرض ميهود للضرب المُبرح من جانب ابن عم الجنية (نائلة)! يعرف الأصدقاء ما حصل لميهود، وتبدأ القصص والحكايات حول الجن وطرائقهم. تأتي الجنية إلى منزل ميهود، وتخلق له أجواءً مُربكة مع زوجته وابنته. يذهب ميهود إلى كبير الجنّ ويدعوه لأن يردع (نائلة)؛ لأنها قامت بأعمال جنونية! يعرض كبيرُ الجن على ميهود أن يعمل مستشارًا لديه؛ لكن ميهود يعتذر.
الجديد في الرواية هذه، أنه استحضر البطل ميهود من روايته الأولى «أحضان المنافي»؛ لكي يواصل حياته، بعد 14 عامًا من الرواية الأولى. وتوالت في هذه الرواية بعض الأحداث السابقة. لم يوضح للقارئ هل كان ميهود يتخيل وهو في غيبوبة كل ما حدث له أم لا! تنتهي الرواية بمشهد حفيد ميهود (عيسى) وهو يتناول رواية «أحضان المنافي» من الأرض! في إشارة لاستمرارية الحياة، ولربما الأحداث مع الحفيد.
تخليد مدينة دخان
وفي رواية «دُخان.. مذكرات دبلوماسي سابق»، يحاول الروائي فيها تخليدَ اسم مدينة «دخان» في التاريخ الروائي؛ لكونها منبعَ الخير لقطر والقطريين. فمنها تدفَّق أولُ بئر للنفط عام 1940م، وصُدِّرَتْ أَول شحنة من هذا النفط عام 1949م من ميناء إمسيعيد. والرواية تشكِّلُ روحَ التحدي في تغيير الواقع، عبْرَ بطلِ الرواية عبدالرحمن الوجدي، الذي ينتقل من العمل في (دُخان) إلى وزارة الخارجية عام 1971م، وينجحُ في أن يكون سفيرًا لبلاده في عواصم عالمية عدة. ينتهي الزواج التقليدي بين عبدالرحمن وابنة خالته (نورة) بالإخفاق؛ لعدم قُدرةِ (نورة) على فهم واستيعاب حياةِ الدبلوماسي الناجح عبدالرحمن. فيتزوج عبدالرحمن من ابنة لورد إنجليزية، ويعيش معها قصةَ حبٍّ رائعة، ويُنجبان ولدًا وبنتًا. ثم تموت الزوجة (أنجيلا) نتيجة الاكتئاب، ويموت السفير بأزمة قلبية، لم يُسعفه ابنهُ الطبيب.
تمَّت هندسةٌ هذه الرواية، على شكلِ مُذكِّراتٍ كتبها الدبلوماسي، ثم أصدرَها في كتاب باللغة الإنجليزية وهو في لندن، وعثر عليها شخصٌ إنجليزي يعرفُ العربية، فترجمها إلى العربية؛ لكونه عاشَ في بعض البلاد العربية أثناءَ عمله مع شركات النفط. العُقدةُ الأَخيرةُ في الرواية هي تعرّف ابن السفير (خالد)، الذي أَصبحَ طبيبَ قلبٍ ناجحًا في بريطانيا، على شابةٍ سمراءَ جميلةٍ ومهذبة، حَسبَها برازيلية، لتكون في النهاية (مريم) ابنة بنت خالة والده، حيث يدعوها لتُقيمَ معهم في المنزل الفخم. تنتهي الرواية بجملة للخالة، تقول: الظفر لا يخرجُ من اللحم!
وفي إصداره الأخير «بوح السبعين»، يقدم الأديب والروائي الدكتور أحمد عبدالملك محطات مميزة وملونة من حياته الغنية وتجربته في مجالات الإعلام والثقافة والصحافة. يتألف الكتاب من 274 صفحة من القطع المتوسط، ويستعرض فيه مواقف إعلامية وثقافية مر بها خلال خمسين عامًا من حياته. يتميز الكتاب بأنه ليس مجرد مذكرات بالمعنى الواضح، بل هو مزيج من مواقف وتجارب تهدف إلى نقل خبراته وتجاربه إلى الأجيال القادمة. ويعكس الكتاب استمرارية الدكتور عبدالملك في مجال الصحافة المكتوبة منذ عام 1969م حتى عامنا هذا.
وبهذا الإصدار الجديد، يستمر الدكتور أحمد عبدالملك في إثراء المشهد الأدبي والثقافي بتجاربه الثرية والملهمة، ويبقى اسمه مرادفًا للتميز والإبداع في عالم الأدب والإعلام.
0 تعليق