يحيرني أمر بعض من أدبائنا ومثقفينا عندما يكررون «فرية» لا تستند إلى شيء من الحقيقة والواقع تقول: إن المواطن العربي لا يقرأ! هذه الفرية قالها ذات يوم «موشي دايان» فصدقها بعض من بني أمتنا ووطننا العربي!
الواقع يقول: إن الوطن العربي من محيطه إلى خليجه يضع على رأس قائمة الممنوعات! (الكتاب)! تدخل ساحة كثير من المطارات والموانئ ومكاتب التفتيش على حدود قطر عربي فلا يسألك موظف الجمارك عن شهادة الخلو من الإيدز! ولا عن المخدرات، فهذه لها تفتيش خاص، ولها كلاب بوليسية سبق أن شمموها كل أنواع المخدرات، من حشيشة (الكيف)، ولا أدري كيف يكون (كيف)! كما يسمونه، ويسمونها قديمًا في العراق «الترياق»، فقد زرنا قبل خمسة وأربعين عامًا فندقًا في شارع الرشيد ببغداد، فقال لنا صاحبه وهو يرينا قطعة صفراء يمسكها بيده كما تمسك الأم الحنون جنينها: هذه قطعة ترياق أهداها لي شاب عربي، فهربت منه خشية أن تمسك بي الشرطة!
مرورًا بحبوب (الهلوسة)؛ ولا أدري -أيضًا- كيف يعشق الصحاح الهلوسة، ويسعون إلى شرائها بالمال! على طريقة (كيف يسعى في جنون من عقل)؟! وإلى المورفين والكوكايين زادنا الله بها جهلًا!
بل يسألون القادم -حتى من الأقطار العربية- السؤال الضروري الأول والخطير: هل معك كتب؟! يا ويلك! حيث يسود وجه المفتش ويكفهر، وتبدأ عملية جراحية في بطون الحقائب وظهورها وجوفها فأحشائها، حتى يحيلون الحقائب إلى ضحايا كوارث طبيعية مختلفة!
حتى وإن كانت هذه المحتويات من الكتب تتحدث عن قصة «الزير سالم» و«أبي زيد الهلالي سلامة» و«حي بن يقظان» التي لطشها مؤلف (روبنسون كروز)، و«رسالة الغفران). الذي سطا عليها المدعو (دانتي)! ولا يهم المفتش (الهمام) أن تُلطش كل كتب التراث العربي!
ولكن همه ينحصر في خنق عنق هذا الكتاب المولود الذي ولد (سفاحًا)، أو كأنه لقيط في نظره قبل أن يتبين أو يتحقق بأن هذا الكتاب نافع أو غير نافع، أو أن الكتاب من الممنوعات الموضوعة على القائمة السوداء. (وكل وطني في العالم العربي من حقه أن يحمي بلاده من أية سموم فكرية ضارة)، لكن المفتشين، أو بعضهم، يوجد بينهم وبين الكتاب عداوة وثأر قديم متجدد! وبعضهم يتمسك دائمًا بنظرية الشك التي دافع عنها «كانت» للوصول إلى الحقيقة! فيحيل الكتاب (المقرود) إلى جهات وجهات! وإلى قراء يقرؤون الآية الكريمة: ﴿ولا تقربوا الصلاة…﴾! ويتركون بقية الآية ليقرأها صاحب الكتاب في صلاته، وفي غدوه ورواحه!
والمفتش (النبيه) في وطننا الكبير لا يملك الوقت، وقد لا يملك بعضهم (الفهم) ليفرق بين كتاب «كليلة ودمنة» الذي يتحدث على أنسنة الحيوانات، فيظن المفتش (الذكي) بأنه حديث في السياسة المحرمة فيصادره! ولا يفرق بينه وبين رواية (سبارتكوس) المشهورة! وبين كتاب «رأس المال»!
الشكل والمضمون
العرب يقرؤون، ولكن ماذا يقرؤون؟! وما نوعية الكتب المتوافرة لهم؟! كتب أخونا الدكتور غازي القصيبي في العدد الخامس من مجلة (الثقافية) الجيدة يقول: «يسألني البعض: لماذا نحن شعوب لا نقرأ؟» وقد ذكرني الأخ غازي بقصة ابن مدلل، في مدينة من مدن القصيم قبل ستين أو سبعين عامًا، مع رفيقه من أبناء الفقراء. قال له في صباح شتاء بارد: اذهب يا رفيقي إلى دارك وتناول فطورك الدسم، والبس فروتك الجديدة، واخرج لنلعب معًا! فضحك ابن الفقراء، وقال: لا نفطر إلا على الماء، ولا أملك (فروة) ولا (جوخة).
أخونا غازي في لندن، وفي لندن الكتب أكثر من رمال الدهناء لا يحجبها حاجب، ولا يمنعها مانع! ولا يتحكم بشأنها عالم أو جاهل!
وفي البلاد العربية يُسمح بدخول كل أنواع المعلبات التي يكاد الصدأ والمواد الحافظة أن تحيلها إلى سموم قاتلة، وقد تظهر آثاره سرطانًا مدمرًا، لا سمح الله، بعد وقت طويل أو قصير، ويُسمح بدخول الأغنام التي تعلف جيف المواشي النافقة بعد حرقها وخلطها بنشارة الخشب! ويأكلها معظم السكان في العالم الثالث! ولا يحسون لها بطعم أو مذاق! وتدخل كل ألوان وأنواع الغذاء والملابس والأدوية ومعظمها فاسدة، أو خطرة الاستعمال وصدر تحريم باستعمالها هناك، ومكتوب على بعض منها «يمنع استعمالها للأوادم»! لكنهم يبيحون، بل ويشجعون تصديرها إلى (المحرقة) أو العالم الثالث إلى (غير الأوادم) في نظرهم!
المشكلة ليست مشكلة عدم وجود من يقرأ أو في تفشي (الأمية) في الوطن العربي، فكم من أمي في العالم ثقف نفسه من خلال القراءة والمتابعة، ولكنها مشكلة (المصادرة) ومحدودية توزيع الصالح من الكتب المفيدة مضمونًا لا شكلًا.
أعطني كتابًا نافعًا مطبوعًا حتى على ورق (إسمنت) أو على جلد ثعلب، وخذ قراء يحنون ظهورهم ليلًا ونهارًا! أما حكاية «ألقاه في اليم» وقال له: اقرأ، حتمًا سيقول: «ما أنا بقارئ»!
0 تعليق