يبدو لي أن الكاتب، مهما كان بعيدًا في تناوله الكتابي عن واقعه، فإنه لا يستطيع أن ينفصل عنه. وذلك لسبب أرى أنه لا يحتاج إلى شهود، وهو أن الطبيعة الإنسانية تعود في تراكيبها إلى أساسها الأول؛ ذلك الأساس الذي أمكنه من خلاله تحديد وظائف قنوات المعرفة لديه. تلك الذائقة الحاسمة -الأولى- التي انطلق منها إلى تحديد قيمة الأشياء… القيمة المعرفية وهي تأخذ في تشكيل لونها وطعمها ونكهة حسها:
عندما كان يتلقاها في حدود الحضن الأول.
هناك… حيث تبدأ أبجديات الحروف.
واستقامة المفهوم الشامل تعني إدراك الأشياء، ثم نوعية العلاقة بها. أما مسألة الكشف عن حقائقها وواقعية جواهرها، فتلك ترتبط على امتداد العمر، بحكم التجربة والثقافات المكتسبة مع تعدد الوسائل.
الكاتب وغير الكاتب
الكاتب هو ذاته غير الكاتب… هو الفرد الطبيعي الذي لا يختلف عن البقية في شيء بعيدًا عن المميزات الإبداعية التي ترتب على يدي الموهبة. إنه هو ذلك الإنسان الفرد البسيط الذي يتلقى معطيات المعارف الحياتية، مثلما يتلقاها الآخرون. غير أن الفارق يكمن في مقدار تفاعله معها واحتفاله بها؛ ودرجة التلاؤم الحسي بين الأشياء ومستوى الموهبة. فالموهبة هي التي تصقل ما يتلقاه، وتجعل صاحبها ينظر إلى الأشياء على نحو مختلف عما تراه العين العادية؛ تلك النافذة الحسية التي تدخل منها الشموس ذاتها والرياح المارة على كل العباد، لكنها عنده تكون مختلفة، أكثر تفصيلًا، ورحابة واستضافة وإكرامًا.
الكاتب لا يملك شيطانًا للإلهام، بل يملك مقدرة تتطور بالتجربة، وبمقدار ما يتيح لها من فضاء تنمو فيه، وبقدر ما يستخلصها بأمانة وصدق.
القصة والفن التشكيلي
عندما كتبت مجموعة القصص الأولى: «موت على الماء»، كنت في الرابعة والعشرين. وقد بدأت، منذ العشرين، في الكتابة التي تهتم بكسر التقليد. لقد كنت أكتب حتى الرسائل الخاصة بطريقة مخالفة للمألوف. وقِسْ على هذا الكتابة الإبداعية التي ستكون أوغل مخالفة، وبالتالي أوغل زخرفية وضبابية.
وقتها، على ما أذكر عام ١٩٧٧م، صدرت مجموعة القاص «محمد علوان» الأولى بعنوان: «الخبز والصمت»، ثم صدرت قصص: «موت على الماء» في عام ١٩٧٩م. وكان فيهما تمثيل لأدب القصة القصيرة المحلية.
لم أكن أهتم بالنشر في كتاب مطبوع؛ إذ كنت ما إن أفرغ من كتابة العمل حتى تنشره الصحف. وقد ساعدني كثيرًا عملي محررًا ثقافيًّا في ملحق «المربد» بجريدة «اليوم». في تلك المحطة أخذت أعمالي التشكيلية تنحرف نحو منعطف آخر: الرسم «بالحبر الشيني الأسود» على المساحة البيضاء، وذلك بدافع الحاجة إلى رسوم تعبيرية ترافق موضوعات النشر، من جهة، ولقلة الوقت الذي تتطلبه اللوحة الزيتية.
كنت أكتب العبارة الأدبية بالطريقة ذاتها في القصص، حيث اللغة الجاهزة والضبابية. وبالطبع فالتغريب هنا، كان بالغًا، ومع هذا لم أستطع التمرد على البيئة الفردية الأولى، تلك التي انزرعت في الوجدان.
كانت كتابة غنية بالصورة الجذابة، لكنها لا تكاد تقول شيئًا، فهمُّها الأول هو نسف المتعارف عليه. لماذا؟ لأن الرؤية وقتها كانت قاصرة.
من الأسباب الأساسية في التخلف الثقافي والاجتماعي تكرار وتقليد نتاجات (الموروث الأصفر)، وعلى هذا فلن يُكتب شيءٌ جديدٌ يتوافق مع قضايا اليوم وهموم الإنسان المعاصر.
لكن: إلى أي مدى حقّقت تلك الكتابات قبولًا لدى المتلقي؟ وما الوعي الذي استطاعت أن تخلقه لدى القارئ المتعطش إلى كلمة تُعنى بحياته وقضيته وطموحه؟ بالطبع، كانت تلك الكتابات لا قضية لها غير الإنسان والوطن، الإنسان الذي هو في حاجة شديدة إلى أن تقترب به تلك الكتابات من أرضه وناسه، لكنها كانت تسير في طريق يذهب بعيدًا منهم.
تجربتي مع الرواية
كان القراء من فئة المثقفين فقط، من أولئك الذين يكتبون شبه ما أكتب، ولهذا بقيت الدائرة ضيّقة وفاعليتها محدودة. كانت الكتابة تقوم على افتراض الوعي لدى الآخرين، وعلى افتراض وجود مجتمع يتقن اللغة الإلكترونية التي لم يكن قد وصل إليها أحد بعد.
بعد «موت على الماء» التي تمثل تلك المرحلة الرافضة للمألوف دون الرؤية المدركة، واصلت الكتابة زمنًا في أجناس أدبية أخرى؛ كالشعر المنثور، وتجارب روائية، وتوقفت عن نشر القصة القصيرة، بل أهملتها تمامًا. ومضت سبع سنوات، ثم صدرت المجموعة القصصية الثانية «أسفار السروي». هذه القصص تحمل تواريخها وأماكن كتابتها، وقد تزامنت مع مرحلة كتابة روايتي الأولى: «الوسميّة».
المخاطر الكتابية
كانت هذه الرواية هي المفتاح الحقيقي لفتح المخزون الشعبي والحياة القروية التي كانت تظهر وتختفي، عبر مفاتيح صدئة قليلة فعلت فعلًا ضئيلًا في الكشف عن الرغبة المترددة في الاقتراب من ذلك العالم، وكان ذلك نابعًا من إحساسي الذي يحمل رؤية المرحلة؛ أن المجتمع الشعبي غير قادر على نقل ما أريد قوله من منظور العصر.
كانت نظرة قاصرة بالطبع. لكن إلى أي مدى بلغت هذه المغامرة في خطوتها الجديدة؟
كُتبت رواية «الوسميّة»، في شتاء عام ١٩٨٣م بالقاهرة، حيث بقيت فيها مكرهًا لمدة سنة (أكتوبر ٨١ – نوفمبر ٨٢). وكان الشعور بالبعد متضخمًا، فغدت الكتابة عن عالم القرية فعل حميمية وحب والتحام. كنت أكتب كما لو أنني أعيش بينهم وأحادثهم في اليوم والعادة. وصادف وقتها أن دخلت مرحلة صحية قاسية. لقد عانيت تعبًا مرًّا، لم يخفف منه إلا كتابة «الوسميّة»، ذلك أن هذه المغامرة كانت تسبح بالمخاطر الكتابية، وبالصراع مع اللغة التي كتبت بها. لم أعرف المعنى الحقيقي لعناء الكتابة من قبل مثلما عرفته في هذه الرواية؛ فعالمها كان حيًّا في داخلي بكامل تفاصيله، وكان البعد والإكراه يشحذان هذا الحنين ويزيدانه وضوحًا.
كانت الحرب المشتعلة في جبهة تلك المغامرة قائمة بين ما أتحمله وما أريد أن أكتبه؛ أعني حرب الحل الكتابي. لم أكن عاجزًا يومًا عن إمساك القلم، ولا ضعيفًا في صياغة الجملة، ورصف العبارة، بل اعتدت أن أكتب بسهولة وبمستوى واضح من الإحكام. وعندما جاءت «الوسميّة» وجدتني أتنازل عن كثير مما تعوّدت عليه.
فقد وقفت أمام عالم كامل، وأردت أن أقول عنـه شيئًا مهمًّا يشغلني ويستوطن أضلعي بمحبة تفاصيله. وكان الشعور بالأمانة والوفاء لهذا العالم أساسًا لا يمكن التنازل عنه. لذلك كتبت دون معرفة مسبقة بطرائق الروائيين الذين قرأت لهم: لم أرسم هيكلًا للرواية، ولا هرمًا كما يقال، ولم ألتزم بما يسمونه «الخط الأفقي للأحداث»، كنت أكتب فصلًا قصيرًا، وأنتقل إلى الآخر، تقودني الأحداث والشخصيات وتفاصيل الحياة. وكان تأثير كتابة القصة القصيرة التي اعتدتها بادية عليها؛ فكل فصل يحمل عنوانًا خاصًّا. ومع أنني كنت أُذكّر نفسي بأن الرواية تحتاج نفسًا أطول وتفاصيل أوسع، فإن الخوف والتردد من التجربة كانا يلازماني في كل جملة. وكنت أعرض ما أكتبه على صديق فشجعني على طباعتها في القاهرة. وقد طُبعت الرواية بعد ثلاث سنوات من كتابتها؛ طبعتها الأولى جاءت على ورق الصحف، وبغلاف تقليدي في تصميمه وخطه.
الطفل الداخلي
كان توزيع الرواية خارج المنطقة المحلية محدودًا جدًّا؛ حيث بيع منها -كما قيل لي- ما لا يزيد على ست مئة نسخة فقط، وقد أعلنت الدار إفلاسها، وتكدست مطبوعاتها في مخازنها، بل إنني لم أقدر على مقابلة صاحبها أو الحديث معه.
أحدثت تلك الرواية ما لم يكن في البال، فمع أنها كانت محدودة التوزيع، إلا أنها تبودلت بطريقة التصوير. يعنيني هنا، العلاقة بين العمل الكتابي والقارئ. تلك العلاقة التي بجسرها يمكن للكاتب أن يقيس نبض كتابته.
فمع أن «الوسمية» كانت تجربة أولى ومغامرة قليلة التجربة، غير أن ذلك علمني شيئًا جديدًا، أن الكاتب ما لم يكن أمينًا مع الطفل الصافي المستكين داخله، وما لم يكن مهتمًّا بأسلوب مخاطبته للآخرين، فإنه لن يوصل شيئًا مهمًّا إليهم. فالكتابة العاجية تغفل محيطها. صحيح أنها قد لا تجانب الذات الطفلية في الداخل، وتتطلع بنقاء إلى البعيد المشرق غير أن هذا وحده لا يكفي لإيصال ما يريده الكاتب إلى القارئ.
نوعيات القراءة
القرّاء ليسوا من صنفٍ واحد؛ فكما أنّ لكلِّ جنس أدبي قرّاءَه، فإن للجنس الواحد أيضًا قرّاءً متباينين. والافتراض بأن الكتابة وسيلة فعالة حتمية في تغيير الواقع هو فرض من الوهم والخيال. إنها مثل أي مؤثر آخر، لها حدود في الفاعلية والتأثير، ولها عدد محدود من القراء والمهتمين، وعلى الكاتب أن يدرك هذا؛ لأن هذا الإدراك يساعده على الاقتراب أكثر من مخاطبة قرّائه على نحو صحيح.
الكاتب الذي يكتب مستندًا إلى وهم الاهتمام، والتلقي الكامل، هو بلا شك كاتب طموح، لكنه يدرك في الوقت نفسه أن هذا الوهم لا يحميه من احتمال عدم الرضا. إنها مسألة مرة، لكنها الحقيقة التي قد تعود عليه بشيء من الإحباط، غير أن هذا الوهم الافتراضي نفسه قد يكون دافعًا وربما حافزًا للإبداع.
السلوك
مهما اجتهد الفنان في أن يكون مثالًا، لا يمكنه تجاوز النزعات البشرية الموجودة بداخله، مثلما هي في الآخرين. إنه لا يقدر على أن يكون من خامة بلا أرض اجتماعية، هذا من جانب. ومن جانب آخر فالعنصر البيولوجي له قاعدته ومنطقيته، وبالتالي يطالب بتحقيق فاعلياته عن طريق الإنسان -الفنان- دون قياسها بمنظار النموذجية والعصامية والمفاهيم المثالية الأخرى. إنه يريد تحقيقها في كيان بشري فقط؛ لذلك يبقى الفنان إنسانًا كالآخرين.
الفرق هنا أنه قد يحتذي بها إن شاء، أو يبدو بها متميزًا بقياس العين الاجتماعية لسلوكه ليغدو بإبداعه مؤثرًا فاعلًا. نعم، إنه يأكل ويشرب، ويفرح ويحزن، ويذهب إلى الحمام، ويتعامل مع أهله، ويخفي أشياء، ويبيِّن أشياء… إلى آخر نشاطات الكائن البشري الطبيعية. ومحاولة التقرب من الآخرين أمر ضروري، لاعتبارات عدة؛ أهمها: القرب من تفاصيل خامة الإبداع الذي يكتب عنه، وقياس مدى التأثير في الآخرين وردم هوّة البُعد النفسي بينه وبينهم. كل هذا ضروري لنقاء وصدق واستمرار العمل الكتابي.
فمعنى الالتزام ومبدأ تنفيذه لا يعني التميّز والنفور، أو صهر الذات في قوالب التنظير، بل يعني أن الذات الإبداعية هي ذاتها الذات الطبيعية كأي فرد في المجتمع. والفارق في هذا الجانب، أي «الالتزام»، هو السعي وراء زرع القيم والمفاهيم الإنسانية والوطنية، ليس بأداة التقنية الإبداعية، وإنما بالممارسة السلوكية.
مجتمعنا لا تأسره الأشكال الإبداعية، مهما كانت صادقة وآسرة، لأسباب عديدة، بل يهتم بالعملية السلوكية القائمة على احترام الآخرين، وإثراء القيم الجميلة وتطبيقها بينهم وأمام أعينهم. وليس من السهل على الكاتب -المبدع – أن يعيد رسم صورة كان يتوقع المحيط أن تكون جميلة، فإذا بسلوكه عكس ما يكتبه.
إن القضية ليست قضية قول مكتوب على الورق، ولا نصب شعارات وطنية تطالب بحق الموطن؛ فهذه مسألة سهلة ويسيرة، لا يشفع لها مجال الإبداع، ولا لافتتها المعلنة. المسألة ببساطة يمكن أن تكون في أدق تفاصيل الحياة ابتداءً بإشارة المرور، وانتهاء بمقام الرأي المعلن في وجود آذان الجميع، التي تستمع ولا تستمع.
من التفاصيل الجزيئية البالغة في الصغر، يمكن أن تكون تطبيقات المفهوم الوطني على شتى المستويات.
على هذا القياس التفصيلي، كسبت طريقًا موصلًا إلى «التلقي»، من خلال الإبداع الكتابي، وعلى ضوء تجربة «الوسميّة»، أدركت أن القارئ يبحث عن الكتابة التي تهتم بواقعه وملابسات همومه وطموحاته. هنا يمكن للكاتب أن يدرك مقدار العفوية/ الواقعية، ومصداقية التعامل مع الداخل النقي، المتضخم بالهم العام في نسيج همه الفردي المتوثب لإصلاح الذات وخلق النشوة.
اللغة
بلغتني ردود فعل جديدة ومحفزة، من خارج حدود عالم الرواية، في الداخل، ومن خارج الحدود، عربية وغير عربية. بالطبع واجهت بعض المعارضة من زملاء عاشوا العالم ذاته، فكنت أتعامل معها بكثير من البحث والمناقشة، غير أن الذي بدا لي مختلفًا عما كنت أرغب في معرفته كان يتمحور حول أن الرواية القائمة على الشفاهية واللغة المعيشية اليومية، تعتبر غير مواكبة للغة القص الحديث.
رحت أحاور العمل بدقة، ضمن إطار ما يسمى باللغة الحديثة؛ إذ إن لغة «الوسميّة» كانت لغة حيّة، وما يسمى بالحداثة، حسب الحوار، يقصد بها الالتزام باللغة النصية المسايرة لنمط الكتابة، لا أكثر. أعتقد أن اللغة التي يكتب بها العمل لا يجب أن تكون «حديثة» لكى ترضي الذوق العام بشكلها القشوري؛ بل تحتاج إلى إيصال المعنى بصدق، دون إيهام وركاكة واستعراض. ذلك المفهوم الذي تلقيته منهم، هو ذاته الذي عزلني عن الواقع الاجتماعي وغرّبني وأبعدني عن الوصول إلى المتلقي.
0 تعليق