اتجه الأجانب إلى العناية بالعامية عند العرب عناية فعالة جادة، جندوا لها مختلف أنواع النشاط. ومن مظاهر هذا النشاط أنهم جعلوا العامية عند العرب فرعًا علميًّا مستقلًّا يدرس في مدارسهم. ووكلوا التدريس إلى أساتذة من العرب والمستشرقين! ومن مظاهر نشاطهم إيعازهم لبعض المختصين من العرب، باسم البحث العلمي، أن يؤلف في العامية. ومن ثمار هذا الإيعاز كتابا: «أحسن النخب في معرفة لسان العرب»، لمحمد عياد الطنطاوي، و«الرسالة التامة في كلام العامة والمناهج في أحوال الكلام الدارج» لميخائيل الصباغ.
ويدخل في هذا الإيعاز ما كتب لإيضاح الأصول غير العربية في اللغة العربية ككتاب أصول اللغة العربية المحكية لأحمد فارس الشدياق. وما هذا الإيعاز غير تمهيد وتشويق لما يكتبه هؤلاء الأجانب أنفسهم من دراسات للعامية أو دعوة إليها. ومن ألوان نشاطهم قيامهم بنشر الأدب العامي والدعوة إلى نشره وجمعه، وتعريب بعض التراث العالمي بالعامية.
وكل ما تقدم من دعوى إلى ضبط العامية، حققها رفاعة رافع الطهطاوي في كتبه «أنوار توفيق الجليل في أخبار مصر وتوثيق بني إسماعيل»، أو ممارسة للكتابة بها، حققها يعقوب بن صنوع في مجلته «أبو نظارة». كل ذلك تعتبره الدكتورة نفوسة من باب الترفيه عن العامة، ومحاولة تثقيفهم وتهذيبهم بلغتهم، لا سيما أن ذلك في مواضع مخصوصة محصورة.
من ثمار الصراع بين الفصحى والعامية
لقد بدأ الصراع بين حُماة الفصحى ودعاة العامية في مصر منذ صدور كتاب «قواعد العربية العامية في مصر» للدكتور فِلْهِلْم سبيتا؛ فهو أول دعوة سافرة للعامية وهجوم على الفصحى بدور أهداف الصليبية. وقد بدأت مجلة «المقتطف» الترويج لدعاية سبيتا فعارضها الغيورون من أمثال خليل اليازجي، والجمعية الأدبية الدمشقية، وأيّدها أسعد داغر وغيره.

سلامة موسى
وظلت المعركة حتى اليوم حامية بين براهين الغيورين وشبه المبطلين، يذكيها -كلما هدأت- صليبيو الغرب من أمثال ولكوكس، وصليبيو الشرق من أمثال سلامة موسى. وأشد الشعوبيين دعوة للعامية نصارى لبنان من أمثال الأسقف ميشال الفغالي، وأنيس فريحة، وسعيد عقل، والخوري مارون غصن، وجبور عبد النور. ومن الكتب المروجة للعامية كتاب «نحو عربية ميسرة» لأنيس فريحة. وكتابه «اللهجات وأسلوب دراستها» الذي يتكئ على دعوى نمو اللغة وتطورها بثراء اللهجات، وضرورة العامية، ووجوب الاحتفاء بها واستشهد بنصوص من عامية لبنان.
ولا يزال المخلصون يعرجون على دعاوى العامية وفضحها في دراساتهم اللغوية، ولهذا أفردت كتب خاصة بمناقشة دعاة العامية والتنديد بهم ككتاب «الفصحى لغة القرآن» لغربال الشعوبيين الأستاذ الغيور الشيخ أنور الجندي وكتاب «الزحف على لغة القرآن» لأحمد
عبدالغفور عطار.
إن دعوة الصليبيين إلى العامية، ومن ثم الصراع بين الغيورين والمبطلين، عامل فعّال في إثراء العامية بالدراسة. وهذه الدراسات ذات أنماط وبواعث مختلفة؛ فمنها ما كان تلبيةً لرغبة أجنبية، ولكنّ الكاتبين المخلصين للحقيقة العلمية غيرُ واعين -أو غير مهتمين- بما وراء الرغبة الأجنبية من مقاصد معادية.
فمن ذلك كتابا الطنطاوي والصباغ، الآنفا الذكر، وكتاب «مميزات لغات العرب وتخريج ما يمكن من اللغة العامية عليها وفائدة علم التاريخ من ذلك» لحفني ناصف، وكتاب «التحفة الوفائية في تبين اللغة العامية المصرية» لوفاء محمد القوني أمين الكتبخانة الخديوية، وكتاب «مقدمة التحفة» للقوني أيضًا، والذي أملى عليه فكرة التأليف في العامية رئيسه الدكتور كارل فولراس ناظر الكتبخانة.

حفني ناصف
هذه أمثلة لاستغلال الصليبيين لمناصبهم في الشرق. ومن هذه الأنماط ما كتب لتصحيح العامي ورده إلى أصله من الفصيح أو الاستغناء عنه بما يسد حاجته من الاستعمال الفصيح؛ ككتاب «أصول الكلمات العامية» لحسن توفيق العدل، و«الدرر السنية في الألفاظ العامية وما يقابلها من العربية» لحسين فتوح ومحمد علي عبدالرحمن، و«مرادف العامي والدخيل» لحسن البدراوي، و«محو الألفاظ العامية» لمحمد الحسيني، و«تهذيب الألفاظ العامية» لمحمد علي الدسوقي، و«الخلاصة المرضية في الكلمات العامية وما يرادفها من العربية» لعبدالرؤوف إبراهيم سعيد علي الألفي، و«المحكم في أصول الكلمات العامية» للدكتور أحمد عيسى، و«العامية في ثياب الفصحى» لسليمان محمد سليمان.
ومن ثمار الصراع بين الفصحى والعامية أن أصبحت العامية قضية لغوية تُعقَد لها فصول في كتب علوم اللغة والدراسات اللغوية، وانعكست آثار هذا الصراع على الفصحى ذاتها، فكتبت دراسات خاصة عن التشويق إلى الفصحى، وتبيان خصائصها ومميزاتها، ووضع السبل والمناهج لتيسير تعلمها. واندس في غمار هذه الحركات الإصلاحية دعاة الصليبية وأعوانهم والمغترون بهم من أمثال قاسم أمين، وسلامة موسى، وأنيس فريحة، الذين حرفوا دعوى الإصلاح والتيسير وفق قاعدة إلى نقله للعامية دون قاعدة.
ميزة الفصحى
ومما هو من بيان ميزة الفصحى الإشادة بالتنظيم المنطقي في بناء اللغة، وللشيخ محمد بهجت الأثري كتيب في رد مزاعم بناء اللغة على التوهم. ومما عرض من البرهنة على مسيرة اللغة العربية في معرض المقارنة بين اللغات مقارنة للأستاذ محمد شوقي أمين بعنوان: «العربية أوجز عبارة وأخصر كتابة». والإشادة بميزة الفصحى تكأة الأسلاف في مقدمات موسوعاتهم كمقدمة لسان العرب، وفي كتبهم التخصصية عن أصول اللغة ككتب ابن جني وابن فارس والثعالبي.

أنور الجندي
وفي كتب أصول الفقه تجد الخلاف في ميزة اللغة العربية بشهادة الشرع، وقد أَبَى الإمامُ أبو محمد بنُ حزمٍ ثبوتَ هذه الشهادةِ في مقدمته لكتابه الأحكام، وأنكر أن تكون لغة أهل الجنة.
وقد فخمت بعض الدوريات والمجلات دعوى صعوبة اللغة وضرورة تيسيرها؛ كالمقتطف ومجلة الهلال. ومن المراوغين في هدم ثوابت اللغة باسم التيسير، ولَتْنَنَتِها باسم التطوير سلامة موسى في كتابه «البلاغة العصرية واللغة العربية». ويكاد يكون كتاب جرجي زيدان «اللغة كائن حي» استدلالًا لقول (أوتويسبرسن) الذي زعم أن المثل الأعلى للغة في مستقبلها لا في ماضيها، وأن انطباق هذه الدعوى على اللغة العربية سائغ، فقد تميزت الفصحى وقت تنزيل القرآن الكريم، فكان واقع الفصحى هو المحك، فمستقبلها مرهون بواقعها، وما تحتاجه الفصحى من إضافة في الدلالة على موجود استجد اكتشافه، أو غير موجود استجد اختراعه محكوم بموازين النطق العربي (الصيغ).
وما ذكره جرجي زيدان من الألفاظ الاصطلاحية والمقترضة والدخيلة واقع تاريخي لما هو من منهج الفصحى أو مفروض عليها، ولا يجوز أن يكون مسوغًا لإذابة اللغة بتنمية لا تقرها الفصحى، بل هي تنمية مرهونة بظرفها التاريخي مفهومة في نطاقه. وعلى الآخذين بناصية اللغة ألّا يستبقوا منها إلا ما يُقِرّه قانون الفصحى، وألّا يعتبروا ضرورة إلا ما عدم مقابلة من المأثور، وما يدونه خاصة العلماء من التحقيق تجاه من تأخذ به العامة وأنصاف المثقفين هو الأبقى؛ لأن الكلمة لا تضيع، ولأن المرجع في النهاية لأهل التحقيق. مع أنني رأيت جرجي زيدان في كلامه عن الألفاظ العامية لا يفرق بين الكلام العامي والمجاز الفصيح نقليًّا أو نظريًّا.
العوام والعامية
ومن جنايات الدعوة إلى العامية انتشار مؤلفات مكتوبة بالعامية في المسرحية والقصة والشعر والمفاكهة والمسامرة. وأصبحت الكتابة بالعامية في هذه الفروع قضية أدبية تشغل اهتمام النقاد. ومع تهافت شبه دعاة العامية إلا أن بعض الأدباء -عن حسن قصد- لا يزالون متعاطفين مع العامية لا سيما في مجال المسرح والتمثيل معتقدين أن الحوار بالعامية ضرورة واقعية(١٩). وفاتهم أن افتراض ضرورة كتابة النصوص بالعامية إيحاء صليبي وليس حقيقة واقعية، وأكبر برهان على ذلك أن العامية ظاهرة في جميع لغات العالم، ومع هذا لم تكن منغصة على الفصيح من كلامهم.
وما أنفس كلمة الدكتورة نفوسة عن آثار الدعوة إلى العامية؛ إذ قالت: «إن كل ما تركته هذه الدعوة من آثار في اللغة وفي الأدب قد رجح كفة الفصحى على العامية، وأوضح نظريًّا وعمليًّا حقيقة كل منهما». وتنبأت الدكتورة نفوسة زكريا بسيادة الفصحى نبوءة تهز الأريحية، وقدمت البرهان على صدقها بهذه الشواهد الحية، بقولها: «إن الرأي العام متجه إلى التمسك بالفصحى، يقويه نمو الوعي القومي. وازدياد عوامل التواصل بين البلاد العربية. وانتشار التعليم».

سعيد عقل
والأدلة على تمسك العوام بالفصحى لا حصر لها، نلمسها في جنوح رجل الشارع إذا خاطب المثقفين إلى تهذيب عبارته والدنو بها من الفصيح، وفي نزوع البيئات العربية إلى تسويد اللغة الفصحى، وهذا واضح في المؤتمرات التي تعقد بينها من حين لآخر، وفي مطاردة الكلمات العربية للكلمات الدخيلة لا في ميدان الكتابة وحده بل في ميدان التعامل أيضًا. فكلمة عَجَلة أو دَرّاجة أصبحت تزاحم كلمة «بسكليت»، وكلمة عَرَبَة أو سَيّارة تزاحم كلمة «أوتوموبيل»، وكلمة برقية تزاحم «تلغراف»، وكلمة آلة التنبيه تزاحم كلمة «كلاكسون». وسوف لا يمضي وقت طويل على هذه الكلمات الدخيلة وكثير غيرها حتى يتم جلاؤها عن الألسنة. وفي سوريا شاعت كلمتان لم يكن أحد يقدر لهما الشيوع، وهما الهاتف «للتليفون»، والحافلة «للأتوبيس»… إلخ.
ومن أوضح الأدلة على تمسك الرأي العام بالفصحى أن الأدباء الذين نبعوا من العامة، ونشؤوا في أوساط شعبية، وكانت نشأتهم في الأدب نشأة عصامية، لم يدرسوا العربية دراسة منظمة، وإنما اعتمدوا في دراستها على مطالعاتهم الشخصية، صاروا يكتبون وينظمون باللغة العربية الفصحى.
أذكر منهم عبدالمعطي المسيري مؤلف كتاب: «في القهوة والأدب» سنة ١٩٣٦م، وهو عامل في مقهى بدمنهور، وأحمد محمد عرفة مؤلف ديوان: «ظلال حزينة» سنة ١٩٥٣م. وهو حلاق بمدينة الإسكندرية. والشاعر عبدالعليم القباني وقد كان يعمل طرزيًّا حتى سنة ١٩٥٦م. وله مجموعة كبيرة من القصائد نشر بعضها بطريق المجلات والإذاعة. وتقدم ببعضها في مسابقات شعرية حظي فيها بجوائز مختلفة.
فشل الدعوة إلى العامية
وعلى ضوء هذه الحقائق، يمكننا أن نقرر فشل الدعوة إلى العامية، تلك الدعوة التي أثارت كثيرًا من مشكلاتنا اللغوية والأدبية طوال هذا القرن، والتي بدأت بثورة على الفصحى، وانتهت بالثورة لها.
ومن التدليل على أن المستقبل للفصحى الإشارة إلى واقعي العربية واللاتينية في الشرق والغرب حيث صمدت اللغة العربية -وإن تعددت اللهجات- في أسوأ الظروف العربية، وتبددت اللاتينية إلى لغات عدة. وكل غيور تفرغ للفقه في لغته واستثمارها -سواء أَهَمَّتْه قضية العامية أم لم تهمه- فهو على ثقة بأن المستقبل للفصحى، وأن بقاءها مضمون حتى في أحلك عصور العامية.

نفوسة زكريا
وإذا غضضنا النظر عن أثر الصراع بين العامية والفصحى -وأخصص هذا الأثر باعتبار العامية قضية لغوية يعنى به دارسو الفصحى والمؤصلون لها- فإننا نرى التحفظ من الميل إلى العامية مع التبصر فيما يدعى أنه من العامية قضية لغوية فارضة نفسها قبل الصراع بين العامية والفصحى، وذلك أن الفصحى تنمو وتتوسع بالمجاز والاستعارة والتعريب والتوليد. وهذه الانحاء مما يتمارى فيه الإباحي والمحافظ والمعتدل.
واستخلاص الفصحى من عامي اللهجات ومنحوتها يحتاج إلى تدقيق وتحقيق، فلا نعتبر اللهجات من العامية واللحن قبل الإسلام بإطلاق، ولا نجعل نقل اللهجة ذريعة للتصحيح بإطلاق، بل نحكم في اللهجات بمقياس التفرقة بين أنواع الشذوذ باعتباري السماع والقياس.
كما أنه لا بد من دقة النظر في معاني المسموع قبل الحكم بأنه لهجة، فإذا وجدت مثلًا أن معنى «انتقع» بخلاف معنى «امتقع» فلا معنى لادِّعاء أن إحداهما لهجة. ونوادر اللهجات التي يسمونها «لغيات» نحفل به لتفسير النصوص التي قيلت بتلك اللهجة، ولا نجعلها ذريعة لتصحيح اللحن.
وقد رأيت شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- يتحاشى استحياء اللغيات والبناء عليها، وقد قال في معرض الرد على من زعم أن «استوى» بمعنى «استولى»: لو ثبت أنه من اللغة العربية لم يجب أن يكون من لغة العرب العرباء، ولو كان من لفظ بعض العرب العرباء يجب أن يكون من لغة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقوله. ولو كان من لغته لكان بالمعنى المعروف في الكتاب والسنة. وإذن: فاللهجات رجعة تاريخية لأجل تفسير اللفظ المأثور وليست امتدادًا تاريخيًّا.
0 تعليق