المقالات الأخيرة

اليوبيل الذهبي لمجلة «الفيصل»

اليوبيل الذهبي لمجلة «الفيصل»

ربما‭ ‬يكون‭ ‬حديثي‭ ‬عن‭ ‬مجلة‭ ‬‮«‬الفيصل‮»‬‭ ‬شهادة‭ ‬مجروحة‭ ‬لكوني‭ ‬رئيس‭ ‬تحريرها،‭ ‬ولكني‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬لا‭ ‬أكتب‭ ‬فقط‭ ‬انطلاقًا‭ ‬من‭ ‬ارتباطي‭ ‬العملي‭ ‬بالمجلة،‭ ‬بل‭ ‬أكتب‭ ‬أيضًا‭ ‬انطلاقًا‭ ‬من‭ ‬كوني‭ ‬قارئًا‭ ‬عربيًّا‭ ‬مشغولًا‭ ‬بالشأن‭ ‬الثقافي،‭...

مجلات صنعت زمنها وصنعت خيالنا

مجلات صنعت زمنها وصنعت خيالنا

كما‭ ‬أن‭ ‬للفكر‭ ‬‮«‬الجديد‮»‬‭ ‬مراجعه‭ ‬الكُتُبية‭ ‬الأقرب‭ ‬إلى‭ ‬الترجمة،‭ ‬كان‭ ‬له‭ ‬مجلاته‭ ‬الموافقة،‭ ‬ترحّبُ‭ ‬‮«‬بالأزمنة‭ ‬الحديثة‮»‬‭ ‬بأشكال‭ ‬مختلفة‭. ‬فالشعراء‭ ‬‮«‬المجددون‮»‬‭ ‬عرفوا‭ ‬مجلة‭ ‬تدعى‭ ‬‮«‬أبولو‮»‬،‭ ‬وجورجي‭ ‬زيدان،‭ ‬الذي‭ ‬‮«‬خلط‮»‬‭...

محاضرة لجائزة الملك فيصل العالمية في مركز أكسفورد الموسوي: العصر الإسلامي الوسيط يجب أن يُقرأ بعيدًا من التصورات الأوربية المهيمنة

محاضرة لجائزة الملك فيصل العالمية في مركز أكسفورد

الموسوي: العصر الإسلامي الوسيط يجب أن يُقرأ بعيدًا من التصورات الأوربية المهيمنة

أثار الدكتور محسن جاسم الموسوي، الحاصل على جائزة الملك فيصل العالمية، عصفًا نقديًّا في تبديد النظرة السائدة بين المؤرخين والباحثين والمستشرقين بشأن الآداب في العصور الوسطى، في محاضرة نظمتها جائزة الملك فيصل العالمية في مركز أكسفورد للدراسات الإسلامية، في المملكة...

حفل “أقرأ” الختامي: مهرجان ضخم ومتنوع حوارات وورش وتكريم غازي القصيبي بعرض فني موسيقي ولقاء للفائز بنوبل النرويجي يون فوسه

حفل “أقرأ” الختامي: مهرجان ضخم ومتنوع

حوارات وورش وتكريم غازي القصيبي بعرض فني موسيقي ولقاء للفائز بنوبل النرويجي يون فوسه

عقد من الزمن يمر اليوم، على انطلاق النسخة الأولى لمهرجان أقرأ، الذي ينظمه مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي إثراء، بالظهران، المهرجان الذي بدأ في المنطقة الشرقية في السعودية، ثم توسع ليشمل بقية المناطق السعودية، إلى أن أضحى مهرجانًا عربيًّا كبيرًا، يتقدم إليه...

نهلة الشهال: بوصلتنا الاستمرارية في «البحث وسط الخراب عما ليس خرابًا»

نهلة الشهال: بوصلتنا الاستمرارية في «البحث وسط الخراب عما ليس خرابًا»

نهلة الشهال، كاتبة وباحثة ورئيسة تحرير أسبوعية «السفير العربي»، لها مواقفها المعلنة ورأيها الصلب في القضايا الكبرى. وهي ابنة لأم عراقية حقوقية ساهمت في تأسيس ثانوية البنات في طرابلس وأب لبناني طبيب، وكان كل منهما مثقفًا يساريًّا. انضمت نهلة إلى ما عرف عالميًّا...

أزمة الشعر

بواسطة | مارس 1, 1981 | مقالات

أعرف أن كلمة «أزمة» تعبير نسبي يصعب تحديده وقياس أبعاده ومدلولاته. ما يعتبره بعض «أزمة» قد يكون في نظر بعض «كارثة محققة»، بينما لا يرى فيه آخرون سوى مظهر من مظاهر العافية والازدهار. بل إن الفرد نفسه قد يرى في أمر ما أزمة، ثم تنفرج الأزمة لا بسبب تغيير الأحداث، ولكن كنتيجة لاعتدال المزاج.

أقول هذا استباقًا للجدل -والموضوع بطبيعته مثير للجدل- الذي قد يزعم أن الشعر العربي المعاصر لا يعاني أية أزمة من الأزمات أو مشكلة من المشاكل. وأود من البداية أن أعترف أن حديثي ليس حديث الناقد أو العالم أو الدارس. فقد حرمتني الظروف عباءة الناقد، ومجهر العالم، وموضوعية الدارس، ولكنه حديث عفوي نشأ عن تجربة شخصية مباشرة مع الشعر، قراءة وكتابة، لا أشك أنها تركت بصماتها على الفكر المنطوي وراء الحديث؛ إن كان ثمة فكر.

إن الشعر العربي المعاصر لا يعاني أزمة واحدة فحسب بل أزمتين: أما الأولى فقد تعرضت لها بإسهاب وتفصيل من قبل في أكثر من موضع. ولهذا فسوف أمر عليها الليلة مرور الكرام. أما الثانية فلا أعتقد أنها لقيت نصيبها من العناية والتأمل، ولذلك فسوف أجعل منها المحور الذي يدور حوله الحديث هنا. الأزمة الأولى هي تضاؤل دور الشعر في هذا الزمان والمكان. أما الأزمة الثانية فهي الانفصام بين المقلدين والمجددين، وما أدى إليه هذا الانفصام من عجز الشعر العربي المعاصر عن الوصول إلى روح الأمة العربية ولمس خلجاتها وأحاسيسها.

تقلص الشعر وتضاؤله

أما أن دور الشعر قد تقلص وتضاءل عما كان عليه في عصور الشعر العربي الذهبية، وفي مقدمتها العصر الجاهلي، فأمر لا أعتقد أنه يحتاج إلى برهان. على أن ما دفعني إلى الخوض فيه من قبل وإلى التعرض إليه الآن، هو ما أقرأ كل أسبوع من دعاوى عريضة لشعراء عرب معاصرين يرفضون الاعتراف بهذه الحقيقة. لقد قرأت منذ فترة وجيزة رأيًا لشاعر عربي معروف يزعم فيه أن الشعر العربي يعيش اليوم أعظم عصوره، ودلل على ذلك بأن عشرات الآلاف في كل بلد عربي معجبة بأشعاره. لا اعتراض لدي على إحصائيات شاعرنا، وهو بالمناسبة كمعظم الشعراء يتحلى بنرجسية متضخمة، ولكن معيار الأهمية ليس عدديًّا فحسب، بل يمتد إلى مدى تأثير الشعر على مجريات الحياة العامة، والحياة السياسية على وجه الخصوص. وأعتقد أنه من الصعب على أي إنسان يدعي الموضوعية، أن يزعم أن الشعر في هذا القرن مؤثر رئيسي من المؤثرات المتحكمة في السلوك العام أو الخاص في الشرق أو الغرب.

لقد مضى الزمن الذي كانت فيه قصيدة واحدة تقيم الدنيا وتقعدها. ومضى الزمن الذي كان فيه بيت واحد يخزي قبيلة ويرفع أخرى. ومضى الزمن الذي كان فيه الشعر وسيلة فعالة من وسائل العمل السياسي.

لقد اجتمعتُ في «ستوكهلم» قبل بضعة أشهر مع مجموعة من أشهر الشعراء السويديين، ودار حديث طويل عن الشعر أبديت خلاله رأيي عن اضمحلال دور الشعر. ولقد عارض الشعراء السويديون، كما يعارض الشعراء العرب، هذا الرأي معارضة شديدة. قلت لهم: إنني مستعد تمام الاستعداد للعدول عن رأيي إذا استطاعوا أن يزودوني بأمثلة لقصائد كتبت في أورُبا أو أي مكان آخر من العالم خلال الأربعين سنة الأخيرة، واستطاعت أن تحقق أي قدر من الفعالية الاجتماعية أو السياسية. وقد بحث الزملاء ونقبوا في ذاكرتهم حتى انتهى الأمر بقصيدة واحدة كتبت في روسيا السوفييتية، وأحدثت من الأثر ما دفع بستالين إلى اعتقال الشاعر. ولا أظنني بحاجة إلى التأكيد أنه إن وجدت استثناءات مثل هذه هنا وهناك، فهي استثناءات تؤكد القاعدة العامة وتدعمها.

وأحب أن أسارع فأضيف أن هذه الأزمة ليست من صنع الشعر العربي، وليس بوسعه أن يتخلص من شباكها حتى تتغير ظروف الحياة نفسها. إن طفل اليوم يتلقى من التليفزيون ما كان يتلقاه طفل الجاهلية من الشعر. والخلاف الحاد الذي ملأ الدنيا عصورًا طويلة عن أشعر الناس تحول إلى خلاف من نوع جديد عن أعظم نوادي الكرة. والشاعر العربي المعاصر الذي يحلم بدور شبيه بدور أسلافه في العصور الماضية يغازل أوهامًا جميلة غرستها شياطين الشعر في صحارى عبقر.

العجز اللغوي لدى الشعراء

على أنني أود أن أمضي قدمًا، فأتحدث عن الأزمة الأخرى التي أَلَمَّتْ بالشعر العربي المعاصر نتيجة انفصاله التدريجي عن وجدان هذه الأمة؛ حتى لتكاد الأذن العربية تنكر ما تسمع من شعر، ولتكاد النفس العربية تتلقى ما تسمع من شعر دون أن تختلج فيها نبضة واحدة. إن سبب هذه الأزمة. باختصار، هو عجز الشعراء المجددين عن الحديث باللغة التي تعودت عليها الأذن العربية عبر العصور الماضية، وعجز الشعراء المقلدين عن الحديث عن الهموم التي تؤرق النفس العربية في هذه السنين من هذا العصر. غير أنه لكي نتوصل إلى قلب الأزمة فلا بد لنا من أن نبدأ برحلة سريعة تنتظم الشعر العربي منذ ولادته حتى أيامنا هذه، وخشية أن ينبري لي الأكاديميون، وأنا أتحدث في جامعة، بغضبة مضربة تنفي طابع العلمية عما أقول، أود أن أكرر هنا ما اعترفت به في بداية الحديث. إن الأحكام التي تسمعونها مني الليلة هي أحكام انطباعية، وإن شئتم فتحكمية، بل سأذهب أبعد من ذلك فأسميها عشوائية. وإن صدقني الحدس فستنتهي بي هذه الأحكام لا إلى غضب المنظرين والدارسين فحسب، بل إلى نقمة الشعراء أنفسهم مجددين ومقلدين. غير أنني تعودت على ردود أفعال كهذه حتى تكسرت النصال على النصال.

ماهية الشعر

لا أعتقد أن شاعرًا أو ناقدًا عربيًّا معاصرًا واحدًا لم يدل بدلوه في السخرية من التعريف التقليدي للشعر عند العرب. الشعر هو «الكلام الموزون المقفى». ولعلي بدوري ذات يوم سخرت مع الساخرين. على أنني بعد أن أوليت الموضوع الكثير من التفكير انتهيت إلى نتائج ثلاث:

الأولى: إن أحدًا من الساخرين والمستهزئين لم يصل إلى تعريف أفضل للشعر. ومن هنا تبقى حقيقة واضحة، وهي أن هذا التعريف -على سوئه المفرط – يظل أحمق تعريف للشعر في متناول اليد.

والثانية: إن التعريف لم يتطرق إلى نوع محدد من الأوزان أو نوع محدد من الالتزام بالقوافي، وبالتالي فالتعريف أكثر تحررًا وانطلاقًا مما يظهر من النظرة العجلى الأولى.

والثالثة: إن هذا التعريف كتب في ظل ظروف موضوعية معينة حتمت حماية الشعر من الاختلاط بالنثر. إن هذا التعريف هو في حقيقة أمره سور منيع بني ليمنع النثر من التسلل إلى قلعة الشعر. وهذه الملاحظة تقودنا بالضرورة إلى تفصيل أرجو أن أبيّن عبره ملمحًا رئيسيًّا من ملامح الشعر العربي القديم.

لقد ولد الشعر العربي في أحضان بيئة لم تعرف من ضروب الأدب ولا من أنواع الفنون الجميلة سواه. بخلاف عدد من الحضارات التي فتنت بالغناء، والرقص، والتمثيل، والنحت، والموسيقا، لم يكن العرب في جاهليتهم يعرفون أي وسيلة للتعبير الفني سوى الشعر. كان الشعر عند العرب، بصرف النظر عن دوره السياسي والاجتماعي، يمثل ما مثلته الفنون الجميلة الأخرى مجتمعة عند حضارات أخرى. ولعل هذا يفسر لنا السر الكامن وراء المكانة الخاصة التي احتلها الشعر في عقول العرب وأرواحهم. ومن هنا ندرك أن النقاد الذين عرفوا الشعر بأنه الكلام الموزون المقفى لم يكونوا سذجًا أغبياء كما يحلو لنا أحيانًا أن نتصور، بل كانوا يحاولون بطريقتهم الخاصة أن يحموا الفن الجميل الوحيد الذي عرفته بيئتهم من الانقراض والتحلل في النثر. ولعلنا في أيامنا هذه بعد أن فقد التعريف القديم تأثيره، وبعد أن أصبحت قصيدة النثر جزءًا لا يتجزأ من الشعر في رأي كثيرين، وبعد أن أصبح بإمكان أي إنسان مشوش التفكير أن يتحفنا بهذيان لا يفهمه أحد ويسميه شعرًا، لعلنا ندرك أن التعريف القديم الذي نعتبره اليوم طرفة مضحكة استطاع خلال القرون الطويلة أن يحتفظ بالشعر العربي ككيان واضح مستقل صامد في أوجه الأدعياء والعابثين.

إن كون الشعر هو الفن الوحيد الذي عرفه العرب يزودنا بمفتاح سحري نستطيع عن طريقه أن نفهم كثيرًا من الألغاز المرتبطة بالشعر العربي التي يعسر فهمها بدون هذا المفتاح. إن استبسال العرب في حماية الشعر من النثر لم يكن قائمًا على جهل أو تعصب أو سذاجة، بل كان منطلقًا من رغبة إنسانية عفوية في حماية ذلك الشيء الجميل الرائع الذي كان يرش الصحراء القاحلة قطرات من الموسيقا وومضات من الخيال. كان العرب يتوقعون من الشعر ما كان اليونان يتوقعون من ملاحمهم ومسرحياتهم، وما كان الرومان يتوقعون من تماثيلهم وموسيقاهم؛ أي تلك الهزة الروحية الممتعة التي يطرب لها عشاق الفنون الجميلة. وهكذا تحول الشاعر العربي إلى فنان يمارس الغناء والعزف والنحت والتمثيل في وقت واحد.

إنني أشعر الآن بقدر من تأنيب الضمير؛ لأنني سمحت لنفسي في فورة الصبا الذي يعتقد أنه يعرف كل شيء، أن أسخر من الذوق الشعري العربي القديم، متناسيًا أن ما أعجب العربي في بيئته الملتهبة المقفرة كان منطلقًا من تجربته الموضوعية، ومتناسيًا أنه لا يحق لي وأنا ربيب هذا القرن بطائراته وإذاعاته وتليفزيوناته وشتى عجائبه، أن أحكم على سلف لي بدون أبسط محاولة لأن أضع قدمي في حذائه كما يقول المثل الغربي. واسمحوا لي هنا أن أتخذ مثلًا على موقفي البيت الشهير المنسوب إلى يزيد بن معاوية:

فأمطرت لؤلؤًا من نرجس وسقت          وردًا وعضت على العناب بالبرد

هذا البيت يصور موقف الوداع وقد هطلت الدموع اللؤلؤية من عيني الحبيبة الناعستين على وجنتيها الحمراوين، وعضت بأسنانها البيضاء على أصابعها من الألم. لقد فتن الذوق العربي بهذا البيت منذ أن قيل حتى ظهور موجة التجديد التي حولته إلى مثل يضرب ليبين للناس سخف الشعر العربي القديم وسذاجته، وتعلقه بالزخارف اللفظية. وأذكر أن أحد النقاد قال مرة: إن هذا البيت يذكره بسلطة الفواكه التي تقدم بعد انتهاء وجبة الطعام. وقد كنت بدوري أردد كالببغاء هذا الموقف المتحيز المتحامل على البيت.

على أنني أعترف أمامكم الآن أنني عندما أتذكر أن البيت قيل في بيئة لا يكاد يوجد فيها لؤلؤ أو يزهر فيها نرجس، وبين قوم لم يتمتعوا برؤية الورود إلا في المناسبات القليلة، في بيئة لم يكن فيها رسام يستطيع رسم اللؤلؤ أو النرجس، ولا آلات تصوير تتابع حركة الأسنان والأصابع، ولا تليفزيون يبث أغنيات عن العناب والبرد، عندما أتذكر هذا كله أتصور الرعشة الغامرة التي صادمت عين العربي وأذنه وروحه وهو يستمع إلى البيت، هذه الدفقة المركزة من اللون والحركة، وأدرك أنني، كبقية الساخرين، لم أكن منصفًا حين اعتبرت البيت مجرد زخارف لفظية لا طائل وراءها، ولا يمكن أن تُعجِب أحدًا من ذوي الذوق السليم.

الغنائية واللفظية والخطابية

وما قلته عن هذا البيت يصدق على آلاف من الأبيات قد لا يرى قارئ اليوم وراءها سوى لعب بالألفاظ أو صور غريبة تابعة من خيال سادر في الغي، غير أنها في الحقيقة كانت ذات يوم لوحات فنية جميلة أقبل عليها العربي بنهم يتأمل ظلالها ويعجب بألوانها وينسى، للحظات أو لدقائق، ضراوة الحياة القاحلة من حوله. هذه «الغنائية» اللصيقة بالشعر العربي، التي يعدها بعضٌ عيبًا كبيرًا من عيوبه، لم تنشأ عبثًا أو اعتباطًا أو نتيجة جهل من شاعر أو ناقد، بل كانت نبتًا طبيعيًّا فرضته حقيقة مؤكدة، وهو أن الشعر كان غناءً بالفعل. وليس من قبيل المصادفة أن العرب كانوا يقولون: أنشد فلان شعره، وإن أعظم كتاب يؤرخ للشعر العربي يسمى «الأغاني».

هذه «اللفظية» التي يسخر منها المجددون كانت قدرًا محتومًا للشعر العربي، وهل كان أمام العربي من أدوات الفن سوى اللفظة يضعها هنا أو هناك، ويجري عليها التجارب. هذه «المنبرية» التي يهاجمها شعراء اليوم هل كان بالإمكان تفاديها في بيئة جعلت الشاعر يزاول كل مهام الممثلين على المسرح؟ هذه «الخطابية» التي تقشعر منها الأبدان اليوم، هل كانت سوى أمر منطقي في بيئة لم تعطِ الشاعرَ وسيلةً لبثِّ شعره سوى أن يقوم خطيبًا بهذا الشعر؟ أريد أن أقول: إن «الغنائية» و«اللفظية» و«الخطابية» و«المنبرية» لم تكن أوجه نقص أو مظاهر مرض، بل كانت ظواهر نَمَتْ نموًّا عاديًّا طبيعيًّا من تربة الشعر العربي.

لقد كان من أسباب الخلاف بين المقلدين والمجددين أن المقلدين اعتبروا الخصائص التقليدية للشعر العربي رائعة في حد ذاتها، ما ينبغي أن يمسها شيء من التعديل أو التحوير، بينما اعتبرها المجددون شرًّا خالصًا ينبغي القضاء عليه كليةً؛ ليمكن أن يولد شعر عربي جديد مبدع. وحقيقة الأمر، في رأيي، أن هذه الخصائص ظاهرة محايدة وهي مصدر قوة في يد الشاعر المبدع، ونقطة ضعف عند الشاعر الفاشل.

القابلية للحفظ في الشعر

وثمة ملمح رئيسي ثانٍ وسم الشعر العربي بميسمه منذ اللحظة الأولى لولادته، وهو أن هذا الشعر فتح أجفانه في بيئة جاهلة أمية لا تعرف القراءة ولا الكتابة، فلم تكن هناك من وسيلة لتداول الشعر سوى الحفظ. وهنا نضع أيدينا على مفتاح آخر يساعدنا على فهم الذوق الشعري العربي ألا وهو أن الشعر الجيد في نظر العرب كان الشعر الذي يمكن أن يحفظ بسهولة. هذه القابلية للحفظ كانت المعيار الحقيقي الكامن وراء الإعجاب بأشعار دون غيرها، وإن كانت معيارًا لا شعوريًّا خفيًّا لم يتحدث النقاد عنه صراحة. إن الشعر الذي لم يكن يقبل الحفظ، إما لعسر في تركيبه اللفظي أو معناه. أو لرتابة في كلماته جعله شبيهًا بالنثر، لم يكن عند العرب شعرًا رديئًا فحسب، بل كان شعرًا محكومًا عليه بالفناء؛ إذ وُلِدَ محرومًا من أهم مقومات الحياة.

إن المقلدين من الشعراء والنقاد اليوم لا يزالون يتحدون المجددين أن يستظهروا قصيدة واحدة، أو مقطعًا واحدًا من الشعر الحديث، مدللين بهذا التحدي على أن الشعر الحديث لا يقبل الحفظ، وبالتالي فهو ليس بشعر حقيقي. وغني عن الذكر أن الشعراء المجددين يعتبرون هذا الامتحان الذي يندر أن يجتازه أحد منهم غاية في السخف والتنطع، ودليلًا جديدًا على تحجر العقلية المقلدة. وحقيقة الأمر أن المقلدين لا يتنطعون ولا يتكلفون ولكنهم لا يزالون مشدودين في أعماقهم إلى معيار القابلية للحفظ حتى بعد أن دارت الأيام وظهرت أجهزة التسجيل ولم يعد ثمة مبرر منطقي للإصرار على الحفظ.

وحدة البيت

من هذا الاهتمام بالحفظ نشأ تقليد رئيسي أصيل من تقاليد الشعر العربي ألا وهو أهمية البيت الفرد كوحدة مستقلة قابلة للانفصال عن بقية القصيدة، وبالتالي قابلة للاستظهار ككيان قائم بذاته. إن الذين يزعمون أن الشعر العربي القديم لم يعرف وحدة القصيدة، ولا التسلسل المنطقي في بنائها، وأن بإمكان من يشاء أن يبدل ويغير في مواضع الأبيات دون إلحاق أي ضرر بالقصيدة يتورطون، بدون ريب، في شيء من المبالغة. غير أن أحدًا من المقلدين أو المجددين لا يستطيع أن ينكر أن البيت الفرد لعب دورًا حاسمًا في الشعر العربي التقليدي يفوق بكثير دور البيت في أشعار الأمم الأخرى، والغربية بوجه خاص. كان كل شاعر عربي مثل بشار بن برد، الذي أعلن هذه الأمنية بوضوح، يود لو وفق إلى بيت واحد من كل قصيدة يكتبها يرزق السيرورة والانتشار. لقد كان شعرنا العربي التقليدي، في الغالب الأعم، من الحالات شعر أبيات لا شعر قصائد. ومن هنا جاءت التعبيرات العديدة التي تتحدث عن «الشوارد»  و«بيت القصيد» و«عيون الشعر». إن الشعراء العرب الذين اهتموا بتطوير الفكرة واستقصائها أكثر من اهتمامهم بالعثور على أبيات القصيد، كابن الرومي والمعري، لم يظفروا بالإعجاب المتناسب مع مواهبهم. إن كل مثقف عربي يعرف بيت شوقي: «وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت*** فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا». ولكن كم عدد الذين يعرفون مطلع هذه القصيدة أو موضوعها؟ إن العديد من الأميين وأشباه الأميين يتمثلون بالبيت الشائع: «ما كل ما يتمنى المرء يدركه*** تجري الرياح بما لا تشتهي السفن»، ولكنني أشك في أن أحدًا من غير صفوة الصفوة يحفظ البيت الذي بسبق هذا البيت أو الذي يليه.

لقد قال لي الشاعر عمر أبو ريشة مرة: إنه لا يحب المتنبي كثيرًا لأنه شاعر أبيات. والعجيب في الأمر أن «أبو ريشة» نفسه يعترف أن أجمل بيت في كل قصيدة من قصائده هو البيت الأخير، وما الأبيات التي تسبقه إلا مجرد مقدمة أو، بحسب تعبيره، مجرد «ديكور». إن هذا الوضع المتميز للبيت الفرد في التراث الشعري العربي أمر يسعد بعضًا، ويزعج بعضًا، ولكنه حقيقة ملموسة لا يستطيع أن يتجاهلها سوى المكابرين.

كان الشعر إذن الفن الوحيد في المجتمع العربي، وكان لا بد للشعر أن ينتقل عن طريق الفم والأذن، ومن هاتين الحقيقتين انطلقت الملامح والخصائص التي أشرنا إليها فيما سبق. ومن غرائب التاريخ أن هذه الخصائص التي ولدت مع الشعر وولد الشعر معها لازمت الشعر في مختلف عصوره، وأصبحت طبيعة ثانية حتى بعد زوال مسبباتها ودوافعها. وأود أن أعرج هنا إلى نقطة ألهمت إليها قبل قليل، وهي أن هذه الخصائص ظواهر محايدة فنيًّا، تسمو مع الشاعر المحلق وتنحدر مع الشاعر المسف.

في عصور الازدهار لم تكن اللفظية أو الغنائية أو الخطابية أو القابلية للحفظ عيوبًا تؤخذ على الشعر؛ لأنها كانت الإطار الذي تتجلى من خلاله الموهبة الحقيقية والتجربة الحية. أما في عصور الانحطاط فقد تحولت هذه الخصائص إلى غايات تطلب في ذاتها على يد نَظَّامين بلا موهبة حتى أصبحت الغنائية رنينًا لا معنى له، والخطابية جعجعة بلا مضمون، والقابلية للحفظ محاولة ساذجة لاستدراج انتباه المستمع بالمحسنات البديعية. ونحن جميعًا نعرف أن شعرنا في مرحلة من المراحل تحول إلى نظم سقيم مكرور في تأريخ المناسبات والتشطير والتخميس والأحاجي والألغاز.

وهنا نقترب شيئًا فشيئًا من صميم الأزمة التي يعانيها الشعر العربي المعاصر. لقد نظر المجددون في الشعر العربي التقليدي فلم يرقهم ما رأوا، ونظروا في الشعر الغربي، فسرهم ما شاهدوا فانطلقوا بحماس بالغ يحاولون أن يدخلوا على الشعر العربي من التعديلات ما يجعله شبيهًا بالشعر الغربي، والإنجليزي بوجه خاص. إن الإنصاف يقتضي أن نقرر أن دوافع المجددين كانت مزيجًا من الرغبة الصادقة في التطوير والاندفاع الأعمى لمحاكاة الآخرين. لم ترق للمجددين الرتابة الصارمة التي تفرضها وحدة القافية ولا الانضباط القاسي الذي تحتمه وحدة التفعيلة. رفض المجددون الاعتراف بالدور المتميز للبيت الفرد وسخروا من المنبرية الغنائية. وكانت الورطة التي وقع فيها المجددون، أو غلاتهم على أية حال، هي أن للتجديد حدودًا لا يستطيع المجدد أن يتجاوزها بدون أن تنقلب جهوده إلى محاولة للهدم، ينطبق هذا على التجديد في الشعر كما ينطبق على التجديد في أي أمر من الأمور، ومن هنا انتهى غلاة المجددين بما اعتبروه شعرًا حقيقيًّا، وهو في حقيقة أمره غريب على الأذن العربية، بعيد من الروح العربية، تكتب عنه البحوث العلمية المستفيضة، ولا يكاد يستمتع به إنسان عربي واحد.

وفي الوقت الذي كان فيه المجددون يبحثون عن لغة شعرية جديدة، ويحاولون الحديث بصوت جديد متميز كان المقلدون يشنون معركة ضارية لإنقاذ الشعر العربي، مما اعتبروه مؤامرة للقضاء عليه، سلاحهم في ذلك تشبث مطلق بالقديم لا يقبل التسامح ولا التفاهم. وكانت محنة الشعر العربي مع المقلدين كمحنته مع المجددين. كان المقلدون يعيشون بأمجادهم في هذا القرن، أما أرواحهم وعقولهم فكانت ترفرف على جياد عنترة، وتطرف بخيام امرئ القيس. لقد حافظ المقلدون على الشكل، ولكنهم سقطوا سقوطًا ذريعًا في المضمون. إن أي استعراض سريع للمحاولات العديدة لمعارضة قصائد عربية شهرة بقصائد تشبيهًا في الوزن والقافية تشير إلى إفلاس المقلدين. لقد كان الشاعر الجاهلي الذي يتحدث عن الطلل الذي غادرته الحبيبة وقافلتها منذ أيام ينطلق عن تجربة حقيقية تنبض بالحب والحياة. أما شاعر اليوم الذي يناجي الأطلال فلا يذكرنا إلا ببومة تنعق في الخرائب. إن تشبيه الحبيبة بالغزال كان تشبيهًا رائعًا في بيئة الصحراء التي كان الغزال أجمل مخلوقاتها، ولكنه تشبيه ثقيل في بيئة الأسمنت والحديد والغزلان المثلجة في «السوبر ماركت». إنني أشك في أن شاعرًا من الذين يتحدثون عن المها وعيون المها اليوم قد شاهد مهاة واحدة في حياته.

حوار الصم العقيم

في ظل هذه الظروف بدأ حوار الصم العقيم الذي سرعان ما تحول إلى مهاترة، فسباب فاتهام متبادل بالخيانة العظمى، أو ما يقاربها بين الذين يجترون نونية ابن كلثوم، وبين الذين يتعلقون بأذيال ت. إس. إليوت. لقد أدى الجدب الشعري إلى نقاش لا أول له ولا آخر عن الشعر وفلسفته ودوره، حتى أخذ الشعراء من مجددين أو مقلدين ينتجون من المقابلات الأدبية التي تموج بالأحكام القاطعة أضعاف ما ينتجونه من شعر. ورحم اللّٰه المتنبي الذي كان يرفض الحديث عن شعره، ويحيل المستفسرين إلى ابن جني. لقد أصبح الشعر في غمرة المحيط الكلامي الهائج جوهرة نادرة لا يكاد الإنسان يراها في كل ما يقرأ من قصائد أو دواوين.

هذه النكبات العاصفة التي مرت بالأمة العربية ابتداء من حروب الاستقلال عبرًا بضياع فلسطين وانتهاء بكارثة الصلح الأسود، ماذا أنتجت لنا من شعر؟ هذا الإنسان العربي الضائع بين شتى الأنظمة، الحائر بين مختلف التيارات، مجروح الكرامة، دامع الأحاسيس، من الذي تكلم عن عذاباته وهمومه ومشاكله اليومية؟ ركب المقلدون ناقة الحُطيئة، وبكوا واستبكوا، فم يشدوا القلوب ولا العقول. وتأبط المجددون المعميات، وكتبوا ما لا نفهم عن تحولات الليل والنهار في أقاليم الهجرة من الداخل الذي يأتي ولا يأتي، وعندما نظرنا إليهم باستغراب أخبرونا أننا أغبياء لا نحسن الدخول إلى مغاليق القصيدة الحديثة.

لقد كان المأمول أن يقترب شعر المجددين من شعر المقلدين حتى ينتج شعر عربي جديد أصيل في الوقت نفسه. ولقد كنت حتى عهد قريب أتوقع أن تسير الأمور على هذا النحو. ولقد كانت الأمور تسير على هذا النحو بالفعل مع نازك الملائكة، والسياب، وعبدالوهاب البياتي، وصلاح عبدالصبور، ونزار قباني، وخليل حاوي، وبقية الشعراء الذين برزوا في الخمسينيات الميلادية؛ إلا أن هذا الاتجاه، التوفيقي، إن صح التعبير، ما لبث أن انتكس. مات السياب، ورجعت نازك الملائكة إلى حظيرة المقلدين، وانتهى التوهج الشعري لصلاح عبدالصبور، وصمت خليل حاوي، وانفصل شعر عبدالوهاب البياتي تدريجيًّا عن التربة العربية؛ ليصبح استعراض عضلات فكرية وفلسفية وصوفية، وانتقلت راية التجديد إلى المدرسة الأدونيسية ومريديها الذين يكتبون أشعارًا قد تكون رائعة، وقد لا تكون، باختلاف الأذواق والأمزجة. ولكنها بالتأكيد تشكل نقضًا كاملًا لكل الخصائص التي عرفها الشعر العربي طيلة تاريخه.

إن شاعرًا واحدًا فقط، من المشاهير، هو الذي أفلت من حلقة التجديد/ التقليد المفرغة، واستطاع أن يخاطب الإنسان العربي بلغة الشعر عن هموم العصر هو نزار قباني. لقد كان تجديد نزار قباني منطلقًا من قاعدة تقليدية صلبة، ومن اعتراف بالشيء المرغوب في تجديده. إن سيرورة شعر نزار لا تعود إلى ما في شعره من تهتُّك أو تحرُّر، وإن كان بعض شعره لا يخلو من هذين، ولكنها تعود إلى كونه استطاع أن يتكلم لغة يفهمها الناس جميعًا عن قضايا يعاصرها الناس جميعًا. إن كثيرًا من الهجوم الذي يتعرض له نزار قباني اليوم من الشعراء -مجددين ومقلدين- لا يعدو أن يكون شعورًا مبطنًا بالغيرة؛ لأنه نجح في الوصول إلى ما فشلوا في العثور عليه، وهو أن يكون مجددًا كالمقلد أو مقلدًا كالمجدد.

إن كلًّا من المجددين والمقلدين يدرك في قرارة نفسه، أو في عقله اللاواعي، أن إنتاجه يفتقر إلى شيء حيوي أساسي يحس بفقده دون أن يدرك طبيعته. ومن هنا نجد الشعراء المجددين الذين يدينون الخطابية والمنبرية يلقون قصائدهم بطريقة لا تختلف -في تصوري- عن الطريقة التي كان يتحدث بها الشعراء الخطابيون في سوق عكاظ. إنني أتصور عندما أستمع إلى بعض الشعراء المجددين يلقون أشعارهم على الجمهور أن الشاعر يتوقع أن يقف أحد الحضور فيقاطعه صارخًا: «لله درك، اذهب فأنت أشعر العرب». بل إن شاعرًا مجددًا هو مظفر النواب بنى شهرته لا على شعره، بل على الطريقة المنبرية الخطابية التي يلقي بها شعره. وقبل سنوات دعت إحدى كليات جامعة الرياض إلى أمسية شعرية اشترك فيها عدد من الشعراء الشباب المجددين، وبعدها بأيام كتب أحد هؤلاء الشعراء مقالًا يشكو فيه بمرارة من عدم تصفيق الجمهور.

وغني عن الذكر أن الشعراء المجددين لا يبحثون عن التصفيق كغاية في حد ذاتها، ولكن كظاهرة تؤكد لهم ارتباطهم بالجمهور الذي يعتقدون أنهم يعبّرون بلغتهم الجديدة عن أحاسيسه. وإذا كان الشعراء المجددون يشعرون أن هناك حلقة مفقودة بينهم وبين الناس، فالشعراء المقلدون يشعرون في قرارة أنفسهم أنهم يعيشون على هامش هذا العصر. ومن هنا جاءت رغبتهم المضحكة/ المبكية في إثبات أنهم معاصرون حقيقيون عن طريق حشر كلمات عصرية أو ألفاظ مستوردة في شعرهم بمناسبة وبدون مناسبة، شأنهم في ذلك شأن من يحاول أن يثبت استيعابه لحضارة أجنبية عن طريق ترديد كلمتين أجنبيتين بلكنة لا تثير سوى سخرية الساخرين.

موقفي بين المقلدين والمجددين

ولا بد لي هنا من كلمة قصيرة عن موقفي الشخصي كأحد الرعايا الصغار في مملكة الشعر العظيمة. لقد أحسست منذ أن بدأت كتابة الشعر تقريبًا، أن تياري التجديد والتقليد يتجاذبانني بلا رحمة. ولقد كنت، وأحسبني لا أزال، أميل بعقلي ومنطقي إلى المجددين، بينما يشدني قلبي وعواطفي إلى المقلدين. إنني أستطيع أن أتعاطف تعاطفًا تامًّا مع الفريقين. أتعاطف مع المجددين وهم يصرون على حقهم في أن يخطوا مسارهم الشعري الخاص. وأتعاطف مع المقلدين وهم يحاولون حماية التراث الشعري من أعاصير تهب عليه من كل مكان. لقد كتبت شعر التقليد وشعر التجديد، ولم أكن في أيهما ناجحًا كل النجاح. كنت أشعر وأنا أكتب الشعر التقليدي أنني أقرب إلى قلوب القراء والمستمعين، وأقدر على ملامسة انفعالاتهم وخلجاتهم.

وكنت أشعر وأنا أكتب الشعر الحديث أنني أكثر قدرة على التعبير عما أريد. إن الشاعر لا يكتب لنفسه فحسب. ولا يكتب للآخرين فحسب، ومع تقديري لأهل الفن للفن. وأهل الفن للحياة، تبقي الحقيقة في نظري أن الشاعر يكتب لنفسه وللآخرين في الوقت نفسه، وربما بالقدر نفسه. ولقد فشلت في أن أكتب شعرًا يلمس نفسي بقدر ما يلمس نفوس الآخرين. أقول هذا حتى لا يتبادر إلى ذهن أحد من الخبثاء أو الظرفاء أن حديثي عن مأساة المجددين والمقلدين نابع من شعور شخصي بالتفوق على هؤلاء أو أولئك. لقد شربت في الحقيقة مأساة الفريقين حتى الثمالة.

الحل للأزمة

هنا أعتقد أنكم بدأتم تتساءلون عن الحل الذي أقترحه للأزمة. وتقتضي الأمانة أن أقول: إن الاعتقاد بأن لكل مشكلة حلًّا هو وهم كبير، وإن كان يعشعش في كثير من العقول. إن بعض المشاكل تستعصي على الحل، في المدى القريب على أي حال.

والأزمة التي نحن بصددها هنا ليست تمرينًا رياضيًّا ينتهي بالرقم السحري وعبارة «وهو المطلوب». إن ظاهرة الانفصام بين المجددين والمقلدين في الشعر لا تعدو أن تكون انعكاسًا لظاهرة أشمل، وهي الانفصام بين التجديد والتقليد في المجتمع العربي بوجه عام، سواء كنا بصدد الحديث عن شؤون الحياة أو الدين أو السياسة. فقد انقسمت الصفوة من القادة والمفكرين أمام زحف الحضارة الغربية المكتسحة إلى فريقين: أحدهما فُتِنَ بهذه الحضارة، وقرر الانسياق معها والانسلاخ عن تراثه وتاريخه، والآخر رفض هذه الحضارة رفضًا باتًّا محاولًا أن يجد في التراث مأوى يعصمه من الطوفان. وبدا موقف المجددين في نظر المقلدين بمنزلة استسلام أمام المد الحضاري الغربي الذي اتخذ مرة شكل الاستعمار ومرة أخرى شكل التبشير، كما ارتدى عباءة التفوق التقني في الأحوال كافة. ونظر المقلدون إلى المجددين وكأنهم طابور خامس متواطئ مع العدو لا يستحق سوى المحاربة والاحتقار. ومن ناحية أخرى بدا موقف المقلدين في نظر المجددين بمنزلة اعتزال لهذا القرن، وهرب من واقعه، وعجز عن مواجهة متغيراته، وبالتالي نظر المجددون إلى المقلدين نظرتهم إلى عَقَبةٍ كَأْداءَ تقف في طريق التقدم والتطور. ولم يضع هؤلاء أو أولئك أي فرصة سانحة لاستعداء السلطة، واستخدام الإرهاب الفكري ضد الفريق الآخر. ومن هنا اتخذ الحوار شكلًا غريبًا لا يكاد يصدق: اتهامات بالإلحاد تواجهها اتهامات بالرجعية، ومجموعة غريبة من الشتائم تدور حول الضلال، والانحراف، والتحجر، وممالأة العدو، إلى آخر هذا القاموس البذيء.

وزاد من حدة الخلاف بين المجددين والمقلدين إدراك كل طرف منهم أنه يجهل بضاعة الآخر، والناس أعداء ما جهلوا. وراء عنتريات المقلدين هناك عجز واضح عن استيعاب مشاكل هذا العصر وتمثلها والتعامل معها. وراء حماس المجددين هناك عجز فاضح عن استلهام روح التراث والإلمام بذخائره. إن أزمة المجتمع العربي كله تكاد تتلخص في كلمة واحدة: إن القادرين على فهم هذا المجتمع عاجزون عن تطويره، والقادرين على تطويره عاجزون عن فهمه.

ومن هنا، فإنني لا أرى أي أمل في خروج المجتمع العربي من أزمته إلا بالوصول إلى قدر من النضج الفكري، يسمح بإقامة حوار هادئ سلميّ في شؤون الحياة جميعها؛ عندها، وعندها فقط، يمكن لكل من المجددين والمقلدين أن يتحادثا برُوح الفريق الواحد المتضامن المتكافل، لا بعقلية الحرب الضروس بين عدوين لَدُودين. وفي ضوء هذا المناخ من الاطمئنان يمكن للشعر أن ينمو ويزدهر مستفيدًا من تجربة أهل التجديد وأهل التقليد حتى نصل في نهاية المطاف إلى شعر رائع قريب من الروح العربية، يتلقى من التراث نبضات الموسيقا الأصيلة، والصور الوطنية المتميزة، ويتلقى من هذا العصر خلاصة ثقافاته ومواقفه، فيرى فيه الإنسان العربي المعاصر المرآة الحقيقية لأمسه ويومه وغده.


هامش: محاضرة ألقيت في الموسم الثقافي لجامعة الرياض، يوم الثلاثاء 30/2/1401هـ.

المنشورات ذات الصلة

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *