الإثنين - 2 ربيع الأول 1439 هـ , 20 نوفمبر 2017 م | مجلة الفيصل

  1. الرئيسية
  2. كتب
  3. حكايات الصقعبي متدثرة بالطفولة والغياب وفتنة الصوت

حكايات الصقعبي متدثرة بالطفولة والغياب وفتنة الصوت

رسول محمد رسول - ناقد عراقي
نشر في: الثلاثاء 27 ديسمبر 2016 | 06:12 ص
883 مشاهدة لا توجد تعليقات
A+ A A-
عبدالعزيز الصقعبي

عبدالعزيز الصقعبي

في مجموعته القصصية التاسعة «حارس النهر القديم»، الصادرة عن منشورات ضفاف في بيروت ومنشورات الاختلاف في الجزائر، يأخذنا الروائي والقاص السعودي «عبدالعزيز الصقعبي» إلى مسارات تسريد عوالم ما تعيشه الذوات البشرية في حِلّها وترحالها، في حضورها وغيابها، حضور الآخرين فيها وغيابهم.

تضم هذه المجموعة التي تقع في أربع وستين صفحة من القطْع المتوسط، أربعة عشر نصًّا قصصيًّا قصيرًا، هي: الباب الموارب، جرح، شوق، غبار، قافلة الكلمات، ورد حجري، التنين يحترق من الداخل، بقعة صوت، تفاحة، حارس النهر القديم، حكاية عشق، رغبة خاصة، سبات، هم. وهي عنوانات تتأرجح بين معناها المعجمي والشعري، أو المركب بدلالته الشعرية المنزاحة عن المعنى المعجمي كما هي الحال في العناوين الآتية: قافلة الكلمات، ورد حجري، بقعة صوت. أما عنوان المجموعة «حارس النهر القديم» فهو عنوان القصَّة العاشرة في هذه المجموعة.

في قراءتي الأولى والثانية لهذه المجموعة القصصية، وجدت نفسي بإزاء كتابة دافئة يحدوها الحنين إلى عالم الطفولة؛ هذا الحنين الذي سرعان ما نجده مسرودًا في القصَّة الأولى «جرح»، وهو عنوان بدا عاملًا سرديًّا مولِّدًا لمبنى القصَّة الحكائي، الجرح الجسمي كما بدا جراء شج رأس طفل: «ماذا عساه أن يفعل هذا الطفل ابن السابعة بحجر قذفه طفل آخر فشج رأسه وأدماه؟» (ص 9).

هذا السؤال سيتواصل مع أثر الجرح في الطفل والأب والأم، في الراهن والمستقبل، وهي عوامل مُشاركة في حكاية القصَّة، سيتحوَّل الجرح الذي جاءت موجوديته كحادث في مدينة الطائف، سيتحوّل إلى «علامة بالرأس بقيت سنوات طويلة» (ص 10)، لكنه سيتحوَّل أيضًا إلى قيمة تأريخية، بل كونها دالة على أحداث موضوعية تبدو أكبر من مجرَّد جرح جسمي ابتلي به رأس طفل.

في قصَّة «شوق» يعود الناصّ (Textor) = عبدالعزيز الصقعبي، إلى الطفولة ثانية حيث «ذاكرتي تنبض بالطفولة» (ص 11) كما يقول الراوي بضمير المتكلِّم، وكذلك الملفوظ الإخباري: «كنتُ طفلًا وكانوا يتحدثون عن أجمل نساء الحيس» (ص 12). ومرة أخرى يحضر عالم الطفولة في النَّص ذاته حيث اسم المرأة، موضوع الشوق، مكتوب بالذاكرة من دون أن يُمحى حتى يستعيد وجوده بعد حين ليسأل الناص بضمير الغائب: «هل يتجرأ ذلك الطفل ويقول لتلك المرأة: كم أنت رائعة أيتها العزيزة؟» (ص 12).

في نص «ورد حجري» ترد الطفولة بملفوظات حكائية مسردة: «كنتَ أنت الطفل حينها..» (ص 18)، ومن ثم: «ذلك الذي غادر أرضًا وطئتها أقدام أطفال يلعبون» (ص 18). إن حضور الطفولة المسرودة تضفي على حكائية هذه المجموعة طابع البراءة، لكنّها البراءة غير العابرة حتى لتبدو علامة ثاوية في نفس الناص وذاكرته التي تموج بالكثير مما راح ينجلي مسرودًا بعد حين.

في عمق الطفولة يوجد الغياب الذي تسعى مسارات السَّرد في هذه المجموعة إلى استحضاره عبر استذكار بعض الصور المتعلقة به. في «الباب الموارب» نجد الأب ذلك الذي رحل (ص 7)، وفي «جرح» نقرأ عن «الجرح القديم» (ص 10)، وفي «شوق» نقرأ عن «الذاكرة التي تنبض بالطفولة والتوق» (ص 11)، ومن ثم تساؤل الراوي الشريك في الحكي بلسانه عن «الشوق الذي يكبلني من ذاكرتي ليتجه سنوات إلى الوراء..» (ص 12).  وفي «حارس النهر القديم» يتوق «أبو سيل» إلى نهره المتدفق وقد طمرته حداثة المدن، يتوق إلى والديه اللذين جرفهما سيل النهر فماتا، وما حراسته للنهر المتهالك سوى استعادة للغائبين ربما وهمًا لكنّه الانتظار المثقل بالأسى.  وفي «رغبة خاصة» يستشعر الراوي العاشق غياب الحبيبة تحت سطوة الأمنيات: «فقط.. هي أمنيتي بأن نتحدَّث..» (ص 40). وفي «ورد حجري» يخاطب الراوي ذاته مخاطبًا إياها عن أمس مضى في ظل سطوة الرغبة الجامعة بالتواصل مع الآخر المفتقَد إليه دومًا، وتلك عذابات الذات المنعزلة التي تستشعر الغياب بحساسية مفرطة الحضور.

تتضح الكتابة في مجموعة «حارس النهر القديم» مدارًا كثير التكرار، وذلك موئل يدفعك إلى التوقف عنده؛ ففي «ورد حجري» يخاطب الراوي ذاته عن أمس مضى، يخاطبها قائلًا: «ها أنتَ أكتبك.. ألونك بألوان مسخت إلى الرمادي.. كم أنت مسحوق فدعني ألملم بقاياك وأشكِّل منها مدينة حلم جديد» (ص 18). هذا يعني أن الكتابة هنا هي تشكيل وجودي قد يستحضر الماضي على نحو مبدع وخلاق لكنّه يبقى الأثر الجديد الذي يمكن أن يكون معادلًا للغياب صوب الحضور الذي يأمله الناص/ الراوي وهو يعيد ذاته عبر التذكر، ففي «ذات مساء»، يقول الراوي: «حلمتُ بامرأة.. تقرأ نصًّا كتبته.. تسخر من كلمة قلتها.. تقرأ عليَّ مَقاطعَ شعرية.. لها.. لكل من أحب، امرأة.. لي… لكل من غادرته النساء» (ص 20).

تبدو الكتابة ههنا استعادة وجودية، ورغبة مأمولة، وهمًّا وجوديًّا، فالراوي في قصَّة «بقعة صوت» يبحث، بحسب ما يقول: «عن كلمات قد أعرفها.. قد تعرفني.. قد أفهمها.. قد تمتلكني..» (ص 24). وفي «حكاية عشق» يروي العاشق تجربة قد تكون يومية في مخاطبة الحبيبة التي يبحث عنها يوميًّا: «الواقع الذي يجعلك تجهشين بالبكاء.. وتبحثين عن رجل مثلي يجلس على كرسي وأمامه طاولة صغيرة ليكتب على أوراق بيضاء هموم الآخرين» (ص 34)، ومن ثم يخاطب الحبيبة الغائبة قائلًا: «أوظف عددًا من الكلمات وأجعل لكل كلمة موقعًا خاصًّا… أجند كل الكلمات لتعزف لحنًا يوقظ نخوة الرجال… سأكتب بذلك الدم حكاية عشق لرجل أحب امرأة ذات يوم..» (ص 35).

في «حارس النهر القديم»، أبدى عبدالعزيز الصقعبي بوصفه ناصًّا، أبدى حرصًا لافتًا على تسريد «الصوت» كعلامة سيميائية دالة على توليد الحدث في بعض قصص هذه المجموعة، ومنها قصَّة «بقعة صوت» التي لعب المتخيل السَّردي لديه ابتداء من العنوان على شعرية التسمية والعنونة والحدث، فيمكن أن يقال مثلًا «بقعة لون» أو «بقعة طين»، أما أن يقال بقعة صوت فذلك عدول معنوي وانزياح دلالي مغاير، وتلك هي بعض جماليات الكتابة السَّردية في لعبة القول الإبداعي.

تحكي قصَّة «بقعة صوت» تجربة مسافر من جدة السعودية إلى الدار البيضاء المغربية، مسافر يزعجه صوت الكرسي الذي يجلس عليه في رحلة طيران تستغرق سبع ساعات متواصلة، يتساءل الراوي قائلًا: «لكَمْ هو مزعج… هدير صوته يجعلني أترنح؟ لماذا لا يصمت..؟» (ص 23). ومن ثم يشخص مكانية الصوت كحدث: «المقعد لا يغادرني مطلقًا في زمن يحملني به إلى هنا التي غالبًا ما تكون هناك..» (ص 23).

في تلك الأثناء، يتحوَّل الصوت إلى موضوعة تأمل واستذكار لكل صور الصوت المزعجة التي يعمل الناص على تسريدها، وهي تجربة ستجد صداها في قصَّة «رغبة خاصَّة» التي يتوغَّل الصقعبي فيها، نحو تفكيك بنية الملافظ الصوتية التي تضمُّها كلمات قابعة في ذات البطل المسرود بعمق، إنها تجربة الصوت الوجودية، تجربة العلاقة بين الحروف المنطوقة، أو التي يُراد نطقها ضمن مسار السَّرد، والذوات البشرية، فالمعشوقة من جانب العاشق في نأي تواصلي عنه، وهنا غياب من نمط آخر، بل هو ضياع الأنا من نمط مختلف أيضًا حرص الناصّ على تسريده عبر ملفوظ «مرحبًا» الذي يتمنّى البطل نطقه كصوت كامل في مواجهة المحبوبة التي أسدلت أبواب الاستماع إلى هذه اللفظة، فيبقى يدور ويدور مفككًا هذا الملفوظ التواصلي مع ذاته، لكنَّه في النهاية يجلس مع المرأة المتبناة رغبة وعشقًا، يجلس إلى جانبها:

«- هي أمنيتي.. بأن نتحدَّث.

– فقط.

– لا أدري.. إذا كان هنالك شيء غير التحدث معك.

– كم تدفع؟!» (ص 40).

إنها عوالم غير معتادة يروّدها عبدالعزيز الصقعبي في مجموعة قصصه «حارس النهر القديم»، ما يكشف عن تجربة دافئة التلقِّي في مبنييها؛ السَّردي والحكائي معًا، وهي تجربة استدرجت لغة توصيل سردي تفتح للقارئ آفاق القراءة التأويلية، كون السرد فيها يلاعب فراغات الحكي وبياضات التدوين؛ ما جعل الكتابة لدى الصقعبي تمنح القارئ فضاءات للقراءة الجمالية مفتوحة الأثر.

اترك تعليقاً