السبت - 3 محرم 1439 هـ , 23 سبتمبر 2017 م | مجلة الفيصل

  1. الرئيسية
  2. تقارير
  3. معهد العالم العربي.. خيبات وآمال تتجدد

معهد العالم العربي.. خيبات وآمال تتجدد

أوراس زيباوي - باريس
نشر في: الثلاثاء 30 أغسطس 2016 | 12:08 م
1351 مشاهدة لا توجد تعليقات
A+ A A-

أثار «معهد العالم العربي» منذ تأسيسه سجالًا واسعًا حول دوره وتمويله وتطلّعاته، وإذا تباينت الآراء حول هذه المسائل فثمة إجماع حول خصوصيّة المعهد الذي يمثّل الصرح الثقافي الوحيد من نوعه في أوربا، بل في العالم أجمع، هذا المعهد الذي تزداد الحاجة إليه اليوم، في هذه اللحظة التاريخية الدقيقة، يعيش مرحلة تحوّل إيجابي مع رئيسه الجديد جاك لانغ، ويستقبل مديرًا جديدًا بدءًا من سبتمبر الجاري هو الناقد والأكاديمي السعودي معجب الزهراني الذي يخلف السعودية منى خزندار.

وإذا كان الزهراني يعطي مصداقية لهذا الموقع وثقلًا عربيًّا داخل المعهد بفضل مساره الثقافي، وتجربته وانفتاحه على الثقافات المختلفة، لا سيما الثقافة الفرنسية التي يعرفها عن قرب، فإنّ التساؤلات تبقى قائمة حول الفرص التي ستتاح أمامه، وحول التحديات التي ستواجهه. وهو يعي الصعوبات التي تنتظره.. لكن المعهد، وكما عبّر الزهراني في تصريحات صحافية، هو فرصة «لنصنع أثرًا جماليًّا عربيًّا». هذا يعني أنه يفد إلى باريس بكثير من الأمل، ويؤمن بقدرة الثقافة والفن على تغيير الصورة النمطيّة السائدة..

جسر بين أوربا والعالم العربي

تأسس معهد العالم العربي في باريس عام 1980م بعدما اتفقت فرنسا مع عدد من الدول العربية الأعضاء في الجامعة العربية على تأسيس مؤسسة للتعريف بالثقافة والحضارة العربيتين في فرنسا، وجعلها جسرًا بين فرنسا وأوربا من جهة، والعالم العربي من جهة ثانية. وقد أرادت فرنسا أيضًا، من خلال هذا المعهد الخاضع للقانون الفرنسي والمسجل كمؤسسة ذات نفع عام، أن تدعم علاقاتها السياسية والدبلوماسية والاقتصادية في العالم العربي، وهي علاقات تاريخية قديمة ترجع إلى أزمنة بعيدة.

mojeb

معجب الزهراني

منى خزندار

منى خزندار

يقع المعهد في الدائرة الخامسة في قلب العاصمة الفرنسية بالقرب من عدد من الصروح والمعالم التاريخية العريقة، كجامعة جوسيو، وجامع باريس الكبير، وثانوية هنري الرابع، وقد أشرف على بنائه مجموعة من المعماريين، ومنهم جان نوفيل الذي يتمتع اليوم بشهرة عالمية بالتعاون مع مكتب «أرشيتكتور أستوديو» للهندسة.

يتميز المبنى بطابعه الحديث الذي يستوحي بعض عناصر العمارة العربية الإسلامية، كما في واجهته الجنوبية حيث تطالعنا عناصر معمارية مستقاة من المشربيات المؤلفة من نوافذ صغيرة تنغلق وتنفتح مع تبدل حركة الضوء. افتتح المعهد عام 1987م في عهد الرئيس الراحل فرنسوا ميتران المعروف برعايته لعدد مهم من المشاريع الثقافية الكبرى التي أصبحت اليوم من معالم باريس الأساسية، ومنها «مكتبة فرنسا الوطنية»، و«متحف اللوفر الكبير»، وهرمه الزجاجي، وقوس النصر الكبير، وأوبرا الباستيل…

منذ افتتاحه حتى اليوم، أقيمت في المعهد مئات الأنشطة الثقافية في مختلف المجالات، ومنها الفنون، والسينما، والإصدارات الجديدة، والندوات الفكرية التي تستضيف الشخصيات العربية والفرنسية. كما أن المعهد يضم مكتبة كبيرة تحتوي على آلاف الكتب، وتضمّ متحفًا جميلًا أعيد افتتاحه عام 2012م، وهو يعرّف بحضارة العالم العربي، مركّزًا على تنوعه الديني والإثني واللغوي منذ مرحلة ما قبل الإسلام.

في موازاة النشاطات الأسبوعية، تقام في المعهد المعارض الموسمية الكبرى التي تستقطب آلاف الزوار، ومنها المعرض الذي يتواصل حتى نهاية الشهر الجاري تحت عنوان «حدائق الشرق»، ويروي مسيرة الحدائق في العالمين العربي والإسلامي، مبيّنًا استنادها إلى أسس جمالية وهندسية وروحية مستمدة من الموروث الثقافي العربي الإسلامي عبر العصور. وبهذه المناسبة، أنشئت في باحة المعهد حديقة تجسّد هذا الطراز من الحدائق وتستمر طوال مدة إقامة المعرض. إنها حديقة عابرة ومؤقتة يتفاجأ بها الزائرون والعابرون من هناك حيث القلب التاريخي لمدينة باريس.

جاك لانغ

جاك لانغ

«معهد العالم العربي» مؤسسة تخضع، كما سبق أن أشرنا، للقانون الفرنسي. منذ تأسيسه يرأسه رئيس فرنسي يرشحه رئيس الجمهورية الفرنسي، أما مديره العام فهو عربي ويختاره مجلس سفراء الدول العربية المؤلف من 22 دولة. الرئيس الحالي للمعهد، ومنذ مطلع عام 2013م، هو السياسي والقانوني الفرنسي والوزير السابق جاك لانغ الذي خلف رونو موسولييه، وتقلد في السابق مرتين منصب وزير الثقافة، ومرة واحدة منصب وزير التربية والتعليم، وكان له أثر مهم في الحياة الثقافية في فرنسا، وقد تجلى هذا الأثر في مجالات كثيرة تشمل الموسيقا والمسرح والفنون البصرية والمتاحف.

عندما تسلم لانغ رئاسة المعهد كان هذا الصرح الثقافي يعاني مشكلات مالية وإدارية كثيرة، كما كان يعاني انخفاض في عدد زواره. ويرجع السبب في العجز المالي إلى إحجام الدول العربية، ومنذ أكثر من خمس عشرة سنة، عن المساهمة في الميزانية السنوية للمعهد. وكان الاتفاق بين الدول العربية وفرنسا ينص على الصعيد المالي أن يساهم الجانب الفرنسي بنسبة ستين بالمئة من الميزانية العامة، ويساهم الجانب العربي بأربعين بالمئة. غير أن الجانب العربي تراجع شيئًا فشيئًا عن مساهمته منذ بداية التسعينيات، وصارت فرنسا وحدها هي التي تتولى الأمور المالية، وتساهم في الميزانية، وهذا أدى إلى إلغاء كثير من النشاطات والبرامج الثقافية، وإلى تدهور مهم في الشراكة العربية الفرنسية.

بعد أن تولى جاك لانغ الرئاسة، قام بخطوات عدة لاستعادة العلاقات مع الدول العربية، وتشجيعها على المساهمة في تمويل المشاريع الثقافية، فأصبح بعض هذه الدول يقوم بمساعدات محددة تطال هذا المشروع أو ذاك، ومن هذه المشاريع والنشاطات، على سبيل المثال، مساهمة مكتبة «الملك عبدالعزيز العامة» في الرياض في تمويل معرض «الحج» الذي أقيم عام 2014م، ومساهمة المغرب في تمويل المعرض المخصص لإبداعات المغرب المعاصر عام 2014م أيضًا. وهكذا أمست كل المشاريع التي تحققت، والتي ستتحقق في المستقبل، مرتبطة بتمويلها الخاص.

تحولات هيكلية

لقد شهد «معهد العالم العربي» في عهد رئيسه الراحل دومينيك بوديس تحولات في هيكلته، ومنها قيامه بتعديل القانون الذي يمنع الرئيس الفرنسي تولي منصبين. وقد جاء هذا التعديل بعد انتخاب بوديس نائبًا في البرلمان الأوربي عام 2009م، كي يتمكّن من الاستمرار في عمله رئيسًا. كذلك صار للمعهد في عهده رئيسان: الأول هو رئيس المجلس الأعلى، والثاني هو رئيس مجلس الإدارة.

إعادة هيكلة المعهد أدت إلى تقليص صلاحيات المدير العربي، ومنح الرئاسة الفرنسية صلاحيات إضافية. وفي زمن دومينيك بوديس كان هو رئيس المجلس الأعلى، وبرونو لوفلوا رئيس مجلس الإدارة. وعندما تولى جاك لانغ رئاسة المعهد أصبح يتمتع بمنصبين: رئيس المجلس الأعلى ورئيس مجلس الإدارة. وقد بقي منصب المدير العربي فارغًا بعد رحيل منى خزندار التي تبوأت هذا المنصب عام 2011م لمدة ثلاثة أعوام.

إنّ تعيين معجب الزهراني اليوم مديرًا للمعهد من شأنه أن يعزّز الحضور العربي فيه، ويفتح هذا الصرح الثقافي النادر، الجاثم على ضفة نهر السين، على مبادرات جديدة يحتاج إليها المعهد في الظروف الراهنة التي تجتازها فرنسا، وأمام التحديات التي تواجه الجاليات العربية والإسلامية بعد العمليات الإرهابية التي من أهدافها شقّ الصفوف، وإحداث هوّة بين مكوّنات المجتمع الفرنسي. يبقى السؤال حول الإمكانيات المتاحة أمام الزهراني، وحدود التحرّك الذي سيجد نفسه فيها، هو الذي يعرف معنى الدور المنوط بالثقافة بشكل عامّ، وفي أزمنة المِحَن بشكل خاصّ.

صلاح ستيتية: أنتظر مواقف تتلاءم مع آفاق الثقافة العربية في حوارها مع الثقافة الغربية

صلاح-ستيتية

صلاح ستيتية

«معهد العالم العربي» الكائن في باريس على أرض حضارة قديمة كأرض فرنسا، هو رمز لحضارة أخرى، قديمة هي أيضًا ومتعددة، كالحضارة العربية الإسلامية؛ لذلك يجب أن تكون التحديات على مستوى الآمال المعلّقة على هذا المعهد في جميع ميادين الإبداع. وعلى المستوى الشخصي، أنتظر من الرئاسة الفرنسية الحالية للمعهد، ومن المدير العربي الجديد مواقف تتلاءم مع آفاق الثقافة العربية في حوارها مع الثقافة الغربية في هذه الأيام الصعبة، حيث يعمل بعض المجرمين على تحويل الحوار الثقافي إلى حرب عنصرية قذرة.

تمنحني معرفتي الشخصية القديمة بجاك لانغ، وما سمعته عن الإمكانيات الثقافية التي يتمتّع بها معجب الزهراني، كثيرًا من الأمل في ما يمكن أن يقدمه معهدنا العزيز في تطلعاته وإنجازاته.

أسعد عرابي: لا يمكننا نفي خيبة الأمل المزمنة

أسعد عرابي

أسعد عرابي

«كثيرًا ما نطرح على أنفسنا السؤال نفسه حول هذا الصرح الكبير في عمارته ونفقاته وطموح مشروعه منذ الأساس، وحتى حول موقعه الإستراتيجي في قلب العاصمة الفرنسية بجانب نهر السين. لا يمكننا أن ننفي خيبة الأمل المزمنة في كلّ مرة نطرح مثل هذا السؤال أمام تواضع ما أنجزه المعهد. مع ذلك، نحن من الذين يأملون دائمًا في تحسين ظروف المعهد والتأكيد على إيجابياته. فهناك مثلًا أسماء مرّت على المعهد، بحجم الأمل الذي كنا نملكه في البداية، مثل الناشر والباحث السوري فاروق مردم بك، لكن الشروط التي عاقته عن العمل دفعته إلى أن يستقيل. وهذا مثل واحد من أمثلة كثيرة، يعني أنّ المعهد لا يزال مشروعًا قيد التحقُّق ولا نزال بانتظار ما هو أفضل.

اترك تعليقاً