“لقاء مارس 02: تواشجات” دعوة إلى إعادة تصور مستقبل أكثر شمولًا وإنصافًا

“لقاء مارس 02: تواشجات”

دعوة إلى إعادة تصور مستقبل أكثر شمولًا وإنصافًا

فيما يشبه الالتزام الأخلاقي والجمالي، تبنى لقاء مارس السنوي، الذي تنظمه مؤسسة الشارقة للفنون، في دورته الجديدة التي انتهت أنشطتها قبل أيام، طيفًا واسعًا من القضايا والموضوعات والنقاشات وعروض الأداء، التي لئن اختلفت وتعددت وتنوعت، إلا أنها تذهب كلها إلى منطقة واحدة، كيف يمكن مواجهة العنف ومقاومة السائد، بشروط مختلفة وطرائق جديدة، أي العلاقة بين الثقافة والسياسة في إطار أوسع.

شكل “لقاء مارس”، الذي شارك فيه عدد كبير من الفنانين والكتاب والإعلاميين، منبرًا حرًّا للنقاش وتبادل الآراء ومشاركة الحضور مدى الصعوبات التي تعترض الممارسين الفنيين، وما يحتاجه هؤلاء من وسائل كي يتغلبوا على تلك الصعوبات، فضلًا عن تسليط الضوء على المجموعات التي تعمل ضمن المجتمع، لتعزيز العدالة الاجتماعية، انطلاقًا من الممارسات المشتركة.

موضوعات وورش وحوارات، تتداخل وتتشابك وتتواشج، معبرة عن لحظة زمنية مفارقة، ملؤها الدمار والإبادة في أشكالها الأكثر دموية. ومن هنا، أخذ اللقاء هذا العام عنوان “تواشجات”. ولا يبدو أن هوية المجموعات الفنية، المشاركة، تستقيم بعيدًا من تواشج العلاقة بين الفن وبناء المجتمع والمشاركة الاجتماعية. يذهب “لقاء مارس”، الذي أقيمت جلساته في مدرسة خالد بن محمد، إلى جوانب وتفاصيل، لا تبدو واضحة ولا متعينة بالنسبة للمتلقي، وغير متوقعة كذلك، لنأخذ مسألة التمويل، مثالًا. ليس صعوبة الحصول عليه، إنما عملية إدارته والتقارير التي تكتب عن هذه العملية، وما تستغرقه من وقت، قد يأتي على حساب الوقت الذي يحتاجه الفنان لإنجاز مشروعه الفني، وذلك بسبب الأنظمة والقوانين التي تأخذ وجوهًا عديدة منها ما هو سياسي، وهو الأمر الذي يمارس تهديدًا مباشرًا للعملية الفنية، في حال كفت عن الاستغناء عن التمويل، الذي يأتي مقرونًا بشروط صعبة.

حضور لقاء مارس كانوا على موعد مع كل ما من شأنه، من أساليب وطرائق، إعادة النظر في المقاربات الفنية التي يمكن أن تسهم في «إعادة تشكيل دور الفن والفنانين في واقعنا الحالي، كما تستعرض أشكال التجمع البديلة التي قد تكون بمثابة أدوات للعدالة الاجتماعية والتضامن والتوعية الفكرية». انطوى “لقاء مارس” على دعوة واضحة إلى إعادة تصور مستقبل أكثر شمولًا وإنصافًا، ويقوم على مبادئ الاستدامة والعيش الكريم، وذلك بالاعتماد على أشكال متعددة من الإنتاج الثقافي والمعرفي ضمن الممارسات التعاونية.

في جلسات “لقاء مارس” يعرف المتلقي كيف يمكن للعمل التعاوني أن يعزز من مفاهيم التمثيل الفني الفاعل، لا سيما إبان الاضطرابات العالمية؟ وما دور مشاركة الموارد الفنية والثقافية في التعامل مع الهشاشة، وغياب الاستقرار، وتحفيز الحوار وتعزيز المساواة؟

تحدث مشاركون عن الأساليب التي تتحول إلى التشابك والعُقد. أنواع مختلفة من العُقد، والصبر هو الوسيلة الوحيدة لتفكيك هذه العُقد. لكن تبقى العقدة عقدة، في رأي هؤلاء، ما لم نستطع تفكيكها. الأمر نفسه ينطبق على المجموعات الفنية، فهي تتحول وفق الظروف وبالتالي تتغير وظيفتها. وأيضًا العقدة تلتف حول نفسها، وهكذا هي المجموعات الفنية. في الجلسات عاين المتلقي تفاصيل الزمن المحمل بالعنف والجوع في كل مكان. وكيف أن إصلاح نسيج الزمن، يحتاج إلى التركيز على ما هو غير مرئي، وتوقع المشكلات المحتملة. على أن المطلوب من المجموعات الفنية، ليس مجرد رد فعل على ما يطرأ من عنف، إنما بناء زمن طويل من الملاحظة والتحليل. فالأفكار تصل بطرق مختلفة، وبوسائل وأدوات تخلق شبكات متنوعة.

في “لقاء مارس” يكون المتلقي على موعد مع أشكال من المقاومة، ليس أقلها الحياكة والتطريز، لتعزيز الهوية ومواجهة الاندثار. إضافة إلى الفن النسوي، بصفته وسيلة مقاومة من أجل الاستمرارية. فالنساء لسن فقط شاهدات على التدمير، إنما بطلات تدافعن عن الحق، والتأكد من عدم نسيان ما حدث، مستقبلًا. كذلك الشعور بالسعادة والبهجة بصفتهما درعًا ضد ما يواجهنه يوميًّا. فالحاجة إلى الشعور بالسعادة والبهجة مسألة أساسية في ديناميكية الفن.

طرح “لقاء مارس” قضية المؤسسات والفضاءات الفنية غير الربحية، التي تعد شريان حياة للفنانين والمنتجين الثقافيين، لا سيما أولئك الذين عانوا تاريخيًّا من ضعف التمثيل أو البُعد من المراكز الفنية الغربية، ويتمثلون في تجارب فلسطينية ومن جنوب آسيا وإفريقيا. ومن تقاطعات الممارسات الفنية المعاصرة والهوية الثقافية والذاكرة الجمعية، إلى العلاقة بين الذاكرة والمادية وتواريخ النزاع؟ إضافة إلى كشف السبل التي يوحّد فيها الفن نضالات المرأة عبر مختلف الخطوط العرقية والدينية؟ مرورًا بمختلف الإستراتيجيات التي اتبعتها أبرز الشخصيات النسائية للتصدي للبنى البطرياركية، وإفساح المجال أمام الأصوات المهمشة، وتعزيز الخطاب العام الذي يحتضن الجميع. وتأكيد الحاجة إلى صياغة فضاءات جديدة للتعبير، وأنماط بديلة للعلاقات الاجتماعية، حيث يجد الفنانون والمجتمعات الإبداعية سبلًا للتنظيم الذاتي والتجمع والعمل والتخيل والإنتاج، فضلًا عن مقاومة التهميش وكراهية الأجانب والنزوح والإلغاء. وكيف بإمكان بعض الفضاءات احتضان ثقافات اجتماعية شاملة تزرع الأمل في أوقات الصراع؟

طارق علي: أن تكون في هذا العالم

الروائي والكاتب الباكستاني طارق علي، تطرق، في إحدى الجلسات وكانت بعنوان “أن تكون في هذا العالم”، إلى الوسائل والتقنيات الجديدة، ودورها في تسريع عملية انتقال منتج ثقافي أو فني إلى قاعدة عريضة من الجماهير، في بلدان مختلفة، في وقت قياسي. والكاتب البارز تحدث أيضًا عن الأزمات، وعن الدمار الذي لحق بغزة، مثالًا، وعن ردود الفعل المؤيدة لوقف الحرب، من ناحية، ومن ناحية أخرى كيف تعاطى الإعلام الغربي مع هذه الردود. ويرى طارق علي أن الإبداع قوة تستطيع إحداث التغيير والتضامن، والتحدي لمراكز السلطة، مما يرسم معالم خطاب عام يتقاطع مع الحراك الشعبي. وقد استشهد بعدد من النماذج الأدبية، التي تم إنتاجها في أزمنة متباعدة، وعبرت عن موقف من الحرب والإبادة الشاملة، وتبنت المقاومة، نماذج لسرفانتس وشكسبير وأبي العلاء المعري وولادة بنت المستكفي وبيكاسو وسعدي يوسف وسواهم، مؤكدًا أن السياق الذي أنتجت فيه هذه الأعمال، مؤثر وأثر في الجميع. ويلفت إلى أن المأساة التي يعيشها العالم، لا يمكن تجاهلها أو تناسيها. ويذكر أن الشرق الأوسط الجديد، يتم استعادته من جديد وبطرق جديدة. وليس فقط الشرق إنما العالم كله. وتحدث عن الإعلام، عبر أبرز وأكبر ممثليه، وكيف أن هذا الإعلام يضيق بالحقيقة، بل يحاول تشويهها وطمسها، مستشهدًا بصحيفة كبرى مثل النيويورك تايمز وما ترتكبه من تشويه وكذب، سابقًا حيال العراق ولاحقًا بالمعارضين ضد إسرائيل وحربها على غزة.

في عيون حاضرنا، نسمع فلسطين

حفل “لقاء مارس” بحضور لفلسطين، عبر أكثر من مجال، مثل التشكيل والموسيقا وعروض الأداء. فلسطين، كبؤرة متوترة وجرح مفتوح باستمرار، جرح يختبر المواقف العالمية والضمير الإنساني. فتحدث الفنان الفلسطيني تيسير البطنيجي عن تجربته، ممثلة في عمله التشاركي، “من باب الاحتياط”، الذي أنتجه كجزء من المشروع الفني “do it بالعربي” عام 2015م، وهو عبارة عن تصنيع نسخ من حمالات المفاتيح. والعمل، الذي يتعاطى مع اللحظة الراهنة التي تشهد ترحيل مليوني فلسطيني في غزة منذ بدء العدوان الإسرائيلي يوم 7 أكتوبر 2023م، في ظل تدمير نصف البنية التحتية للمدينة وإزالتها من الوجود، يمكن النظر إليه بصفته يترك أثرًا معينًا في مسار الشخص في هذا المكان والزمان، ولمحة من “موطن” المرء أو “نفسه” أو “مكانه الآخر”. في الجلسة تطرق البطنيجي إلى الفنان وكيف يمكنه التعبير عما يحدث. وإلى الفن المفاهيمي والسياق السياسي، وتطوير قدرات الفنان بالاطلاع على تجارب ناجحة، وكيف هو ضروري إيجاد بدائل، مثل المنصات الرقمية، وطريقة للتفاعل ودعوة الناس إلى التفاعل. وذكر البطنيجي أن الأدوات التقليدية لم تعد تجد، وأنه لا بد من اللجوء إلى الوسائل الحديثة.

وفي سياق حضور فلسطين، نظمت جلسة أدارها الرسام والكاتب إسماعيل رفاعي، وشارك فيها كل من فيرا تماري وسليمان منصور ونبيل العناني وتيسير بركات، ودارت حول مجموعة “نحو التجريب والإبداع الفنية”: الفن بوصفه فعل تغيير ومقاومة. تناولت الجلسة المحطات التي مرت بها هذه المجموعة، وانتقالهم من مرحلة إلى أخرى، في سياق مواجهة المحتل والتحريض عليه. وشملت هذه المحطات التغير في استعمال الأدوات والمواد وقبل ذلك الرؤى والأفكار حول الفن، والانتقال من الجماعي في التعبير إلى الفردي والخاص. وتوقف هؤلاء الفنانين عند الأثر العميق الذي تركته فيهم الانتفاضة الأولى، التي اندلعت في العام 1987م، إذ أدت الانتفاضة، التي كانت تحمل وعدًا متجددًا بالحرية والتحرر، إلى إحداث إصلاح جذري في مفهوم الممارسة الفنية وتطلعاتها، باعتبارها عنصرًا أساسيًّا في المقاومة الشعبية. وتناولت الجلسة “الظروف التاريخية والسياسية الفلسطينية، التي أفضت إلى نشوء فكرة المجموعة وتأسيسها، فضلًا عن دورها كحلقة وصل بين ممارسات الفنون الجميلة المحلية، والتيارات المعاصرة في الحراك الفني الفلسطيني”. في الجلسة تحدث المشاركون عن الخروج على القوالب الجاهزة، منفتحين على العالم عبر تفكير معمق حول الفن ودور الفنان في توصيل صوته إلى العالم. واستوعبت تجاربهم قضايا جديدة، مثل المرأة والجسد، وصار الفن مواجهة فردية مع جمهور المتلقين، الذين تغير دورهم أيضًا.

وفي السياق الفلسطيني نفسه قرأ الشاعر مصعب أبو توهة، في إحدى الجلسات، قصائد باللغة الإنجليزية، قصائد جاءت موسومة برائحة الحرب وندبات الشظايا، تشهد على استحالة العيش تحت الحصار في غزة. وفي جلسة أخرى، بمناسبة مرور 20 عاما على تأسيس فرقة “ثلاثي جبران” ناقش سمير جبران وسامر جرادات، التوازن الدقيق بين الطابع الفني الفردي والجهود الجماعية. ويربط الحوار بينهما، بين الجوانب الإبداعية والإدارية اللازمة لاستمرار المبادرات المشابهة لفرقة الثلاثي جبران، لا سيما فلسطينيًّا.

و”في عيون حاضرنا، نسمع فلسطين”، وهو عنوان معرض تم تدشينه في 23 ديسمبر ويستمر إلى 14 إبريل المقبل، ويعد تفصيلًا أساسيًّا في قماشة المشاركة الفلسطينية في “لقاء مارس”. يسلط المعرض الضوء على الإنتاج الإبداعي لمجموعة من الفنانين الذين كرّسوا ممارستهم الفنية لخدمة القضية الفلسطينية، والتعريف بتاريخ الاحتلال، والدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني. ويقام المعرض في ضوء المأساة المتواصلة التي تشهدها غزة، ويأتي في سياق الدعم المستمر من مؤسسة الشارقة للفنون لفلسطين وشعبها، ويمثل شاهدًا على النضال الفلسطيني الممتد لعقود دفاعًا عن الأرض والسيادة. وبينما تقف الأعمال الفنية المشاركة شاهد عيان على التهجير القسري والخسائر الفادحة، فإنها تحتفي بالموروث والهوية الفلسطينية الغنية، مفسحة المجال أمام التعبير عن روح التضامن مع الشعب الفلسطيني في قضيته العادلة. يسرد المعرض، الذي يقام في عيادة الذيد القديمة، وقصر الفنون (قصر الشيخ خالد بن محمد) في الذيد، حكايات متنوعة عن الشعب الفلسطيني ومناصريه، بما يؤسس لفضاء نتعلم منه ونتماهى فيه، ويضم أكثر من 60 عملًا فنيًّا تتراوح ما بين لوحات ومنحوتات وأعمال تركيبية وأعمال فيديو، والتي تعد جزءًا من مقتنيات مؤسسة الشارقة للفنون.

ترينالي الشارقة للعمارة: جمالية المتغير: عمارة التكيّف

يُمثل “ترينالي الشارقة للعمارة 02” جهدًا جماعيًّا لاستكشاف البيئة المبنية، والاحتفاء بالتقاليد المنسية في المنطقة لبناء مستقبل أكثر استدامة وإنصافًا للجميع. وتعد الشارقة، في رأي القيّمة للدورة الثانية توسين أوشينوو، مكان مثالي لاستكشاف هذه الأفكار، فقد عملت الإمارة على تشجيع التفكير النقدي عبر برامجها الداعمة لمبادرات التعليم والفنون والثقافة والتراث والتي تُسلّط الضوء على التاريخين الحديث والقديم. في هذا السياق، رُمّمت منطقة السوق في المدينة القديمة وأعيدت إلى حالتها التي كانت عليها قبل ستينيات القرن الماضي احتفاءً بنمط معماري قادر على التكيف مع الظروف المناخية القاسية، إلى جانب إبراز العلاقة المهمة بين المشاة والشارع على نقيض مدن المنطقة التي تغلب عليها حركة السيارات. ويشجع الترينالي على استكشاف المحلية والخصوصية من وجهات النظر المادية، والاجتماعية والاقتصادية والجغرافية.

يضم المعرض ثلاث توجهات متداخلة، أولًا، السياق المتجدد، ويعرض أعمالًا تعيد التقدير إلى مجتمعات ما قبل التصنيع، حيث عاش البشر في توازن مع الطبيعة. يعيد أصحاب هذه الأعمال التفكير في التقاليد، ويتفاعلون مع مفهوم إعادة التدوير، فيبرعون في إعادة استخدام المواد ويقترحون صيغًا لحداثة أكثر رفقًا. تتمثل هذه الحلول بلغة بصرية صريحة تحيل مادة البناء إلى أصلها ومنشأها. ثانيًا، سياسات الاستخراج ويعرض أعمالًا تركز على العلاقة المتوترة عادةً بين أطر الحوكمة والاقتصاد والبيئة. يُوثّق المشاركون هنا العمليات الاستخراجية التي يرتكز عليها التصميم ويتفاعلون معها. ثالثًا، أبنية غير ملموسة، تحتفي الأعمال هنا بالطبيعة سريعة الزوال لتفاعل الحضارة مع الطبيعة. عبر إزاحة الحد الفاصل بين المادي والمعنوي يطرح المشاركون رؤىً تعيد تخيل العالم من جديد وتطرح قضايا الحاضر على بساط البحث، مستلهمين في ذلك قيم الروحانية والتعاطف والاكتراث وإنهاء الاستعمار والمستقبلية.

من الأعمال المشاركة في ترينالي الشارقة، واحدا بعنوان “العتبة المجردة”، ونقرأ عنه في الكتيب الخاص بالترينالي ما يلي: في عالم يسهل فيه الوصول لأي شيء من أي مكان، تدفع الرأسمالية العالمية نحو المزيد من إفقار الهويات المحلية وصولًا إلى القضاء على أحياء تاريخية برمتها. يبرز هنا سؤال جوهري: ماذا تعني المحلية؟ مع تطوّر المدرسة القاسمية وتحولها من مبنى منعزل يفصله سور صغير إلى مساحة عامة تصل ما بين الحي الذي تقع فيه والمدينة، شكلت نقطة التقاء المداخل الجديدة شمالي وغربي المدرسة ما يشبه مصطبة خفيضة تتيح فرصة لإنشاء عتبة ترحيبية. تحدد “العتبة المجردة” هذه المساحة عبر تظليلها بما يهيئ ظرفًا أفضل للحضور في المكان. يتألف الهيكل الإنشائي للمشروع من أعمدة الكهرباء الخشبية التي بدأت هيئة كهرباء ومياه وغاز الشارقة في استبدالها ووضعت مكانها أخرى معدنية، في حين تتكون المظلة من العريش أو حصائر سعف النخيل المتوافرة بكثرة في المنطقة والتي يتم استخدامها بطرق مختلفة. ينتج هذا تدخلًا معماريًّا مجردًا وحسيًا يتألف من المواد الطبيعية في حوار حميم مع السياق المباشر. ستبقى “العتبة المجردة” بقدر الحاجة إليها، إذ أن لديها المرونة اللازمة لتفكيكها وإعادة تجميعها في مواقع أخرى. مع انتهاء الترينالي، سيُعاد استخدام الأعمدة بينما يمكن إعادة تدوير الحصائر في عدد من الاستخدامات أخرى. كذلك يمكن أن تتحلل هذه المواد تحللًا طبيعيًّا بما يكمل دورتها البيئية إكمالًا متناغمًا.

تستريح عند عش الطيور

في أثناء جولاتهما في المنطقة الصناعية في الشارقة، وبمحاذاة ساحات تجميع المواد والمنتجات معادة التدوير، يلتمس بابا أوموتايو وإيف ناجي أوجه الحياة في تلافيف المكان. من بين الركام الميكانيكي تظهر كومة من النفايات النباتية؛ برائحتها العضوية النفاذة تبدو غريبة عن المكان. في أثرها يظهر زقاق من المزروعات وعدد من المتاجر التي تتسع على صغر مساحتها لأقفاص الطيور، وأخيرًا، مكان للراحة بين النباتات والطيور أنشأه العمال المحليون. ماذا الذي يمكن أن يحدث إذا توافرت ضمن هذا المشهد الصاخب مساحة جماعية للراحة؟ يخلق “نستريح عند عش الطيور” مجموعة من أعشاش الطيور ومساحة الراحة. توفر المساكن الصغيرة المصفوفة والمصنوعة من الورق والأعشاب ملاذًا لاجتماع طيور المنطقة، تحكم بقاءها الطبيعة المتغيرة للبيئة ومادة بنائها التي تتألف من سقالة ومخلفات عضوية عُثر عليها في المنطقة.

الشارقة

يصوغ عمل ” الشارقة 1 X89 – 1X72″ رؤية استشرافية استعادية- مستقبلية تأملية عبر تمثيلات معمارية موسّعة تستجيب لتطور مفهوم الهوية الوطنية لإمارة الشارقة وموقعها الثقافي في دولة الإمارات العربية المتحدة. هناك تتداخل العمارة الحداثية مع “التاريخية” التي تسعى إلى تقليد جماليات العمارة “التقليدية”. تهدف تدخلات دجيفوس إلى خلخلة هذا التمازج بين وسط المدينة التاريخي (الذي يضم مباني سكنية وتجارية تعود إلى الستينيات والسبعينيات) والمباني التراثية (التي شهدت جهود إعادة الإعمار في التسعينيات والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين). يستخدم دجيفوس في صنع هذه السينوغرافيا المتخيلة مروحة متنوعة من نماذج البناء التقليدية والإقليمية إلى جانب الأشكال الحداثية بهدف إظهار فضاء واسع من الإمكانيات بأسلوب طريف بدلًا من الصرامة والبراغماتية. تمتد هذه السردية من لحظة تأسيس دائرة التخطيط والمساحة في 1X72 حتى استضافة الشارقة لكأس الأبطال في 1X89، وهو دورة روبن مزدوجة للكريكت تضم فرق الهند وباكستان وجزر الهند الغربية، وتقدم رؤية إبداعية لمدينة الشارقة، ومسارًا بديلًا لتطورها.

مدرسة الدار البيضاء: منصات وأنماط الحركة الطليعية

تزامن “لقاء مارس” مع إقامة معارض على مقدار كبير من التفرد والأهمية، ومنها معرض، مدرسة الدار البيضاء: منصات وأنماط الحركة الطليعية لمرحلة ما بعد الاستعمار 1962-1987م. ففي أعقاب استقلال المغرب عام 1956م، أثار موظفو وطلاب المدرسة العليا للفنون الجميلة بالدار البيضاء ثورة فنية، ومزجوا الفن التجريدي بالتقاليد الفنية الإفريقية والأمازيغية المستوحاة من السجاد والمجوهرات وفن الخط ورسومات الأسقف في المنطقة، ما أفضى إلى تبلور فن جديد في المغرب نابع من التراث الأفرو-أمازيغي، ساهم في إطلاق انتفاضة ثقافية تنامت وشكلت المستقبل.

وانطلاقًا من تراث متعدد الثقافات، أدخل العاملون في المدرسة وطلابها الفن إلى الحياة اليومية، من خلال استخدام اللوحات والملصقات والمجلات والجداريات الخارجية ومهرجانات الشوارع. ساهمت هذه “الموجة الجديدة” المغربية في تفعيل حراك اجتماعي وحضري ساعد في نهاية المطاف على بناء حركات تضامن فني بين أميركا اللاتينية وغرب آسيا وإفريقيا.

يستكشف المعرض، الذي أقيم في أستوديوهات الحمرية، هذه الرؤية الاستثنائية للحياة الحديثة، التي قادها خمسة فنانين ومعلمين بارزين من المدرسة العليا للفنون الجميلة بالدار البيضاء، وهم فريد بلكاهية ومحمد شبعة وبيرت فلينت وتوني (أنتونيلا) مارايني ومحمد المليحي. أثبتت هذه المجموعة الفنية المغربية المدهشة، المعروفة رسميًّا باسم “مجموعة كازابلانكا” وقد انضم إليها المزيد من الأعضاء، أثبتت أنها “كوكبة” من الفنانين أكثر من كونها مجموعة محددة. ويعتبر هذا المعرض المتحفي، الأول من نوعه، وهو يقدّم أعمالهم وإرثهم في المنطقة في منصات وصيغ مؤثرة وفاعلة، ويضم أعمالًا لـ 21 فنانًا وناشطًا من “مجموعة كازا” من مختلف الأجيال، بما في ذلك لوحات تجريدية، وجداريات حضرية، وأعمال طباعة ورسوم غرافيك وتصميم داخلي، فضلًا عن فِلم وأرشيفات مطبوعة ومجلات قديمة وصور فوتوغرافية نادرة.

لا لا روخ: إيقاع الجهات

يضيء معرض “إيقاع الجهات” على ممارسة الفنانة والناشطة الباكستانية لالا روخ (1948- 2017م) على امتداد ثلاثة عقود، ويتضمن أعمالًا أنتجتها على خلفية الاضطرابات السياسية والحركات النسوية في باكستان، سواء الرسومات والمواد المطبوعة والفوتوغراف والفيديو، بما يضعنا حيال أول معرض استقصائي عالمي لأعمالها حتى تاريخه. تصوّر تكويناتها الشعرية الآفاق وحركة القمر والمسطحات المائية والسواحل والمواقع الأثرية، ملتقطة تدرجًا من الإيقاعات عبر مفرداتٍ مكثفة من الخطوط والشيفرات والسواد.

يتضمن المعرض، المقام في المباني الفنية، أعمالًا قلّ عرضها من بداياتها الفنية، إلى جانب ملصقات ومنشورات ومقابلات أصلية مع أشخاص تعاونت معهم في أثناء عملها على الدفاع عن الحقوق المدنية والعدالة بين الجنسين، فضلًا عن بعض المواد الأرشيفية المهمة وأعمالًا من مقتنيات مؤسسة الشارقة للفنون، إلى جانب سلاسل، لم تعرف على نطاق واسع، من سيجيريا وسريلانكا وساحل جاداني الباكستاني. ويعرض كذلك لأول مرة في المنطقة عملها الأخير “روباك” (2016م)، الذي يمثّل تشابكًا انسيابيًّا بين صوغ العلامات والحس الموسيقي والصمت.

هينوك ملكامزر: رموز وصور الطلسم

يتضمن هذا المعرض حوالي مئة عمل للفنان الإثيوبي هينوك ملكامزر. وهي أعمال فنية تحتفل بالطلسم، وتستمد مكوناتها من الرموز والرسومات والنصوص التي تعكس أهمية روحية وفلسفية، عبر استلهام علم التنجيم والدين والروحانية، إذ تأثرت الأشكال المستخدمة في الفن الطلسمي على امتداد حقب طويلة بالتاريخ الاجتماعي والسياسي والثقافي لإثيوبيا، كما وظّفت أساليب التعبير الحديثة في معالجة أبرز المشكلات في العالم المعاصر، مثل كوارث المناخ والحرب والفقر.

وفن الطلسم عند ملكامزر يعد، في رأي حوار القاسمي، شهادة على تقليد غالبًا ما يتجاهله الفن الغربي، إلى جانب كونه ممارسة فنية متطورة تعيد تفسير العالم المعاصر من خلال حكمة السكان الأصليين. يقول هينوك ميلكامزر: «إن مفتاح قراءة الفن الطلسمي هو البدء من المركز، حيث تنزاح العيون تدريجيًّا نحو الخارج، وتبدأ كل تعريشة بكلمة أو مفهوم روحي يجسد العلاقة المضمرة بين اللون والشكل الأبجدي الخاص بلغة الطلسم». وعلى الرغم من أنّ “الطلسم” ما يزال ممارسة شعبية، والذي غالبًا ما تصفه الأوساط الغربية بأنه “فن التشافي” أو “فن التعويذة”، بحيث ينأى به هذا التوصيف عن العديد من مناقشات الحداثة، فإن معرض “هينوك ميلكامزر: رموز وصور الفن الطلسمي”، الذي قيّمته الباحثة إليزابيث جيورجيس، يتحدى مثل تلك المقاربة الحداثوية ذات البعد الأحادي، ويقدم لنا رؤية فريدة في واحدة من أكثر الممارسات الفنية الحداثية أهمية في إثيوبيا، والتي تجسّدت عبر أعمال هينوك ميلكامزر. يعدّ هذا المعرض، المقام في متحف الشارقة للفنون، أكبر معرض فردي لهينوك حتى الآن. توفر ممارسة هينوك الفرصة أمام الجمهور لاستكشاف العديد من التجليات الطلسمية في الوقت الراهن.

بينالي الشارقة 15 «جنوب العالم».. يفكك تاريخ «الشمال» ويعيد التفكير فيه

بينالي الشارقة 15 «جنوب العالم».. يفكك تاريخ «الشمال» ويعيد التفكير فيه

لا تبدو النسخة 15 من بينالي الشارقة التي اتخذت من «التاريخ حاضرًا» شعارًا لها، مجرد تظاهرة فنية، وإن كانت مبهرة وهائلة وتمثل أقصى ما يطمح إليه أي فنان أو مهتم بالفنون في العالم. إنه جحيم في معنى آخر، الجحيم الذي عاشته الشعوب المستعمرة، والجماعات المهاجرة والأقليات المقتلعة، جحيم ضحايا الإبادة وعسف الدكتاتور وبطش السلطات. غير أن ثمة فارقًا جوهريًّا بين أن تعيش في جحيم وبين أن تتأمل أحوال الذين عاشوه وتعايشوا معه رغمًا عنهم.

يفتح البينالي الذي انطلق في 7 فبراير التاريخ المطلق للإنسانية، من وجهة نظر ما بعد الاستعمار، وما انطوى عليه هذا التاريخ من بؤس وعذابات وشقاء سيصعب التآلف معه حتى وهو في صورة ماضٍ. تاريخ صفحاته مليئة بالأغلال والقيود والأطراف الصناعية، والاقتلاع والمصادرة والاستعمار، استعمار الأرض والعقل، تاريخ مملوء بالظلم والاعتداء على الطبيعة وعلى المقدسات، وقيم الرأسمال المجحفة. تاريخ الجسد المعذب والمقهور والذات السليبة المفرغة من جوهرها. ليس تاريخًا واحدًا الذي يحضر في بينالي الشارقة ويأخذ منه عنوانه، إنما تواريخ للقهر والعبودية ولسيادة الغرب والغطرسة الإمبريالية منذ ما قبل التاريخ إلى ما بعد الحداثة.

تُراوِح الأعمالُ التي نفّذها عشرات الفنانين من أنحاء العالم، بين تفكيك تأويلات العرق والأنوثة ومواجهتها، والجسد بصفته سجلًّا للعنف والانتهاكات؛ بين الإجحاف التاريخي الذي خلّفه الإرث الاستعماري، والإجحاف الصناعي للعمال البسطاء؛ بين استعراض النفور والإحباط اللذين يمكن أن يشعر بهما الفرد عند مواجهته ثقافة غريبة، وتأكيد الإرادة الحرة من خلال التمثيل الذاتي ومواجهة الاستيلاء التاريخي على الممتلكات…

بينالي يحتفي بثقافات وصرعات الفن في مرحلة ما بعد الاستعمار، وينتقد ابتعاد الفن من المجتمع، منددًا بالهيمنة الغربية على وسائط التعبير وتوجيهها إلى شريحة محدودة من البشر. بينالي الشارقة 15 في أحد معانيه هو رد الجنوب العالمي، الجنوب الغني بثقافاته وحكاياته لكن المَقْصِيّ والمهمّش، على الشمال المتغطرس أحادي النظرة.

زعزعة الثقافة المهيمنة

مثّلت الأعمال المشاركة ما يشبه التدخلات الفردية لزعزعة الثقافة المهيمنة، وابتكار فرص جديدة للوجود، مع تسليط ضوء ساطع على الحقائق المنسية، وإعادتها إلى الذاكرة، فيما يشبه مساءلة للتاريخ وجردة حساب معه. كما فعّل البينالي إمكان ظهور أجيال جديدة من الفنانين الملتزمين بقضايا الذات، بصورة لا تنفصل عن الايمان بالإنسان، فردًا أو في صورة مجاميع، مع تأكيد أحقية هذا الإنسان في النضال، سواء في الحاضر أو في الماضي. مفاهيم كثيرة عبرت عنها الأعمال المعروضة، تجلّت عبر وسائط متعددة، تخصّ الاستعمار وما بعد الاستعمار والذات والجسد والعنصرية والاقتلاع والرق والحداثة.

من ناحية، كأنما البينالي وهو يقدم الشقاء الإنساني، يستعرض في الوقت عينه تاريخ تحول الفن وتطور مفهومه وانفتاحه، من صور وأشكال بدائية إلى فن مفاهيمي وما بعد حداثي، يتوسل وسائط وخامات بلا حصر، منها ما هو بصري وموسيقي وأدائي وكرتوني ووثائقي وفوتوغرافي، أو يمزج بينها كلها. إنها رحلة شاقة ومتعبة ومجهدة للإنسانية نحو خلاصها، مثلما هي ممتعة وشائقة ومثيرة للأسئلة الحارقة للجمهور، الذي تنقل طويلًا بين أعمال أخذت أماكنها في مدن وساحات عدة في إمارة الشارقة. مشدوهًا وقلقًا ومعجبًا هذا الجمهور، تارة يستأنس هذا العمل، وتارة أخرى يخشى ذلك العمل، الذي أيقظ بشاعة المستعمر ودموية السلطة الغاشمة وطبقية الغرب.

ابتعاد من التمثيل الوطني

لئن تأسست نسخة البينالي 15 على رؤية الناقد والقيم النيجيري أوكوي إينوزور (الذي أثرت أفكاره في الفن المعاصر وأفضت إلى صياغة مشروع فكري طموح رسَمَ معالم تطور الكثير من المؤسسات والبيناليات حول العالم) وتصوره لها بوصفها منصة لاستكشاف نسخ البينالي السابقة، وأسلوب مواجهة مع أحادية اللغة الفنية نظرًا لما تحتكم عليه من سلطة إقصائية، وأفق لتصور مساحة نظرية وفعلية للتفكير بالتاريخ حاضرًا، فإن الشيخة حور القاسمي قيّمة البينالي ورئيسة مؤسسة الشارقة للفنون، وسعت من هذه الرؤية، وأضافت تفاصيل مهمة، انطلاقًا من خبرتها الطويلة في البينالي وفي ضوء تجربتها الشخصية مع الفنون. فهي أضافت أسماء جديدة، إلى لائحة الأسماء العالمية التي اقترحها إينوزور، قبل رحيله، لإنجاز 30 عملًا، بعدد السنوات التي مضت على انطلاق البينالي في دروته الأولى، في سعي إلى بلورة مفهوم عميق وشامل للبينالي. ابتعدت القاسمي من التمثيل الوطني لفنانين من الدول العربية والإسلامية، «فهذا النموذج لم يعد ملائمًا لتجارب الجيل الحالي وميوله»، كما توضح. يسعى البينالي، في رأي حور القاسمي، إلى تسليط الضوء على الأولويات المؤسسية الناشئة والبعيدة من الممارسات الغربية.

أوكوي إينوزور

مقاربة إينوزور لما بعد الاستعمار ستنعكس على رؤية عشرات الفنانين، ينتمون إلى ثقافات متنوعة، فأعادوا تصور التاريخ والحاضر بشكل نقدي، مقترحين وجهات نظر تؤسس لروابط بين التاريخ والممارسة الفنية، وهو ما يدفع المتلقي لبلورة تصوره الخاص، للوصول إلى الحقيقة الغائبة، لبؤس الإنسانية في لحظات عصيبة من تاريخها. الأماكن التي عرضت فيها الأعمال أضحت قديمة وتنتمي إلى الماضي، لكن البينالي أحياها من خلال ربطها بعشرات الأعمال التي أنشأت فيها. أي إتاحة الفرصة لإقامة حوار مع الأماكن التي لا يقصدها الفن عادة، ومع السكان المحليين الذين استبعدتهم برامج الفن المعاصر، أو «محاولة لإقامة حوار بين عروض البينالي والأعمال التي يستضيفها وبين الأماكن التي رسمت ملامح الشارقة بعمقها التاريخي وثرائها الثقافي»، بحسب الكلمة التي ألقتها الشيخة حور القاسمي في حفلة الافتتاح. وكان أوكوي إينوزور رأى في الشارقة، مكانًا مثاليًّا «لإقامة حدث يبقى حاضرًا في الأذهان على امتداد السنين».

الفنانات يستأثرن بالجوائز

في حفلة الافتتاح أكدت الشيخة حور أن رهان الشارقة التاريخي هو رهان على الثقافة بمختلف تجلياتها، وعلى الإنسانية بمختلف إثنياتها ومرجعيتها، «وقد حاولنا أن نضيف شيئًا جديرًا بإرثها الكبير، خصوصًا ونحن نحتفي بمرور ثلاثين عامًا على انطلاق الدورة الأولى من بينالي الشارقة». في حين تطرقت الشيخة نوار بنت أحمد القاسمي مدير مؤسسة الشارقة للفنون في كلمتها إلى الجهود التي بذلت للتحضير للبينالي، الذي أضحى، كما تقول، عاملًا أساسيًّا في استقطاب الفنانين والقيّمين والعاملين في الحقل الثقافي والإبداعي من أنحاء العالم.

وفي الحفلة نفسها كرّم حاكم الشارقة الشيخ سلطان القاسمي، الفائزين في البينالي، وهم بشرى خليلي عن عملها «الدائرة»، ودوريس سالسيدو عن عملها «مُجتث»، وهجرة وحيد عن عملها «ترنيمة»، إضافة إلى جوائز الإشادة الشرفية التي مُنِحَت الفنانين: لي كاي تشونغ، وتانيا الخوري، وغابرييلا جولدر، وأمار كانوار، وجويري مينايا، وفارونيكا صراف. في حفل الافتتاح توالى صعود الفنانات إلى منصة التتويج، فكانت مفاجأة سارة للمرأة، التي طالما هُمّشت وانتُهِكت حقوقها لصالح الرجل، فها هي تتحقق فنيًّا وتحقق جوائز مرموقة، في بينالي مَعْنيّ ليس برد الاعتبار للمهمشين فقط إنما أيضًا بتكريمهم والتذكير بهم.

الأعمال الفائزة

ترافق انطلاق البينالي صدور كتاب البينالي، الذي مثّل دليلًا للفنانين أنفسهم وللمهتمين، وأتاح معرفة نوعية بالأعمال، التي لا يمكن الإحاطة بمكنونها من أول نظرة، فهي جاءت على مقدار كبير من التركيب والتعقيد والتجريد، وتقرأ التاريخ بمستوى عالٍ من الوعي، وبالتالي تطلب خبرة عميقة وواسعة للتعاطي معها. نتوقف هنا عند بعض الأعمال، منها ما هو فائز ومنها ما أُشِيدَ به، وغير ذلك من أعمال. «مجتث» عمل تركيبي للكولومبية دوريس سالسيدو، يأتي في سياق بحث الفنانة في أشكال العنف الذي يتعرض لها المهاجرون والنازحون واللاجئون. يتألف العمل من 54 شظية مأخوذة من 200 شجرة ميتة منحوتة على شكل منزل متهالك وغير صالح للسكن، في رمزية إلى مأزق الزوال الذي يعانيه اللاجئون، في حين يجسد العمل مظهرًا خارجيًّا راديكاليًّا، بالإشارة إلى كتابات المُنظّر السياسي أشيل مبيمبي حول التفاوتات المتزايدة والمتطرفة التي تفرض الهجرة الدائمة كشرط لازم للبقاء من جهة، والمواقف المعادية للأجانب التي تنظر إلى مجتمعات اللاجئين المتزايدة في العالم على أنها مجرد فائض سكاني في عالم تتقلص فيه الموارد من جهة أخرى. تعزي الفنانة هذا الانتقال القسري للناس إلى التدمير البيئي الذي خلفته الرأسمالية، فتتلاعب بمواد عضوية لإنتاج قطعة فنية ضخمة بنبرة تهكمية، ليصبح عمل «مجتث» بذلك موقعًا لتناقض صارخ ينقلب ساكنًا ومقلقلًا وعنيفًا وخاملًا على حين غِرّة.

«الدائرة» عمل تركيبي لبشرى خليلي يعرض الفصل الثاني من مشروع الفنانة المستمر الذي يستقصي إرث حركة العمال العرب ومجموعتها المسرحية «العاصفة». يركز العمل على قصة كمال جلالي، وهو اسم مستعار لعضو مجهول في «العاصفة» شكل ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 1974م في فرنسا دعوة لملايين العمال غير المسجلين والمحرومين من حق التصويت لتأدية دورهم كمواطنين فاعلين. وأصبح هذا الترشح بمنزلة عرض أدائي عامّ يعرض حرمان المهاجرين من الحقوق المدنية مسرحيًّا، ويُبرِز نوعًا من التمكين والوكالة الذاتية، ولا سيما بسبب اضطرار المجتمعات المهاجرة إلى اتخاذ الحياد السياسي خوفًا من الترحيل. ومن خلال إعادة تمثيل قصته باستخدام العروض الأدائية والمواد الأرشيفية، تستعرض خليلي الإرث المنسي لمرحلة جوهرية في تاريخ الصراعات التي خاضتها المجتمعات المهاجرة لنيل حقوقها.

«ترنيمة 2» للفنانة الإيرانية هجرة وحيدي، يسعى إلى استكشاف الترنيمة بوصفها وسيلة لتأمل الصيغ الراديكالية للجمعي والتمثيل الصوتي. نفذت الفنانة العمل التركيبي داخل غرفة صوتية مخروطية فريدة، مستعرضة سبع أغانٍ كانت مفصلية في الانتفاضات الشعبية التي قادتها النساء والحركات الاجتماعية الجماهيرية والنضالات المناهضة للاستعمار في الأميركيتين وإفريقيا وآسيا. وعلى الرغم من القمع والحظر الذي تعرضت له هذه الأغاني والأنماط الموسيقية، فإنها لا تزال كثيرة التداول بين النساء ويتوارثنها جيلًا بعد جيل. تعاين الفنانة من خلال تضخيم هذه الأصوات غير المسموعة في كثير من الأحايين، قيادة المرأة ومشاركتها المهمشة في النضال ضد الاستبداد، وتركز على ضرورة التقاطعات الراديكالية بُغْية استعادة الإحساس بالتشاركية الإنسانية. من الأغاني التي يقوم عليها هذا العمل، ترويدة شمالي ويا طالعين الجبل، وهي من الأغاني الفلسطينية التي تنشد باستمرار في الشوارع خلال الانتفاضات ضد الاحتلال الإسرائيلي. موسيقا البوب الكوري كانت حاضرة في العمل، بصفتها وسيلة بديلة للحشد السياسي. أيضًا أغنية «لأجل» الإيرانية، التي أطلقها المحتجون خلال مظاهرات الاحتجاج تضامنًا مع مهسا أميني التي قتلتها شرطة الآداب في إيران. إلى جانب أغانٍ من تشيلي وأخرى تخصّ الشعوب الأصلية في كندا ومن الهند وكلها تندد العنف ضد النساء وضد السكان الأصليين وضد الطبقية.

استكشاف الجسد

مروة المقيط في «أرضي ذاكرتي» سعت إلى التعبير عن رحلات المهاجرين واللاجئين وتوقهم إلى الوطن، من خلال أداء حي لحركات صامتة تستجيب لسرديات مسجلة وصور كوَّنَها الذكاء الاصطناعي، بمنزلة رحلة استكشافية للأرض والجسد والإمكانيات. وتدعو مروة المقيط المتلقي إلى المساهمة في تجميد مؤقت لما هو راهن وكائن هنا، فتتلاشى الخطوط الفاصلة بين المادي واللامادي ليفضي إلى تصورات مستقبلية بديلة.

في «مرة أخرى… التماثيل لا تموت أبدًا» يستكشف إسحاق جوليان إرث الفيلسوف والناقد والزعيم الثقافي آلان لوك وجامع الأعمال الفنية الإفريقية ألبرت بارنز الذي ألهمت مقتنياته كلًّا من آلان لوك وفناني نهضة هارلم. يبني جوليان تصورًا جديدًا لمراسلات لوك المتواصلة لعقود مع بارنز، حيث تبادلا الآراء حول التصنيف المتبدل للفنانين السود، وآليات رفض وقبول أعمالهم في تاريخ الفن. في أثناء الفِلْم نشاهد أعمالًا فنية إفريقية لا تزال ضمن مقتنيات المتحف البريطاني، على خلفية من اقتباسات شعرية لإيمي سيزار ولانغستون هيوز. كما أن الفِلْم مشحون بصور واستيهامات ولقطات شعرية آسرة، تتفجر من أعماق الفن الإفريقي، لتغمر الذات والجسد.

فِلْم «أركاديا» لجون أكومفرا، يرصد التداعيات البيئية للاستعمار، وانقراض الكائنات الدقيقة. يستخدم الفنان مشاهد مصورة في الشارقة وأسكتلندا ولقطات أرشيفية، بُغْية الغوص في الجوانب الشفاهية والتمثيلية لتاريخ مختلف الثقافات الأصلية، وذلك في سبيل إنتاج عمل تركيبي متعدد الشاشات يجمع بين أحداث وذكريات ومشاهد وشخصيات متنوعة على شكل «مقتطفات مختلطة الوسائط» التي أفضت إلى تجربة غامرة لنظرة ما بعد استعمارية لا تتعلق أساسًا بالإنسان، بل تبرز العلاقة المدمرة بين البشر والمواد العضوية في بيئة هشة.

«حجرة الموسيقا» و«سائل» لصدام الجميلي، تستكشفان العلاقة المتشابكة واللامحددة بين زمانية الماضي والحاضر والمستقبل على خلفية الحرب والتدهور البيئي والتطور التكنولوجي. الجميلي يضع الماضي في سياق يجعله مصدرًا للطمأنينة والبساطة والعاطفة. لكن هذا الماضي يصبح معرضًا للضياع من جرّاء السعي وراء فكرة وهمية مرتبطة بالتقدم، بدلًا من تقديم حياة أفضل، وهذا بدوره يُطوّق الحاضر بصدمات ناشئة عن الحرب وتدهور العالم الطبيعي.

يستجيب عمل «مقاومة» لهانك ويليس توماس لإرث رجال الفهد من قبلية أيوتو، وهي جمعية سرية مناهضة للاستعمار في غرب إفريقيا، نشطت في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وتعدُّها المخيلةُ الأوربية عنيفةً وخطيةً، وقد أثرت في أسطورة طرزان، ومغامرات تان تان، وأفلام ديزني. وتوجد أعمال لتوماس تتأمل تسليع العمالة السوداء والموارد الطبيعية واستغلالها تحت الاستعمار الإمبريالي، بينما تسلط أعمال أخرى الضوء على أسطورة تأسيس المدينة، في سياق قيام النظام الاستعماري البلجيكي ببتر أيدي العمال الكونغوليين الذين يُخفِقون في جمع الكميات المطلوبة من المطاط.

في «عيون دامعة» تعرض غابرييلا غولدر مجموعة من أعمال الوسائط المختلطة، تتأمل من خلالها عنف الدولة الذي شهدته أميركا الجنوبية وأماكن أخرى مثل تشيلي وكولومبيا والبرازيل وهونغ كونغ وكشمير وفلسطين. استلهمت الفنانة أعمالها من الاحتجاجات والانتفاضات الشعبية التي شهدتها تشيلي عام 2019م؛ إذ ألحقت الشرطة بأكثر من 400 شخص إصابات في العين، وفَقَدَ كثير منهم إحدى عينيه أو كلتيهما. تحتوي الأعمال على أساليب تعبيرية تتطرق إلى الاحتجاجات عبر العروض الأدائية والفيديو والتجسيد المكاني والفوتوغراف، وتمضي عميقًا في معاينة دوافع التشويه والسبل التي تتيح للعنف لأنْ يكون هجومًا على الذاكرة والنظرة البشرية.

تتناول مجموعة «الإنسان والآلة» لفتحي عفيفي حياة أولئك الذين ينتجون ويعيشون معًا في مواقع ومساحات تنطوي على طاقاتٍ هائلة وتراتبية طبقية صارمة في آنٍ واحد. ينطلق من السنوات الطويلة التي أمضاها في المصانع العسكرية للقاهرة، ليصوّر باللونين الأسود والأبيض مشاهدَ لعمّال وسط مساحات صناعية شاسعة تؤوي ما لا يُعَدُّ ولا يُحصى من البشر والآلات والمواد الأولية لتؤدي المطلوب منها تحت إشراف مالكيها الذين يراقبونها من دون كللٍ أو ملل. ويتمثّل أحد أبرز محاور أعمال عفيفي في قيم التضامن والرفاقية في مواجهة مصاعب الحياة وظروف المعاناة والشقاء المهينة.

في الواقع، أعمال كثيرة كانت تستحق التوقف عندها، بما انطوت عليه من إمكانات مفتوحة على التجريب والذهاب إلى الأقاصي؛ كي تبتكر قراءتها الخاصة والمتفردة للتاريخ.

سوينكا وحور

شارك وحضر البينالي العشرات من الفنانين من أنحاء العالم، وفي طليعة الجميع المسرحي والروائي النيجيري النوبلي وول سوينكا، الذي شوهد بين أصدقائه وصديقاته حول مائدة أخذت موقعها في أطراف القاعة التي شهدت حفلة الافتتاح. كان الكاتب الشهير الفائز بنوبل في عام 1986م ينقّل نظراته بين مجاميع الفنانين والمثقفين والإعلامين من أنحاء العالم، ويبدو بشعره الأبيض متفاعلًا مع ما يرى. ومما لا يمكن تجاهله ولفت الأنظار، وجود الشيخة حور القاسمي في كل مكان تقريبًا، توزعت فيه أعمال الفنانين. لم تَنْزَوِ بعيدًا تاركةً فريقَها الكبير والمنظم، يقوم بالعمل وحدَه. كانت تحيي الفنانين وتشجعهم عقب كل أداء لهم، تتجول تحت شمس قاسية أحيانًا، وتقول ملاحظاتها بصمت لأفراد طاقمها، حريصة على أن يمضي كل شيء كما خُطّط له.

الشارقة تنتصر للقوة الناعمة.. وتتوج عاصمة عالمية للكتاب

الشارقة تنتصر للقوة الناعمة.. وتتوج عاصمة عالمية للكتاب

في الوقت الذي يراهن فيه بعض البلدان والدول على توسيع النفوذ عبر الانتشار العسكري والحربي في محيطيها الإقليمي والدولي، فإن بعضها الآخر يراهن على ما يعرف بالقوة الناعمة، حيث الانتشار الثقافي الذي يسيطر على العقول أكثر من الأبدان، ويبدو أن هذه كانت إستراتيجية إمارة الشارقة العقود الأخيرة؛ إذ انتقلت فيها الشارقة من إمارة صغيرة على تخوم الصحراء العربية الكبرى إلى منارة ثقافية استحقت التكريم أربع مرات، فهي فازت بأربعة ألقاب ثقافية مهمة على الأصعدة المحلية والدولية، فقد نالت عام 1998م لقب عاصمة الثقافة العربية، ثم عاصمة الثقافة الإسلامية عام 2014م، ثم عاصمة السياحة العربية عام 2015م، وأخيرًا حصلت على لقب عاصمة عالمية للكتاب عام 2019م، بعدما أقرت لجنة اختيار العواصم العالمية للكتاب بمنظمة اليونسكو المشروع الذي تقدمت به الشارقة.

جاء هذا الاختيار تتويجًا لجهود الشارقة الثقافية في الداخل وفي الخارج، فقد تعدت الجوائز وسلاسل الكتب التي تقوم بإصدارها أو منحها، وارتبط كثير من المثقفين العرب بتلك المدينة التي لا يعرف عنها أكثر من إنتاجها الثقافي، حتى إن معرض كتاب الشارقة أصبح سوقًا كبيرة للثقافة، ومنتدى عظيمًا لتلاقي المثقفين، لكن هل كانت هذه الأسباب وحدها هي العامل الحاسم في تتويج الشارقة باللقب؟ وكيف يمكن استثمار الحدث في الترويج للثقافة العربية، والكتاب والمبدع العربيين على مستوى العالم؟ وما مقترحات المثقفين العرب كي يكون الحدث شأنًا عربيًّا ككل، وليس احتفالًا خاصًّا بمدينة واحدة؟ «الفيصل» وجهت هذه الأسئلة إلى عدد من الكتاب العرب.

الخروج على المركزية الأوربية

يقول الناقد المصري جابر عصفور: «حين علمت باختيار منظمة اليونسكو لمدينة الشارقة كي تكون عاصمة عالمية للكتاب عام 2019م لم أُصَبْ باندهاش، وبدا عليّ أنني متوقع لمثل هذا الخبر المهم، فإمارة الشارقة مهتمة بالثقافة منذ أن تولى سلطان القاسمي الحكم فيها، فهو رجل مبدع، له أعمال مسرحية مهمة، وما رأيته في زيارتي للشارقة من اهتمام رفيع بالثقافة يجعلني أؤكد أن هذا الاختيار صائب إلى أبعد حد، فالشارقة بالقياس إلى مختلف المدن في البلدان العربية أكثرها اهتمامًا بالثقافة على مختلف المستويات والأجيال، وتفوُّق الشارقة ثقافيًّا يمد بقية البلدان العربية بالدعم الثقافي والفني، ويحملها مسؤولية أمام الجميع في هذا التوجه، فمثلما كانت القاهرة تقوم بهذا الدور في الماضي، فعلى الشارقة أن تقوم بدورها الآن». ويضيف عصفور أنه «علينا نحن أيضًا أن نتعلم الدرس، ونسعى لاتخاذ المسارات التي من شأنها أن تجعلنا ننهض ثقافيًّا بما يتوازى مع قدرنا وقيمتنا التاريخية والمعرفية، ولو كان لي أن أقدم نصيحة، فإنني أرى أنه لا بد من استثمار هذا الحدث بشكل طيب بالنسبة للثقافة العربية ككل؛ إذ يجب عقد حوارات ثقافية كبرى وموسعة مع الكتاب العرب من مختلف البلدان والأعمار ومع كتاب مهمين من مختلف بلدان العالم، وبخاصة من آسيا وأميركا اللاتينية، فالأدب والفن يوجدان في هذه المناطق الآن أكثر مما يوجدان في المركزية الأوربية؛ لذا علينا أن نغامر ونتعرف إلى العالم خارج المركزية الأوربية».

اقرأ.. أنت في الشارقة

الشاعر والمترجم الفلسطيني محمد حلمي الريشة يوضح أن اختيار الشارقة عاصمة عالمية للكتاب جاء بناءً «على توصية من اللجنة الاستشارية التي اجتمعت في مقر الاتحاد الدولي لجمعيات ومؤسسات المكتبات في لاهاي، وبخاصة أنها حملت على عاتقها مسؤولية جسيمة؛ هي مسؤولية التثقيف الواعي عن طريق القراءة، الذي شمل برنامجها الهادف، الحامل شعار «اقرأ.. أنت في الشارقة»، بمحاوره الراقية وعناصره الستة: التضامن، والقراءة الحثيثة والمستدامة، والتراث العربي، والتوعية التثقيفية، والنشر، وأدب الأطفال». ويقول: «مما يشرّف، أيضًا، ما تناهى إلى العالم أن الشارقة ستطلق «مدينة الشارقة للنشر»، وهي مخصَّصة بالكامل للنشر والطباعة؛ حيث ستكون الأنموذج الأول من نوعه بالمنطقة المصممة خاصة لتلبية احتياجات الشركات والمؤسسات العاملة في مجال النشر. فالثقافة هوية، ونحن كفاعلين وكمثقفين بكل اتجاهاتنا الفكرية والإبداعية، بحاجة ماسة إلى هذا الحراك الثقافي شديد الأهمية، بقدر ما هو تشريف للثقافة العربية ولهويتنا كعرب. هو سمعة ثقافية اتساقًا مع مفهوم الإبداع الإنساني، وبخاصة العربي منه؛ سيكون منجزًا رياديًّا في العالم العربي بتوثيقه للدراسات وللعطاء الفكري الخلاق». ويلفت إلى أن الشارقة، بكل إطلالاتها السابقة التي تجلت بمنتدياتها الثقافية وباتحادات كتابها وبجوائزها التحفيزية، «سعت دائمًا لترسيخ الهوية العربية من خلال القراءة؛ فالثقافة أولًا رؤية لها دوافعها ودواعيها الحضارية لمسايرة الركب الفكري العالمي، وبذلك هي تقبُّل للآخر؛ لاختلاف طرق تفكيره، ومناقشته، وسبر غور حرفه، لإدراك أن الثقافة هي منظومة من القيم الإنسانية الفكرية الكينونية، وتحليق في مساحات الإبداع والجمال الروحي والفكري والعقلي التعقُّلي الهادف لبناء صرح ما بين فكر وآخرَ، لاستشراف مستقبل ثابت الخطى، وازن متَّزن، هو زرع قيم عليا من خلال حوار ثقافي حضاري متمكن من آليات العمل الثقافي الذي تقدمت به الشارقة من خلال ملف ترشيحها؛ إذ هو دليل انتماء للحضارة الكونية العالمية، وإثبات هوية، وإصرار أكيد على النهوض من بوتقة الحزن التي انغرست بها الروح العربية، وقبلها العقل العربي، وكادت تقضي على طموحه، حيث ستقيه الخذلان والتقوقع حول ذاته مستسلمًا لخساراته المتتالية؛ كي لا يموت المبدع قهرًا، فتُسلب هويته، وتُزهق مرة تلو أخرى».

جائزة عربية عالمية

أما الروائي السعودي فهد العتيق فيرى أن عمل مدينة الشارقة الثقافي والأدبي والفني المبدع «كان يتميز في السنوات العشرين الماضية بجدية ثقافية وصدق فني من دون ضجيج إعلامي مبالغ فيه، وهذا جعلها تقدم قيمًا ثقافية وأدبية وفنية رفيعة مكنها من استحقاق عاصمة العالم للكتاب عام 2019م. ومن وجهة نظر شخصية أرى أن الشارقة هي مدينة الثقافة والفن والأدب في العالم العربي من دون منازع، هي مدينة الإبداع الثقافي بشكل عام، هي كذلك بشكل تلقائي وبهدوء ومن دون قرارات رسمية ومن دون مبالغات إعلامية، وهذه التلقائية الثقافية كانت من أهم سماتها الجدية والمثابرة والاستمرارية والروح العالية من أجل أهداف ثقافية كبيرة هي في النهاية في مصلحة الشعب العربي الكبير». ويذكر العتيق أن هذه الجدية والروح الإبداعية المتجددة كل يوم وليس كل عام، «حوّلت المناسبات الثقافية من موسمية إلى مناسبات متواصلة على مدار العام، وهذه هي الثقافة الحقيقية حين تكون ممارسة يومية وليست موسمية فقط. في الشارقة على سبيل المثال معارض للكتب للكبار والصغار، ومهرجانات للشعر والسرد والموسيقا والسينما والتراث؛ معارض منوعة للكتب، ومعارض منوعة للفن التشكيلي، وملتقى الشارقة للمسرح العربي، وجائزة الشارقة للإبداع العربي، وبينالي الشارقة. هذه جهود كبيرة قامت بها هذه العاصمة منذ عقود طويلة بكل مثابرة وإخلاص، ونرجو أن تحذو المدن العربية حذو هذه المدينة في الإخلاص للثقافة والفنون وخدمتها يوميًّا وليس موسميًّا بكل صدق وإبداع».

عائد ثقافي كبير

بدور سلطان القاسمي
رئيسة لجنة ملف
«الشارقة عاصمة عالمية للكتاب»

في حين يقول الروائي والناشر الأردني إلياس فركوح: إنه بناءً على البرامج التي وضعتها الجهات الحكومية في الشارقة، «ذات الصلة بالثقافة وبالتالي بالكتاب، وشرعت بتنفيذ خطواتها من أجل تعميم ثقافة القراءة بتوفير الكتاب مجانًا لطلبة المدارس، بكافة مراتبهم العُمْرية، وفرز اللجان المختصة بالاختيارات الملائمة لكل مرحلة ومواءمتها لمستوى النضج؛ أقول: بناءً على هذا المشروع الواضح في هدفه من جهة، والقابل للتطبيق العملي من حيث وفرة التمويل المالي من جهة ثانية، وتجييش لجان مختصة للعمل على إنجاز خطواته المتدرجة مرحلة مرحلة من جهة ثالثة؛ فإني أرى في هذا الأمر عائدًا ثقافيًّا على المدى القصير والطويل. عائدًا يشمل جميع فئات المجتمع المستهدفة بهذا المشروع الذي آمل في استمراره على نحو إستراتيجي». ويقول أيضًا: أما أن نأمل في ترويج الكتاب العربي من خلال هذا الاختيار؛ فلن أضحك على نفسي، أو أخدعها – إذ أقول بصراحة ومن غير حَرَج: إذا لم تبدأ بقية المدن العربية وعواصمها، أسوة بما تفعله الشارقة، بالالتفات إلى الكتاب بوصفه عنصرًا أساسيًّا ومؤسسًا لأجيال قادمة تأخذ بالكتاب منارة وعي جديد، من أجل فضاءات اجتماعية ذات طموحات جديدة مغايرة لحزمة «الأوهام» التي عشناها وسط فوضى المفاهيم؛ فلسوف تتحوّل إلى مجرد «صرخة في العراء!».

بمثابة معرض فرانكفورت

الروائي المصري أشرف أبو اليزيد يذكر أنه في فضاء الثقافة «ينظر المبدعون بتوجه شديد لمفردة «سلعة» كأن تسليع الثقافة جريمة، أو امتهان، أو حط من قدر الإبداع، وهي نظرة غير مكتملة؛ لأن أحد شروط الإبداع هو الاستمرارية، وهي –خاصة- تتحقق حين يستمر دعمها، وإثراء دورتها الاقتصادية، فتجد المسارح من يدخلها، وتعثر المنتجات الموسيقية على مشترين، وتجد الكتب من يبحث عنها ويدفع من أجل اقتنائها. الكتاب كمحتوى قبل الطبع هو فكرة في الأدراج، لكنه حين يُطبع يتحول إلى سلعة ثقافية، تحتاج إلى سوق مناسبة، يستطيع فيها الأطراف جميعًا؛ المؤلف (المنتِج) ودور النشر (الوسيط الإنتاجي) والمتلقي إكمال تلك الدورة بنجاح. قد ازدهرت في العقد الأخير المعارض العصرية التي استقبلتها عواصم الثقافة في الخليج العربي، وأصبحت سوقًا حية للكتاب، وتضاعفت فعالياتها الموازية لتتحول إلى حدث ثقافي محرك وفاعل للمستقبل، وارتبطت بمواعيد معارض الكتب الدولية مسابقات ومؤتمرات، وتحولت تلك المعارض إلى مناسبات حقيقية للعرس الثقافي. من هنا أنظر إلى اختيار الشارقة عاصمة عالمية للكتاب عام 2019م كمحصلة بدهية؛ لأن البنية التحتية استطاعت أن تدعم الفكرة، واستقطب التنافس القادرين على الفوز، ضمن شروط محددة، ولا يفوز تاريخ بثقل الماضي وحده، بل بالقدرة على التجديد كمبدع، أرى أنها فرصة لا تقل أهمية عن تخصيص معرض فرانكفورت قبل سنوات موسمه للأدب العربي، فالسوق المنفتحة على الآخر تقدم رياحًا يجب على أشرعتنا أن تستفيد من قوتها، وأن نبتعد من الفرح بالشكل وحسب، بل نسأل سؤالًا واحدًا: ماذا نريد لكي نروج لمنتجنا الإبداعي؟ هنا تتعدد الإجابات، وتنشط الخطط، وتتضافر الجهود من أجل قوة دفع تتجاوز 2019م لأعوام بعدها، وربما لعقود، إذا أحسنّا الاستعداد والتنفيذ والمشاركة.