كتاب «وهذا باب في التوريق» للمفكر والأكاديمي السعودي عبدالله الغذّامي، (المركز الثقافي العربي) فريد في طبيعة قضاياه وموضوعاته، ومميز في أسلوب «التوريق» الذي اختاره. يقارب أسئلة عميقة في الثقافة والإعلام واللغة والعلاقة بالآخر وبوسائل التواصل الاجتماعي، بطريقة هي أقرب للعصر الحديث ولروحه التفاعلية والتواصلية. وهو مجموعة من التأملات في الذات والآخر والوسيط، جاءت في 100 توريقة، في 221 صفحة. تظهر فيها ظلال تجربة أكاديمية كبيرة، وإحاطة معقلنة بثقافة الوسائط، وانفتاح واعٍ على الذات والآخر.

لقد شغلت التحولات التكنولوجية الحديثة مساحة مهمة من المشروع الثقافي الكبير لعبدالله الغذامي؛ من خلال المواكبة العلمية لها، والتفاعل الفكري مع تحولاتها، والنفاذ من خلالها إلى شريحة واسعة من المتابعين. ثم السعي إلى إحداث التغيير في الأفكار والأنساق الثقافية في أفق إيقاع التبديل في السلوكات والأوضاع الواقعية.

مدخل إلى خطاب التوريق: هذه «التوريقات» نوع من الكتابة يضمّنها الكاتب في سلسلة كتب هذا أولها، بعد أن شرع في نشرها منذ سنوات في المجلة الثقافية لجريدة «الجزيرة» السعودية. ويروم هذا النوع من الكتابة، المستحدث من طرف المؤلف، الإجابة عن سؤال: هل نستطيع أن نكتب في أسطر ما كنا نكتبه في صفحات؟ وقد انبثق هذا السؤال في ذهنه بعد النجاح الذي حققه في امتحان تويتر، حين استطاع أن يشرح مصطلحات علمية دقيقة في فضاء 140 حرفًا. فنزع إلى تجريب نوع من الكتابة اصطلح عليه بالتوريقة، تقع بين المقالة التي تتحدد بعدد الصفحات، والتغريدة التي تتحدد بعدد الأحرف؛ يعصر فيها الكاتب خلاصة فكره، ويضبط خلالها حركية ذهنه ليستجيب لهذا المطلب.

عبدالله الغذامي

ومصطلح «التوريق» ذو أصل تراثي عبر مفردات: الورقاء، والأورق، والتوريق، وهو ما يجعله صنعة ثقافية تستجيب لشرطية زمانها، وعلى الكتابة الصحافية أن تواكب المتغيرات الثقافية المحيطة، وتستجيب لخصائص ثقافة الصورة السائدة. وهو ما راهن عليه المؤلف وهو يؤسس لخطاب جديد، جاء بعد «المقالة» و«التغريدة»، سمَّاه «التوريق»، وهو مصطلح تراثي اختاره الكاتب لارتياد أفق الكتابة في عصر ما بعد الحداثة.

توريقات الوفاء: يخترق خطاب الوفاء لأعلام الفكر والثقافة والإعلام في المملكة العديد من توريقات هذا السِّفر، استحضر فيها الكاتب قامات سامقة أسست الواقع الثقافي السعودي، وأسهمت في خلق حركيته على امتداد جيل كامل، اختار الكاتب أن يكون شاهدًا أمينًا على إنجازاته وانتظاراته… وذلك ليرمم ذاكرة الجيل الجديد، ويربط أبناءه بهذه المنابع الصافية عبر طريقة «التوريق»؛ الأقرب إلى روح العصر وحياته.

النقد الثقافي في التوريقات: لا شك أن خطاب التوريق إمعان في المشروع الثقافي للغذّامي، وأفق آخر من آفاقه الممتدة. والتوريقة ليست إلا وسيطًا آخر من وسائط بسط هذا المشروع بعدَ الكتاب، ثم المقالة، فالتّغريدة. فحدد من خلال هذه التوريقات مجموعة من المفاهيم والآليات الثقافية، كما حذر من مجموعة من الأنساق الساكنة في ثنايا ثقافتنا، المضمرة في دواخل نفوسنا. فتفاعلًا مع القراء والمتابعين على تويتر استطاع الكاتب أن يقدِّم مفهومًا مركزًا ومقبولًا للنسق بوصفه: «كلمة في وصف الفكرة حين تترسخ وتكون أقوى من العقل مثل تفضيل الولد على البنت، أو الأبيض على الأسود». كما رصد هيمنة نسق الهجاء الثقافي على المخزون الثقافي العربي وتواري نظام الحقوق والإنصاف. ودعا إلى فتح المجال أمام «التعددية الثقافية»؛ التي هي من دون شك ليست الفردوس الموعود لكنها أقل جحيمًا. وحثّ أكثر من مرة على مقاومة «الجاهلي النسقي» الذي يتحرك في دواخلنا؛ هذا الفيروس الثقافي الذي يتقن الاختباء ومخادعة البصيرة، حتى لتبدو لنفسك ديمقراطيًّا وإنسانيًّا، ويكمن في داخلك جاهلي نسقي ما.

خطاب التأنيث: للكاتب أربعة كتب في هذا الموضوع، الذي شغل اهتمام رواد التحليل الثقافي بمختلف مشاربهم، وضِمن هذا الهم الثقافي تندرج توريقات كثيرة في هذا الكتاب، تحتفي بالمرأة والأنوثة. وأول ما يبرز في هذا السياق الانشغال المستمر بضرورة تحقيق أنوثة المؤنث ورفع الضيم عنها بدءًا من علامتها الأولى، حيث تمارس الثقافة عملها السلبي على كل سمة مؤنثة. إن التأنيث قيمة ومعنى وقافة، وتبدأ كينونة المرأة من رمزية الاسم، غير أن ثقافة الكتابة درجت على أن تسلب من المرأة اسمها كأنها لا تكتسب موقعًا علميًّا إلا عبر التفحيل، وكأن التأنيث منقصة. ليحكي بحبر الروح عن نساء تفوقن في مجالات عديدة، رغم العلل الثقافية المنتشرة في مجتمعاتنا: الدكتورة فاتنة شاكر، التشكيلية صفية بنت زقر، حنين السديري، رسّامة تويتر…

خطاب تويتر: لتويتر حضور قوي في هذه التوريقات، ويدين الكاتب بالكثير لتويتر وفضائه التفاعلي. ومنذ الأزل كان كل كاتب عظيم يدرك أن المعنى في بطن القارئ، وهو الذي يمنحه دمًا ينبض به قلبه، واليوم في تويتر تتصنّع المعاني بناء على استقبال المغردين والمغردات، حتى إن صاحب التغريدة يحاول استعادة تغريدته وإنقاذها وهْمًا منه من يد خاطفيها. فقد أضحى تويتر امتحانًا ثقافيًّا رسبت فيه أعداد كثيرة، «حتى ليتكسّر بيض كثير»، والسليم منه قليل. فالكثير من المغردين يحملون السُّلّم بالعرض، فمن كان منهم متعمدًا فعليك ألا تُسْتَفزّ لأنك ستعطيه سلطة على أدق مشاعرك، وإذا كان صادقًا فما عليك سوى التعاون معه لتعديل وجهة السّلّم، أو الانسحاب بأدب.

ومن دروس تويتر وحكمها اليومية أن تُحوِّل تغريدةٌ بذيئة الشخصَ المحترم إلى شخص بذيء، ومن خلال خطاب تويتر اللحظوي يجب أن نتعلم «كيف نحمي أنفسنا من أن نتحول إلى كلاب لمجرد أن خصمنا كلب». كما علينا أن نتعلم من حكمة فنون اختيار الأصدقاء ضرورة اختبار الخصوم. ففي تويتر تخجل من كونك طرفًا في هزيمة مدوية. وفي تجلٍّ لثقافة الأسواق يمكن أن تكون في تويتر عرضة لتبادل لفظي يحظى بمتابعين كثر للفرجة أو التشمت أو لمحاولة فك «الهوشة»… وبعيدًا من مقعد الضحية يرى الكاتب في هذا الخطاب إعادة للهجائيات الشعرية، وعلامة على حال الثقافة وطرائق إنتاج الصيغ وتبادلات التلفظ.

لكن من حسنات تويتر الكثيرة أنها تجعلك أنت أنت، فانتقاد الكاتب لسياسات إيران والحوثي مثلًا جعل متابعيه يعرفونه بكل وجوهه «السياسية والعاطفية والإنسانية… وهذه لحظة للفرح بالكشف، وليست خيبة أمل توجب الصدمات في تويتر». وعقب مناقشة دارت على حساب الكاتب وأمام إصرار البعض على إغلاق تويتر، ركز الكاتب على أن تويتر لا يصنع الشرور ولكنه يكتشفها؛ «وستظل تويتر مضمارًا لحرية العمل، والتطوعي منه خاصة، وشباب الوطن وشاباته هم جيشه المعنوي وسلاحهم ضغط زرّ في تويتر، تحمي ضمير وطنهم ومقامه».

وفضلًا عن خطاب الوفاء، وخطاب تويتر، وخطاب الأنوثة، ونقد الأنساق الثقافية المخادعة؛ تقاسمت التوريقات موضوعات أخرى فرضها السياق الثقافي وطبيعة الكتابة الإعلامية المنتظمة. فمن النظر إلى الآخر في أميركا وإنجلترا وأسكتلندا والصين، إلى دينامية الحملات الانتخابية لأوباما وترمب، وكشف أساليب التضليل العلمي والإعلامي؛ تتابع «التوريقات» نبشها في اليومي والهامشي إلى جانب الأكاديمي والإستراتيجي. مزاوِجة بين التحليل العلمي والحكي المشوق، مؤسِّسة لطريقة مبتكرة في تعامل «الأكاديمي» مع قضايا الوطن والأمة، وانشغاله بالوصول إلى أكبر عدد من المتابعين المرابطين على ثغور وسائل التواصل الاجتماعي.