بواسطة زكي الميلاد - كاتب سعودي | مارس 1, 2022 | مقالات
حدثت في سيرة الأدبين المصري والإيراني المعاصرين ظاهرتان متشابهتان في الشكل، ومتغايرتان في المضمون، ومتصلتان في النطاق. ظهر التشابه بين هاتين الظاهرتين في ناحية جنس الكتابة متمثلًا في نمط التقرير، وظهر التغاير في ناحية الموقف متجسدًا تجاه الغرب والثقافة الغربية، أما الاتصال فظهر في ناحية نطاق التعليم في البلدين مصر وإيران. وتعلقت هاتان الظاهرتان في مناسبتين مختلفتين بأديبين شهيرين هما: طه حسين (1306-1393هـ/1889-1973م) في مصر، وجلال آل أحمد (1923-1969م) في إيران.
الظاهرة الأولى بدأت سيرتها حين انتدبت وزارة المعارف المصرية طه حسين لتمثيلها في مؤتمر اللجان الوطنية للتعاون الفكري المنعقد في باريس صيف 1937م، وانتدبته أيضًا في المدة نفسها وفي المكان نفسه الجامعة المصرية لتمثيلها في مؤتمر التعليم العالي.
في هذه الرحلة قضى طه حسين في باريس شهرًا أو نحو شهر، شهد فيها مؤتمرات وأنشطة أخرى، واصفًا حاله في هذه المؤتمرات بالطالب الذي يختلف إلى الدروس والمحاضرات في مواظبة ونظام، سمع فيها آراء، وشهد فيها أشياء، أثارا في نفسه خواطر وأمالًا لم يَرَ بدًّا من تسجيلها.
بعد عودته إلى مصر كان على طه حسين أن يرفع تقريرين إلى الجهتين اللتين انتدبتاه: الوزارة والجامعة، يعرض فيهما ما رأى في المؤتمرين المذكورين، مستسهلًا هذه المهمة، لكنه لم يرفع شيئًا من هذا القبيل، معتبرًا أن ظروف الحياة السياسية في مصر آنذاك قد صرفت الوزارة والجامعة عن قراءة التقارير وحفظها، وصرفته هو كذلك عن تنميقها وتدبيجها، مقدرًا أن هناك شيئًا أكثر خيرًا من كتابة تقرير قد يقرأ ويؤخذ به أو لا يلتفت إليه، قاصدًا إنجاز ذلك الوعد الذي قدمه إلى الشباب الجامعيين ولم يظهرهم عليه، مصورًا أن إنجاز هذا الوعد سيكلفه من الوقت والجهد أكثر مما يكلفه كتابة تقرير أو تقريرين، لكنه سيكون أكثر فائدة وأعم نفعًا.
قد وفى طه حسين بوعده وأنجز بدل التقريرين كتابًا مستفيضًا ومثيرًا متشبهًا بهيئة التقرير، هو كتاب: (مستقبل الثقافة في مصر)، الصادر سنة 1938م، مقدمًا عن هذا الكتاب صورتين متفارقتين محتملتين، لا يدري أيتهما الصورة الراجحة، فلعل كله أو بعضه يقع موقعًا حسنًا من بعض الذين إليهم أمور التعليم، ويأخذون بعض ما فيه من رأي. أو لعل كله أو بعضه يقع موقعًا سيئًا من بعض الناس، وينقدونه ويثيرون حوله جدلًا خصبًا يجلي وجه الحق في كثير من الأحيان.
في هذا الكتاب قدّم طه حسين تصورًا خطيرًا وصادمًا، رابطًا مستقبل الثقافة في مصر بالالتحاق بأوربا، راجعًا إلى التاريخ القديم مفككًا علاقة مصر بالشرق ومجسرًا علاقتها بالغرب، متسائلًا: أمصر من الشرق أم من الغرب؟ قاصدًا الشرق والغرب الثقافيين لا الجغرافيين، معتبرًا أن من السخف الذي ليس بعده سخف اعتبار مصر جزءًا من الشرق، واعتبار العقلية المصرية عقلية شرقية كعقلية الهند والصين، جازمًا بأن مصر كانت دائمًا جزءًا من أوربا في كل ما يتصل بالحياة العقلية والثقافية على اختلاف فروعها وألوانها.
شركاء في الحضارة
حين اتجه بنظره إلى العصر الحديث، طالب طه حسين بأن تتصل مصر بأوربا اتصالًا يزداد قوة من يوم إلى يوم، حتى تصبح جزءًا منها لفظًا ومعنى وحقيقة وشكلًا، داعيًا لاتباع سيرة الأوربيين وانتهاج طريقهم لنكون لهم –حسب قوله- شركاء في الحضارة خيرها وشرها، حلوها ومرها، وما يحب منها وما يكره، وما يحمد منها وما يعاب، نافيًا أي خطر على الشخصية المصرية من الحضارة الحديثة، متخذًا من الشخصية اليابانية نموذج قياس على ذلك؛ إذ لم يحدث لها أي خطر من الحضارة الحديثة، معقبًا على هذه المقايسة قائلًا: ولست أدري لم تضيع شخصية المصريين إذا ساروا سيرة الأوربيين، ولا تضيع شخصية اليابانيين، مع أن لمصر من المجد والسابقة ما ليس لليابان مثله.
هذا عن الظاهرة الأولى وسيرتها، أما الظاهرة الثانية فقد بدأت سيرتها حين تقدم جلال آل أحمد في سنة 1961م بتقرير داخلي، قدمه لمجلس حكومي يعنى بشؤون التعليم في إيران، وقد تحفظ المجلس على هذا التقرير، وامتنع عن نشره؛ بسبب طابعه النقدي الصريح والصارم، فجرى تداوله على نطاق خاص بين زملاء الكاتب وأصدقائه، الذين أبدوا عليه بعض الملحوظات بقصد التهذيب والتنقيح، وبعد زيادة وحذف قام بها جلال آل أحمد، صدر هذا التقرير في كتاب مثير وخطير حمل عنوان: (غرب زدكي)، ويعني حسب ترجمته العربية (وباء التغرب) أو (الابتلاء بالتغرب)، إلى جانب ترجمات أخرى تنوعت في الكلمة الثانية من العنوان (زدكي)، واتفقت على الكلمة الأولى (غرب).
في هذا الكتاب قدم جلال آل أحمد خطابًا نقديًّا شديدًا تجاه ما سماه التغرب، واصفًا له بالوباء الخطير، محذرًا من انتشاره، ساعيًا لتفكيك خطابه وتشريح بنيته وتقويض أركانه، مطلقًا صيحة في وجهه هي الأقوى من نوعها في ساحة الأدباء والمثقفين الإيرانيين المعاصرين.
كما حاول آل أحمد تتبع هذا الوباء –حسب وصفه- على الأصعدة كافة ثقافيًّا وتعليميًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا وغيرها، باذلًا جهدًا واضحًا في الكشف عنه وفضحه وتعريته، وتسليط الضوء عليه، ووضعه تحت عدسة المجهر لتكبير صورته وليظهر على حقيقته، ومن أجل إخراجه من حالة التخفي والمخادعة، إلى حالة الانكشاف والمعاينة، وكأنه أراد أن يدقّ إسفينًا منبهًا مجتمعه من خطر عظيم، يقصد به وباء التغرب.
سياسات التحديث السريع
كانت إيران آنذاك بعد تركيا تُعَدّ من أكثر أقطار العالم الإسلامي تبنيًا لبرامج وسياسات التحديث السريع على النمط الأوربي، لربط المجتمع الإيراني بالغرب والتحديث الغربي، الوضع الذي دفع آل أحمد لأن يدق ناقوس الخطر منبهًا المجتمع من هذا الوباء، معرفًا به قائلًا: هو مجموعة من الأعراض التي تطرأ على حياتنا في جوانبها الثقافية والحضارية والفكرية، من دون أن يكون لها أية جذور في التراث، أو أي عمق في التاريخ، ومن دون أن يكون دخولها تدريجيًّا، يسمح بالاستعداد لها، وإنما تداهمنا دفعة واحدة، لتقول لنا: أنا هدية الآلة إليكم، أو قل: إنها الممهدة للآلة.
ما يريد آل أحمد أن يقرره ويناقشه في كتابه، معبرًا عنه كنظرية له، يتحدد في قوله: إننا لم نستطع أن نحافظ على شخصيتنا الثقافية والتاريخية في مواجهة الآلة وهجومها الحتمي، ولم ندرك ماهية الحضارة الغربية وأساسها وفلسفتها، وأخذنا نقلد الغرب شكلًا، وفي الظاهر نستهلك آلاته، ولا نعرف أسرار هذه الحضارة ونظمها وبنيتها، وما دمنا لم نصنع الآلة فنحن متغربون.
ما يثير الانتباه في هذين الموقفين أنهما اتسما بأعلى درجات الاقتراب والابتعاد تجاه الغرب والثقافة الغربية، ومَثّلَا أشدّ صُور التباين والافتراق يمينًا مع طه حسين، ويسارًا مع جلال آل أحمد، وكَشَفَا لنا عن نهجين ومنظورين في التفكير والاستشراف كان لهما تمثلاتهما في الأدبين والثقافتين العربية والإسلامية، بقيا متنازعين ومتصادمين أدبيًّا واجتماعيًّا، فما دعا إليه بشدة طه حسين رفضه بشدة جلال آل أحمد، وما دعا إليه بشدة آل أحمد رفضه بشدة طه حسين.
أما السمة المشتركة لهذين الموقفين فقد تحددت في الإسراف مدحًا وذمًّا، اقترابًا وابتعادًا، قبولًا ورفضًا، فطه حسين أسرف في طريقة التعلق بأوربا، وفي الدعوة إلى اتباع سيرة الأوربيين، متأملًا أن تصبح مصر جزءًا من أوربا منقطعة عن الشرق ملتحقة بالغرب. وجلال آل أحمد أسرف من جهته كذلك في ذم الغرب وكل ما له علاقة به، مبالغًا في رفضه وقدحه، مغاليًا في تصويراته وتشبيهاته، ناظرًا له بوصفه تلوثًا وتسممًا ووباءً.
بذلك نكون أمام موقفين مغاليين غير متوازيين، فلا يمكن أن نقبل موقف طه حسين بهذه الطريقة من الاتباع إلى الغرب، كما لا يمكن أن نقبل موقف آل أحمد بهذه الطريقة من الرفض، وإنما علينا أن ننتخب طريقًا لا استلاب فيه من جهة، ولا جمود فيه من جهة أخرى، فمستقبلنا قطعًا ليس في اتباع الغرب، لكن الغرب ليس شرًّا مطلقًا ولا خيرًا مطلقًا، والمطلوب أن نجتهد ونختار نموذجنا الحضاري المستقل!
بواسطة زكي الميلاد - كاتب سعودي | يوليو 1, 2021 | مقالات
يفتح الاقتران بين فكرة الحوار ونظرية التواصل أفقًا فكريًّا حيويًّا، يثري فكرة الحوار عمقًا، ويضيف لها وزنًا، ويضعها أمام خبرة معرفية ونقدية فعالة ومهمة، باتت تمثل في أزمنتنا الراهنة واحدة من الخبرات المعرفية الجادة والمؤثرة في المجال الفكري الأوربي المعاصر.
من وجه آخر، يتيح لنا هذا الاقتران إمكانية تطوير فكرة الحوار بنية وتكوينًا وأفقًا، بالمقايسة على نمط الطريقة التي طور فيها المفكر الألماني البارز يورغن هابرماس نظرية التواصل، أو النظرية التواصلية كما عرفت في الأدب الأوربي الحديث، وبفضل هابرماس اكتسبت هذه النظرية ثراء معرفيًّا، وتراكمًا نظريًّا،
وخبرة نقدية.
تطورت هذه النظرية وتجددت على أرضية الاتصال بحقول معرفية عدة، تنتمي إلى دائرة العلوم الإنسانية والاجتماعية، شملت الفلسفة والأخلاق والسياسة وعلم الاجتماع واللغة واللسانيات، وقد فتحت في المجال الغربي نقاشًا واسعًا ومعمقًا، بقي حاضرًا هناك ولم ينقطع أو يتوقف، وشهدنا له امتدادًا إلى بيئات أخرى خارج المجال الغربي.
منذ أن تعرف هابرماس إلى هذه النظرية لم يتوقف عن الاهتمام بها، وظل يطور فيها ويجدد، مستفيدًا من خبراته المعرفية والتطبيقية، حتى تبلورت في صورة نظرية عرفت في ساحة الفكر الأوربي المعاصر بنظرية «العقل التواصلي»، أو «العقلانية التواصلية»، جامعة في تركيب تبادلي بين العقل والتواصل، العقل بما يمثل من فاعلية على مستوى النظر، والتواصل بما يمثل من فاعلية على مستوى السلوك والعمل.
شيد هابرماس هذه النظرية وشرحها وأسس لها في عدد من مؤلفاته الفكرية والنقدية المهمة، يبرز منها ويتقدم ثلاثة أعمال هي بحسب تعاقبها الزمني: كتاب: «نظرية الفعل التواصلي» الصادر سنة 1981م، وكتاب: «الأخلاق والتواصل» الصادر سنة 1983م، وكتاب: «القول الفلسفي للحداثة» على ترجمة، أو «الخطاب الفلسفي للحداثة» على ترجمة أخرى لصادر سنة 1986م.
مثلت هذه التأليفات الثلاثة التي ترتد زمنًا إلى حقبة ثمانينيات القرن العشرين، الأساس المرجعي لنظرية التواصل أو النظرية التواصلية، جعلت منها نظرية متينة ومتماسكة، أخذت في الحسبان الأسس الفلسفية لتمتين علاقتها بالعقل والعقلانية، بقصد إعطاء التواصل صفة العقلانية، وقد عرفت بهذه الصفة متحددة بتسمية «العقل التواصلي»، أو «العقلانية التواصلية»، لتكون نظرية متعالية على الجانب الذوقي والعاطفي والوجداني من جهة، وبعيدة من الجانب الفوضوي المنفلت وغير المنضبط من جهة أخرى.
كما أخذت هذه النظرية كذلك في الحسبان الأسس الأخلاقية التي أبان عنها هابرماس مستفيضًا في كتابه: «الأخلاق والتواصل»، متقصدًا إعطاء النظرية صفة الأخلاقية، ليكون التواصل متعاليًا على الجانب الفردي والذاتي من جهة، وبعيدًا من مظهر القوة والإكراه من جهة أخرى، سعيًا لتمتين علاقة التواصل بالمجتمع، ولكي يظهر التواصل بفاعليته الاجتماعية، بوصفه مفهومًا اجتماعيًّا.
إلى جانب ذلك، أخذت أيضًا هذه النظرية الاعتبار بالأسس اللغوية لتمتين علاقة التواصل باللغة، لكون اللغة هي أداة التواصل، ويشتركان معًا في وظيفتهما الاجتماعية، وليكون التواصل من جهة متعاليًا على الاستغراق في فلسفة الوعي، وبعيدًا من جهة أخرى من جانب الغموض والإبهام، فلا تواصل من دون لغة قادرة على البيان والتفاهم، والمقصود باللغة هنا الخطاب وطريقة المخاطبة الصادقة والمفهومة.
أما فكرة الحوار فهي في الأساس فكرة تواصلية، تظهر فاعليتها في التواصل وعبر الفعل التواصلي حسب اصطلاح هابرماس، وهي تعني كما تعني فكرة التواصل محاولة العبور من فلسفة الذات إلى فلسفة الآخر، فلا بد من الوصول إلى الآخر حتى يتحقق الحوار، ولا فاعلية للحوار إلا بالتواصل.
بمعنى لا يكفى الدعوة إلى الحوار، ولا يتحقق الحوار بمجرد الإعلان عن هذه الدعوة الحسنة، وإنما لا بد من شرط الوصول إلى الآخر، ودفعه إلى التواصل، وليس من السهل تحقيق هذه الرغبة أو إنجاز هذه المهمة التواصلية، لكن ليس من الصعب كذلك النهوض بها، علمًا أن الحوار والحوار الفعال لا يتحقق بدونها.
لهذا فإن نظرية التواصل تقدم خبرة معرفية ونقدية مهمة لا غنى عنها لتطوير فكرة الحوار في أبعادها الفلسفية والأخلاقية والاجتماعية واللغوية، وبهذه الطريقة المتجددة والفعالة يمكن أن نجنب فكرة الحوار من الإصابة بوضعية الرتابة أو الجمود أو حتى وضعية الانسداد، والانتقال بها من كونها فكرة وعظية لها جمالية المظهر إلى فكرة تواصلية فعالة لها جمالية المظهر وقوة المعنى.
بواسطة زكي الميلاد - كاتب سعودي | يناير 1, 2021 | مقالات
اعتنى الباحث المغربي الدكتور محمد سبيلا بفكرة الحداثة، وبقي مهمومًا بها ومنشغلًا، مدافًعا عنها ومنافحًا، منخرطًا فيها ومنتميًا، مقدمًا حولها قراءات ومطالعات فكرية ونقدية جاءت متتالية في تأليفات ومقالات متراكمة. من هذه التأليفات بحسب تعاقبها الزمني، كتاب: «مدارات الحداثة» صدر سنة 1987م، وكتاب: «المغرب في مواجهة الحداثة» صدر سنة 1999م، وكتاب: «الحداثة وما بعد الحداثة» صدر سنة 2000م، وكتاب: «النزعات الأصولية والحداثة» صدر سنة 2000م، وكتاب: «مخاضات الحداثة» صدر سنة 2007م، إلى جانب مقالات يصعب تتبعها وحصرها، فالحداثة هي الموضوع الأثير للدكتور سبيلا، وأصبحت -حسب قوله- الناظم الذي يؤطر ويستجمع روح اهتماماته الفكرية كافة.
من بين أقوال الدكتور سبيلا عن الحداثة، أثار انتباهي قول أبان عنه في عنوان مقالة له وسمها: «من الحداثات إلى الحداثة»، قدمها ورقة لندوة دولية نظمتها أكاديمية المملكة المغربية سنة 2017م، ونشرتها مجلة «يتفكرون» سنة 2018م، وأعاد نشرها في مجلة «المشروع» المغربية سنة 2019م، داعيًا فيها إلى التوقف عند مقولة الحداثات المتعددة فحصًا وتبصرًا، مناقشًا مدى صدقيتها ومشروعيتها الفكرية والتاريخية، متسائلًا: هل سيرورة التاريخ هي من الحداثة إلى الحداثات أم من الحداثات إلى الحداثة؟ مرجحًا في خاتمة القول ومنتصرًا إلى الرأي الثاني، ومعلنًا تمسكه بالحداثة، ومشككًا في مقولة الحداثات المتعددة أو تعددية الحداثات.
وتوضيحًا لرأيه يرى الدكتور سبيلا أن مقولة الحداثة حداثات هي من ناحية البيان نوع من التلطيف، ومن ناحية الفكر شكل من أشكال مقاومة الحداثة، نوع من التلطيف في نظره تمامًا مثلما سبق وتم تلطيف لغة البلدان المتخلفة، متنقلين معها من نقص في التطور، ثم إلى بلدان في طريق النمو، ثم إلى بلدان نامية، وهكذا.
وشكل من المقاومة في نظر سبيلا، متجه خاصة لنواة الحداثة الفكرية العليا بسبب عسرها وعنائها، وتعذر جرعتها المرة، والمحصلة من هذه المقاومة تمطيط مفهوم الحداثة، وقطع حبل الوصل بنواته ونموذجه، وتحويله إلى مفهوم واسع ورخو.

دكتور محمد سبيلا
وبعد مناقشات ومجادلات مع هذه المقولة، متوقفًا عند مصادرها النظرية، متمثلة في: النزعة الثقافوية، والبنيوية، وأفكار ما بعد الحداثة، انتهى سبيلا في خاتمة المطاف إلى خلاصة نهائية قررها قائلًا: «الحداثة سيرورة تاريخية كلية للعصور الحديثة، سيرورة مركبة وعنيدة، تولد لذاتها كيفيات ووسائط الانتشار عالميًّا، بدرجات وسرعات وتدرجات مختلفة عبر عدة مستويات أو عتبات؛ أولها الحداثة التقنية وهي أيضًا مستويات ودرجات، والحداثة التنظيمية ابتداءً من الاقتصاد إلى السياسة مرورًا بالبنية الاجتماعية، وأخيرًا الحداثة الفكرية أو الثقافية التي هي الشرط اللازم المضمر الذي يمكن أن يتحول إلى معيار حاسم في تقييم كل المستويات والعتبات الأخرى للحداثة».
لعل هذه هي أبرز أطروحة للدكتور سبيلا في موضوع الحداثة، أو أنها أبرز أطروحاته إثارة للجدل والنقاش، والمفارقة الشكلية فيها أنها جاءت في مناسبة عنوانها كان يعاكس هذه الأطروحة ويتفارق معها، متوسمًا بعنوان: «من الحداثة إلى الحداثات»، الذي اختارته أكاديمية المملكة المغربية ليكون موضوعًا لندوتها الدولية، وأرادت منه السير باتجاه تأكيد التحول والانتقال من وضعية الحداثة الأحادية إلى وضعية الحداثات المتعددة، وإذا بالدكتور سبيلا من قلب هذه المناسبة يقلب صورة الموقف، ويعاكس السير، مخطئًا له، ومنتصرًا لوضعية البقاء في الحداثة، والعودة إليها بديلًا من الحداثات المتعددة.
بهذا القول نكون في المجال الفكري العربي المعاصر، أمام أطروحتين متقابلتين ومتفارقتين في الرؤية والمنهج؛ الأطروحة الأولى تتبنى الدعوة من الحداثة إلى الحداثات، والأطروحة الثانية تتبنى الدعوة من الحداثات إلى الحداثة، فبعد أن كنا نظن أننا أمام أطروحة واحدة يمكن أن نلتقي عليها ونتوافق، وهي أطروحة الحداثات المتعددة، فإذا بنا أمام أطروحة ثانية مفارقة ومغايرة، يسجل لها أنها جاءت وكسرت رتابة الفكر، وحفزت الذهن، وجددت النقاش من جديد حول أصل الحداثة وأصولها.
من الواضح أن كل واحدة من هاتين الأطروحتين، لها بنيتها وأفقها ونقدياتها وحقلها الدلالي، تشتركان معًا في طلب الحداثة وبلوغها، وتختلفان في طرق الوصول، بين من ترى أن الحداثة لها طريق واحد هو طريقها المستقيم الذي لا زيغ فيه ولا ضلال، وبين من ترى أن الحداثة لها طرق متعددة هي طرقها المستقيمة التي تتسع لأكثر من طريق ولا تَتَضَيَّقُ بطريق واحد، فلا ينبغي أن نُضيِّق على أنفسنا الدرب، فطرق الحداثة سالكة في اتجاهات متعددة.
من جانب آخر، إن التحول من الحداثة إلى الحداثات المتعددة، كان لا بد أن يحدث على مستوى الفضاء الفكري العالمي، بوصفه تطورًا فكريًّا طبيعيًّا إن لم يكن حتميًّا متفقًا مع منطق التاريخ وروحه، ومتناغمًا مع منطق تقاسم العالم بين الحضارات الكبرى، فالغرب ليس هو بداية الحضارة في التاريخ الإنساني ولا نهايتها، ولا يصح اختزال التجربة الإنسانية الطويلة والعظيمة عند عتبة الغرب، فلا هو أول من تقدم ولا هو آخر من تقدم؛ لذا فإن الحداثة لا يمكن أن تظل واحدة، وكأنه لا يوجد في العالم وفي التاريخ الإنساني إلا الغرب!
هناك حالة واحدة لا غير يمكن لنا فيها أن نقبل بالحداثة الأحادية، هي متى ما رفع الغرب يده عن الحداثة، وقبل بفك الارتباط وعدم التماثل بينه وبين الحداثة، فلا الغرب هو الحداثة ولا الحداثة هي الغرب، وإنما هي روح حضارية متوثبة ومتوهجة تمثلتها جميع الحضارات والمدنيات، مرت على الغرب كما مرت على الحضارات والمدنيات السابقة عليه، وستمر من بعده على الحضارات والمدنيات التالية عليه، وهكذا! ومن ثم فلا مكان للحداثة ولا زمان، فهل يقبل الغرب بهذا التصور ويركن إليه! أم يرفضه ويعترض عليه! تأكيدًا لمركزيته، وتعزيزًا لتفوقه، وبسطًا لهيمنته؟!
تتمة لهذا السياق، فإن العالم كان بحاجة إلى التفكير في الحداثات المتعددة التي تتسع إلى مختلف التجارب الإنسانية العظيمة من جهة، وتسعى إلى تقويض فكرة المركزية الغربية المتبجحة التي ضاق بها العالم ذرعًا من جهة ثانية، وإلى دفع الغرب وتحريكه نحو إصلاح الحداثة وتهذيبها من جهة ثالثة، ومن أجل الالتفات إلى الحداثات الصاعدة المنبعثة خارج المجال الغربي في اليابان والصين والهند وغيرها من جهة رابعة.
لا شك في معقولية هذه الاتجاهات الأربعة منفصلة ومتصلة، وكل اتجاه منها كافٍ لتأكيد التفكير في الحداثات المتعددة، فكيف مع تَعاضُدها! ليس هذا فحسب، بل إن التفكير في الحداثات المتعددة يصبُّ في مصلحة الحداثة نفسها، حتى بالمعنى الأحادي للحداثة، التي باتت بحاجة إلى تلمُّس أفق أو آفاق جديدة، قد تجدها في الحداثات المتعددة أو الحداثات المتغايرة.
وبات من المؤكد أن حداثة الغرب لم تَعُدْ في نظر العالم وبالذات عند المجتمعات الآسيوية الصاعدة والناهضة، بذلك الوهج المتألق الذي كانت عليه من قبل، ولا بذلك الإشعاع الساحر، ولم تعد تمثل لا النموذج الأمثل ولا النموذج المحتذى أو الفريد، وأصبح من الممكن مناظرة هذا النموذج الحداثي الغربي ومطارحته ونقده بنوع من الثقة والثقة العالية أيضًا. فقد وصلت ثقة الآسيويين في نموذجهم الثقافي والقيمي، إلى أن يقدموه بوصفه بديلًا متفوِّقًا على النموذج الغربي، بل يدعون الغرب إلى تبني نموذجهم حتى يتمكن من تجديد نفسه.
وخلاصة ما ننتهي إليه أن من يفكر في الحداثة من داخل الحداثة الغربية وسطوتها، يصل إلى ما وصل إليه الدكتور سبيلا في التمسك بأحادية الحداثة، ومن يفكر في الحداثة من خارج الحداثة الغربية وسطوتها، يصل إلى القول المغاير الذي يرى أن الحداثة هي حداثات، وهذا هو التحول الحتمي في منطق التجربة الإنسانية العظيمة.
بواسطة زكي الميلاد - كاتب سعودي | يوليو 1, 2020 | مقالات
اشتغل الباحث اللبناني الدكتور عادل ضاهر على نقد الفلسفة الغربية التي درسها ودرّسها تعلمًا وتعليمًا، مقدمًا عملًا فلسفيًّا كبيرًا، تكوّن من أربعة أجزاء تناول فيه بالتحليل والنقد أهم الاتجاهات الفلسفية في الغرب التي تصدت إلى المشكلات الكبرى في أربعة ميادين هي: فلسفة الأخلاق، وفلسفة الدين، والفلسفة السياسية والاجتماعية، وفلسفة العلوم الاجتماعية، متطلعًا من هذا العمل إلى الوصول إلى بناء نظرة فلسفية شاملة ومتماسكة نرتكز عليها في التحليل الفلسفي لتلك القضايا الفلسفية الكبرى.

د. عادل ضاهر
في هذه المعالجة انطلق الدكتور ضاهر من مسألة اعتبرها أنها تشكل المحور الأساسي، تحددت في طريقة الفهم لطبيعة الفلسفة ودورها، متجهًا لتبني وجهة نظر ترى أن الفلسفة في جانب مهم وجوهري هي نقد أخلاقي للمجتمع، متمسكًا بهذا الرأي ومدافعًا عنه، ساعيًا لتأكيده والالتزام به، باذلًا جهدًا لتبيان الأسس المسوغة له متجلّيًا في كتابه: «الأخلاق والعقل» الصادر سنة 1990م، وهو الكتاب الأول في مشروعه الموسوم نقد الفلسفة الغربية.
هذا الرأي بمنطق التحليل تكون من ثلاثة عناصر هي: النقد والأخلاق والمجتمع، أراد ضاهر من «النقد» تأكيد الطابع النقدي للفلسفة، مجادلًا في هذا الشأن ومفارقًا عددًا من وجهات النظر السائدة في المجال الفكري والفلسفي الغربي المعاصر، منها تلك التي ترى أن الفلسفة هي مجرد أداة للتحليل، الرأي الذي أخذ به مفكرون أمثال البريطاني برتراند راسل والنمساوي فتجنستين وأصحاب مذهب الوضعية المنطقية عمومًا.
ومنها تلك التي ترى أن الفلسفة هي مجرد أداة للوصف الظاهراتي، أخذ بهذا الرأي مفكرون أمثال هوسرل وهايدغر الألمانيين، وسارتر وميرلوبونتي الفرنسيين، وأصحاب المذهب الظاهراتي عمومًا، ومنها تلك التي ترى أن الفلسفة هي نشاط فكري تجريدي محايد يتحرى البحث عن الحقيقة المجردة، في مقابل هذه الآراء والاتجاهات التي تنحو بالفلسفة مذاهب شتى حاول ضاهر تغليب المعنى النقدي للفلسفة.
ومن «الأخلاق» أراد ضاهر تأكيد الطابع المعياري للفلسفة الذي يتخطى ما هو كائن إلى ما ينبغي أن يكون، ساعيًا لتحويل اتجاه الفلسفة من كونها فلسفة نظر إلى فلسفة فعل، ومن فلسفة تُعْنَى بفهم الواقع والكلام عن العالم إلى فلسفة تُعْنَى بتغيير الواقع وإصلاح العالم، مرتكزًا على أن العقل ليس من وظيفته أن يقرر الوسائل وحدها، بل من وظيفته كذلك أن يقرر الغايات، وما بين الوسائل والغايات تتأكد العلاقة بين العقل والأخلاق.
وأراد ضاهر من «المجتمع» تأكيد علاقة الفلسفة بالمجتمع، وتغليب الوظيفة الاجتماعية للفلسفة، متوثقًا برؤية رائد مدرسة فرانكفورت النقدية الألماني هوركهايمر الذي يرى «أن الوظيفة الاجتماعية للفلسفة تكمن في نقدها لما هو سائد». وترسيخًا لهذا المعنى انتقد ضاهر انصراف الفلسفة إلى البحث الأنطولوجي والإبستمولوجي والميتا-لغوي والميتا-علمي ومنطقي، والاستغراق في هذه الأبعاد النظرية، والاغتراب عن المجتمع وشؤونه وقضاياه، وتغليب المعرفة على المجتمع، والتمسك بالوظيفة المعرفية وإهمال الوظيفة الاجتماعية.
المعنى المغيب للفلسفة
هذا المعنى للفلسفة على وجاهته وقيمته يكاد يكون مهجورًا في المجال الفكري العربي، وأظن أنه بحاجة إلى لفت الانتباه إليه، وتسليط الضوء عليه، واستعادة النظر فيه والتأمل، ليكون هذا المعنى حاضرًا إلى جانب المعاني الأخرى للفلسفة وليس مغيبًا أو مهجورًا.
ولا أعلم إن كان هناك أحد يبادل ضاهر الحماس نفسه دفاعًا عن هذا المعنى وتمسكًا به، ولعل في انطباع بعض أن هذا المعنى لا يمتُّ إلى الفلسفة بِصِلَة، بل يخرجها من مجالها المحكم، ويهبط بها من تعاليها المتسامي، ويمس كبرياءها، ويخدش في هيبتها ورهبتها، ويعرضها لأن تكون مادة للهرج والمرج بحسب لغة القدماء، معتبرين أن الفلسفة هي أكبر من ذلك وأسمى، وأنها من اختصاص أهل الصفوة من الناس، ولا يقوى عليها صبرًا وجهدًا إلا الحكماء.
وتتمة لرأي هؤلاء فإن الفلسفة في نظرهم إما أن تكون فلسفة أو لا تكون، لا تكون فلسفة إلا إذا كانت موضوعًا خاصًّا وليست موضوعًا عامًّا، وإذا كانت نشاطًا فكريًّا نظريًّا وتجريديًّا، وليست نشاطًا فكريًّا عمليًّا وتطبيقيًّا، وإذا كانت بحثًا يتوخى المعرفة المحضة والبحث عن الحقيقة العليا ويتجنب ما دون ذلك، ناظرين إلى أن الفلسفة هي العلم الوحيد الذي لا يقبل التهاون، ولا يرضى بالتنازل،
ولا يقنع بالتواضع.
وأما في منطق ضاهر فإن هذا المعنى إلى الفلسفة، الذي يدركه ويعيه ولم يكن متغافلًا عنه أو بعيدًا من فطنته، قد يكون فيه تجميد للفلسفة، وتعطيل لوظيفتها النقدية والاجتماعية، وقد يعده تباهيًا بالفلسفة لا جدوى منه، وتعاليًا لا أساس له، وترفعًا في غير مكانه، وأنه أقرب إلى هيبة متخيلة، ورهبة متوهمة، وقد يرى في أصحاب هذا الرأي أنهم أساؤوا إلى الفلسفة من حيث يعلمون ومن حيث لا يعلمون، وأنهم أسهموا بحصار الفلسفة من حيث يدركون ومن حيث لا يدركون، وأنهم ضيقوا عليها الخناق من حيث يظنون ومن حيث لا يظنون.
ليس بعيدًا أن يتقاطع المفكر المغربي الدكتور طه عبدالرحمن ويلتقي مع المعنى الراجح للفلسفة عند ضاهر، وتحديدًا من جهة التركيز على النقد الأخلاقي؛ لكون أن هذا الجانب يحظى بعناية الدكتور طه واهتمامه الشديد، باعتباره يتبنى فلسفة تتخذ من الأخلاق مرتكزًا، ويعد صاحب فلسفة أخلاقية ظل ينتصر لها، ويتمسك بها، ويدافع عنها، وقد اتخذ من النقد الأخلاقي منطلقًا ومنهجًا في نقد الحداثة وتقويم اعوجاجها الموصوف عنده بالاعوجاج الخلقي للحداثة، شارحًا هذا الموقف وكاشفًا عنه في كتابه: «سؤال الأخلاق.. مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية» الصادر سنة 2000م. إلى جانب هذا التقاطع، هناك جانب تفارق بين المفكرين، متحددًا في المرجعية من جهة، وفي المنهج من جهة أخرى، فالدكتور طه عبدالرحمن يرتكز على مرجعية دينية إسلامية، بينما يرتكز الدكتور ضاهر على مرجعية علمانية غربية، ومن جهة المنهج فإن الأول يربط الأخلاق بالدين ولا يقبل فك العلاقة بينهما، أما الثاني فيربط الأخلاق بالعقل ويشدد على هذه العلاقة.
الفلسفة والأيديولوجيا
من جانب آخر في النقاش الفكري والنقدي مع ضاهر، يتعلق هذا الجانب بربط ضاهر موقفه الفلسفي بالأيديولوجيا، مقدمًا دفاعًا عن الأيديولوجيا وعن علاقة الفلسفة بالأيديولوجيا، معتبرًا أن الأيديولوجيا هي التي تحفز الفلسفة على النهوض بوظيفتها الاجتماعية والتغييرية، ومن دونها تنزع الفلسفة نحو التجريد النظري والتعالي العلمي، وله في هذا الشأن مقالة مبكرة نشرها سنة 1983م في مجلة مواقف اللبنانية بعنوان: «الفلسفة والأيديولوجيا»، وجدد التأكيد على هذا الموقف والدفاع الشديد عنه في مقالته الموسومة بعنوان: «دور الفلسفة في المجتمع العربي» المنشورة سنة 1985م في كتاب جماعي بعنوان: «الفلسفة في الوطن العربي المعاصر».
أمام هذه القضية حصل انقسام حاد في المجال الفكري العربي المعاصر، بين من يدعو إلى التحرر من الأيديولوجيا والتخلص منها ومن سطوتها وطغيانها، وتضليلها الزائف، وتبشيرها الخادع، ووعودها الوهمية كما يرى أصحاب هذا الرأي، وبين من يدعو إلى التمسك بها لدفع المعرفة والفلسفة نحو النهوض بوظيفتهما النقدية والاجتماعية، وحَفْزهما باتجاه التفاعل مع قضايا الإنسان والمجتمع والعالم، ولأجل الاقتراب من الواقع وهمومه والتشارك في إصلاحه وتغييره.
المنحى الأول يتبناه شريحة من الكتاب والمفكرين يبرز منهم الدكتور محمد أركون الذي اعتبر في ندوة: «التراث وتحديات العصر» المنعقدة في بيروت سنة 1985م، أن طغيان أيديولوجيا الكفاح على تقدير حقوق العلم واحترامها، أصبح في الفكر العربي الإسلامي المعاصر من أشد العراقيل المعرفية، وأخطر النتائج على مصيرنا. وتناغمًا مع هذا المنحى وتأكيدًا له يرى الباحث البحريني الدكتور محمد جابر الأنصاري في كتابه: «مساءلة الهزيمة» الصادر سنة 2001م، أن الفكر العربي المعاصر ما لم يتخلص من طغيان الأيديولوجيا لصالح الإبستمولوجيا أو البحث المعرفي العلمي والنقدي، فإنه لن يتمكن من الخروج بوعي الأمة من نفق الهزيمة.
كان بإمكان الدكتور ضاهر الدفاع عن موقفه الفلسفي بعيدًا من الأيديولوجيا، من دون أن نصادر حقه في الرأي؛ لأن الفلسفة أكثر رحابة من الأيديولوجيا، وأبعد أفقًا منها، ومتى ما اختلطت بالأيديولوجيا فقدت رحابتها وسعة صدرها وبعد أفقها، وعندها قد تتحول إلى شيء آخر غير الفلسفة، تكون أقرب إلى الأيديولوجيا من الفلسفة؛ لذا فإننا نتفق مع ضاهر في أن تتجه الفلسفة نحو النقد الأخلاقي للمجتمع، ونفترق معه في ربط هذا المعنى بالأيديولوجيا.
بواسطة زكي الميلاد - كاتب سعودي | يناير 1, 2020 | مقالات
مع مطلع القرن الحادي والعشرين عادت ظاهرة الإلحاد إلى واجهة المشهد العالمي مرة أخرى، معلنةً عن موجة جديدة لعلها الأقوى أو الأنشط في تاريخها الحديث، متغايرة بعض الشيء شكلًا ومضمونًا عن الموجات السابقة، متحفزة بطريقة كما لو أنها تريد اقتناص هذه الفرصة التي رأت فيها أنها من أفضل الفرص التاريخية المتاحة لها أو التي مرت عليها في تاريخ صراعها الوجودي مع الدين.
تحفزت هذه الموجة مستفيدة من الحروب المشتعلة، ومن النزاعات المتفاقمة، ومن اشتداد نزعات التطرف والتعصب وتصاعد الإرهاب المعولم والعابر بين القارات، وذلك بالنظر لما تتركه هذه الوضعيات من تأثيرات نفسية واجتماعية واقتصادية ضاغطة تتهيأ معها إمكانية إثارة الشكوك تجاه المعتقدات الدينية، وقلب صورة الإيمان الديني في أذهان الناس، وتحميل الدين مسؤولية ما يحدث.
وتأكيدًا لهذا الرأي يرى المؤرخون المعاصرون إمكانية انبثاق ظاهرة الإلحاد واشتدادها في المجتمعات التي مرت بحروب قاسية أو عاصرت أحداثًا مؤلمة خلَّفت معها كوارث ونكبات، على شاكلة ما جرى في المجتمعات الأوربية بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، فقد ظهرت موجة من الإلحاد لاحظها المؤرخون هناك وتنبهوا لها، رابطين العلاقة بينها وما حل بأوربا من حربين مدمرتين، متوثقين من هذه العلاقة التي تربط بين الحروب المدمرة وظاهرة الإلحاد من جهة القابلية والاستعداد.
واتصالًا بهذا السياق جاءت هذه الموجة الجديدة من الإلحاد حيث اتخذت من حدث الحادي عشر من سبتمبر 2001م لحظة تاريخية، بوصفه حدثًا خلق كارثة مرعبة، وأثار قلق العالم، وفجر حروبًا كالتي حدثت في العراق وأفغانستان، فقد وجد أصحاب هذه الموجة أنهم أمام لحظة تاريخية لا تفوت لتوجيه السهام إلى الدين، ووضعه مرة أخرى في قفص الاتهام، وإثارة الشكوك حوله.
تسمية مفارقة
واللافت في هذه الموجة أنها تقصَّدَت تغيير صورتها، كأنها أرادت مع القرن الجديد أن تؤرخ لنفسها بتسمية مفارقة مطلقة تسمية الإلحاد الجديد، متحزبة بهذه التسمية ومستبشرة، متأملة منها ومتوثبة في أن تحقق تقدمًا، أو تحرز اختراقًا، أو تكسب جولة في مواجهة الدين والإيمان الديني، محملة الدين وزر ما حدث في العالم من نكسات ونكبات وكوارث على الأصعدة كافة، مستعيدة خطابها القديم في اعتبار أن الدين يقف عقبة صلبة في طريق تقدم البشرية وازدهار المدنية وارتقاء الحضارة.
ارتبط ما عرف بالإلحاد الجديد بفضاء الثقافة الأنغلوسكسونية، متخذًا من الولايات المتحدة الأميركية مركزًا له متصلًا ببريطانيا، مشتهرًا بأربعة أشخاص عرفوا بالفرسان الأربعة هم: عالم الأعصاب الأميركي سام هاريس صاحب كتاب «نهاية الإيمان.. الدين والإرهاب ومستقبل المنطق» الصادر سنة 2004م، وعالم الأحياء البريطاني ريتشارد دوكنز صاحب كتاب «وهم الإله» الصادر سنة 2006م، والناقد البريطاني الأميركي كريستوفر هيتشنز (1949- 2011م) صاحب كتاب «الإله ليس عظيمًا.. الدعوى ضد الدين» الصادر في بريطانيا سنة 2007م، وفي طبعته الأميركية تغيَّرَ العنوان الفرعي وصدر بعنوان: «الإله ليس عظيمًا.. لماذا يسمِّم الدين كل شيء؟»، ونشر في طبعة لاحقة في بريطانيا من دون عنوان فرعي، رابعًا العالم الأميركي دانيال دينيت صاحب كتاب: «فكرة داروين الخطيرة.. التطور ومعاني الحياة» الصادر سنة 1995م.
على مستوى الخطاب حدثت تحولات في بنية الإلحاد الجديد؛ منها التصويب على الإسلام في معترك المواجهة الوجودية، فبعد أن كان الإلحاد في الغرب ولزمن طويل يصوب معركته الفكرية النقدية على الأديان الإبراهيمية بصورة عامة، وعلى الديانة المسيحية بصورة خاصة، اتجه هذه المرة نحو الإسلام مصوبًا عليه سهام المجابهة.
هذا التحول حدث نتيجة واقعة الحادي عشر من سبتمبر التي هزت العالم، وتبنتها جماعة حسبت نفسها على الإسلام، واستغلالًا لهذه الفرصة جاء كتاب سام هاريس «نهاية الإيمان.. الدين والإرهاب ومستقبل المنطق»، محملًا الإسلام مسؤولية ما حدث، فاتحًا عليه المعركة، رابطًا بين الدين والإرهاب، مفتعلًا التناقض بين الإيمان والمنطق.
ومن التحولات الأخرى التي حدثت في بنية خطاب الإلحاد الجديد تغير نظرته إلى العلم، فقد أظهر أصحاب هذا الاتجاه اعتقادًا بالعلم هو أشبه بالاعتقاد الديني وأقرب إلى الأيديولوجيا والالتزام الأيديولوجي موصوفًا عند النقاد بالتعصب العلموي، معتبرين أن العلم بات يتقدم بطريقة متفوقة تفارق جميع المراحل والأزمنة السابقة، وسيعلن فوزه الحتمي على الإيمان، ودفع الدين نحو التراجع والتقهقر.
يضاف إلى هذه التحولات ما أظهره الإلحاد الجديد من حماسة واندفاع، مستعيدًا حيويته، ومستجمعًا قواه، مبرزًا نشاطًا مكثفًا على أكثر من صعيد؛ منها: الكتابة والنشر، الندوات والمحاضرات، الحوارات والمناظرات، وهكذا على صعيد الميديا وشبكات التواصل الاجتماعي، اعتقادًا من أصحابه أنهم أمام لحظة سانحة تتيح لهم إمكانية تحويل الإلحاد إلى هوية نشطة يمكن التبشير بها وتوسعة رقعتها وتعزيز مكانتها في العالم، انطلاقًا من حس الهوية من جهة، ومن حس التبشير من جهة أخرى.
لكن المفارقة وخلافًا لتلك التوقعات، فقد تعرض الإلحاد الجديد لنكسة قوية في بيئته ومحيطه بعد الإعلان عن هويته وإطلاق حركته، مجابهًا بنقد شديد، وتشكيك صارخ، إلى جانب الإنقلاب عليه من أشخاص كانوا قد اقتربوا منه وانخرطوا فيه، ثم انشقوا عنه، وكانوا مندفعين في نقده جذريًّا.
الإلحاد بصفته نمطًا أصوليًّا
من صور هذا النقد وتمثلاته، ما طرحه الكاتب الأميركي كريس هيدجز في كتابه المتجلي بعنوانه: «أنا لا أومن بالإلحاد.. الصعود الخطر للأصولية العلمانية» الصادر سنة 2008م، وتغير العنوان في طبعته سنة 2009م واشتهر بعنوان: «عندما يصبح الإلحاد دينًا.. الأصوليون الجدد لأميركا»، متضمنًا نقدًا شديدًا، وتحذيرًا قويًّا تجاه ظاهرة الإلحاد لكونها تمثل في نظر الكاتب نمطًا خطيرًا من أنماط الأصوليات.
ومن صور هذا النقد وتمثلاته، ما أشارت إليه الكاتبة الأميركية سيكيفو هتشينسون في كتابها: «الشيء الأبيض.. الإلحاد الجديد ومضايقاته» الصادر سنة 2011م، متخذةً من المنظور العرقي مدخلًا لتوجيه النقد لظاهرة الإلحاد الجديد، قاصدة لفت الانتباه إلى هذا الجانب غير المرئي عند الكثيرين، مسلطة الضوء عليه، واصمة هذه الظاهرة بالعنصرية لتحيزها إلى العرق الأبيض.
ومن صور هذا النقد وتمثلاته أيضًا، ما قدمه عالم الاجتماع الكندي ستيفن ليدرو في كتابه: «تطور الإلحاد.. السياسة في الحركات الحديثة» الصادر عن جامعة أُكسفورد سنة 2019م، متخذًا من السياسة والمنظور السياسي مدخلًا لتكوين الفهم حول الإلحاد الجديد، معتبرًا أنه في حقيقته يمثل حالة سياسية ترتكز على نقد جذري للدِّين ومواجهته بصورة قاسية في العلن.
ومن صور هذا النقد وتمثلاته كذلك، ما عرضه الكاتب الأسترالي سي جي ويرلمان في كتابه: «تهديد الإلحاد الجديد.. الصعود الخطر للعلمانيين المتشددين» الصادر سنة 2019م، تكمن أهمية هذا الكتاب في كونه جاء من شخص كان منتسبًا لهذه الظاهرة متحمسًا لها ومنخرطًا بفاعلية في أنشطتها، لكنه أدرك بعد الاقتراب منها أنها تحوَّلت بسبب تشددها إلى أصولية خطرة، مظهرًا الخوف منها، فقرَّر الابتعاد منها، والانقلاب عليها، متجهًا لنقدها من الداخل.
هذه عينة من صور النقد الغربي وتمثلاته على مستوى التأليفات المتتابعة، وهناك الكثير من المقالات التي يصعب حصرها، وليس بعيدًا أن نسمع قريبًا عن كتابات تعلن نهاية ظاهرة الإلحاد الجديد أو تتحدث عما بعد الإلحاد الجديد، مؤكدةً نكسة الإلحاد الجديد!