إرنست كاسيرر والبحث عن معنى الإنسان

إرنست كاسيرر والبحث عن معنى الإنسان

في بحثه الجاد عن معنى الإنسان، رأى المفكر الألماني إرنست كاسيرر (1874- 1945م) أن هناك أزمة حقيقية أصابت المعرفة الحديثة أفقدتها وحدة الاتجاه في النظر إلى مشكلة الإنسان، ناقدًا تشتت البحث في فروع المعرفة؛ إذ أصبح كل فريق من العلماء لاهوتيين وطبيعيين واجتماعيين وسيكولوجيين وبيولوجيين ينفذون إلى معالجة هذه المشكلة كل من زاويته الخاصة، مصورًا أن هذا التشتت أو التخاصم بين الأفكار لا يمثل مشكلة نظرية خطيرة فحسب، بل هو خطر كبير يهدد في حالة اتساعه الحياة الأخلاقية والحضارية.

استنادًا إلى هذه الإشكالية، قدر كاسيرر أن المفكر الألماني ماكس شيلر (1874- 1928م) كان من أول من تنبهوا لهذا الخطر، راجعًا إلى كتابه «مكانة الإنسان في الكون» الصادر سنة 1928م، مستشهدًا بكلامه، ومظهرًا توافقًا معه، ناقلًا منه هذا النص: «ما كان الإنسان في فترة من فترات المعرفة الإنسانية كما هو اليوم في عصرنا مثار مشكلة لذاته؛ لقد أصبح لدينا أنثروبولوجيا علمية وأخرى فلسفية وثالثة لاهوتية، وما من واحد من هذه الفروع يعرف ما لدى الفرع الآخر؛ لذلك لم نعد نمتلك فكرة واضحة عن الإنسان، فإن ازدياد تكثر العلوم التي تنهمك في دراسة الإنسان قد زاد فكرتنا عن الإنسان فوضى وغموضًا بدلًا من أن يوضحها».

ذروة العبقرية الفلسفية

وبعدما عرض كاسيرر بإيجاز مختلف المناهج التي استخدمت في عصره بحثًا عن الإجابة لسؤال: ما الإنسان؟ وصل إلى المسألة التي ظل يحوم حولها، متسائلًا: هل هذه المناهج كافية وشاملة أم إن ثمة طريقة أخرى؟ وهل تبقى لدينا سبيل آخر نسلكه عدا طريق الاستبطان السيكولوجي والملاحظة والتجربة البيولوجية والبحث التاريخي؟ وسعيًا لمبتغاه حاول كاسيرر استكشاف سبيل آخر، متوصلًا إلى نظرية أفاض في بيانها وشرحها في كتابه الكبير الموسوم بعنوان: «فلسفة الأشكال الرمزية» المكوّن من ثلاثة أجزاء، والصادر ما بين (1923- 1929م)، الكتاب الذي رأى فيه الدكتور زكي نجيب محمود (1905- 1993م) أنه مثَّل ذروة العبقرية الفلسفية كلها لكاسيرر، وعده كتابه العظيم.

إرنست كاسيرر

هذه النظرية المقصودة رجع إليها كاسيرر مرة أخرى، مركزًا الحديث عنها، وجامعًا أشتاتها في كتابه «مقال في الإنسان.. مدخل إلى فلسفة الحضارة الإنسانية»، صدر قبل وفاته، وكان آخر مؤلفاته. أراد منه كاسيرر أن يعبر عن أفكاره بوضوح وبساطة قدر استطاعته، منبهًا النقاد إلى أن ما كتبه في هذا الكتاب إنما هو شرح وتوضيح لنظريته أكثر مما هو تطبيق وإبراز لها، داعيًا من شاء أن يدرس المشكلات المعروضة في شكلها التحليلي الدقيق، إلى مراجعة كتابه «فلسفة الأشكال الرمزية».

وقد تحددت هذه النظرية لدى كاسيرر في أن الرمز هو سبيل التعرف إلى طبيعة الإنسان، مصححًا -بحسب قوله- حد الكلاسيكيين للإنسان وموسعًا منه، ناقدًا قول القدماء في حد الإنسان إنه حيوان ناطق، مفضلًا حد الإنسان بأنه حيوان ذو رموز، بدلًا من حده بالنطق أو العقل، مبينًا أننا إذا فعلنا ذلك نكون قد ميزنا اختلافه الخاص عما سواه، واستطعنا أن نفهم الطريق الجديدة المهيأة للإنسان، ويعني بها طريق المدنية.

وتأكيدًا لنظريته في التفارق بين الإنسان وسائر الكائنات الحية الأخرى، واستنادًا إلى علم البيولوجيا، توقف كاسيرر عند رأي أشار إليه عالم البيولوجيا الألماني يوهان فون يوكسكل (1864- 1944م) من أن كل كيان عضوي يمتلك جهازين: جهاز استقبال وجهاز تأثير، ولا بقاء للكيان نفسه إذا لم يتعاون الجهازان ويتوازنا، فبجهاز الاستقبال يتقبل النوع البيولوجي المؤثرات الخارجية، وبجهاز التأثير يستجيب لهذه المؤثرات، وهما حلقتان في سلسلة واحدة يسميها يوكسكل الدائرة الوظيفية في الحيوان. بناء على هذا الرأي تساءل كاسيرر قائلًا: هل من الممكن أن نستغل هذه الخطة التي وضعها يوكسكل لنصف العالم الإنساني ونبين مشخصاته؟

الجهاز الرمزي

من الواضح لدى كاسيرر أن هذا العالم الإنساني لا يشذ عن تلك القواعد البيولوجية التي تحكم حياة كل الكائنات العضوية، مضيفًا إلا أننا في العالم الإنساني نجد مميزًا جديدًا يبدو أنه علامة تفرق الحياة الإنسانية عما سواها، متوصلًا إلى أن لدى الإنسان حلقة ثالثة، مطلقًا عليها تسمية الجهاز الرمزي، وهذه الأداة الجديدة التي يملكها الإنسان وحده تحول الحياة الإنسانية كلها.

لذا فإن الفكر الرمزي والسلوك الرمزي من أعظم الملامح المميزة للحياة الإنسانية، وكل التقدم الذي أحرزته الحضارة الإنسانية مبني عليهما، ومن ثم فإن الفكر الرمزي هو الذي يتغلب على القصور الذاتي الطبيعي لدى الإنسان، ويمنحه قدرة جديدة على أن يشكل العالم الإنساني من جديد وعلى الدوام.

ولمزيد من الضوء على خلفيات هذه النظرية، وعودًا إلى مرحلة ما قبلها، فقد كان كاسيرر كانتيا محسوبًا على ما يعرف بالكانتية الجديدة، استوقفته مبكرًا فلسفة كانت (1728- 1804م)، وتابعها دراسة ومطالعة في مرحلته الجامعية، مظهرًا تعلقًا بها، وتعمقًا فيها، وتواصلًا معها.

ماكس شيلر

وفي طور آخر لاحظ كاسيرر أن فلسفة كانت خصوصًا في كتابه الشهير «نقد العقل الخالص»، قد ركزت بصورة رئيسة على الجوانب العقلية، وأظهرت الإنسان كما لو أنه كائن عقلي صرف، مختلف معها في هذه الناحية، وملتفت إلى الأبعاد الأخرى التي تظهر متجلية في حياة الإنسان وسلوكه، معتبرًا أن الإنسان لا يعيش بعقله فحسب، ولا يتأثر بعقله فقط، وإنما هناك جوانب أخرى لا بد من الالتفات إليها، ولا قوام لحياة الإنسان من دونها، ويظل يتأثر بها دومًا، مثل: اللغة والفن والأسطورة والدين والتاريخ والعلم، التي تحاك منها -بحسب اصطلاحه- الشبكة الرمزية، ويعني بها النسيج المعقد للتجارب الإنسانية. تكمن أهمية هذه المحاولة الفلسفية لكاسيرر، كونها جاءت ومثلت امتدادًا لفلسفة عظيمة الشأن في ساحة الفكر الأوربي، هي فلسفة «كانت»، ولم تقف عند هذا الحد، بل أضافت إليها. ومن جهة أخرى أنها قدمت نظرية جديدة في تعريف الإنسان متفارقة عن بقية النظريات الأخرى القديمة والحديثة، ومن جهة ثالثة كونها محاولة لم تتسلط الأضواء عليها كثيرًا في الأدبيات العربية المعاصرة على الرغم من جديتها وعمقها.

ومن ناحية التقويم، يسجل لهذه المحاولة أنها تنبهت إلى الأبعاد المفقودة في النظريات الأخرى التي صورت الإنسان من زاوية أحادية؛ إما بوصفة كائنًا ناطقًا كما في فلسفة أرسطو، أو كائنًا عقليًّا كما في فلسفة كانت، أو كائنًا فطريًّا كما في فلسفة جان جاك رسو (1712- 1778م). واعتنت هذه المحاولة بالأبعاد الأخرى، مثل: اللغة والفن والأسطورة والدين والتاريخ والعلم، ونظرت إلى هذه الأبعاد بصورة مركبة وليس بصورة مفككة، وبوصفها تمثل شبكة رمزية لا يحسن استعمالها إلا الإنسان، وقدمت نسقًا تحليليًّا موسعًا ومستفيضًا عن هذه الأبعاد، أبان عنها كاسيرر وشرحها في كتابه «فلسفة الأشكال الرمزية» بأجزائه الثلاثة.

ملاحظات على نظرية كاسيرر

أمّا ما يسجل على هذه المحاولة، فإنها وقعت في الإشكال نفسه التي وقعت فيه من قبل محاولة أرسطو في الأزمنة القديمة حين نظرت إلى الإنسان من جهة التناظر مع الحيوان بوصفه الكائن المغاير له، بحثًا عن الحد الفاصل بينهما. فإن هذه الجهة ليست كافية وحدها في تكوين المعرفة بالإنسان حقيقته وماهيته، فهذه المعرفة إنما تتحقق من ثلاث جهات: من جهة الإنسان ذاته، ومن جهة التناظر مع غيره من الكائنات الحية، ومن جهة كونه كائنًا مخلوقًا، فالإنسان لم يظهر إلى الوجود بفعله الذاتي، وإنما جاء مخلوقًا، فلا تكتمل المعرفة به إلا بالعودة إلى خالقه، الله سبحانه.

من جانب آخر، فإن هذه المحاولة لا تخلو من تعقيد؛ بسبب تركيزها الشديد على فكرة الرمز والرموز والرمزية، فهذه التسمية ليست بذلك الوضوح، ولا تعطي وضوحًا كافيًا في تعريف الإنسان. فأول ما يتبادر إلى الذهن حين سماع أن الإنسان حيوان ذو رموز، هو التوقف والتعجب، ثم التساؤل: ما المقصود بهذه الرموز، وما علاقتها بتعريف الإنسان؟ ومع مجرد المطالبة بتوضيحها بهذا الشكل يجعل فيها نقصًا من جهة كونها لا تتصف بالسهولة والبساطة والمباشرة، ويظهر عليها الغموض والإبهام.

وتتأكد هذه الملاحظة، حين نرى أن كاسيرر قد توسع كثيرًا في استعمال كلمة الرمز وضمها إلى كلمات أخرى عديدة، مكونًا بها عبارات ثنائية التركيب تتصل بموضوعات عدة، وجميعها تقريبًا تحتاج إلى بيان وتوضيح. من هذه العبارات: العالم الرمزي، الماضي الرمزي، المستقبل الرمزي، الفكر الرمزي، الجهاز الرمزي، الأشكال الرمزية، الصور الرمزية، الشبكة الرمزية، المسافة الرمزية، وغيرها. كما لو أن الرمز بالنسبة إليه هو أعظم حقيقة يظهر متجليًا في عالم الإنسان، أو أنه النموذج التفسيري الصالح لكل التحليلات المتصلة بعالم الإنسان. ومن شدة هذا الاستعمال واتساعه وتفرده به، يمكن أن نصف كاسيرر بفيلسوف الرمزية؛ لكون أن هذه الكلمة من أكثر العلامات الدالة عليه سيميائيًّا.

يضاف إلى ذلك أن كاسيرر خصص فصلًا عن الدين في كتابه «مقال في الإنسان…» دمجه مع الأسطورة، موضحًا فيه مدى حضور الدين في حياة الإنسان، وعده من الجوانب الأساسية التي يستعين بها الإنسان في تكوين رموزه ومسالكه في الحياة إلى جانب اللغة والأسطورة والفن والتاريخ والعلم. لكن وجه الملاحظة هنا، أن كاسيرر حين جاء على ذكر الأديان الكبرى في العالم أشار فقط إلى اليهودية والمسيحية والبوذية والكونفوشية، ولم يأتِ على ذكر الإسلام الذي غاب كليًّا عن كتابه اسمًا ونصًّا وتاريخًا وثقافةً، ولم يعده من الأديان الكبرى في العالم. ولا ندري ما تفسير هذا الأمر، هل نعده جهلًا بالإسلام وحدثًا غير مقصود! أم نعده تجاهلًا مقصودًا لكون أن الخطاب كان متجهًا إلى المجال الغربي المسيحي!

وفي كلتا الحالتين تبقى الملاحظة قائمة، ومن الصعب التسليم الكامل بمسألة الجهل بالإسلام بالنسبة إلى شخص مثل كاسيرر المعروف بثقافته الواسعة، وهذا ما ميزه به زكي نجيب محمود حين أشار إلى كتابه «فلسفة الأشكال الرمزية» مادحًا سعة اطلاعه وغزارة علمه، مبينًا أنه إذا زعم لك زعمًا عن هذا الجانب أو ذاك من فطرة الإنسان الأصلية، ساح بك سياحة طويلة في كل ما قد شهده التاريخ من حضارات وثقافات، فكأنما الآداب كلها، والأساطير كلها، والديانات كلها، والعلوم كلها، والتاريخ كله، ملك يمينه ورهن إشارته. فأين هذا من التجاهل التام إلى الإسلام!

لولا أينشتاين لما كان كارل بوبر

لولا أينشتاين لما كان كارل بوبر

اشتُهرت عند الغربيين المنشغلين بحقل الدراسات الفكرية والفلسفية، مقولة: «لولا نيوتن لما كان كانط»، وقياسًا على هذه المقولة، مبنى ومعنى، يمكن توليد مقولة تطابقها في الصدق العلمي والموضوعي، وهي: «لولا أينشتاين لما كان كارل بوبر». هذه المقولة لم تُعرف من قبل عند الغربيين بهذا النحت البياني واللساني، ولكن أظن أن لا أحد سوف يشكك في صحتها متى ما عرفت صورة العلاقة الفكرية بين الشخصين، وتحديدًا من جهة كارل بوبر.

وبهذا نكون أمام مقولتين يمكن المقاربة بينهما بطريقة المثاقفة التواصلية، ونرى بينهما من القرب الفكري وإمكانية التجاور بشكل يصبح بإمكان كل مقولة أن تذكر بالأخرى ارتدادًا وامتدادًا، ارتدادًا بالعودة إلى عصر المقولة الأولى في القرن الثامن عشر، وامتدادًا بالرجوع إلى عصر المقولة الثانية في القرن العشرين.

أثر نيوتن في كانط

من الواضح أن هاتين المقولتين جمعتا بين أربعة أسماء لهم إرثهم الكبير، وأثرهم البالغ في حركة تطور الفكرين العلمي والفلسفي. اثنان من هؤلاء يُحسبان تخصصًا على المجال العلمي الرياضي والفيزيائي، وهما: الإنجليزي إسحاق نيوتن (1642- 1727م)، والألماني الأصل ألبرت أينشتاين (1879- 1955م)، واثنان يحسبان تخصصًا على المجال الفكري الفلسفي والنقدي، وهما: الألماني إيمانويل كانط (1724- 1804م)، والبريطاني الأصل كارل بوبر (1902- 1994م).

وبين هاتين المقولتين سياق من الاتصال الفكري والتاريخي الممتد من القرن الثامن عشر الذي ينتمي إليه نيوتن وكانط، وصولًا إلى القرن العشرين الذي ينتمي إليه أينشتاين وبوبر. ومتى ما اتضحت صورة المقولة الأولى، تكشفت تبعًا لها صورة المقولة الثانية، وتحددت من ثم وجه العلاقة بينهما. فقد أوضحت المقولة الأولى وجه العلاقة بين ما أحدثه نيوتن من تقدم في مجال العلم وما أحدثه كانط من تقدم في مجال الفكر، وأن التقدم العلمي الكبير الذي أحدثه نيوتن مثَّل من جهة مصدر إلهام شعوري لكانط، ومثَّل من جهة أخرى إطارًا علميًّا متينًا ارتكز عليه كانط في تبصراته الفكرية والفلسفية في تحليل نظرية المعرفة ونقد العقل.

الناحية الأولى ألهمت كانط شعوريًّا، حين رأى أن العلم وصل مع نيوتن إلى مراتب متقدمة لم يصل إليها الفكر في عصره، متسائلًا عن هذه القضية، ومندفعًا بهذا الشعور، متأملًا في أن يبلغ بالفكر ما بلغه العلم من التماسك والصرامة واليقين، متطلعًا إلى أن يكتشف قوانين العقل الكلية والثابتة كما اكتشف نيوتن قوانين الكون الكلية والثابتة، معادلًا بين قوانين العقل وقوانين الكون.

وفي الناحية الثانية، ارتكز كانط في تبصراته الفكرية والفلسفية على ما توصل إليه نيوتن من نظريات علمية أثارت الإعجاب والدهشة في عصره، ولفتت الانتباه إلى شخصه وتفوقه العلمي، وأصبحت لنظرياته موضع السيادة العلمية، وغيَّر بها وجهة العلم الحديث. وقد وجد كانط في هذه النظريات مرتكزًا علميًّا متينًا في تكوين تحليلاته عن المعرفة والعقل والزمان والمكان. وفي وقت لاحق عد هذا الربط العلمي والفكري بين الشخصين أحد أبرز جوانب النقد الموجه لكانط وفكره؛ لكونه تحدد بهذا الأفق العلمي لنيوتن، فإذا تغير هذا الأفق أو تعرض للنقد والاهتزاز انعكس ذلك في أفكار كانط ونظرياته.

أثر أينشتاين في بوبر

وبشأن المقولة الثانية التي جمعت بين أينشتاين وبوبر، فيمكن التثبت منها صدقًا من جهتين: الأولى لها علاقة بالعلم وتحولاته، والثانية لها علاقة بالفكر وتحولاته. الجهة الأولى تعلقت بالعلم، وتحددت تناظرًا بشخصين هما: نيوتن وأينشتاين، فقد التفت بوبر متبصرًا إلى أن نظرية نيوتن التي اكتسبت لقرون عدة صفة التعزيز العلمي مؤيدة بالشواهد والحقائق الكثيرة والمتراكمة، ونالت خاصية السيادة العلمية في مجالها، ثم جاء أينشتاين مطلع القرن العشرين وخطأ هذه النظرية، وأزاحها عن مكانها، وقدم نظرية جديدة متعارضة معها، أعلن عنها سنة 1905م مطلقًا عليها تسمية نظرية النسبية الخاصة، وتممها سنة 1915م بنظرية النسبية العامة، وأثبتت الشواهد والاختبارات الحديثة صحة هذه النظرية.

من هنا رأى بوبر أنه من المتعذر إثبات، بصفة نهائية، صدق أي نظرية علمية، أو إقامة العلم كله أو الرياضيات كلها على أسس مطلقة اليقين، متخليًا على ضوء هذه النتيجة عن نيوتن الذي انجذب إليه كانط من قبل، ومظهرًا التمسك بأينشتاين ونظرياته الذي قال عنه: إنه أصبح تأثيره فيه قويًّا جدًّا.

وفي الجهة الثانية المتعلقة بالفكر وتحولاته، فإن اقتراب بوبر من أينشتاين الذي استحوذت نظريته عليه، هو الذي قاده إلى تغيير مساره الفكري، وبتأثير هذه النظرية تشكل لديه في صيف 1919م شعور داخلي بعدم الارتياح إلى ثلاث نظريات كانط مثار اهتمامه آنذاك، وهي: نظرية ماركس (1818- 1883م) في التاريخ، ونظرية فرويد (1856- 1939م) في التحليل النفسي، ونظرية ألفرد أدلر (1870- 1937م) في علم النفس الفردي، وأخذ الشك يخامره حول ادعاءاتها لمنزلة العلمية، متسائلًا: ما خطب هذه النظريات؟ لماذا تبدو مختلفة جدًّا عن النظريات الفيزيائية، عن نظرية نيوتن، وبشكل خاص عن النظرية النسبية؟

وقد تملك بوبر شعورًا بأن هذه النظريات الثلاث وإن اتشحت بوشاح العلم، فإنها تشبه الأساطير البدائية أكثر مما تشبه العلم، وتشبه التنجيم أكثر مما تشبه علم الفلك، ناظرًا إلى أن أولئك المعجبين بماركس وفرويد وأدلر، من أصدقائه كانوا مأخذوين بعدد من الخصال المشتركة بين هذه النظريات، ولا سيما ما تتصف به من قوة تفسيرية ظاهرة، وأنها بدت قادرة على تفسير كل شيء يحدث ضمن نطاقها الخاص، وترى شواهد مؤيدة لها أينما نظرت، وبدا صدقها أمرًا ظاهرًا، وأي منكر لها بدا مكابرًا لا يريد أن يرى الحقيقة الواضحة، وأما بالنسبة إليه فإن ما يبدو مظهر قوة في هذه النظريات، هو بالضبط مكمن الضعف فيها.

في ضوء هذه المقارنة النقدية بين نظرية أينشتاين والنظريات الثلاث، التفت بوبر إلى معيار التمييز بين العلم واللاعلم، واضعًا نظرية أينشتاين في خانة العلم، وواضعًا النظريات الثلاث في خانة اللاعلم. وأضاف إلى منهجه مبدأ اللاعصمة، مبينًا أن جميع النظريات هي افتراضات حدسية وتخمينات مفتوحة دومًا للاختبار، وأفضل الحدوس هي التي صمدت في الاختبارات أكثر من غيرها، وعدها أن أصبحت أقرب إلى الصدق وليس الصدق نفسه. مرجحًا ضمن هذا السياق قاعدة التكذيب على قاعدة التحقيق، موضحًا أن من السهل الحصول على تأييدات أو تحقيقات لكل نظرية تقريبًا، وهذا ليس هو الطريق الأصوب لمعرفة صدق النظرية، بل المطلوب اختبار النظرية عبر فروض التكذيب، وإذا تجاوزت هذه الفروض وصمدت ثبت صدقها أو قربها من الصدق.

وبهذا يتكشف لنا أثر أينشتاين الواضح في بوبر ومنهجه ومساره الفكري، فقد حل بالنسبة إليه مكان نيوتن على صعيد نظريات العلم، ودفع به نحو التحرر من ثلاث نظريات كانت لها هيبتها وهيمنتها في عصره وبيئته وجيله، وهي: الماركسية في التاريخ والتحليل النفسي وعلم النفس الفردي، من هنا جاز القول: إن ما حدث لكانط مع نيوتن من قبل، يطابق أو يقارب ما حدث لبوبر مع أينشتاين.

الفلسفة والناس… هل حقًّا أن كل إنسان فيلسوف؟

الفلسفة والناس…

هل حقًّا أن كل إنسان فيلسوف؟

ترددت في الكتابات الفلسفية الغربية الحديثة، وتابعتها الكتابات العربية، تلك المقولة التي تربط جميع البشر بالفلسفة، وتصور أن كل إنسان هو فيلسوف إما من جهة الطبيعة أو من جهة الدرجة. ومن ثم فإن الفلسفة ليست وقفًا على الفلاسفة، وليس التفلسف حقًّا خاصًّا بهؤلاء الفلاسفة، وإنما هو حق عام للناس كافة، لا يتقيد بفئة، ولا ينحصر بزمن، ولا يتحدد بمكان، ولا يمثل امتيازًا لعرق أو قوم أو سلالة من البشر.

هذه المقولة المقصودة جرت الإشارة إليها، والتعبير عنها، والتأكيد عليها، بصور متعددة من ناحية البيان، جاءت من مفكرين وأدباء ونقاد، مستندين في تحليلاتهم إلى خاصية الفكر والتفكير عند الإنسان، ونظرته إلى ذاته والحياة والعالم.

جذور المقولة

وبيانًا لهذه المقولة وتثبيتًا لها، يمكن الإشارة إلى ثلاثة أقوال مختارة، انتسبت إلى أشخاص لهم وزنهم الفكري والفلسفي، وهي: القول الأول: أشار إليه الناقد الإيطالي أنطونيو غرامشي (1891- 1937م)، الذي رأى أن «كل البشر فلاسفة… ولا نستطيع أن نتصور إنسانًا لا يكون فيلسوفًا ولا يفكر؛ لأن التفكير هو بالضبط خاصة الإنسان من حيث هو الإنسان».

القول الثاني: أشار إليه المفكر الألماني كارل ياسبرز (1883 – 1969م) في كتابه: «مدخل إلى الفلسفة»؛ إذ رأى أن كل إنسان فيلسوف، لأن الفلسفة تتناول المطلق الذي يتشخص في الحياة الواقعية، ولكن ليس من اليسير على الإطلاق أن نضع قبضتنا على هذا المعنى بمتابعة التأمل.

القول الثالث: ذكره الكاتب الأميركي فروست في مقدمة كتابه: «التعاليم الأساسية للفلاسفة العظماء»؛ إذ رأى أن كل إنسان فلاحًا كان أم من رجال المال، كاتبًا أم قائدًا، حاكمًا أم محكومًا، هو فيلسوف بمعنى الكلمة؛ لكون الإنسان بما هو إنسان قد وهب دماغًا راقيًا، وجهازًا عصبيًّا، فلا بد له من التفكير، والتفكير مطية الفلسفة.

إلى جانب هذه الأقوال الثلاثة، أشار إلى هذه المقولة أيضًا الكاتب الأميركي رابوبرت في كتابه: «مبادئ الفلسفة»، وكذا الكاتب الأميركي ويل ديورانت في كتابه: «صروح الفلسفة» المترجم إلى العربية بعنوان: «مباهج الفلسفة». وفي الكتابات العربية أشار إليها الكاتب المصري أحمد فؤاد الأهواني في كتابه: «معاني الفلسفة»، إلى جانب آخرين.

فحص المقولة

أمام هذه المقولة فحصًا وتبصرًا، يمكن تسجيل بعض المفارقات المتعاكسة، وهي:

المفارقة الأولى: كان يفترض من هذه المقولة التي ربطت جميع البشر بالفلسفة، وصورت كل إنسان بوصفه فيلسوفًا، أن يكون من أقرب نتائجها وأوضحها ظهورًا، ما يتعلق بهيئة الفلاسفة عددًا ووجودًا؛ لأننا أمام مقدمة ونتيجة، فهل بينهما تطابق وتوافق أم تغاير وتخالف؟ وهل إذا صحّت المقدمةُ في هذه الحالة صحّت معها النتيجةُ، استنادًا إلى القواعد المنطقية؟

المقدمة تقول: إن كل إنسان هو فيلسوف سواء من ناحية الطبيعة أو من ناحية الدرجة أو في بعض لحظات حياته، وبناءً على صحة هذه المقدمة، لا بد أن يكون عدد الفلاسفة من ناحية العدد كبيرًا في جميع الأزمنة، وجميع الأمكنة، وجميع المجتمعات! وذلك بحكم الطبيعة القوية والاستعداد الذاتي الذي يربط الإنسان بالفلسفة.

لكن الذي نراه فعليًّا خلاف ذلك تمامًا، فعدد الفلاسفة ليس قليلًا فحسب وإنما ضئيل جدًّا، ويكاد يكون بحكم النادر، نلمس ذلك في جميع الأزمنة، وجميع الأمكنة، وجميع المجتمعات. الظاهرة التي ترتقي إلى درجة الحقيقة بلا خلاف عليها ولا نزاع، لشدة ظهورها ليس عند الفلاسفة خاصة، وإنما عند الناس عامة.

المفارقة الثانية: بحسب المقولة المذكورة، لا بد أن يترتب عليها نوع من القرب بين الناس والفلسفة، يصل إلى درجة الألفة والتساكن والتعايش. فما دامت الفلسفة بهذا الالتصاق بالناس، وتعدهم فلاسفة إما من ناحية الطبيعة أو من ناحية الدرجة، وتصور أن كل إنسان فيلسوف بدرجة أو أخرى، الأمر الذي يقتضي قربًا من الناس تجاه الفلسفة، لأن القرب يولد قربًا غالبًا، أو لا أقل يولد استعدادًا قويًّا للقرب. ومن ثم فإن قرب الفلسفة من الناس، يفترض أن يولد قربًا أو استعدادًا للقرب من الناس تجاه الفلسفة.

لكن الذي نراه فعليًّا غير ذلك تمامًا، فلا نلمس قربًا من الناس تجاه الفلسفة، بل نجد ابتعادًا يصل إلى درجة التنافر والنفور، وما زال الناس عمومًا يحملون صورة سلبية أو غير واضحة عن الفلسفة، وهذا ما يعرفه الناس عن أنفسهم، وما يعرفه كذلك أهل الفلسفة عن الناس.

ومثل هذا الانطباع السلبي تجاه الفلسفة، عبر عنه بوضوح كبير سنة 1948م، الكاتب المصري الدكتور أحمد فؤاد الأهواني (1908 – 1970م) في مقدمة كتابه: «معاني الفلسفة»، وأوضحه قائلًا: «كان التفلسف سمة الخارجين عن جادّة الطريق، حتى إذا شذ أحد عن الأفكار الدارجة، أو طلع برأي جديد قيل له: لا تتفلسف، كأن الفلسفة رذيلة من الرذائل، يتهم بها صاحب التفكير المعوج المنحرف، فرهبها الناس، وانصرفوا عنها، وظلت حبيسة الكتب، بعيدة من الأذهان، غريبة عن القلوب».

المفارقة الثالثة: استنادًا إلى المقولة السالفة، لا بد أن تكون الفلسفة واضحة ومفهومة عند الناس أو عند شريحة كبيرة من الناس، ما دامت تصور أن كل الناس فلاسفة، ولا يوجد إنسان يخلو بصورة من الصور من فعل التفلسف. الأمر الذي يعني أن الفلسفة ليست شيئًا غريبًا عن الناس أو منقطعة عنهم أو تنتمي إلى عالم غير عالمهم القريب لهم، وإنما هي متصاحبة معهم، تظهر لهم بلا توقف في حسهم التفكيري، ولا تغيب عن فعلهم التفلسفي الذي لا يفارق الفكر عند كل إنسان.

والسؤال: هل أصبحت الفلسفة بتأثير هذه المقولة، وبعد هذه السنوات الممتدة والطويلة واضحة عند الناس أو مفهومة عند شريحة كبيرة منهم؟ أم إن واقع الحال يخبرنا بغير ذلك وعلى خلافه تمامًا؟ وما نعرفه أن الفلسفة ما زالت في الانطباع العام عند مَنْ يتردد على ألسنتهم بنوع من البساطة والعفوية، أن الفلسفة أشبه بعالم يكتنفه الغموض والإبهام والتعقيد والتعصيب، وبحسب تصوير كارل ياسبرز في كتابه: «مدخل إلى الفلسفة» أن الفلسفة «بلغت من الصعوبة حدًّا يجعل دراستها تبدو مهمة ميؤوسًا منها».

كشفت هذه المفارقات الثلاث عن أن هذه المقولة المذكورة، بحاجة إلى فحص وتدقيق بقصد التثبت منها، خصوصًا بعدما تكررت في الأدب الفلسفي الحديث، بشكل جاز لنا أن نعطيها صفة المقولة، ونتعامل معها بهذا الاعتبار.

وفي تقويم هذه المقولة، يمكن القول: إنها أقرب إلى أن تكون مقولة بيانية أكثر من كونها مقولة برهانية، بمعنى أنها مقولة من صنع اللغة والبيان اللغوي، ولا تستند إلى حقائق فعلية وخارجية تصلح أن تكون براهين عليها. ومن دون هذه البراهين الفعلية تخرج هذه المقولة من نطاق المقولات البرهانية، وتحسب على نطاق المقولات البيانية، والفلسفة قائمة على البرهان وليست على البيان، وأنها نجحت في ناحية البرهان، وفشلت في ناحية البيان، مع ما أصابها من تعقيد وتصعيب على مستوى اللغة والبيان.

النقد الثقافي: تفارق الرؤية بين الغذامي والموسوي

النقد الثقافي: تفارق الرؤية بين الغذامي والموسوي

تبلورت تجاه قضية النقد الثقافي في المشهد النقدي العربي المعاصر محاولتان متفارقتان في ناحية الرؤية ومنقطعتان في ناحية التفاعلية. المحاولة الأولى جاءت من الناقد السعودي الدكتور عبدالله الغذامي متمثلة في كتاب «النقد الثقافي.. قراءة في الأنساق العربية»، الصادر سنة 2000م، والمحاولة الثانية جاءت من الناقد العراقي الدكتور محسن جاسم الموسوي، متمثلة في كتاب «النظرية والنقد الثقافي.. الكتابة العربية في عالم متغير» الصادر سنة 2005م.

وهذا يعني، استنادًا إلى هاتين المحاولتين، أن الاهتمام بقضية النقد الثقافي عربيًّا قد تأخر على مستوى التأليف إلى ما بعد نهاية القرن العشرين. ولعل قبل ذلك كانت هناك بعض الإشارات العابرة. ودل على ذلك بوضوح كبير أن مفهوم النقد الثقافي لم يدرج في كتاب «دليل الناقد الأدبي» إلا في الطبعة الثالثة الصادرة سنة 2002م، وجاء فيه عند الإشارة إلى النقد الثقافي في العالم العربي، اعتبار أن كتاب الغذامي «النقد الثقافي» يمثل المحاولة الوحيدة المعروفة حتى ذلك الوقت في تبني النقد الثقافي بمفهومه الغربي.

بين النقد الأدبي والنقد الثقافي

تفارقت الرؤية بين الغذامي والموسوي، في أن الغذامي أقام رؤيته على أساس القطع بين النقد الأدبي والنقد الثقافي، داعيًا إلى التحول النظري والإجرائي من النقد الأدبي إلى النقد الثقافي، معلنًا صراحة عن موت النقد الأدبي وإحلال النقد الثقافي مكانه، معتبرًا أن النقد الأدبي، بمدارسه القديمة والحديثة، قد بلغ حد النضج أو سن اليأس ولم يعد قادرًا على تحقيق متطلبات المتغير المعرفي والثقافي الضخم الذي نشهده عالميًّا وعربيًّا، وقد أوقعنا في حالة من العمى الثقافي التام، مستوثقًا بمقولة الشيخ أمين الخولي (1895–1966م) عن البلاغة العربية بأنها نضجت حتى احترقت، مقدرًا أن هذا الرأي فيه صدق وبصيرة.

بخلاف هذه الرؤية تمسك الموسوي بوصل العلاقة بين النقد الأدبي والنقد الثقافي، مستبعدًا القطع بينهما، معتبرًا أن النقد الثقافي لا يمكن أن يتخلى عن النقد الأدبي لا بصفة الملازمة وإنما بصفة التمهر في قراءة النصوص، مقدرًا أن فائدة نظرية الأدب بالنسبة إلى النقد الثقافي لا تتوقف عند حد معين، وأخص فائدة لها تكمن في القدرة على تملِّي النص بأدوات متقصية، منتهيًا إلى أن النقد الثقافي لا يستقيم مفهومًا بدون فهم لمعنى النظرية.

هذا التمسك من الموسوي بوصل العلاقة بين النقدين الأدبي والثقافي، جاء مستندًا إلى ما تقرر عند النقاد الثقافيين الذين ينظرون إلى النقد الثقافي لا بصفته فرعًا من فروع المعرفة، وإنما بصفته فعالية تستعين بالنظريات والمفاهيم والنظم المعرفية لبلوغ ما تأنف المناهج الأدبية من الخوض فيه.

وبحسب هذا الرأي فإن النقد الثقافي ما زال في وضعية لم يستقل بذاته متفردًا بنوع معرفي يتمايز به بين فروع المعرفة من النواحي المنهجية والإجرائية والنظرية، ومن ثم فهو بحاجة إلى فروع المعرفة الأخرى، ومنها النقد الأدبي الذي تربطه به وشائج وطيدة.

وتفارق الغذامي عن الموسوي في ناحية التفريق بين ثلاثة مصطلحات هي: (نقد الثقافة والنقد الثقافي والدراسات الثقافية). فالغذامي يرى أن من الضروري التمييز بين هذه المصطلحات الثلاثة التي التبست، في نظره، على كثير من الناس فخلطوا بينها، واضعًا حدودًا تفصل بينها، معتبرًا أن «نقد الثقافة» يصدق على تلك المشروعات البحثية التي عرضت لقضايا الفكر والمجتمع والسياسة في ثقافتنا العربية، ويصدق مفهوم «الدراسات الثقافية» على عمليات إنتاج الثقافة وتوزيعها واستهلاكها، أما ما هو بصدده فيتحدد بتخصيص مصطلح «النقد الثقافي» ليكون مصطلحًا قائمًا على منهجية أدواتية وإجرائية تخصه.

هذا التفريق بهذه الحدود الفاصلة بين المصطلحات الثلاثة المذكورة لا نراه عند الموسوي، فمن جهة يرى الموسوي أن النقد الثقافي ظهر بعد الاهتمام بالدراسات الثقافية، واعتبر من جهة أخرى أن في تراث القدامى وفي كتابات بعض المعاصرين ما يمكن أن يندرج ضمن نقد ثقافي، متحدثًا عن هذا الأمر بطريقة تساؤلية قائلًا: ما المانع من العودة إلى تراث القدامى وقراءة متونه على أنها نقد ثقافي؟ وما الضير في قراءة رد محمود أمين العالم وعبدالعظيم أنيس على كتاب «مستقبل الثقافة في مصر» لطه حسين على أنه نقد ثقافي؟ ولماذا لا تبدو كتابة طه حسين كذلك؟ مقدرًا أن النقد الثقافي يمثل وعيًا واسعًا يتجاوز الحدود التي تعارف عليها نقاد الأدب سابقًا.

ويتفارق الغذامي عن الموسوي كذلك في ناحية النظر إلى النقد الأدبي والنظرية النقدية سعة وضيقًا. فالغذامي ناظرًا إلى المجال العربي فإنه يرى أن النقد الأدبي أصبح محدودًا وضيقًا، يتعامل مع المجاز والخيال وليس مع الحقيقة والواقع، وليس له دخل في أي حقيقة أخرى دينية أو سياسية أو تاريخية، ولم يعد قادرًا على تحقيق متطلبات المتغير المعرفي والثقافي الضخم عالميًّا وعربيًّا.

في المقابل فإن الموسوي ناظرًا إلى المجال العالمي ومستندًا إلى الأدب الغربي نراه يصور النظرية الأدبية بالاتساع الذي لا حد له وكأنها من شدة سعتها تتميز بعدم الانتظام، معتبرًا أن النظرية سلكت مجموعة من المسارات والسياقات دون التوقف عندها، عائدًا إلى رأي للناقد الأميركي فنسنت ليتش، مؤرخ بسنة 2003م، يرى فيه أن النظرية في سياقها المعاصر تحيل إلى كيان من النصوص قديمة وحديثة معنية بالشعرية ونماذجه الثقافية، مضيفًا إليها السيميائيات ووسائل الاتصال والخطاب والشفرات الخاصة بالعنصر والطبقة والجنوسة وبالثقافة المرئية والشعبية، كما أنها تعني ضربًا من التساؤل المعني بالحكم والريبة والمنطق متأثرة بالتحليل النفسي وما بعد البنيوية والدراسات الثقافية. وبناء على ذلك صور الموسوي مستحسنًا أن النقد الثقافي يؤول إلى فعالية نشيطة.

أثر المحاولتين

أما الانقطاع من الناحية التفاعلية بين هاتين المحاولتين، فقد كشف عنه الموسوي الذي جاءت محاولته متأخرة بما يقارب خمس سنوات على تاريخ محاولة الغذامي، مع ذلك قدم كتابه مصورًا أن لا وجود لكتاب باللغة العربية يعنى بهذا الشأن، مبرزًا هذه الملحوظة، ومفتتحًا بها السطر الأول من توطئة كتابه قائلًا: «لم يظهر من قبل كتاب باللغة العربية يعنى تفصيلًا بالمكونات النظرية ولا بالنقد الثقافي».

وتأكيدًا لرأيه وجزمًا به يرى الموسوي أن القارئ العربي لم يزل، وكذلك المؤسسات الأكاديمية، بعيدين كثيرًا مما يجري اليوم من نقاش مطول حول النظرية الثقافية والأدبية بين صفوف المثقفين والأكاديميين وفي داخل مجموعة المنظرين، وتحديدًا منذ التغيرات المنهجية والفلسفية. وطالب في نهاية الكتاب بأهمية تفعيل الوعي على أصعدة الأفراد والجماعات لإدراك أن قضية النقد الثقافي عربيًّا هي مهمة كبيرة وشائكة، وليست ثانوية شأن الاختصاصات والممارسات الاعتيادية التي درج عليها الدرس الأكاديمي والصحافة الأدبية.

الأمر الذي يعني أن الموسوي لم يكن على دراية بمحاولة الغذامي، مع أنها عدت من أبرز المحاولات العربية التي أثارت جدلًا، وحركت نقاشًا في النطاق العربي ممتدًّا، مشرقًا ومغربًا. ويبدو أن متابعة الموسوي لهذه القضية في المجال الغربي كانت أوسع من متابعته لها في المجال العربي، وظهر ذلك متجليًا في كتابه الذي حضرت فيه بشكل واضح أسماء الغربيين أدباء ونقاد ومفكرين، وتكثفت نصوصهم، والإشارة إلى تأليفاتهم؛ لكونهم المؤسسين لهذه القضية مبنى ومعنى، بنية وتكوينًا في هذه الأزمنة المعاصرة.

بهذا الغياب انقطعت إمكانية التفاعل النقدي التزامني بين أهم محاولتين ظهرتا في وقتهما خلال مطلع العقد الأول من القرن العشرين. وتميزت هاتان المحاولتان في أنهما جمعتا بين الخبرة النقدية من جهة وبين الدراية الأكاديمية من جهة أخرى، وقاربت كلتاهما بين المجالين الغربي والعربي لتقريب قضية النقد الثقافي ونقلها من المجال الغربي الذي تنتسب إليه إلى المجال العربي الذي ينتسب إليه الناقدان.

أمام هاتين المحاولتين، تفريقًا وتمييزًا، يمكن القول: إن الغذامي أراد تقديم أطروحة تمثلت في الإعلان عن موت النقد الأدبي وإحلال النقد الثقافي مكانه، بينما أراد الموسوي تقديم معرفة عن النقد الثقافي مطالبًا الوعي بهذه القضية عربيًّا، ظنًّا منه أن القارئ العربي ما زال آنذاك بعيدًا مما يدور حول هذه القضية من نقاش في ساحة الغربيين: مثقفين وأكاديميين ومنظرين. لذا جاز القول: إن الوعي بفكرة الأطروحة وتقديم أطروحة هو أوضح عند الغذامي مقارنة بالموسوي.

من جانب آخر، تميزت محاولة الغذامي في أنها أثارت جدلًا وحركت نقاشًا، وعرفت على نطاق عربي واسع ممتدًّا مشرقًا ومغربًا مسجلة امتيازًا من هذه الناحية، بينما محاولة الموسوي جاءت هادئة، وغلب عليها الطابع البحثي والأكاديمي، ولم تتسم لا بالإثارة ولا بالدهشة، ولم تعرف على نطاق عربي واسع مسجلة ضعفًا من هذه الناحية.

لكن ما أثار الاستغراب في محاولة الغذامي، أنه أعطى نفسه الحق في الإعلان عن موت النقد الأدبي، وكأن لا حياة للنقد الثقافي ولا قيام له إلا بهذا الموت، بالشكل الذي أثار عليه حفيظة النقاد والأدباء في مشرق العالم العربي ومغربه، مختلفين معه ومعترضين. وكان بإمكانه الدفاع عن النقد الثقافي، والنهوض به، والانتصار له، بعيدًا من هذه الدعوة المثيرة للجدل.

وبدلًا من هذه الدعوة التي فيها ما فيها، وعليها ما عليها، كان من الأسلم للغذامي إعادة ترتيب العلاقة بين النقدين الأدبي والثقافي، بإعطاء الأفضلية في هذه الأزمنة المعاصرة إلى النقد الثقافي، وترتيب العلاقة بينهما بطريقة يتقدم فيها النقد الثقافي على النقد الأدبي، استنادًا إلى خلفية ترى أن النقد الأدبي أصبح نقدًا مستهلكًا ولم يعد بتلك الفاعلية المفترضة. ومن ثم فإن من الضروري الالتفات إلى النقد الثقافي بوصفه نقدًا ناهضًا ومتجددًا ومتسمًا بالفاعلية المؤثرة؛ لذا فإن الحاجة إليه تتقدم على النقد الأدبي بعيدًا من الدعوة إلى موته.

الإسلام والتحديث.. مقاربة بين إقبال وفضل الرحمن

الإسلام والتحديث.. مقاربة بين إقبال وفضل الرحمن

ظهرت في المجال الفكري الباكستاني الحديث محاولتان مهمتان لهما علاقة بقضية الدين والتجديد أو الدين والتحديث؛ المحاولة الأولى جاءت من الدكتور محمد إقبال (1877- 1938م)، وتمثلت في كتابه الذي عُرف في ترجمته العربية بعنوان: «تجديد التفكير الديني في الإسلام»، والمحاولة الثانية جاءت من الدكتور فضل الرحمن (1919- 1988م)، وتمثلت في كتابه الذي عرف في ترجمته العربية بعنوان: «الإسلام وضرورة التحديث.. نحو إحداث تغيير في التقاليد الثقافية».

محاولة إقبال اكتسبت أهميتها من ثلاث جهات هي: جهة الشخص، وجهة الزمن، وجهة المضمون. فمن جهة الشخص، يُعَدّ إقبال، من الناحية الفكرية، أحد أبرز المفكرين المسلمين في العصر الحديث وتحديدًا خلال النصف الأول من القرن العشرين. ومن الناحية الأدبية يُعَدّ واحدًا من كبار الشعراء الموهوبين والمؤثرين في العصر الحديث وقد عبر بشعره إلى العالم مسجلًا أثرًا على مستوى الأدب الإنساني الحديث. ومن الناحية السياسية يعد إقبال في نظر الباكستانيين -أدباء وسياسيين- الأب الروحي لنشأة باكستان. ومن الناحية الإصلاحية يعد واحدًا من المصلحين البارزين في عصره. فقد عده الباحث المصري الدكتور عثمان أمين (1905- 1987م) من أبرز شخصيات التاريخ الإسلامي الحديث إلى جانب جمال الدين الأفغاني (1838- 1897م)، ومحمد عبده المصري (1849- 1905م)، وعبدالرحمن الكواكبي السوري (1854- 1902م).

ومن جهة الزمن، فإن محاولة إقبال تعد من أسبق محاولات المسلمين الفكرية في القرن العشرين إلى طرح قضية تجديد الفكر الديني الإسلامي. فقد بدأ إقبال بطرح هذه القضية من خلال محاضرات ألقاها بين سنتي (1928- 1929م)، وصل مجموعها إلى سبع محاضرات، جُمعت لاحقًا وصدرت في كتاب باللغة الإنجليزية مطلع ثلاثينيات القرن العشرين، وتُرجمت إلى العربية وصدرت في القاهرة سنة 1955م.

ومن جهة المضمون، فإن محاولة إقبال تعد من أنضج المحاولات الفكرية المعاصرة وأكثرها عمقًا في موضوعها. وتأكيدًا لهذا المعنى رأى الدكتور عثمان أمين تشابهًا بين إقبال وفيلسوف ألمانيا العظيم إيمانويل كانت (1724- 1804م)، عادًّا ما حاول إقبال القيام به في تاريخ الفكر الإسلامي شبيهًا من بعض الوجوه بما حاول القيام به «كانت» في تاريخ الفكر الغربي. ومن جهته رأى الباحث اللبناني الدكتور ماجد فخري (1923- 2021م) في كتابه «تاريخ الفلسفة الإسلامية» أن محاولة إقبال لم يبلغ شأوها أي مفكر في القرن العشرين.

أما محاولة فضل الرحمن فقد اكتسبت أهميتها كذلك من ثلاث جهات هي: جهة الشخص، وجهة الموضوع، وجهة المضمون. فمن جهة الشخص فإن فضل الرحمن يعد من الأكاديميين المسلمين اللامعين في المجال الأكاديمي الغربي بحثًا وتدريسًا، وكسب شهرة في تدريس حقل الإسلاميات في بعض جامعات الولايات المتحدة الأميركية، أبرزها جامعة شيكاغو، وقد اعترف له الغربيون بهذه المنزلة الأكاديمية المميزة.

ومن جهة الموضوع، فلعل فضل الرحمن يعد من أسبق المسلمين المعاصرين طرحًا لقضية الإسلام والحداثة، الثنائية التي جاءت عنوانًا لكتابه في نسخته الإنجليزية الصادرة سنة 1982م، متحدثًا فيه عن الحداثة الإسلامية، دامجًا بين الحداثة والإسلام بلا هواجس ولا مخاوف، معترفًا بوجود حداثة إسلامية عند المسلمين في الأزمنة الحديثة، ناظرًا لهذه الحداثة، ومتعقبًا أثرها، ومتفحصًا دروبها الفكرية، ومناقشًا مقولاتها، ومقدمًا مطالعة جادة في هذا الشأن.

ومن جهة المضمون، فقد اتسمت محاولة فضل الرحمن بالبحث الفكري الجاد، عاكسًا فيها خبرته الأكاديمية العريقة، وتضلعه في حقل الإسلاميات، ودرايته الناضجة بالمنهجيات الحديثة.

من هنا تتأكد أهمية المقاربة بين محاولتي إقبال وفضل الرحمن، وبخاصة أنها من المقاربات الفكرية التي لم تُطرَقْ كثيرًا في النطاق العربي، ولم تستكشف معرفيًّا بنحو وافٍ. وعند النظر في هاتين المحاولتين يمكن الكشف عن بعض الفوارق المهمة التي تفارق بينهما من جهة، وتساعد في تكوين المعرفة بهما من جهة أخرى.

الفوارق بين المحاولتين

من هذه الفوارق ما يتعلق بفارق الزمن، فقد جاءت محاولة إقبال قبل قيام باكستان سنة 1947م، الدولة التي سعى إليها إقبال جاهدًا، وأراد منها أن تصبح تجسيدًا لذاتية المسلمين في شبه القارة الهندية، لتحميهم من خطري الذوبان والتحلل، الذوبان بتأثير قوة الأغلبية غير المسلمة، والتحلل بتأثير قوة المستعمر الإنجليزي. ولو جاءت هذه المحاولة بعد قيام باكستان لكان لها بالتأكيد سياق فكري مختلف.

في الطرف الآخر فإن محاولة فضل الرحمن جاءت متأخرة عن محاولة إقبال بما يقارب نصف قرن ممتدة ما بين (1928- 1978م)، وجاءت بعد قيام باكستان بفاصل زمني يزيد على ثلاثة عقود. وقد تأثرت هذه المحاولة بما أصاب باكستان من تعثرات سياسية واقتصادية واجتماعية وتعليمية، أخّرت نهوضها وعاقت تقدمها، وأحبطت آمال إقبال نفسه الذي تطلع إلى أن تمثل فرصة مواتية لتقديم الإسلام إلى العالم على حقيقته الكاملة في أسلوب يطابق روح العصر الجديد. ولا شك أنها وبصورة أكبر أحبطت آمال فضل الرحمن الذي وجد نفسه في وضع اضطره لمغادرة بلده مبكرًا سنة 1968م، بعدما تعرض لمضايقات وقوبلت أفكاره بالرفض والاتهام، وأمضى بقية حياته خارج موطنه مهاجرًا في الولايات المتحدة الأميركية.

ومن هذه الفوارق ما يتعلق بفارق المكان، فقد ارتبطت محاولة إقبال من ناحية المكان بالهند، وتحددت في ثلاث مدن، هي: مدراس وحيدر أباد وعليكره، وجاءت بطلب من الجمعية الإسلامية بمدراس. بينما محاولة فضل الرحمن ارتبطت من ناحية المكان بضفة أخرى بعيدة من الهند وشبه القارة الهندية، هي الولايات المتحدة الأميركية، وتحديدًا مدينة شيكاغو، واتصلت بمشروع بحثي موّلته مؤسسة فورد للتربية الإسلامية، حمل المشروع عنوان: «الإسلام والتغيير الاجتماعي»، اشترك فيه بشكل مباشر اثنا عشر باحثًا شابًّا، إلى جانب مديرَيْهِ فضل الرحمن والبروفيسور ليونارد بندر.

ومن هذه الفوارق كذلك ما يتعلق بفارق الخطاب، فقد اتجه إقبال في محاولته مخاطبًا الجيل المسلم الحديث، متوسعًا في مناقشة العديد من المفكرين والفلاسفة الأوربيين البارزين -فرنسيين وألمانيين وإنجليزيين- الذين تزايدت أسماؤهم في كتاب إقبال، وتكاثرت بطريقة تلفت الانتباه بشدة، مستندًا إليهم تارة، ومتوافقًا معهم تارة أخرى، وناقدًا لهم تارة ثالثة. بخلاف فضل الرحمن الذي اتجهت محاولته إلى الوسط الأكاديمي الغربي، متوسعًا في مناقشة العديد من العلماء والمفكرين والمصلحين المسلمين أتراكًا وهنودًا وإيرانيين ومصريين، عارضًا محاولاتهم الإصلاحية والتحديثية، مناقشًا لهم، متوافقًا معهم تارة ومختلفًا تارة أخرى.

يضاف إلى هذه الفوارق ما يتعلق بفارق المقصد، فقد وضع إقبال لمحاولته مقصدًا فلسفيًّا طموحًا وكبيرًا، ساعيًا لإعادة بناء الفلسفة الدينية الإسلامية بناءً جديدًا، آخذًا في الحسبان المأثور من فلسفة الإسلام إلى جانب ما جرى على المعرفة الإنسانية من تطور في نواحيها المختلفة، مقدرًا أن لحظته الراهنة آنذاك كانت مناسبة لإنجاز هذا العمل، وليس بعيدًا في نظره ذلك اليوم الذي يكشف فيه كل من الدين والعلم اتفاقًا متبادلًا بينهما لم يكن حتى ذلك الوقت منتظرًا.

في حين أن فضل الرحمن وضع لمحاولته مقصدًا تربويًّا، ساعيًا لدراسة النظام التربوي الإسلامي في العصر الوسيط كاشفًا عن سماته ونواقصه، ومتوقفًا عند جهود التحديث التي بذلت طوال قرن أو نحوه، راسمًا في الأخير بعض الخطوط العامة التي يتعين السير وفقها، مبينًا أن ما يعنيه بالتربية الإسلامية هي النزعة العقلية الإسلامية التي تشكل بالنسبة إليه جوهر التربية الإسلامية العالية.

لعل هذه أهم الفوارق العامة بين محاولتي إقبال وفضل الرحمن، وما يعمق هذه المقاربة أن محاولة إقبال حضرت عند فضل الرحمن وكانت له وجهة نظر فيها، والسؤال: كيف وجدها؟ وما تقويمه لها وانطباعاته عنها؟

الافتراق المنهجي بين فضل الرحمن وإقبال

لم يخصص فضل الرحمن فقرة في كتابه المذكور أو زاوية يعرض فيها كامل رؤيته حول إقبال، وقد جاءت متناثرة ومتفرقة، مصعبًا على الآخرين التعرف إلى هذه الرؤية، والإحاطة بها بنحو منظم. وبعد الفحص والنظر يمكن الكشف عن هذه الرؤية متحددة ضبطًا في جانبين: الجانب الأول له طابع مدحي، والجانب الثاني له طابع نقدي.

الجانب المدحي أشار إليه فضل الرحمن بنوع من الحذر مرتين في كتابه: «الإسلام وضرورة التحديث»، مرة حين رأى أن ليس من قبيل الصدفة على حد قوله، ألا تعرف الحداثة الإسلامية أي طالب جاد للفلسفة في طول العالم الإسلامي وعرضه يمكن الافتخار به سوى محمد إقبال. ومرة حين رأى على منوال المستشرق الإنجليزي هاملتون جيب (1895– 1971م)، أن محمد إقبال قام بالمحاولة المنهجية الوحيدة في العصور الحديثة في ميدان المعرفة الإسلامية الميتافيزيقية في كتابه: «تجديد التفكير الديني في الإسلام».

أما الجانب النقدي فيمكن ضبطه متحددًا في أربع نقاط هي:

أولًا– رأى فضل الرحمن أن هدف إقبال في محاولته الفكرية، لم يكن هدفًا دراسيًّا علميًّا، بل كان هدفه يقظة المسلمين كأمة وجماعة؛ لذا لم يقم بصياغة فلسفة تربوية، ولم يضع أي برنامج لتربية المسلمين، كما لم يقدم أي شيء من شأنه أن يمثل صياغة لسياسات تربوية إسلامية، ليس فقط في المجال التربوي، بل في غيره من حقول المسعى البشري، ولم يترك إقبال أي تراث وضعي أو إيجابي باستثناء رغبته التي أبداها في أن يكون لمسلمي الهند وطنهم الذي يمكنهم أن ينظموا ويوجهوا حياتهم تبعًا لما تحثهم عليه تعاليم الإسلام. وفي هذه النقطة تحديدًا يظهر الافتراق المنهجي بين فضل الرحمن وإقبال؛ فإقبال كانت تُحَرِّكُه نزعةُ الإحياءِ ونهضةُ المسلمين ويقظتهم، بينما فضل الرحمن كانت تحركه النزعة العلمية والأكاديمية، وبحكم هذه النزعة كان من السهل على فضل الرحمن أن يلتفت لمثل هذه النقطة، ويعيرها هذه الأهمية.

ثانيًا– قدر فضل الرحمن أن إقبالًا لم يأتِ بأي إضافة منهجية في مجال تعليم القرآن، وإنما اختار واستعار من بين آياته لكي يبرهن على أطروحات من المؤكد أن بعضها كان حقًّا من نتاج تمعنه العام في القرآن، لكنها تبدت له على أنها ملائمة بشكل جيد للاحتياجات الراهنة لمجتمع إسلامي جامد، وقد عبر عن تلك الأطروحات انطلاقًا من نظريات معاصرة مثل نظرية برجسون ووايتهد.

ولعل تفسير هذه النقطة يتصل بالنقطة السابقة، في أن هدف إقبال لم يكن هدفًا دراسيًّا، ومن ثم فإنه لم يكن بصدد بلورة نظرية منهجية في فهم القرآن، ولم يكن هذا قصده على الإطلاق، لكنه جعل من القرآن الكريم منبعًا لفلسفته ليكون مستقلًّا عن الفلسفة الأوربية، وعن الفلاسفة الأوربيين، وليقول لهؤلاء: إنه لا يأخذ فلسفته منهم وإن رجع إليهم، وإنما يأخذها من القرآن الكريم، وعلى ضوء هذا الكتاب يحاكم فلسفاتهم ومقولاتهم الفلسفية، ليكشف لهم عظمة القرآن، وكيف أنه يمثل منبعًا صافيًا وأصيلًا ومتجددًا في اكتشاف الأفكار الحية والمعاصرة وتوليدها واستنباطها.

ثالثًا– صور فضل الرحمن أن محاولة إقبال صارت اليوم قديمة جدًّا، طالما أنه كان يأخذ مأخذ الجدية معاصريه من العلماء الذين كانوا يحاولون أن يبرهنوا على إرادة الإنسان الدينامية الحرة بالاستناد إلى قاعدة المعطيات العلمية الجديدة. والنقاش الذي يوجه لهذا الكلام، هل هناك محاولة لا ينبغي لها أن تأخذ مأخذ الجد آراء المعاصرين من العلماء ومقولاتهم وأفكارهم! وإذا كانت محاولة إقبال أصبحت اليوم قديمة، فهي قديمة من ناحية زمنية، لا من ناحية معرفية، فهي لم تُقرأ بصورة معمقة إلى هذا اليوم، ولم تُتجاوَز هذه المحاولة معرفيًّا؛ لأنها محاولة لم تتمم من جهة، إلى جانب أن هناك انقطاعًا معرفيًّا عنها من جهة أخرى.

رابعًا– لاحظ فضل الرحمن في كتابه «الإسلام»، الصادر سنة 1965م، أن تعاليم إقبال بقدر ما كانت مؤثرة بصورة عميقة وبعيدة المدى، ومثلت القوة الرئيسة وراء نشأة باكستان، بقدر ما كانت ترمي بكامل ثقلها على الجانب الإحيائي بشكل تؤول على أنها تمثل الاتجاه المضاد للنزعة العقلانية.

هذه النقاط الأربع تكشف أن فضل الرحمن أراد أن يكون إقبال على صورته، متطابقًا مع مسلكه الأكاديمي، ومتناغمًا مع تصوراته التخصصية الباردة، وقوَّمه على هذا الأساس. ولو كان إقبال في عصره على هذه الصورة التي أرادها فضل الرحمن لوجدناه في منزلة أخرى لا تقارن بالمنزلة العالية التي وصل إليها إقبال، ولأصبح إقبال غير إقبال الذي نعرفه اليوم. وما نخلص إليه أنني ما زلت أرى أن محاولة إقبال، التي سبقت بنصف قرن محاولة فضل الرحمن، هي أكثر نضجًا منها، وأعمق مضمونًا، وأصلب اجتهادًا.