لودميلا أوليتسكايا وبوريس آكونين: حين نصغي إلى همسات الكُتّاب خلسةً

لودميلا أوليتسكايا وبوريس آكونين:

حين نصغي إلى همسات الكُتّاب خلسةً

يشكّل كلٌّ من لودميلا أوليتسكايا وبوريس آكونين ظاهرتين بارزتين في الأدب الروسي المعاصر، لكنهما ينتميان إلى تقاليد وأساليب مختلفة، وهو الأمر الذي يضفي على أي حوار بينهما قيمة فكرية وجمالية خاصة.

لودميلا أوليتسكايا (1943م)، كاتبة وروائية روسية، تُعدّ من أبرز الأصوات النسوية في الأدب الروسي الحديث. بدأت مسيرتها العلمية في مجال البيولوجيا الجزيئية، غير أنّها اتجهت لاحقًا إلى الأدب، حيث تميّزت أعمالها بعمق إنساني وتحليل دقيق للعلاقات الاجتماعية والذاكرة التاريخية، وبخاصة في سياق التجربة السوفييتية وما بعدها. من أشهر أعمالها رواية «حكاية سونيتشكا» و«دانيال شتاين، مترجم». وقد تُرجمت كتاباتها إلى عشرات اللغات ونالت جوائز أدبية مرموقة. تتميز لغتها بالسلاسة والحميمية، مع نزعة تأملية وفلسفية واضحة.

بوريس آكونين: اسمه الحقيقي بوريس آكونين (1956م)، وهو كاتب وناقد أدبي ومترجم روسي، اشتهر عالميًّا بسلسلة الروايات البوليسية التاريخية التي تتمحور حول شخصية إيراست فاندورين. يمتاز أسلوبه بالمزج بين السرد التشويقي والدقة التاريخية، مع توظيف عناصر من الأدب الكلاسيكي والبوليسي في آن واحد. إلى جانب إنتاجه الروائي، يُعرف آكونين أيضًا بنشاطه الفكري ومواقفه النقدية من الواقع السياسي والثقافي في روسيا المعاصرة. حققت أعماله انتشارًا واسعًا وجذبت جمهورًا متنوعًا، جامعًا بين القارئ العام والنخبوي.

إن الجمع بين أوليتسكايا وآكونين في حوار واحد يفتح أفقًا غنيًّا للنقاش حول الأدب، والهوية، والتاريخ، ودور الكاتب في المجتمع الروسي المعاصر.

متعة المعاناة!

●  بوريس آكونين: أودّ أن أطرح عليكِ بعض الأسئلة حول حياة الكاتب وحرفته. أخبريني، هل الكتابة شاقة بالنسبة إليكِ؟ ما الذي تعنيه لكِ في جوهرها؟ أهي معاناة أم متعة؟ ماذا تمنحكِ، وماذا تنتزع منكِ؟

 لودميلا أوليتسكايا: بالنسبة لي، الكتابة أمرٌ شديد الصعوبة. أما ما تمنحه وما تأخذه، فذلك سؤال بالغ الأهمية. أعتقد أن الصفة الأولى الضرورية للكاتب ليست الموهبة، بل شيء أقرب إلى «الهوس بالكتابة» أو الميل القهري إليها؛ أي تلك الحاجة الداخلية لأن تمسك بالقلم وتكتب. وقد صادفتُ في حياتي أشخاصًا كان يمكن أن يصبحوا كتّابًا بارعين بحق؛ كانت لديهم في أذهانهم جميع المقومات: وضوح الفكرة، والخيال، والقدرة على بناء الحبكة. لكنهم ظلوا مجرد رواة شفهيين؛ لأنهم ببساطة كانوا يكرهون فعل الكتابة نفسه. أما أنا، فالكتابة بالنسبة لي عملية تكاد تكون فسيولوجية، وقد أحببتها كثيرًا.

بوريس آكونين: مع ذلك، لا يزال الأمر غير واضح تمامًا بالنسبة لي، وهو سؤال يشغلني فعلًا. قبل أيام تحدثت مع المؤلف الموسيقي الرائع غيا كانتشلي، وسألته: «هل تأليف الموسيقا بالنسبة لك معاناة أم متعة؟» فأجاب دون تردد: «إنه معاناة، عذاب حقيقي». فسألته سؤالًا آخر: «وهل تحب أن تعاني؟» فقال: «نعم، أحب ذلك».

لودميلا أوليتسكايا: أرى في ذلك منطقًا واضحًا، وأفهمه جيدًا. كلما أنهيت رواية كبيرة -وقد كتبتُ حتى الآن نحو خمس روايات- أقول لنفسي: انتهى الأمر، لن أعود إلى هذا العذاب، إلى هذه المتعة القاسية التي تستمر لسنوات. أبدًا، لن أكتب رواية أخرى! لكن الوقت يمضي، ثم أجد نفسي أعود من جديد وأقع في الفخ ذاته. قبل أسبوعين فقط كنت متأكدة أنني لن أكتب روايات بعد الآن، ثم حدث في الأسبوع الماضي شيء ما جعلني أجد نفسي… (وتتوقف عند هذه الفكرة، كأنها تعترف بانجذاب جديد لا يمكن مقاومته).

●  بوريس آكونين: وماذا قلتُ لكِ عبر الهاتف قبل أسبوعين؟ كيف تشتعل عندكِ تلك الشرارة؟ كيف حدث ذلك منذ أسبوع؟ وكيف بدأت تلك البذرة بالتكوّن؟

 لودميلا أوليتسكايا: ربما لا ينبغي أن أقول هذا أصلًا؛ لأن شيئًا قد لا يكتمل، وقد لا ينمو منه شيء. بل سأكون مرتاحة إذا لم ينمُ شيء، فهذا يعني أنني سأبقى في حالة هدوء. المسألة أنني كنتُ لسنوات على تواصل غريب جدًّا مع شخص يقضي حكمًا بالسجن المؤبد بتهمة القتل. وفي مرحلة ما قلت له: «لماذا لا تكتب؟ لا تكتب شعرًا، بل اكتب كتابًا». فكتب وأرسل لي نصه. لا يمكن نشره، ولا يمكن اعتباره كتابًا بالمعنى المعتاد، لكنه مادة مدهشة إلى حدّ الصدمة.

●  بوريس آكونين: إذن هو سيرة ذاتية أم عمل تخييلي؟

 لودميلا أوليتسكايا: الأمر أعقد بكثير وأكثر إثارة من ذلك. في الواقع، شعرتُ وكأن هناك تحدِّيًا وُجّه إليّ. لا أعرف إن كنت سأرد عليه، لكن ما يحدث عمومًا هو أن الحياة نفسها تعلقك بخطاف، وتدرك أنه لا بد من المحاولة. كما حدث في رواية «دانيال شتاين». كان ذلك أصعب تحدٍّ واجهته في حياتي، عندما دخل إلى بيتي رجل، راهب، رائع إلى حدّ لا يُصدّق، أشبه بما لا يمكن أن يوجد في الواقع: حافي القدمين، وقضى عندي يومًا كاملًا من الصباح حتى المساء. وعندما غادر، شعرت أن ذلك «الخطاف» قد انغرس في داخلي كما تنغرس شوكة في شفة السمكة.

●  بوريس آكونين: الشاعر البارز (سيرغي غاندليفسكي)(1)، حين سُئل عن كيفية ولادة القصيدة، قال إن أول ما يظهر هو سطر واحد، ثم يبدأ في تقليبه ببطء شديد في ذهنه، وأحيانًا يستمر ذلك لأشهر. وسألتُ (بوريس غريبينشيكوف)(2) عن الأمر نفسه، فقال: إن الأغنية تبدأ أيضًا بالكلمات لا باللحن، وإن العملية قد تستغرق وقتًا طويلًا جدًّا؛ أحيانًا يترك الفكرة ويعود إليها بعد شهور أو حتى سنوات. في النثر، خصوصًا في الرواية الطويلة، هل تبدأ عندكِ الفكرة من مفهوم واضح أو رؤية كلية؟ أم يمكن أن تبدأ من تفصيلة هامشية صغيرة، تنمو منها لاحقًا كل البنية السردية؟

 لودميلا أوليتسكايا: سأعطي مثالًا بسيطًا. لدي قصة بعنوان «الشعب المختار». لكنها ليست عن اليهود، بل عن امرأتين متسولتين؛ إحداهما محترفة متمرسة، والأخرى مبتدئة، امرأة بسيطة إلى حدّ السذاجة. عاشت طوال حياتها مع أمها، ثم ماتت الأم، ولم تعد تعرف ماذا تفعل. تلتقي الاثنتان: متسوّلة خبيرة وأخرى مبتدئة. فتقوم الأولى بتعليم الثانية «حرفة التسوّل»، وتشرح لها أن التسوّل مهنة، وأننا نحن المتسولين «شعبٌ مختار»، وتبيّن لها وظيفة المتسولين في العالم، ولماذا هم ضروريون.

القصة نجحت تمامًا، وكنت راضية عنها جدًّا. لكن من أين جاءت فكرتها؟ أنا أسكن حتى اليوم قرب محطة مترو «آيروبورت». وفي منطقة محطة «سوكول» توجد كنيسة جميع القديسين، وهي كنيسة قديمة كانت في السابق جورجية، وما زالت فيها بعض القبور الجورجية. هناك رأيتُ مرة متسوّلة مخيفة، عرجاء، تحمل عصًا، وكانت تفرض النظام بين المتسولين: تنقل هذا من مكانه، وتطرد ذاك، وكان الجميع يخافونها. كانت أشبه بزعيمة أو «مشرفة» على تلك المجموعة، وكأن المنطقة كلها تحت سيطرتها.

وفي مرة أخرى رأيتها في المترو، وكانت تشغل مقعدًا بأكمله، بل تمتد على ثلاثة مقاعد. كانت ثمِلة تمامًا، نائمة في سُكر عميق، وعصاها (العكاز) سقطت منها، فهي كانت تتحرك به دائمًا. وفي وقت آخر كنت أرى متسوّلة أخرى، بدينة، تمشي مع أمها. ثم ماتت الأم، فبدأت تمشي وحدها. أنا لم أجمع بينهما في الواقع، بل في ذهني فقط؛ التقيتُ كل واحدة منهما على حدة، ثم «جمعتُهما» روائيًّا.

الأدب السعيد!

●  بوريس آكونين: لدي سؤال آخر معقد. نحن نعرف في الأدب أن الحب غير السعيد أكثر إثارة من السعيد، وأن الشقاء أعمق دراميًّا من السعادة؛ لأنه يحمل الصراع والحبكة والتوتر. هل فكرتِ يومًا في كتابة رواية -لا قصة قصيرة، بل رواية كاملة- عن السعادة، حيث يكون الجميع سعداء؟

 لودميلا أوليتسكايا: أظن أن ذلك مستحيل. يشبه فكرة (الملكوت السماوي).

●  بوريس آكونين: إذن فالجنة تبدو وكأنها شيء ممل. لكن في الواقع الحياة ليست كذلك. السعادة، من وجهة نظري، أكثر إثارة من الشقاء، على الأقل في الأدب. أظن أن ليو تولستوي لم يكن محقًّا تمامًا، وربما لم يفهم كثيرًا في الحياة الأسرية.

 لودميلا أوليتسكايا: أظن أنه كان غير سعيد إلى حدٍّ ما في حياته العائلية، لدي هذا الانطباع.

●  بوريس آكونين: ولم يكن حكيمًا في حياته الأسرية، مع أنه كان إنسانًا ذا عقل استثنائي. حسنًا، سأطرح عليكِ سؤالًا كنت سأتردد في طرحه أمام الآخرين. ما يشغلني باستمرار، وهو أمر مثير جدًّا للاهتمام، هو فكرة المراحل العمرية: حين يمر الإنسان بمراحل حياته كأنه يصعد أو ينزل سلّمًا، حتى يصل إلى مرحلة الشيخوخة. أنا الآن في مرحلة أسمّيها «انتقالية»، وكأن الإنسان يمرّ بمرحلة مراهقة ثانية في الكِبَر. أشعر أن التقدّم في العمر يعني شيئًا يُفقد، وفي المقابل شيئًا يُكتسب. لدي إحساس بأن هناك نوعًا من التحرّر من مخاوف وعوائق كانت تعوق الحياة. ما رأيكِ في ذلك؟

 لودميلا أوليتسكايا: أعتقد أن هذا هو الامتياز الوحيد للشيخوخة. أما كل ما يُقال عن أن الإنسان يصبح أكثر حكمة أو يدخل في حالة روحية مدهشة، فلا أظن أن هذا صحيح. على الأقل، لم يحدث معي ذلك. الذي يحدث فعلًا هو ازدياد درجة الحرية، لا شك في ذلك. لكن هذا الوعي ارتبط عندي أيضًا بأزمة حادة، ربما كانت أزمة منتصف العمر، حين أدركت أنني قضيت حياتي في بناء منظومة كاملة للعالم ورؤية خاصة به، ثم جاءت لحظة انهارت فيها تلك المنظومة تمامًا.

الإيمان الانتقائي!

●  بوريس آكونين: هذا ما أردتُ أن أسألكِ عنه؛ إذا انتقلنا إلى موضوع الدين.

 لودميلا أوليتسكايا: جزئيًّا نعم، ولكن ليس فقط؛ لأن الدين لا يوجد بمعزل عن بقية جوانب الحياة.

●  بوريس آكونين: كنتُ أريد أن أسألكِ عن «علاقتكِ بالدين»، وعن هذا التطور العام في رؤيتكِ: ما المراحل التي مررتِ بها؟ ماذا مثّل ذلك لكِ؟ وكيف تغيّرت هذه التجربة عبر الزمن؟ هذا موضوع يهمني كثيرًا.

 لودميلا أوليتسكايا: حدث أنني في سنٍّ مبكرة نسبيًّا التقيتُ عددًا محدودًا من الأشخاص الذين كانوا مسيحيين حقيقيين. وكنتُ أكتشف أن هؤلاء نادرون جدًّا في العالم، إلى درجة أن ندرتهم تكاد تفوق حتى الأشخاص ذوي الصفات البيولوجية النادرة جدًّا. لكنني كنت محظوظة بأنني التقيتُ بعضَهم.

●  بوريس آكونين: تقصدين مسيحيين حقيقيين فعليًّا؟

 لودميلا أوليتسكايا: نعم، بالطبع. أما الآخرون فلا أعدّهم كذلك.

●  بوريس آكونين: تقصدين أشخاصًا يعيشون حياة عادية، وليسوا رهبانًا؟

 لودميلا أوليتسكايا: نعم، أشخاص عاديون يعيشون إيمانهم. وقد كان ذلك بالنسبة لي اكتشافًا هائلًا؛ لأنه فتح أمامي طريقة جديدة تمامًا لرؤية الحياة: قيم مختلفة، ومنظور مختلف كليًّا. وقد قضيت سنوات ليست قليلة على هذا الطريق، من دون أن أصل إلى «نهاية» واضحة، لكنني بذلت جهدًا كبيرًا فيه، حتى وصلتُ إلى لحظة كان لا بد أن يحدث فيها ما يحدث. أعتقد أن أي إنسان صادق يمرّ بشيء مشابه. أدركتُ أنه لكي أحافظ على هذا البناء الفكري والروحي، كان عليّ أحيانًا أن أقوم بتبريرات فكرية غير صادقة؛ لأنني كنت أظن أن المفتاح المسيحي قادر على فتح كل الأقفال، ثم اكتشفت أن بعض الأقفال لا تُفتح به.

●  بوريس آكونين: أي أقفال تقصدين؟

 لودميلا أوليتسكايا: ببساطة، خذ رواية «حالة كوكوتسكي». هناك طبيب نساء وتوليد يدافع عن تقنين الإجهاض في حقبة ما بعد الحرب، حين كان الإجهاض محظورًا، وكانت النساء يلجأن إليه سرًّا ويمتن، تاركات أطفالًا أيتامًا. وهو، بوصفه طبيبًا وإنسانًا، يطالب بالسماح به. هذا الطبيب موجود في الواقع، وقد عمل عملًا يُعدّ بطوليًّا من جهة، لكنه في الوقت نفسه يثير إشكالًا أخلاقيًّا؛ لأن قتل الجنين غير المولود يُعدّ، من منظور أخلاقي عام، أمرًا مرفوضًا. هكذا تنظر إليه التقاليد الأخلاقية، وفي روما القديمة كان يُعاقَب عليه قانونيًّا.

●  بوريس آكونين: روما القديمة ليست مرجعًا ملزمًا لنا.

 لودميلا أوليتسكايا: لكنها تقليد تاريخي عريق.

السلطة والإبداع

●  لودميلا أوليتسكايا: سؤال قريب جدًّا من موضوع رواياتك الأولى. في ذلك الوقت كنت أتبادل كتبك مع أصدقائي كما لو كانت شبه محظورة. وفي مرحلة ما دار نقاش بيننا: لاحظنا أن الكاتب لديك «حكومي» النزعة. فبطلك فاندورين يبدو وكأنه نوع من ضابط في جهاز الدولة، وكأنه يعمل لصالحها. وكان لدينا جميعًا منذ وقت مبكر إحساس بأن الدولة في ذاتها قوة قمعية تجاه الفرد، وأن وراء فاندورين «الحكومي» يقف كاتب «دولتي» أيضًا. ثم مرت السنوات، والتقينا في سياقات مختلفة، ووجدنا أنفسنا في فضاءات لم يكن فيها «حكوميون» بهذا المعنى. وعندها شعرتُ أن الصورة ليست بهذه البساطة. ربما كنتُ أُسقِط شيئًا ما، أو ربما أنت تغيّرت أيضًا بوصفك كاتبًا. هل حدث عندك تحول ما في هذا الاتجاه؟ أنا شخصيًّا لم يحدث لدي ذلك؛ لأنني بطبيعتي أقرب إلى الرفض الكامل لفكرة الدولة، بل يمكن القول: إن لدي ميلًا فوضويًّا، وأتضايق من أي سلطة مفرطة. فماذا حدث مع آكونين؟ هل هو تطور فكري أم إن الأمر مجرد انطباع؟

 بوريس آكونين: سأوضح الأمر. من المهم ألا نخلط المفاهيم. في الواقع الروسي، مصطلح «الحكومي» يُقابل عادة «الليبرالي». الأول يرى أن الشعب موجود من أجل الدولة، وأن الدولة يجب أن تكون قوية وذات هيبة، بينما الثاني يرى أن الدولة موجودة من أجل الشعب؛ لتحسين حياته وجعلها أكثر كرامة. بهذا المعنى، أنا بالتأكيد ليبرالي، ولست «حكوميًّا». لكن هذا لا يعني أنني ضد الدولة، بل أنا ضد الدولة السيئة. الدولة الروسية، في تصوري، غير منظمة بشكل صحيح تاريخيًّا. وأنا أريدها أن تكون دولة منظمة بشكل سليم، تقوم بوظائفها الاجتماعية، وتحمي الضعفاء، وتمنح الناس سببًا للعيش المشترك والعمل من أجل خير عام. وبهذا المعنى يمكن القول: إنني «حكومي» أيضًا، ولكن ليس بالمعنى السلطوي. أما ما تذكرينه عن فاندورين، فهو أمر يثير السخرية؛ لأنني كثيرًا ما أُسأل في الخارج: هل شخصية فاندورين مستوحاة من فلاديمير بوتين؟ وهنا يبدأ غضبي بالتصاعد…

●  لودميلا أوليتسكايا: لم يخطر هذا ببالي.

 بوريس آكونين: فاندورين، من حيث النمط، هو ليس سامورايًّا. بل هو أقرب إلى (الكونفوشيوسية)، وهناك فرق جوهري بينهما. فالساموراي هو من يخدم سيده بإخلاص مطلق، والولاء للسيد هو المبدأ الأعلى لديه، وهو بهذا المعنى «حكومي»، تمامًا إن أردنا التوصيف. أما الكونفوشي فهو شخص يستمع إلى «ميزانه الداخلي»، إلى ذلك الصوت الداخلي الذي يحدد له الخير والشر، الممكن والممنوع. وبطلي يظل في خدمة الدولة ما دام هذا الصوت الداخلي يسمح له بذلك، لكن عندما يقول له: «توقّف، لم يعد بإمكانك الاستمرار في هذه الخدمة»، فإنه يتركها. ولديه ولاء للذات أعلى من الولاء للدولة، وهذا، في أحد أبعاده، سمة ليبرالية.

الكاتب في زمن التحولات الكبرى

●  سؤال من القاعة: كيف ينبغي، في رأيكما، أن يتفاعل الكاتب المعاصر مع الصدمات والتحولات الكبرى، ليس فقط في روسيا بل في العالم كله؟ وهل سيتغير دوره في هذه المرحلة التاريخية الجديدة التي نعيشها الآن؟

 بوريس آكونين: أعتقد أن الكاتب في الحقيقة غير مُلزم بشيء لأحد. يجب أن يكتب عمّا بداخله، ويفضل أن يفعل ذلك بموهبة. وما في الداخل قد يكون أي شيء؛ أفكارًا متناقضة أو هواجس غريبة، لكن إذا تحولت إلى نص موهوب، فنحن سنكون ممتنين له. لكن هذا لا يعني أننا لا نفكر فيما يحدث أو لا نقلق. اليوم، لحسن الحظ، توجد شبكات التواصل الاجتماعي؛ فإذا أردتُ التعبير عن شيء غير أدبي، يمكنني نشره هناك وتفريغ هذا الضغط. أما ما يجري في العالم الآن، فأراه لحظة تحول كبرى: نهاية مرحلة وبداية أخرى. سلسلة الأحداث التي نراها -تراجع بعض المسارات الديمقراطية في روسيا، خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي، صعود دونالد ترمب في أميركا، وما نشهده في أوربا- كلها، في تقديري،
ليست مصادفة.

أفسّر ذلك بأن البشرية في العقود الأخيرة اندفعت بسرعة كبيرة نحو فكرة «العالم الواحد»، لكن هذا الاندفاع سبق وعي كثير من المجتمعات، ولذلك يحدث الآن نوع من التراجع المؤقت، وهو على الأرجح مرحلة انتقالية طبيعية. البشرية في آخر 25–30 عامًا اندفعت بسرعة هائلة إلى الأمام، وهذا القفز نحو فكرة «العالم الواحد»، وما يرتبط بها من تصورات، قد سبق بدرجة ما وعيَ أغلب الناس وواقعهم الملموس؛ لذلك نشهد الآن نوعًا من التراجع إلى الخلف، ويبدو أنه أمر لا مفر منه. أتمنى فقط ألا يطول كثيرًا. يبدو لي أن البشرية تحتاج في هذا «المنعطف» إلى قدر من التكيف البطيء، وكأنها تتحرك قليلًا لتستوعب ما حدث. ربما أكون مخطئًا.

الشخصيات الشريرة في الأدب

●  سؤال من القاعة: لودميلا، لدي سؤال لكِ: هل تكونين في حالة «حب» تجاه شخصياتك عندما تكتبين عنها؟

 لودميلا أوليتسكايا: بصراحة، لم أفهم السؤال تمامًا. لا، لست كذلك… لكن في الواقع أنا أحبهم جميعًا بطريقة ما. وهنا سؤال لم أتمكن من طرحه سابقًا: في أعمال بوريس آكونين يوجد عدد من الأشرار والمجرمين والشخصيات السلبية عمومًا، فكيف يتعامل معهم داخل النص؟ لأنني شخصيًّا أجد هذا الأمر صعبًا جدًّا. في الحقيقة، لا توجد لديّ شخصيات «سلبية» بالمعنى الحاد. علاقتي بالشخصيات تكون دائمًا مبنية على ضرورة فهمها بعمق، حتى لو كانت تتصرف بشكل سيئ. أنا مضطرة لفهمها، وإلا فلن أستطيع كتابتها أصلًا. أما آكونين، فيبدو أنه يتعامل مع هذه الشخصيات بطريقة مختلفة، وهذا ما يجعل المسألة أكثر إثارة للاهتمام من وجهة نظري.

بوريس آكونين: إذا تحدثنا عن الأدب الروائي البوليسي أو روايات المغامرة، فأنا أحب الأشرار فيها جدًّا. في الواقع، اسمي المستعار باليابانية «أ-كو-نين» يعني «الشرير». ليس لأنني شرير، بل لأنني أحب شخصيات الأشرار، فهي تثير اهتمامي.

في رواياتي البوليسية لا يوجد أشرار تافهون أو سطحيون. بل هم في الأغلب شخصيات جذابة وكاريزمية؛ أشرار من نوع خاص. كلمة «أ-كو-نين» في اليابانية لا تعني مجرد مجرم عادي، بل شرير كبير، أشبه بشخصية شيطانية لكنها تعيش وفق منطقها الخاص، حتى لو كان هذا المنطق منحرفًا أو اجتماعيًّا شاذًّا. عندما بدأت مشروع «فاندورين»، كان اهتمامي منصبًّا على ظاهرة الشر وجاذبيته، تلك المنطقة غير المرئية التي يتحول فيها الخير إلى شر، والشر إلى خير. ولهذا تتكرر لدي فكرة «موبيوس» باستمرار؛ لأن التحول الطفيف غير الملحوظ هو ما ينقلك من جهة إلى أخرى. لكن في المدة الأخيرة، إضافة إلى كوني كاتب روايات ترفيهية، بدأت أكتب أدبًا جادًّا، وهناك اختلف الأمر. فالأشرار هناك ليسوا من النوع «البايّروني» الجذاب، بل الشر اليومي الصغير، ذلك «الشيطان الصغير» العادي.

ومن السهل وصف الشرير الجميل، لكن الأصعب هو فهم ذلك «الإنسان الصغير» -بالمعنى القريب من المفهوم الكونفوشيوسي- الإنسان الذي تحكمه مصالح ضيقة ويومية. اختراق هذا النوع من الوعي والعيش داخله هو التحدي الحقيقي، وهو ما أعمل عليه الآن في كتاباتي الجادة.


المصادر:

حوار: ليودميلا أوليتسكايا وبوريس آكونين (بوريس أكوينين)، «نسترق السمع إلى أحاديث الكتّاب» نادي «روسيا المفتوحة»، موقع نيوزلاند، 21 إبريل 2017م. ترجمة عن الروسية.

https://newsland.com/post/5792782-liudmila-ulitskaia-i-grigorii-chkhartishvili-podslushivaem-pisatelei?ysclid=mo6z3vw7s8757800199


هوامش:

(1) سيرغي غاندليفسكي شاعر روسي معاصر معروف بشعره التأملي الساخر ذي الطابع الوجودي.

(2) بوريس غريبينشيكوف موسيقي وشاعر روسي، مؤسس فرقة الروك الأسطورية «أكواريم»، ويُعد من أبرز رموز الروك الروسي الذي مزج بين الموسيقا والبعد الفلسفي والروحانية في كلماته.