المراسلات المتبادلة بين كبار «الواقعية السحرية»: ماركيز وكورتاثر، يوسا وفوينتيس
لم تكن جائزة نوبل التي حصل عليها كل من ماركيز ويوسا، وترشح لها كورتاثر، ولم تكن شهرة جيل البوم اللاتيني وتسلله إلى أورُبا، نتيجة لموهبة أبناء ذلك الجيل وحدها، بل كذلك للصداقة التي جمعتهم وجعلت كلًّا منهم يدعم الآخر داخل أميركا اللاتينية وأورُبا. هذا ما يكشفه الكِتاب الصادر حديثًا في إسبانيا، «رسائل رواد البوم» فيما يزيد على ألف صفحة، ويضم المراسلات المتبادلة بينهم، نترجم هنا عددًا منها.
من خوليو كورتاثر إلى كارلوس فوينتيس
باريس، 21 ديسمبر 1955
عزيزي فوينتيس: وصلت رسالتك إلى باريس حين كنت في جنيف، وعلى الرغم من أني تلقيتها بعد أسبوع، فإن عملي وإصابتي بالإنفلونزا منعاني من الرد عليك قبل ذلك. إضافة إلى أنني لم أرغب في الكتابة إليك قبل الانتهاء من مسودة مساهمتي لمجلتك. نعم، لقد تَسلَّمتُ العدد الأول، وآمل أن يصل العدد الثاني -الذي أبلغتني به- في الأيام القليلة المقبلة. لقد أعرت العدد لبعض الأصدقاء (أعتقد أن هذه أفضل طريقة لترويج المجلة في باريس، بل طلبت منهم أيضًا تداولها بين الناطقين بالإسبانية)، ولهذا السبب لا يمكنني أن أشير إلى محتواه على نحوٍ محدد. كان عامةً جيدًا، وأعتقد أن عيوبه المحتملة ستكون واضحة لك كما هي واضحة لي. على أي حال؛ إذا أردتَ سأتحدث معك بمزيد من التفصيل عن العدد الجديد. أرسل إليك قصة أخشى أنها طويلة بعض الشيء، لكن ليس لدي أي قصة أخرى في الوقت الحالي (القصص الأخرى أطول منها). على أي حال، يهمني أن تقرأها، فهي محاولة في اتجاه آخر؛ هي عبارة عن سرد مستوحى من وقائع حقيقية، حدثت لخادمة صديقة لي. بدا لي أن فظاعة الأمر تستحق أن تُخلَّد كتابةً. سأحاول الاتصال بـ«زيراو»، وأشكرك على إخباري عنه وعن وجوده في باريس. عندما ترى «إيما»، أخبرها أني كتبتُ لها منذ مدة وألا تتكاسل. أعلم أن إيما نقلت إليك بعض آرائي حول قصصك الجميلة. هل تعلم أنني حلمت بـ«تشاك مول»؟ تمامًا كما وصفته في المشهد الأخير. متى سأقرأ أعمالًا أخرى لك؟
أرسل تحياتي الحارة إلى أريولا وإلى باث عندما تراهما، وإلى اللقاء قريبًا،
محبة كبيرة من صديقك خوليو كورتاثر.
من كارلوس فوينتيس إلى خوليو كورتاثر
المكسيك، 1 فبراير 1956م
صديقي العزيز: أعتذر عن التأخير في الرد: فـ«الصخب والعنف» المحلي يستغرق أحيانًا وقتًا أطول مما ينبغي، وردود أفعال الإخوة ماركس تجاه المجلة تثير جدالات كانت، لولا جرعة مناسبة من روح الدعابة، قد دمرت كبدي منذ زمن طويل.
شكرًا جزيلًا على قصتك البديعة. لقد سلمتها فعليًّا إلى المطبعة وستصدر في العدد الرابع من مجلتنا، برفقة متميزة في قسم القصص: الفصل الأول من رواية رولفو الجديدة، وترجمة «كلوريندا» لبيير دي مانديارجيس.
لديك قوة جذب هائلة: بمجرد البدء في القراءة، لا يمكن التوقف. أقول هذا ليس فقط بخصوص «الخدمات الجيدة»، بل أيضًا بخصوص «الاختبار»، التي كانت إيما حكيمةً بما يكفي لتعيرني مخطوطتها. نحن، حقًّا، أمام رواية، متماسكة، مثيرة، مكثفة، وليست مجرد سلسلة من القصص المرتبطة بخيوط لاصقة واضحة، التي تُعَدّ في بلداننا روايات. قرأتها للمرة الأولى «دفعة واحدة»، والآن، بهدوء أكبر، فصلًا كل يوم. إيما تطالب، تلح. ماذا يمكننا أن نفعل؟ مشهد الشجار في الحمام إنجاز فني رائع؛ ناهيك عن النزهة الليلية في بوينس آيرس: حية، لا تُنسى. وإذا كنت تحلم بـ«تشاك مول»، فاحسب عدد المرات التي ظهر فيها «أبيليتو» في جوف الليل ليخدش نوافذي!
آمل أن نتمكن في أحد الأعداد المقبلة من المجلة من تضمين مقطع من «الاختبار». شكرًا أيضًا على نقدك لـ«الأيام المقنعة». لديّ فعليًّا كتاب ثانٍ من القصص القصيرة جاهز، وبحلول نهاية العام، رواية بعنوان: «المنطقة الأكثر شفافية في الهواء».
إيما وأريولا وأوكتابيو باث يرسلون لك التحية. وأنا أرسل إليك صداقتي وإعجابي الأخويين.
كارلوس فوينتيس
من خوليو كورتاثر إلى كارلوس فوينتيس
باريس، 6 إبريل 1956م
السيد كارلوس فوينتيس، صديقي العزيز:
آمل أن تصل هذه السطور إليك وقد عدتَ فعليًّا إلى المكسيك. سأغادر بعد غد إلى إسبانيا، حيث سأبقى حتى نهاية مايو. لم يظهر خورخي بورتيلا حتى الآن، وأخشى كثيرًا ألا نلتقي. على أي حال، استنادًا إلى ما أخبرتني به، أعتقد أننا سنلتقي عند عودتي؛ لأنني أرى أنه سيبقى لمدة طويلة في باريس. سأكون سعيدًا جدًّا بلقائه، وإذا دعت الحاجة، بمساعدته على الانغماس بعمق في باريس هذه التي تبدو معقدة في البداية بالنسبة لنا نحن القادمين من الساحل الآخر.
إذا كتبتَ له، فقل له إذن إني سأكون هنا تحت أمره في نهاية مايو. يسعدني معرفة أن القصة ستُنشر قريبًا. تلقيت العدد الثالث من المجلة ووجدته مثيرًا للاهتمام حقًّا. المقتطف الذي كتبه مانويل كالفيلو يحمسني لقراءة الكتاب بأكمله؛ لأنه يتمتع بقوة كبيرة وهو مكتوب على نحوٍ رائع. ولا داعي للقول، مع ذلك: إنه نظرًا لطبيعتي الخاصة، فقد انصبت كل حماستي على «النداء إلى التماسيح»، الذي يبدو لي ببساطة لا يُنسى. استمروا في نشر جواهر كهذه؛ لأنه لا يصادف المرء كل يوم نصوصًا بهذه الجودة.
إلى اللقاء قريبًا، مع تحياتي الحارة لجميع الأصدقاء وعناق لك من خوليو كورتاثر
من خوليو كورتاثر إلى ماريو بارغاس يوسا
باريس، 13 يونيو 1962م
عزيزي ماريو:
انتهيت ليلة أمس من قراءة روايتك، التي أثرت فيّ بعمق. لدي كثير لأقوله لك عنها وأود أن أراك قريبًا لنتحدث. هل يمكنك الاتصال بي في المنزل لنتفق على موعد؟ على سبيل المثال؛ إذا كنت ترغب في تناول الغداء معي في اليونسكو، يمكننا ترتيب موعد. أو يمكنكم القدوم إلى منزلي، على أي حال، سنرى.
تحياتي الحارة، خوليو.
من خوليو كورتاثر إلى ماريو بارغاس يوسا
باريس، 2 يوليو 1962م
عزيزي ماريو: في انتظار رؤيتك في أقرب وقت ممكن، أرسل لك مسبقًا هذه النسخة من رسالة تخصك.
مع تحياتي الحارة لخوليا وباتريثيا،
وتحياتي لك أيضًا من خوليو
من خوليو كورتاثر إلى يوسا
باريس، 30 يوليو 1962م
عزيزي ماريو:
الفقرة التي قد تهمك في رسالة خواكين دييث كانيدو هي التالية: «بالطبع يهمني أيضًا ما تقوله لي عن ماريو بارغاس وأود أن أقرأ كتابه في أقرب وقت. لا أعرف ما إذا كان من الإفراط في استغلال كرمك أن أطلب منك أن تنقل له رسالتي، أم إنه من الأفضل أن ترسل لي عنوانه حتى أكتب إليه مباشرةً».
أعتقد أنه، لتجنب المراسلات غير المجدية، سيكون من الأفضل أن تتواصل مباشرةً مع دييث كانيدو، وبهذه الطريقة أكون قد أوفيت بالتزامي تجاهه، ثم تتفاهمان مباشرةً. وبالطبع، أعتقد أن الأفضل استغلال الفرصة السانحة؛ لذا إذا أمكنك إرسال «المحتالون» إليه في أقرب وقت ممكن، فستكون هناك فرص أكبر لأن يقرروا إدراجها في خطة إصداراتهم. أعتقد أنني أخبرتك من قبل أن هذه دار نشر جديدة، تنطلق بقوة هائلة (وبتمويل من دار «سيكس بارال»!)؛ لذا يجب استغلال الفرصة قبل أن يتسنى لجميع المبتدئين -الذين يكثرون في أميركا اللاتينية- «التسوية» مع مستشاري الدار ولجنة قراءتها.
العنوان هو: دار النشر «خواكين مورتيث»، S.A.، جوايماس 33-1، مكسيكو 7 DF. صندوق بريد 21 411.
اتصل بنا في إحدى الليالي عندما تشعر بالرغبة في لقائنا والتحدث قليلًا. وأخبر خوليا أنني وأورورا نرسل لها تحياتنا الحارة، وأننا ننتظر عودتها قريبًا.
مع تحياتي الحارة، خوليو
من خوليو كورتاثر إلى يوسا
باريس، 23 مايو 1963م
عزيزي ماريو:
عدتُ قبل أربعة أيام من فيينا، حيث أمضيتُ شهرين في العمل. سأغادر بعد غدٍ؛ لقضاء أسبوع في سيستري ليفانتي، وألتقي أصدقاء أرجنتينيين يعملون في السينما وقد دعوني لزيارتهم. سأشاهد أيضًا فِلم «المطارد»، الذي صُوِّر في بوينس آيرس قبل بضعة أشهر. كل هذا لأشرح لك أنني لن أتمكن حتى أوائل يونيو من أن أحظى بشرف رؤيتك شخصيًّا والتحدث معك مطولًا.
لكني لا أريد أن أرحل من دون أن أعبّر لك عن فرحتي (المختلطة بالغضب، كما سترى) بشأن «جائزة فورمينتور»؛ فرح لأنك، مهما كان رأي بعضٍ، أصبحت الآن معترفًا بك دوليًّا بوصفك روائيًّا رائعًا، وأنا الذي حظيت بشرف وسرور قراءة «المحتالون» في النص الأصلي، أشعر بأني سبقت كل ذلك بقليل، وأشعر، إنْ سمحت لي، وكأنني نبي (أصرخ في الصحراء؛ لأنني لا أعرف سوى قلة من الناس) يعلن عن موهبتك وجمال كتابك. وبالطبع، ما لم يكونوا أغبياء، كان لا بد أن يدرك القائمون في كورفو مزايا كتابك، وقد فعلوا ذلك فعليًّا.
لكن في هذه المرحلة، يحل الغضب محل الفرح؛ لأنه كان من البديهي أن يمنحوك الجائزة، وأنا على يقين من أنهم لم يمنحوك إياها لأسباب لا علاقة لها بالأدب، بل لها علاقة كبيرة بذلك العالم المقزز الذي تُبنى فيه سلطات الأرض وتُهدم. أعلم أنك لا تهتم، وأعلم أنك، مثلي، تدرك أن كتابك يسير على الطريق الصحيح وأن جائزة إضافية أو عدمها لن يعوقه. لكن يغضبني أن أعرف (وأكرر لك أنني على يقين) أن كثيرين ممن لم يرغبوا أو لم يتمكنوا من التصويت لصالحك كانوا على يقين من أن كتابك هو الأفضل وأنه يستحق الجائزة.
على أي حال، آمل أن تكون تعليقات الأشخاص المطلعين قد أثبتت لك أن كتابك أحدث ضجة كبيرة في كورفو. والآن أنتظر صدوره، أولًا لأعيد قراءته، ثم لأستمتع بردود الأفعال الأوربية، وبخاصة الأميركية اللاتينية، التي لا بد أن يثيرها. لكننا سنتحدث عن كل هذا على نحوٍ أفضل مع بضع كؤوس ووقت كافٍ أمامنا، عندما أعود من سيستري.
سأرسل إليك بضعة سطور وسنلتقي قريبًا. كيف حال الكتاب الجديد؟ لقد انتهيت الآن من إرسال المسودة النهائية من «الحجلة» بعد تصحيحها إلى بوينس آيرس. وأتطلع أيضًا إلى الضجة التي ستثار عند صدوره (إن لم يمنع ذلك انقلاب جديد من قبل الكولونيلات).
ماريو، أنا سعيد جدًّا من أجلك ومن أجل عملك.
إلى اللقاء قريبًا، عناق قوي جدًّا من صديقك خوليو.
أورورا ترسل لكم تحياتها بكل حب.
وتحياتي الحارة لخوليا، وإلى اللقاء قريبًا.
من ماركيز إلى فوينتيس
المكسيك، 30 أكتوبر 1965م
يا أستاذ:
لا أجد طريقة فُضْلَى للاحتفال بانتهاء النصف الأول من روايتي من الرد على رسالتك من نيويورك.
أبدأ بالقول: إنك رجل شرير لوجودك في روما في هذا السبت الكئيب، لكني، بقليل من الأنانية، أشكرك على ذلك؛ لأني لم يعد لدي من أزوره، حتى إنني أخصص وقت شاي يوم الأحد للكتابة. لقد وجدت عنوان الرواية: «مئة عام من العزلة». ما رأيك فيه؟ لقد أسعدني جدًّا ما أخبرتني به عن كتبي في دار «هاربر آند رو». في الواقع، احتفظوا بجميعها. وبالنظر إلى ذلك، أعطيت تعليمات لكارمن بالسيلس بأن تعرض عليهم «مئة عام من العزلة» من دون أن تطلب منهم دفعة مقدمة. أعتقد أنه عندما يقرؤونها بعد اكتمالها، يمكن الحصول منهم على شروط أفضل.
لقد انطلق كلامي كالسيل، يا سيدي الأستاذ: لقد وجدت أخيرًا حلّ مسألة الدكتاتور، بالعنوان الذي تعرفه فعليًّا: «خريف البطريرك». هل تتذكر أن مشكلتي كانت تقديم السياق الاجتماعي-التاريخي-الاقتصادي-السياسي بأكمله؟ يا لها من حماقة! في الليلة الماضية، وأنا أتذكر محاكمة سوسا بلانكو، وجدت المفتاح: يجب أن تكون الرواية عبارة عن مونولوج للدكتاتور، العجوز الضعيف، المشتت الذهن، الأصم، الذي أصبح شبه خرف تمامًا، وهو يحاول تسويغ أفعاله خلال 92 عامًا في السلطة أمام محكمة شعبية تحاكمه في ملعب البيسبول. كل ذلك بصيغة المتكلم، بكلمات العجوز، بأخطائه، وثغراته الذهنية، وتكراره، وتفاهته، وسذاجته، وما إلى ذلك.
لقد كانت هذه الحلول مذهلة لدرجة أني سأتمكن من إنجازها في غضون ستة أشهر، وسيكون من السهل الآن إضفاء البعد الشعري الذي كان من الصعب- أو المُحال- تحقيقه بالطريقة الأخرى.
أنت الذي تعرفني ستتخيل مدى سعادتي وانزعاجي بهذا الاكتشاف. قبل أن أترك الموضوعات الأدبية، أود أن أطلب منك نصيحة: لقد راسلتني دار «سودامريكانا»؛ لتطلب مني الحقوق الحصرية لجميع كتبي. نحن نبذل قصارى جهدنا لتحرير الكتب التي التزام بنشرها فعليًّا؛ لأنهم يريدون إصدارها جميعًا في وقت واحد في بوينس آيرس والمكسيك. والآن: كانت المفاوضات مع دار «سيكس بارال» بشأن الكتاب القادم قد قطعت شوطًا كبيرًا فعليًّا. أسألك: هل سأخسر كثيرًا إذا أعطيت الكتاب لـ«سودامريكانا» بدلًا من نشره مع «بارال»؟ أعتقد أنك تستطيع توضيح الأمر لي، وأرجوك أن تفعل ذلك.
«المنطقة الأكثر شفافية» هي أيضًا الأكثر هدوءًا منذ رحيلك. «كويباس» وحده لا يكفي. وهذا، لحسن الحظ، يخدم انعزالي ووحدتي. هنا سقط، كالعادة، رودريجيث مونيجال. لا بد أنه كتب إليك. إنه يجوب العالم بحثًا عن متعاونين لمجلة لا تزال بلا اسم (هل يخطر ببالك اسم؟) ستحل محل «كواديرنوس» (كراسات).
أتمنى لك النجاح في العروض الخاصة لفِلم «زمن الموت»، لا بد أن ريتا، التي بدت متأثرة، قد أخبرتك بذلك. كنت أنظر إلى السينما من منظور بعيد جدًّا، إلى أن أبلغتني مرثيدس، وهي في غاية الحزن، أننا بعد كتابة 400 صفحة من الرواية، أصبحنا مدينين بمبلغ 21 ألف بيزو. فانطلقتُ؛ إذن، إلى الفِلم الآخر مع أرتورو: «باتسي أون ذا روكس أو الحياة الفاسقة للكاتب القوطي الشاب كارلوس فوينتيس».
الأستاذ فيلو يتزوج أنخيليكا أورتيث! اللعنة! الخبر -غير السري- موجود في جميع الصحف. لم أتحدث إلى فيلو لأنني أتصور أنه غاضب من هذه الضجة. أصبحت ليز وبيرتون مجرد حطام هنا بجانب هذه القصة الرومانسية الخريفية. ما رأيك؟ حسنًا، يا معلمي، لم يكن لدي كثير لأكتب عنه في أثناء عزلتي.
تحياتي لجيانكارلو وأليدا.
وأما لك، يا صديقي الشرير والمنشق، فإليك عناق كبير مني ومن مرثيدس،
جابو
من فوينتيس إلى ماركيز
روما، 19 نوفمبر 1965م
الأستاذ العزيز:
أؤكد تسلُّم رسالتك التي أسعدتني كثيرًا من نواحٍ عدة. فكرتك بشأن رواية الطاغية مذهلة: بيضة كولومبوس التي ارتقت إلى مستوى أومليت ميتافيزيقي. يا لها من روعة! لقد أصبت كبد الحقيقة، لسوء حظك، مع حل مثالي كهذا لا بد أنك تشعر وكأنك كلب على صينية الشواء مع رواية أراكاتاكا، ومستعد للقفز إلى النار برواية الدكتاتور.
لقد أجريت بعض التجارب هنا، مع أستورياس نفسه، الذي قفز من مقعده (وهذا يعني تحريك معبد مايا) عندما أخبرته بمشروعك، ومع فيلترينيلي، الذي أبدى حماسًا شديدًا على غرار الجيبيليين.
أعتقد أن بين يديك اكتشافًا رائعًا وأنا أحسدك عليه. أما الاختيار بين «سودامريكانا» و«بارال»، فإن انطباعي، الشخصي جدًّا، أن «سودامريكانا» تحصرك على نحوٍ مفرط، وتجعلك تتداول فقط في العالم الأميركي اللاتيني، وتحرمك من الثراء في الانتشار والعلاقات ما يقدمه كارلوس بارال.
أعتقد أنك في «سودامريكانا» ستبقى في «سودامريكانا»، بينما مع «بارال» تكون قد كسبت فعليًّا طريقك إلى الترجمات والحضور في أورُبا والولايات المتحدة. لكن في أي صفقة مع «بارال»، اقرأ الشروط الدقيقة للعقد؛ لأن (بيننا فقط) قد قاموا للتو بخدعة ماريو بارغاس بإدراج بند يسلبه 60٪ من حقوق النشر الأجنبية التي يتلقاها عبر «بارال»- و«بارال» يدير جميع حقوق النشر الأجنبية الخاصة به. تجاوز هذه العقبة واستمر مع بارال.
أخبار من هذا الاتجاه: اشترى أنطونيوني رواية «لعاب الشيطان» لكورتاثر لفِلمه القادم (دليل آخر على ما قلناه مرارًا وتكرارًا، وما أكده لي كوهين في رسالة تلقيتها اليوم: «لا يوجد أي روائي شاب في العالم اليوم يضاهيكم أنتم الستة») ونشرت «تايم ليتيراري سوبليمينت» مقالًا طويلًا وموثقًا عن السنوات الخمس الأخيرة من الأدب الروائي في أميركا اللاتينية، حيث منحتك المرتبة الأولى.
أرسلت القصاصة إلى بيثنتي روجو ليتولى ترجمتها في مجلة «سييمبري!» وقد اقترح كوهين رواية «الكولونيل» على دار «كيب» في لندن. سيكون من الجيد إخبار «كيب» بأن «هاربر» قد تعاقدت معك: فهذا سيجعلهم يتخذون قرارهم مِن فورهم؛ فلتسرع السيدة بالسيلس.
أنا منعزل منذ أسبوعين مع الأستاذ إيبانيث، ولا أخرج الآن، وبكل ما في ذلك من طابع مصاصي الدماء، إلا بعد غروب الشمس -يا للدم السري أو الجلد الناعم!- لكن خوان سيعود بنص جاهز في نهاية الشهر، سيُريك إياه لتقدم نقدك المعتاد، ونحن سعداء جدًّا به. لن أكشف لك المزيد من التفاصيل، وأنتظر تعليقاتك عندما تقرؤه.
عملي الجديد، الذي أعنونه نهائيًّا «أناجيل العالم الساقط»، قيد الترجمة حاليًّا في نيويورك، وسط سيل من التهليل ممن قرؤوه. أعتقد أني سأنشره في الولايات المتحدة وإيطاليا؛ لأني لا أرى ضرورة لتعريض نفسي منذ البداية لانتقادات النقاد المكسيكيين.
فِلم «أورا» يسير على قدم وساق في الولايات المتحدة، وهنا سيبدأ التصوير، في روما وبارما، في مارس مع أنتوني بيركنز وروزانا سكيافينو وديتا بارلو في طاقم التمثيل.
ما زلت أمضي في ثنائيتي عن النساء المسنات، «سيرس» و«جالاتيا»، «The Bitches»، التي ستتقدم، كما آمل، بين ديسمبر ومارس، عندما أستقل الباخرة من نابولي إلى بوينس آيرس: يملؤني الفرح لمعرفة أننا سنلتقي تحت سماء البامبيرو وفي رياح «جاروفا» في لا بوكا.
من بوينس آيرس أريد العودة إلى أورُبا، حيث أجد مصادر إلهام وتواصل تكاد تكون غائبة في أناهواك، وأنت تعلم أنه إذا أردت إنفاق الروبلات والدينارات على نحوٍ مشترك، فسنبحر معًا من نهر لا بلاتا إلى البحر الأدرياتيكي.
سأذهب اليوم إلى العرض الأول لمسرحية أليدا وخيانكارلو، اللذين يرسلان لك تحياتهما الحارة.
اكتب لنا يا أستاذ: نحن نحبك ونشتاق إليك. تحياتي لمرثيدس والأطفال، وللأصدقاء الذين كانوا يتناولون الشاي مع المعجنات، وباميلا.
مع حبي، كارلوس.
من ماركيز إلى يوسا
المكسيك، 11 يناير 1966م
عزيزي ماريو بارغاس يوسا:
تمكنت أخيرًا، بفضل لويس هارس، من الحصول على عنوانك، بعد أن كان من المستحيل العثور عليه في المكسيك، ولا سيما الآن بعد أن اختفى كارلوس فوينتيس في غابات المستنقعات الأوربية، لا أحد يعلم أين بالضبط.
المنتج السينمائي أنطونيو ماتوك متحمس لفكرة إنتاج فِلم «المدينة والكلاب» في بيرو، من إخراج لويس ألكوريثا. ولويس، مثلي، معجب كبير بالكتاب، ويؤمن بأنه قادر على تحويله إلى عمل رائع، وخصوصًا بتعاونك في كتابة السيناريو.
الغرض من هذه الرسالة معرفة ما إذا كان هذا المشروع قابلًا للتنفيذ: هل حقوق السينما متاحة، وكم تبلغ تكلفتها، وما الإجراءات اللازمة للحصول عليها. أرجو أن ترد عليّ بشأن هذه النقاط.
نحن هنا متشوقون جدًّا لقراءة «البيت الأخضر». متى ستصدر؟ كانت كارمن بالسيلس، في أثناء زيارتها للمكسيك، متحمسة جدًّا للنصوص الأصلية. أنا سعيد على أي حال، حتى لو لم يكتمل المشروع السينمائي، فإن هذه الرسالة تتيح لي فرصة للتواصل معك.
مع أطيب تحياتي
من ماركيز إلى يوسا
المكسيك، 24 أغسطس 1966م
عزيزي ماريو بارغاس يوسا:
أبلغتني جامعة كولومبيا أنك ستشارك في سلسلة المحاضرات حول الرواية اللاتينية التي ستُعقد في بوغوتا ابتداءً من 18 سبتمبر. وأود أن أتأكد، قبل قبول الدعوة الموجهة إليّ، من أنك ستتمكن من الحضور.
بعد الفراغ المروع الذي خلفته رواية «مئة عام من العزلة»، ولم أكن أعتقد أنني سأخرج منه أبدًا، أجد نفسي غارقًا في أعمال يومية مرهقة لاستعادة وضعي المالي، لكني مستعد لتخصيص وقت للذهاب إلى بوغوتا لمدة أسبوع إذا كنت ستحضر فعليًّا. أؤكد لك أن الجمهور هناك رائع، ويتوقع منا أشياء رائعة جدًّا نحن الروائيين، وأشياء صعبة وصادقة جدًّا بوصفنا متحدثين.
في حال موافقتك، أرجو أن تخبرني بالجانب الذي تنوي تناوله من الموضوع حتى لا نتداخل. وبصرف النظر عن ذلك، أنا متحمس جدًّا لاحتمالية أن أكون أنا من يفتح لك أبواب بلدي الغريب جدًّا، وأيضًا، بالطبع، لإمكانية أن نتحدث لأيام عدة.
لقد انتهيت الآن من قراءة «البيت الأخضر». إنها رواية ضخمة. أدرك أننا متفقان على هدف عدم التخلي عن العوالم القديمة لجايجوس وريفيرا لمجرد أنها أصبحت مبتذلة، بل على العكس تمامًا، كما تفعل أنت وكما أحاول أن أفعل في كتابي الأخير، أن نستعيدها من البداية لنخترقها بالطريقة الصحيحة.
لا بد أنك لحظت فعليًّا أن النقاد ذوي التوجهات الأوربية ليسوا متفهمين جدًّا في هذا الصدد. فقد نُشرت هنا أكثر الأقوال عبثيةً حول ما يُزعم أنه «فلكلورية» في روايتك. وأنا، الذي لا أقرأ حتى ما يُكتب عن كتبي، لا أستطيع، على نحوٍ غريب، أن أتحمل الغضب الذي تثيره فيّ التفاهات التي تُقال عن كتب تبدو لي، مثل كتابك، مهمةً جدًّا. ليتنا نستطيع حقًّا التحدث في بوغوتا عن هذه الأمور. أنت حقًّا لا يمكن الإمساك بك.
عندما كنت أفكر في إرسال كتبي إليك إلى باريس، كتب لي كارلوس فوينتيس أنك في ليما. في تلك الأيام ظهرت في نيويورك، وما كنت قد علمت بالخبر بعد حتى أرسل إليّ باكو بوروا ليخبرني أنك في بوينس آيرس. آمل أن تصل إليك هذه الرسالة عبر أي قناة.
علمت أن خطة تصوير فِلم «المدينة والكلاب» قد أَخفَقَت؛ لأن المنتج خاف من رد فعل بيرو. كان الأمر متوقعًا، لكن، كما كنت تقول لي، لم نخسر شيئًا بمحاولة ذلك.
أرجوك أن ترد عليّ قريبًا حتى أتمكن من اتخاذ قرارات بشأن رحلتي. لديّ كمية هائلة من الالتزامات التي يجب أن أنجزها قبل ذلك.
من المؤسف أنهم لم يطلعوني على الأمر مسبقًا حتى أتمكن من جرّ العجوز فوينتيس من شاربه، وأقوم بذلك بمذبحة أدبية حقيقية في بوغوتا.
مع تحياتي الحارة، غابرييل
من ماركيز إلى يوسا
المكسيك، 20 مارس 1967م
عزيزي ماريو:
لا أعرف بأي ارتباط خاطئ بين الأفكار خطر لي أن أكتب إليك بعد أن تلقيت رسالة من خوسيه ميغيل أوبييدو. لا بد أن السبب أن خوسيه ميغيل أخبرني أنه رآك في لندن، وفي أثناء حديثه معي قليلًا عن حياتك، أشار على نحوٍ عابر إلى ألباريتو، وبكائه المتطلب، وسهرك الأمومي، وقد أثر كل هذا تأثيرًا عميقًا في زوجتي، وهي مصرية سريعة البكاء.
في الأسابيع الماضية، حدث الإصرار على أنك ستحضر مؤتمرًا شبه وهمي يُعقد هنا. كان الأمر محفوفًا بالعقبات إلى حد كبير. في الوقت المناسب، أعلنت في الصحف أنني لن أحضر «لأنه في رأيي لا تُحل أوضاع الكتّاب بالمؤتمرات، بل ببندقية في الجبال».
في اللحظة الأخيرة، حاول فرنانديث ريتامار إقناعي بالحضور على أمل أن نتمكن من تشكيل أغلبية، لكنه كان أملًا عبثيًّا: إنه مؤتمر موقر يضم أحافير رجعية، هدفه -لا أعرف إن كان ذلك بإلهام من شيخوختهم أم بتأثير من وكالة المخابرات المركزية الأميركية- إنشاء «الرابطة اللاتينية للكتاب»، وهي كيان ذو طموحات خيالية يهدف إلى ضمان إضفاء الطابع غير السياسي على الأدب القاري.
وهذا يمثل صفقة رابحة لهم، بالطبع، في بلدان يُشكل فيها الكُتاب اليساريون الأغلبية والأفضل. وقع بعض الأصدقاء -أنخيل راما، وماريو بينيديتي، وسالبادور جارمنديا، وقلة قليلة غيرهم- في الفخ بسبب نقص المعلومات. أما الكوبيون فقد حضروا، على ما أظن، حرصًا على عدم الإضرار بالعلاقات الدبلوماسية مع المكسيك.
وتشير الأخبار حتى اليوم إلى أن الأمر قد تحول إلى معركة شرسة، ولحسن الحظ، لن يسفر عن شيء.
لن تفوتنا فرصة اللقاء في أنحاء العالم. مشروعاتي تتبلور بسرعة كبيرة. في الأسبوع الأول من يوليو سنخزن أغراضنا هنا في مستودع، ونرحل إلى بوينس آيرس -حيث أنا عضو في لجنة تحكيم مسابقة «بريما بلانا»- وعند العودة سأتوقف بضعة أيام في كولومبيا، ومن هناك سأتوجه إلى كاراكاس، في أغسطس؛ إذا منحوك جائزة رومولو جاييجوس.
في سبتمبر، سنسافر إلى برشلونة بطفلين! حيث أعتزم الكتابة لمدة عام بفضل المال الذي تمكنت خلال هذه الأشهر من جنيه من الأعمال الشاقة. ومن هناك، لن يكون من الصعب على الإطلاق الهروب من حين لآخر إلى باريس أو لندن. إلى جانب أننا سنسعى إلى الحصول على غرفة نحبس فيها ألباريتو مع دون رودريغو ودون جونثالو، في حال خطر لكم أن تظهروا هناك.
اختيار برشلونة لا يرجع، كما يعتقد الجميع، إلى أن تحصيل المال من كارمن بالسيلس سيكون أسهل، بل لأن برشلونة تبدو آخر مدينة في أورُبا حيث يمكن لزوجتي أن تحصل على «بونيفاسيا»، وهو الاسم الذي تطلقه على جميع الخادمات منذ أن قرأت رواية «البيت الأخضر». الآن ستفهمون على نحوٍ أفضل، لماذا تأثرت كثيرًا عندما علمت أنكم ستتحملون وحدكم عبء تربية ابن في لندن.
هامش:
صدر الكتاب عام 2023م عن دار ألفاغوارا، وتحرير: كارلوس أغيري، جيرالد مارتن، خافيير مونغيا، وأوغستو وونغ كامبوس.


