الجذور السبئية لدادان: قراءة في ضوء نقوش العلا الجديدة
عندما نشر مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية سنة 2025م دراسة النقوش السبئية المكتشفة في العلا، بدا الأمر للوهلة الأولى إضافة جديدة إلى سجل النقوش العربية القديمة، غير أن القراءة المتأنية لهذه النصوص تكشف احتمالًا تاريخيًّا أكبر من ذلك؛ فهذه النقوش ليست مجرد إضافة أسماء جديدة إلى مدونة النقوش العربية القديمة، ولا مجرد نافذة على إحدى صيغ الكتابة العربية الجنوبية، بل تدفع إلى إعادة النظر في طبيعة العلاقة بين سبأ ووادي القرى، وتطرح سؤالًا عميقًا: هل كان الحضور السبئي في دادان حضورًا تجاريًّا عابرًا، أم كان جزءًا من البنية السكانية والحضارية التي أسهمت في تشكل المجتمع الداداني نفسه؟
لقد غلب على كثير من الدراسات النظر إلى دادان بوصفها مملكة شمالية نشأت في وادي القرى، ثم ارتبطت بجنوب الجزيرة العربية بعلاقات تجارية وثقافية واسعة، بحكم موقعها المتوسط على طرق القوافل القديمة بين اليمن والشام. وهذه الصورة، في أصلها، ليست بعيدة من الواقع؛ فدادان كانت محطة كبرى في شبكة التجارة العربية القديمة، وموضعًا تلتقي فيه القوافل واللغات والقبائل، غير أن الاكتشافات الحديثة تجعل هذه الصورة بحاجة إلى مزيد من التدقيق؛ إذ إن اجتماع هذه النقوش وارتباطها بأسماء ومعبودات ومنشأة دينية لا يمكن أن يفسر بمجرد مرور قافلة أو إقامة مؤقتة لتجار، بل يشير إلى درجة أعلى من الاستقرار.
وقد أضافت الدراسة التي نشرها الدكتور سليمان الذييب والدكتور أحمد المسعود سنة 2025م معطيات مهمة إلى تاريخ وادي القرى، بعد الكشف عن ستة وعشرين نقشًا سبئيًّا في العلا، رأت الدراسة أنها تمثل دليلًا على وجود جالية سبئية مستقرة أقامت معبدًا للإله إلمقه، وحافظت على لغتها وهويتها داخل المجتمع الداداني(1). وهذه المعطيات تنقل النقاش من دائرة التبادل التجاري إلى دائرة الاستيطان المنظم؛ لأن المعبد لا ينشأ عادة في فضاء عابر، ولا تُبنى المؤسسات الدينية إلا حيث يوجد مجتمع يشعر بالحاجة إلى حفظ طقوسه ورموزه وهويته.
الوجود السبئي المبكر في وادي القرى
ولا تكمن أهمية هذه النقوش في مجرد وجود أسماء سبئية أو ألفاظ مسندية جنوبية، بل في اجتماع الشواهد وتكاثرها وارتباطها بأسماء أشخاص وقبائل ومعبودات ومنشأة دينية. فنحن لا نجد أمامنا قافلة عابرة خلّفت نقشًا منفردًا ثم مضت، وإنما نجد مادة أثرية ونقشية تجعلنا أمام حضور يتجاوز أثر العابرين، ويقترب من صورة الجالية المستقرة ذات الصلة الحقيقية بالمكان.
ويزداد الأمر أهمية عندما نعلم أن الدراسة ترجح أن هذا الوجود السبئي يعود إلى أواخر القرن الثامن قبل الميلاد على أقل تقدير، وهي حقبة مبكرة جدًّا في تاريخ شمال الجزيرة العربية. فإذا صح هذا التأريخ، فإننا لا نتحدث عن مرحلة متأخرة من الاتصالات الجنوبية الشمالية، بل عن طور مبكر من الحضور السبئي في وادي القرى. وهذه النقطة تحديدًا هي التي تمنح النقوش قيمتها الكبرى؛ لأنها تجعل سبأ حاضرة في العلا في زمن قريب من عصر المكارب الأوائل، أي في مرحلة كانت فيها سبأ تتشكل بوصفها قوة كبرى في جنوب الجزيرة العربية(2).
كما أن النقوش سجلت اسم يثع أمر، وهو من أشهر أسماء المكارب السبئيين في المرحلة المبكرة من تاريخ سبأ. وقد ربط عدد من الباحثين بين يثع أمر المعروف في النقوش السبئية والاسم الذي ورد في السجلات الآشورية في أواخر القرن الثامن قبل الميلاد. وهذا الربط، وإن ظل في حاجة إلى قدر من الحذر العلمي، يضع الوجود السبئي في وادي القرى ضمن السياق السياسي الأوسع لسبأ في عصر توسعها المبكر، ويجعلنا أمام شبكة من الشواهد المتقاربة: نقوش جنوبية، وإشارات آشورية، ونقوش سبئية في شمال الحجاز(3).
غير أن أكثر نتائج الدراسة أهمية -في تقديري- تتمثل في ترجيحها أن الوجود السبئي في وادي القرى يسبق الوجود المعيني المعروف في المنطقة بنحو قرن أو أكثر. وهذه النتيجة تستحق الوقوف عندها؛ لأن المعينيين كانوا يمثلون، في كثير من الدراسات، أبرز الجماعات العربية الجنوبية المرتبطة بشمال الحجاز. فإذا صح هذا الترجيح، فإن السبئيين يصبحون أقدم جماعة عربية جنوبية موثقة أثريًّا في دادان حتى الآن(4). وهذا يرفع من قيمة السؤال المتعلق بدورهم في المراحل الأولى من تشكل المجتمع الداداني.
وهنا تتغير طبيعة السؤال التاريخي نفسه؛ إذ لم يعد السؤال: هل وصل السبئيون إلى وادي القرى؟ فالنقوش الجديدة تكاد تحسم ذلك في حدود الدليل المتاح. وإنما أصبح السؤال: ما حجم الدور الذي أداه هؤلاء السبئيون في المراحل الأولى من تاريخ دادان؟ وهل كانوا مجرد جالية وافدة إلى مجتمع قائم، أم كانوا أحد العناصر السكانية التي أسهمت في صناعة حضارته؟
الدليل الأثري والفرضية التاريخية
إن الفرق بين القول بوجود سبئي في دادان والقول بدور سبئي في نشأة دادان فرق منهجي كبير. الأول تثبته النقوش بدرجة قوية، أما الثاني فهو فرضية تحتاج إلى تراكم أدلة إضافية، غير أن الفرضيات التاريخية لا تولد من فراغ، وإنما تنشأ عندما تتقاطع الشواهد وتدفع الباحث إلى طرح سؤال جديد. وفي هذه الحالة، فإن اجتماع أربعة عناصر في موضع واحد يجعل الفرضية جديرة بالنظر: جالية مستقرة، ومعبد للإله إلمقه، وأسماء قبائل ومعبودات سبئية، وتأريخ مبكر يسبق الحضور المعيني المعروف في المنطقة.
فإذا كانت جالية سبئية مستقرة قد عاشت في وادي القرى منذ هذه الحقبة المبكرة، وأقامت معابدها ومؤسساتها الدينية، وحافظت على لغتها وهويتها القبلية، وظهرت أسماء قبائلها ومعبوداتها في قلب العلا، فمن الصعب أن ننظر إليها بوصفها جسمًا طارئًا على المجتمع الداداني. بل يرجح، في ضوء اجتماع هذه الشواهد، أن تكون جزءًا من المشهد العمراني والاجتماعي الذي ساعد على تشكيل طبيعة دادان بوصفها مدينة مفتوحة، تستوعب الجماعات القادمة من الجنوب والشمال، وتحوّل هذا التنوع إلى مصدر قوة وحيوية.

ولعل ما يعزز هذا الاحتمال أن القرآن الكريم يرسم صورة لسبأ تختلف عن الصورة المختزلة التي تحصرها في حدود اليمن المعاصر؛ إذ يقول تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ﴾ (سبأ: 18).
ومن أشهر ما نُقل في تفسير الآية أنها تصف طريقًا عمرانيًّا متصلًا بين أرض سبأ والجهات الشمالية، تتتابع فيه القرى والمنازل ومحطات الاستقرار. يقول الإمام الطبري رحمه الله في تفسير قوله تعالى: ﴿قُرًى ظَاهِرَةً﴾: «يعني: قرى متصلة، وهي قرى عربية»، ورُوِيَ عن ابن عباس رضي الله عنهما أنها «قرى عربية بين المدينة والشام». وهذا الفهم التفسيري لا يجعل الآية نصًّا مباشرًا في دادان، ولا يسمح بتحويل النقوش إلى تفسير قطعي للآية، لكنه يمنحنا إطارًا عامًّا لفهم الامتداد العمراني والتجاري الذي ربط سبأ بالجهات الشمالية(5).
وإذا كانت العلا ووادي القرى يقعان على أحد أهم طرق القوافل القديمة بين جنوب الجزيرة وشمالها، وإذا كانت النقوش الجديدة تثبت وجودًا سبئيًّا مستقرًّا في هذه المنطقة، فإن ذلك يجعل من المعقول افتراض أن وادي القرى كان جزءًا من ذلك العالم المتصل الذي أشارت إليه الآية، من حيث الصورة العامة لا من حيث التعيين الصريح. فالقرآن الكريم يتحدث عن قرى ظاهرة وسير مقدر، والنقوش تكشف لنا أن إحدى محطات الشمال كانت تحتضن جالية سبئية مستقرة، لها لغتها ومعبدها وأسماؤها وطقوسها.
صورة جديدة لوادي القرى
وهنا لا ينبغي أن نحمّل النص القرآني ما لا يحتمل، ولا أن نجعل النقش الأثري تابعًا لتأويل مسبق؛ فالمنهج الأسلم أن يقرأ كل شاهد في مجاله، ثم ينظر في نقاط الالتقاء بينهما. فإذا التقى الوصف القرآني العام لطريق سبأ العمراني مع الشواهد الأثرية على وجود سبئي في وادي القرى، فإن هذا الالتقاء لا يصنع حكمًا قطعيًّا، لكنه يقوي احتمال أن يكون شمال الحجاز جزءًا من المجال الحيوي الذي امتدت إليه حركة سبأ وقوافلها وجالياتها.
كما أن المصادر الآشورية تضيف بعدًا آخر إلى هذه الصورة؛ إذ تظهر أسماء عربية وجنوبية في شمال الجزيرة ومحيطها منذ القرن التاسع والثامن قبل الميلاد، بما يدل على أن المنطقة لم تكن معزولة عن الحراك السياسي والتجاري القادم من الجنوب. وحين توضع هذه الشواهد إلى جانب نقوش العلا، تتشكل أمامنا صورة جديدة لوادي القرى: منطقة ليست هامشًا بعيدًا، بل عقدة اتصال بين جنوب الجزيرة وشمالها، وبين العالم العربي الداخلي والقوى الكبرى المحيطة به.
إن النقوش المكتشفة في العلا لا تثبت بصورة قاطعة أن السبئيين هم مؤسسو دادان، غير أنها تنقل النقاش من سؤال الوجود السبئي إلى سؤال الدور السبئي. فبعد أن أصبح استقرار جالية سبئية في وادي القرى حقيقة أثرية موثقة، وبعد أن ظهرت معابدها وقبائلها ونقوشها وملوكها في قلب المنطقة، لم يعد من الممكن النظر إلى سبأ بوصفها مجرد شريك تجاري بعيد، أو قوة جنوبية لا صلة لها بالبنية الداخلية لوادي القرى.
ومن ثم فإن فرضية وجود جذور سبئية في تاريخ دادان المبكر لم تعد مجرد تصور نظري، بل أصبحت فرضية تستند إلى شواهد أثرية ونصية متزايدة. ولا يعني ذلك إلغاء العناصر المحلية في دادان، ولا نفي دور الجماعات الأخرى التي أسهمت في بنائها وازدهارها، بل يعني أن العنصر السبئي يبدو اليوم أكثر حضورًا وتأثيرًا مما كانت تفترضه بعض القراءات السابقة.
وربما تكشف الاكتشافات القادمة أن تاريخ دادان لا يبدأ من شمال الجزيرة وحده، ولا يفسر بعامل واحد، بل تشكّل في فضاء عربي واسع امتدت فيه القرى والطرق والقوافل من مأرب إلى وادي القرى، ومن جنوب الجزيرة إلى تخوم الشام. وعندئذ قد نجد أنفسنا أمام قراءة جديدة تجعل دادان ثمرة من ثمار ذلك العالم العربي القديم الذي تداخلت فيه التجارة بالدين، والنسب بالسياسة، والنقش بالذاكرة، قبل أن تتفرق سبأ ويصبح ذلك العمران أثرًا بعد عين.
(1) سليمان بن عبدالرحمن الذييب، وأحمد بن محمد المسعود، نقوش عربية سبئية من محافظة العلا: المملكة العربية السعودية، الرياض: مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، 2025م، ص7.
(2) الذييب والمسعود، نقوش عربية سبئية من محافظة العلا، ص13-14.
(3) الذييب والمسعود، نقوش عربية سبئية من محافظة العلا، ص13. وانظر في سياق الربط بين يثع أمر والمصادر الآشورية ما ذكره الباحثان عن دفع الجزية لسرجون في نهاية القرن الثامن قبل الميلاد.
(4) الذييب والمسعود، نقوش عربية سبئية من محافظة العلا، ص14.
(5) الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، تفسير الآية 18 من سورة سبأ.