«كل الأصوات» لسعد حجر موجات التحول المجتمعي
في روايته «كل الأصوات» (دار مضامين للنشر والتوزيع، 2025م)، يُحمّل الكاتب السعودي سعد حجر الصرخةَ الأنثويةَ الأحادية مدلولات مركّبة، «فوق صوتية» و«فوق نسوية» في آنٍ. ثمة راوية وحيدة تسرد الأحداث من بدء العمل إلى نهايته (90 صفحة)، ولكن صوتها المتحشرج إنهاكًا واختناقًا يسمح بنفاذ كل الأصوات الأخرى إلى المشهد المرتبك، والاشتباك معها على المسرح، بما فيها الأنغام الموسيقية المتنوعة، الشرقية والغربية، والتوجّعات الداخلية المكتومة، المحبوسة في أعماق الذات الممزقة.
تتسع صرخة الساردة الوحيدة، المرأة الريفية الشابة «صبا»؛ لتكون معملًا دراميًّا تشريحيًّا، يسمح لـ«كل الأصوات» بالحضور وخوض الصراعات المحتدمة، حيث تعني الأصوات ما هو فوق صوتي بطبيعة الحال، فهذه الأصوات هي كيانات بشرية مكتملة وعلاقات وحالات معقدة جسدانية وروحانية وصوفية تعكس النماذج العقلية والتيارات الفكرية والدينية والاتجاهات النفسية وغيرها من الموجات التي تتجاور وتتحاور، وتتصادم أيضًا، على أرض الواقع، في توقيت تاريخي دالّ.
وكما تتمدد صرخة الأنا المتكلمة خارج حيّزها الصوتي مُلامِسة ما هو أبعد وأعمق في الحواس والضمير، فإنها تتخطى السائد والمحدود والمتوقع من الأنين الأنثوي الفج المباشر، الذي يكاد يقتصر على حشد الشؤون النسوية والحقوقية والجندرية في مواجهة نمطية ذكورية مستأسدة. لا تتقوقع الصرخة في هذه الأطر الضيقة، وإنما تنطلق إلى تفجير قضايا مجتمعية وإنسانية كبرى، وتقصّي التغييرات الفارقة والتحولات الجذرية الشاملة التي تشهدها المملكة العربية السعودية في السنوات الأخيرة، وقياس تمظهراتها وانعكاساتها وتوتراتها، على المستويين، الفردي والجماعي.
تحولات امرأة في العهد الجديد
بعد روايته الأولى «ارتيابك في غير محله»، يقتحم سعد حجر (44 عامًا) في عمله الجديد «كل الأصوات» مساحة زمكانية دقيقة شائكة. تصوّر الرواية محطات رحلة ليست طويلة، ولكنها فائقة الحساسية، بدءًا من أواخر عام 2019م، مرورًا بظهور وباء كورونا في مطلع العام التالي وما صاحبه من قيود صحية وحظر للتجول، وصولًا إلى رفع الإجراءات الاحترازية وعودة ملامح الحياة الطبيعية تدريجيًّا في صيف 2020م. وتتجول ذاكرة الساردة «صبا» أيضًا فيما قبل هذا المنحنى الزمني بمدى غير بعيد، معرّجة بشكل خاص على تلك السنوات التي بلغت فيها نضجها وريعان شبابها، بالتزامن مع تدشين العهد الجديد في المملكة، وإطلاق رؤية «السعودية 2030» في عام 2016م، وما صاحب هذه المدة من طموحات وإستراتيجيات وسياسات تهدف إلى تطوير المجتمع وتنويع الاقتصاد وبناء مستقبل مستديم.
يتكثف المكان الروائي أيضًا ليلائم التركيز الزمني؛ إذ تجسّد الرواية خطوات انتقال «صبا»، المرأة السعودية التي خلصت من زواجها التقليدي بالخلع، من قريتها القريبة من مدينة الباحة جنوب غربيّ المملكة، إلى الرياض، إثر ترشيحها للعمل مديرة لدار الأوبرا في العاصمة السعودية المستنيرة بأضواء الحداثة وفق توجهات الدولة الرسمية. ترتحل صبا، المفتونة بالموسيقا والنغمات والخيالات الشاردة، تاركة طفلها الصغير في منزل أبويها الثريين؛ جرّاء العمل بالتجارة كمعظم أهل القرية، لتواجه منظومة أخرى جديدة لم تألفها من قبل، تختلف تمامًا عما هو محفور في وجدانها من أجواء القرية، وطقوسها، وعاداتها، وتقاليدها.
وهنا تجد صبا ذاتها بين مؤشرين متضادين للقياس، فقريتها النائية تعد منفتحة نسبيًّا إذا قيست بالبداوة الصحراوية المحيطة بها، ولكنها تمثّل رمزًا للانغلاق حين تُقارَن بالعاصمة، وهو الأمر الذي يمنح صبا قدرًا من الوسطية والتوازن إزاء التخبط في التعاطي المفاجئ مع النقلة الحضارية الصادمة: «ننظر إلى أنفسنا بعين الارتياح في مواجهة المدينة والتمدن؛ إذا ما رأينا من يتخلف عنا ببضع خطوات».
إن ما تعمد إليه الرواية من غاية ليس هو مآل صبا الختامي الكلاسيكي بالعودة النهائية إلى قريتها، والاستغناء عن خدماتها في دار الأوبرا بعد شهور من الانقطاع عن العمل إثر جائحة كورونا، وإنما تقصد الرواية في المقام الأول إلى كشف التفاصيل الثرية والطفرات السلوكية والمعطيات الكامنة وراء هذا الدوران السرابي الذي لم يسفر سوى عن الرجوع إلى نقطة الصفر، وكأن شيئًا لم يحدث في حياة المرأة المتفائلة المتوثبة خلف أحلام التمرد والثورة والجنون.
مسرح الحياة: كل الأصوات… وكل الوجوه
تتجلى أهمية العمل الروائي «كل الأصوات» في تعرية كل ألوان الطيف في معركة التمدين الجارية، تلك المعركة التي يُحسن بعضٌ فهمها واتخاذها مرتكزًا للتقدم والبناء والرقي الإنساني، ويسيء بعضٌ استيعابها مواصلًا سعيه إلى مزيد من المادية والدناءة والاستغلال والتسلط. ذلك هو مسرح الحياة، بأشكاله المتعددة المتناقضة، وهو نسخة مكبّرة من مسرح دار الأوبرا الذي تديره صبا، وتتوافد عليه سائر الأصوات الموسيقية، الناعمة والخشنة، في السيمفونيات والمعزوفات العالمية، وتتدافع عليه أقدام اللاعبين والمطربين والممثلين والراقصين والمهرّجين والمقنّعين، إلى جانب الدمى المصنوعة وعرائس الأراجوز الهزلية، ولا مناص من التعامل معهم جميعًا.
يُتاح لصبا، طوال مدة الخلخلة التي تمر بها، وخلال ذلك «الانغماس في زحام غير نهائي يطوي معه الوقت»، أن تعيد مساءلة ذاتها من جديد حول كل شيء وكل مفهوم وكل معنى وكل علاقة، ولا سيما قيمة الوجود الإنساني، وجوهر العشق، وحقيقة وضعيتها في المجتمع كامرأة وكمواطنة، وطبيعة الحراك الضخم الدائر من حولها. وهنا تنتصر الرواية، من خلال مغامرة شخصيتها المحورية صبا، للوازع الأخلاقي والسلامة الفطرية، كضمانة ضرورية للحفاظ على نجاعة التحوّل المجتمعي المنشود وفق الوجهة الصحيحة.
ولعل أوضح الامتحانات في مسيرة الساردة، تَمَكُّنها من حسم الأمور بشأن علاقاتها المختلفة بثلاثة رجال. الأول، هو الزوج، الذي اقترنت به على غير رغبتها وحماستها، وانتزعت حريتها منه سريعًا بالخلع، بعد تيقنها من استحالة التوافق بينهما. والثاني، هو الذي أسكنته متعمدة دائرة الصداقة المقننة، متنازلة عن الاعتراف له بحبها؛ لأنه متزوج من أخرى، ولا يليق المساس باستقراره العائلي. والثالث، هو تاجر الجواهر، البالغ الثراء، الذي أوقفتْ بصرامة تقدمه نحوها بغية التحرش بها، غير عابئة بجاهه ونفوذه في الأوساط الاقتصادية والفنية في الرياض، وهو الأمر الذي ربما كان له دور في فقدانها عملها مديرةً للأوبرا، بعد تمنّعها عليه.
ولكنها في المقابل كسبت احترامها لذاتها، متشبثة بجذورها التي لا يمكن اقتلاعها من الأرض، وذلك على رغم قناعة «صبا» (النسمة الشرقية اللطيفة، أو المقام الموسيقي الشجي) بفاعلية رياح التغيير العاصفة الهادرة، القادرة على تحطيم السكون القاتل، وتخليصها من موروثات أخرى محنطة وبالية، تُعرقل تحقُّقها، وتوقف خطواتها التقدمية.
تفسح تقنية الساردة الوحيدة المجال واسعًا للتحليل الوافي لأبعاد بطلة الرواية المحورية، عقليًّا ونفسيًّا وانفعاليًّا ووجدانيًّا، في حكيها ووصفها ومونولوجاتها الداخلية وحواراتها مع الآخرين، في قريتها الريفية وعالمها الجديد في الرياض. ويبلور ذلك كله حضورَها الراسخ كرمز لأبجديات الصمود والتحدي والنأي بالذات الإنسانية عن غوايات المال والخطيئة والشهوة وغيرها، ومواصلة الشغف بالموسيقا والتحرر والانفلات من الحواجز وخلع الأثواب الرجعية، في الوقت نفسه: «لم تكن نظراتهم المتفرّسة لجسدي سوى رافدٍ للذّة التي لن أهبَها لأحد، ولن أترك أحدًا يعبث بالبذل الكبير الذي دفعته بلا تردّد لأنال هذه الوظيفة، فأمرّ بين آلات الموسيقا، وأعناقهم المشرئبة تمثل أمامي كشواهد قبور».