تريلوجيا الشغف القاري: مونديال 2026م حين يُصبح الملعب مسرحًا
لم يكن مونديال 2026م حدثًا رياضيًّا عابرًا، بل كان بيانًا فنيًّا شديد الكثافة تمدّد عبر قارة أميركا الشمالية برمتها؛ ليُعلن عن ولادة تجربة إخراجية غير مسبوقة في تاريخ الحفلات الكروية. فللمرّة الأولى، لم يكن ثمّة ملعب واحد يحتضن الولادة، ولا صوت واحد يُعلن البداية، بل ثلاثة مسارح تفصل بينها آلاف الأميال، ويجمعها نبضٌ واحد.
لا شكّ أنّ هذا التصميم المركّب قد طرح على المنظّمين تحدِّيًا حقيقيًّا؛ إذ كيف يمكن تقديم ثلاثة عروض يُعبّر كلّ عرض فيها عن خصوصية البلد ومقوماته الثقافية، دون أن تتفكّك إلى ثلاثة أحداث منفصلة لا يجمعها شيء؟ ليس هذا سؤالًا لوجستيًّا بل فلسفيًّا، يتعلّق بما إذا كان بالإمكان بناء هويّة مشتركة لا تلغي الهويّات الفردية.
قد تشي الإجابة عن هذا السؤال بضرورة الإقرار بأن العروض الافتتاحية التحمت بالرغم من تفردها في سياق واحد، حيث مثّل كل عرض نصًّا قائمًا بذاته، وفي المقابل مثّلت العروض كلّها خطابًا جامعًا لم تتنافس فيه الدول المنظمة للمونديال على تقديم عرض أفضل، بل اختار كل عرض منها الانخراط في علاقة مختلفة مع الزمن ومع الجسد والصوت والفضاء والأزياء.

الزمن والهوية
لا يبدو من الوجاهة أن نتغافل عن ذاك التقسيم الحاد لخط الزمن البشري عبر الدول الثلاث، حيث تحوّل الفضاء الجغرافي إلى فضاء زمني ثلاثي الأبعاد، وكأن كل ملعب يمثّل حضارةً في مرحلتها الكونية المختلفة. ويجب ألّا نَعُدّ ذلك من قبيل مصادفة إخراجية بقدر ما يجب عدّه قرارًا يُجسّد منطق الاختلاف بين الدول الحاضنة لتصفيات كأس العالم 2026م.
على هذا النحو، اختارت المكسيك أن تكون «خزان الذاكرة الأنثروبولوجية» للقارة عبر العودة إلى الماضي، واستدعاء الطقوس الاحتفالية لحضارتَي «الأزتيك» و«المايا»، حيث تحرك الراقصون بكوريغرافيا دائرية تُحاكي الحسابات الفلكية القديمة؛ ليستعيد بذلك الملعب ذاكرته الجيولوجية قبل أن يكون ميدانًا للاحتفال بكرة القدم. تزامن ذلك مع توظيف دراما ضوئية دافئة يهيمن عليها الأصفر الشمسي والأحمر المقترن بالألوان الترابية، وموسيقا المناسبات الاجتماعية في الموروث الشعبي المكسيكي «مانا» التي حضرت على نحو مباشر في أغنية «اسمعي يا حبيبتي» (Oye Mi Amor)، و«داني أوشين» مع راقصي «باليه فولكلوريكو دي مكسيكو»، و«بيليندا» مع «لوس أنخيليس أثوليس»، و«خيه بالفين» بإيقاعاته اللاتينية، حيث يتراكم الكلّ ويتراكب في طقس واحد بلغ ذروته مع ثنائيّة «شاكيرا» و«بورنا بوي» في أغنية: « إصابة الهدف» (punteria)، في لحظة يتقاطع فيها الإرث القديم مع العالمية المعاصرة دون أن يُلغي أحدهما الآخر.
ولا شك أن هذا التأطير الزمني يوحي بأن المكسيك تُعيد تأسيس نفسها بوصفها الأصل الضارب في أعماق التاريخ، غير أن هذا الاختيار لا يخلو بدوره من توتر داخلي يستحق الوقوف عنده، فاستدعاء الماضي قد يُصبح أحيانًا هروبًا من الحاضر لا انتصارًا عليه، بحيث قد يتحوّل توظيف الطقوس من أداة لترسيخ الهوية إلى ديكور يُجمِّل واجهة المشاركة دون أن يُغيّر معادلاتها الحقيقية.
وفي مقابل هذه العودة المكسيكية إلى أعماق التاريخ، اختارت كندا أن تقف بثبات في الحاضر، فجعلت من عرضها مرآةً تعكس واقع الإنسانية اليوم. فهي لم تنكفئ على الماضي، بل ركّزت على اللحظة الراهنة عبر التأكيد على ثنائية التنوع البشري والمحافظة على الطبيعة.
هذا ما بدا جليًّا في لوحة «الفسيفساء الرقمية» التي استعرضت وجوه الجاليات الحالية وثقافات التعايش والبيئة البرية الحية، وفي التناغم بين الألوان المستوحاة من الطبيعة البكر: الأبيض/ الثلج، والأزرق/ السماء، والأخضر/ الغابات، لتحمل في طياتها معنى الانفتاح والامتداد والفضاء القابل للتشكل.
من هذه الألوان انبثقت بنية العرض المركبة والمتعددة. فنجد «أليسيا كارا» تحتفي بالحياة البرية، ومن بعدها «نورا فاتيحي» المغربية-الكندية و«دي جيه سانجوي» البنغلاديشي-الأميركي و«فيجيدريم» الفرنسي و«إليانا» الفلسطينية-التشيلية و«جيسي ريار»، قبل أن يُنهي «مايكل بوبليه» فقرات العرض بـأداء أغنية «Bring It On Home to Me»، وتُؤدي «ألانيس موريسيت» النشيد الوطني.
ممّا يعني أنّ كندا لا تُسوّق لهوية عرقية أو تاريخية واحدة، بل تُسوّق لمبدأ التعددية نفسه بوصفه هوية مركبة، في رهان جمالي يُقر بأن التناغم القائم على الاختلاف يمثّل إنجازًا حضاريًّا ممكنًا. بيد أنه يجب عدم التغافل عما إذا كان هذا التنوع الذي يحتفى به يعكس فعليًّا واقعَ التعايش، أم إنه يُجمّل تناقضات لا تزال تتفاعل تحت السطح.
بين استحضار الماضي وترسيخ الحاضر، مثّل عرض الافتتاح في الولايات المتحدة استدعاء للمستقبل، وذلك بتوظيف الليزر والنيون والأضواء المعدنية وجماليات Cyberpunk التي افتتحها «فيوتشر» و«تايلا» بـ«Game Time» ، هذا التوظيف لا يعكس المستقبل القائم، بل يُسهم في إنتاجه. ويمكن أن نفهم ضمن هذا السياق الجمع بين البوب الكوري واللاتيني، لا كمظهر من مظاهر الاحتفاء بالتراث، بل كإعلان عن القدرة على استيعاب العالم وإعادة تصديره. هكذا أوحت «كاتي بيري» في اختتامها للحفل برفقة «تيوس لوكا» في «Wonder» بأن الهوية لا تُصاغ ضمن طقوس قبلية، بل تصنعها جمالية المعدن.
غير أن هذا الخيار، شأنه شأن الخيارَين السابقَين، ينطوي على توتر لا يمكن تجاهله، فالمستقبلية المُتبنّاة تنزع أحيانًا نحو تحويل الطاقة الإبداعية إلى منتج استهلاكي مُبهر، وهو ما يطرح تساؤلًا مشروعًا حول ما إذا كانت هذه الجماليات تُعبّر عن رؤية كونية مُتجذّرة، أم إنها مرآة لمنطق الإمبراطورية الترفيهية في عصر الرقمنة، حيث تُصبح الثقافة منتوجًا، ويصبح الجمهور سوقًا والفرحة محتوى.

رسائل الجسد
لقد مثّلت العلاقة مع الزمن والألوان وأسماء الفنانين الذين شاركوا في إحياء الاحتفالات امتدادًا في طريقة حضور الجسد في هذه العروض، بحيث لم يختر كل عرض أسلوب رقص يميّزه فحسب، بل اختار فلسفة في الحركة تتفق مع موقفه من الهوية.
حيث كان الفرد في عرض «الأزتيكا» بالمكسيك يذوب في الدائرة الجماعية متوافقًا مع منطق الزمن الذي يعود إلى ذاته، فالراقص لا يعبّر عن نفسه، بل يؤدّي دوره في منظومة أكبر تؤمن بالانتماء. فكانت الحركة دائرية جماعية تذوب فيها الفردية داخل روح الجماعة، على وقع موسيقا «المارياتشي» وآلات النفخ النحاسية التي تستحضر الاحتفالية القبلية: لم يكن الراقص هنا «فردًا مُعبّرًا» بقدر ما كان «ذرةً في الكون الجمعي».
وفي ملعب «بي إم أو فيلد» بتورونتو، امتزجت الحركة في العرض بالامتداد المنطقي لهويّة تُعرّف نفسها بالتعدّد لا بالأصل. ولعل ذلك ما تجسّد بالفعل في حضور «إليانا» و«نورا فاتيحي» لا من داعي التنويع في العرض، بل من داعي ترسيخ القول بأن الأصالة ليست نقاءً، بل قدرة على الامتزاج يتجلّى في تداخل رقصات الشعوب الأصلية مع إيقاعات مهاجرة متعدّدة دون أن يُلغي أحدهما الآخر. لتُشكّل «فسيفساء سمعية» هجينة صهرت النبض الشرقي والمغربي بالبوب المعاصر. وكان في هذا التهجين المقصود خطابٌ ثقافي يتجاوز الفرجة ليسمح بإعادة صياغة مفهوم «الأصالة» بعيدًا من نماذجه المُغلقة.
أما في ملعب «صوفي» بلوس أنجليس، فقد انتقلت الحركة من الطقس إلى الأداء، بما يتّسق مع هويّة تُنتج المستقبل، بحيث لم يكن حضور كلّ من «فيوتشر» و«ليزا» و«أنيتا» و«ريما» شاهدًا على التراث، بل صانعًا للحظة ثقافية تُولد أمام الجمهور، عبر حركيّة اعتمدت على إيقاعات الهيب هوب السريعة التي قادها نجوم عالميون. وهنا تتحوّل الحركة من طقس روحي إلى طاقة ترفيهية كبرى تعكس حقيقة ثقافية لا تدّعي امتلاك طقس قبلي عريق، بل تُصدّر طقسًا جديدًا، من صنع الولايات المتحدة الأميركية، يمنحها نوعًا من الأصالة الخاصة بها.
وعليه، يمكن أن نستخلص من خلال العروض الثلاث أن الجسد يحمل من الدلالة ما يكفي لقراءة البلد الذي ينتمي إليه.
حين يتحدث الفضاء
لم تكن الملاعب الثلاثة محايدة في صياغة محتوى الافتتاحيات؛ إذ إن كل افتتاحية انفردت باختيار الحدث الذي يناسبها، وفي هذا التطابق بين الفضاء والمحتوى يبلغ العرض ذروة تماسكه، تماسُك يمكن أن نعاينه في ملعب «أزتيكا» بعمقه الرأسي وحشوده الغفيرة، وهو ما جعل الكتلة الجماهيرية المتراصة جزءًا من العرض لا مجرد جمهور له، وهو ما يتّسق تمامًا مع فلسفة الذوبان في الجماعة التي حكمت الجسد والموسيقا. وفي ملعب «بي إم أو فيلد» المنفتح على السماء أُتيح للطائرات الاستعراضية «سنوبيردز» Snowbirds أن تصبح جزءًا من العرض بما يتوافق مع هويّة ترى نفسها ممتدة بين الأرض والسماء. أما في ملعب «صوفي» فالشاشة البيضاوية تُلغي الحدود بين الملعب والخيال، وتُحوّل الحفل إلى تجربة سينمائية رقميّة تطمس الفصل بين الواقع والمُصنَّع؛ ليكون بذلك الفضاء الوحيد الذي يمكن له التعبير عن جماليات المستقبل.
هذا التطابق بين الفضاء والمحتوى امتد إلى الأزياء حيث يحضر التطريز اليدوي المكسيكي في مواجهة البياض المعدني لملابس «ليزا» و«أنيتا» و«ريما»، ويحضر الجمع بين الريش والجلد مع القصات المعاصرة ليُعبّر، في تورنتو، عن التماهي في هوية مركبة. فحضور الأزياء هو تأريخ موجز لعلاقة الإنسان بالمادة يرويه النسيج قبل أن تَرويها الكلمات. فالنسيج المكسيكي المطرّز يدويًّا عبّر عن انتصار الحرفة الإنسانية على الزمن، وتداخلت في كندا أزياء الجلد والريش مع القفطان والقصات المعاصرة كعلامة على التهجين الخلّاق، بينما انتصرت في أميركا أقمشة اللاتكس اللامع والميتاليك الفضي؛ لتُعلن سطوة الآلة وجماليات التطور الصناعي.

نسيج الخيوط الخفية
على الرغم من كل هذا التباين، فلم تبدُ العروض منفصلة. بل وردت كلها تحت مظلة جامعة تتوحد في مستويين؛ أحدهما تقني، والآخر إنساني. فهذه العروض المختلفة والمتنوّعة اشتركت جميعها في توظيف تقنية إسقاط الخرائط ثلاثية الأبعاد التي حولت أرضيات الملاعب الثلاثة إلى مساحات بصرية متشابهة، وجعلت الأساور الضوئية في المدرجات تومض بإيقاع موحد، فبدا الجمهور القاري كأنه جسد واحد يتنفس في مدن مختلفة، وكانت التقنية هي اللغة المشتركة التي نطقت بها الملاعب الثلاثة في آنٍ واحد.
كما اجتمعت العروض الافتتاحية لمونديال 2026م كرة القدم في تأكيد قيمة إنسانية عميقة، حيث تحضر ثنائية الطفل والكأس «كلازمة مزدوجة» ومتكررة في كل العروض، لا بوصفها رمزًا مُضافًا، بل في شكل حضور يحمل في ذاته ما لا تحمله بقية العناصر، فالطفل الذي ظهر بالزي التقليدي في المكسيك، وحمل الرموز البيئية في كندا، وافتتح الحفل إلى جانب «كاتي بيري» في أميركا، كان الجسر الموحِّد الذي يرمز إلى استمرارية الشغف وتوارث اللعبة وتطلّع الأجيال نحو الغد. وفي لحظة الذروة من كل حفل، كان هذا الطفل يلتفّ مع الراقصين حول مجسم الكأس المتشكّل رقميًّا في مركز الملعب؛ ليُعلن أن هذا التنوع الثقافي ينحني في النهاية إجلالًا لمبتغًى جمعيٍّ واحد يتجاوز صراعات السياسة والحدود.
تزامن ذلك ببناء إيقاعي صوتي موحد اعتمد على إيقاع «دقات القلب» التصاعدي الذي حافظ على وتيرة الحماس طوال الرحلة العابرة للمدن الثلاث. وكأن المنتجين اتّفقوا على إيقاع قلب واحد ينبض عبر ثلاثة أجساد مختلفة.
العرض والمعنى.
لقد كشفت هذه العروض الافتتاحية عن حقيقة أساسية مفادها أن الهويات لا تتكامل حين تتشابه، بل حين تختلف دون أن تتنكّر لبعضها، ولعل هذا الأمر هو ما كشفت عنه هذه التريلوجيا: ثلاث علاقات مختلفة مع الزمن أنتجت ثلاثة أجساد مختلفة، وثلاثة فضاءات مختلفة، وثلاثة أنسجة مختلفة؛ غير أن خيط التقنية وحضور الطفل أبقياها في حوار مفتوح.
ومع ذلك يمكن أن نتساءل: هل يصنع هذا النوع من الجمال الاحتفالي لحظات حقيقية، أم إنه يصنع ذكريات جميلة عن لحظات لم تكن موجودة قط؟
قد يبدو هذا السؤال عسيرًا، ولا سيما أننا لا نملك أداةً للفصل بين ما شعرنا به فعلًا وما أُريد لنا أن نشعر به، ولعل هذه المسافة الضيقة بين التجربة والإنتاج هي بالفعل ما تقف عنده القراءة حين تنفد منها الكلمات. فالملاعب قدمت عبر العروض المتنوعة إجابة موحدة، لم تبلغ التطابق. وفي هذا قد يكمن المعنى وراء العروض.