«توكّلنا» لمحمد مشبال الرحلة إلى جائزة الملك فيصل

«توكّلنا» لمحمد مشبال

الرحلة إلى جائزة الملك فيصل

الناظر إلى رحلة «توكّلنا» للناقد البلاغي محمد مشبال، يُدرك حتمًا تفاصيل تنطوي في حدّها على مغامرةٍ استثنائية من حياة المثقّف، موئلُ سردِها منهلٌ من شرف حضورِ حفل جائزة الملك فيصل العالمية في دورتها 43، وتوثيق تلك اللحظات الرمزية والتاريخية المتفرّدة من تاريخ المرتحل، من خلال، تفتيت الاستحالةِ، استجابةً لحظوة الجائزة ومكانتها الاعتبارية، نظير صيتها وعتاقتها وحجمها، بشكلٍ تُلغي فيه الذات مآلاتها، وتتناسى مصايرها، في ظلّ الجائحة القاهِرة للأنفسِ والأبدان.

إن الإنصات لسردية الكتابة يسري في اتجاه فهم صلابة الرغبة الداخلية والدافعية الغريبة في محاولة تقويض الحواجز الطبيعية والمادية، رغبةً في الاستمتاع بلحظة فارقة من عمر المثقّف المنسيّ؛ لإبانة الذات المتوارية، وانتزاع مشهدٍ من إكراهات الحياة الوجودية، أي المغادرة والارتحال دون النظر أو حسبٍ للعواقب المرافقة للاحتياطات التي تشرّعها الدول، في ظلّ الحماية الشعبية والعمومية لرعاياها. والقصد هنا، مرتبط أساسًا بتهشيم الموانع المفروضة على المرتحل إثر القلق القادم من الطبيعة، وممانعة اللوثة المستبدة والمخاتلة (كوفيد أو ميكرون)، استجابة لدعوة الجائزة وندائها، دون إيلاء الاهتمام لإمكانات الانقطاع عن موطن الانتساب، خصوصًا مع تصاعد الإغلاق الملازم للحدود البرّية والجوّية للبلدان، ومن ثم، إعلاء المغامرة، بهوس حضور الاستحقاق. وقد أمكن النظر إلى السَّردية وفق الآتي:

ما قَبل التتوِيج

ارتهن الارتحال باكتشاف أحوال الغيرِ، سواء الاجتماعية أو الثقافية أو الجغرافية، وأسّ الرحلة التي سيقدم عليها مشبال، تنطوي على عمق ثقافيّ خاصّ، مدثر بالتتويج غير المتكرّر، والمناسبة تقتضي شحذ الممكن والمستحيل إبان الوباء من أجل المغامرة. أولًا، بفعل الابتعاث في اتجاه المشرق للتتويج، وحضور حفل سامٍ. ثانيًا، نتاج تشتيت نحسِ فعل مؤجَّل مدفون في الذات معيّن في انجذاب الكاتب بشكلٍ مطّرد في اتجاه زيارة السعودية.

لا شكّ أنّ شهوة الحضور ولذّتها، عجّلت ببحث السبل لمغادرة مستعجلة وتعطيل الوعي لما يعقبها، إلى درجة تصل إبطال التفكير في إكراهات الإقامة، نظيرَ صدى الجائزة وعظمتها، ومما زاد الحضور إلهامًا، هو ارتهانه بتقاطر التهاني من (الأمير خالد الفيصل، والوزير سعيد أمزازي، والعميد مصطفى الغاشي، ورئيس معهد العالم العربي بباريس جاك لانغ، وزملاء الفائز)، ومن ثم، الأخذ قبل المغادرة بالتهيُّؤ المسرع، وترتيب الظروف مع المعنيين بأمر التنسيق والتواصل مع القائمين على شأن الجائزة، وأخصّ ذكرًا (الأمين العام للجائزة عبدالعزيز السبيل، وأميرة القنيعير، وديما بشير العظم)، في ظلّ هاجس الغلْق، والاستعدادت المنخَرَط فيها من طرف المملكة المغربية لسدّ الحدود وإغلاقها برًّا وبحرًا، وضرورة تعجيل الإجراءات للمغادرة قبل تفعيل القرار.

إن الرحلة تنطلق باللاتوازن، ولا سيما أنّ الوضعية الابتدائية في أوانها منصّص عليها بتفكيك مِن شأنه الحدّ من الخروج، أو تجاوزه على الأقل، والتفكير بهوس في حضور التتويج، وحجْب جميع الأكدار والمصايب ومخاضات الذات في ظلّ الجائحة، واتقاء فجائية القرارات المنسَجة في لحظات تفرضها تحولات الوباء وشدة وطأته. ولا شكّ أن المغادرة تمّت بمطبّاتها، وخُرِجَ من أرض الانتساب، من دون تفكير فيما سيعقب الخروج، ولا سيما أنّ الإنسان لا يفكّر في لحظة انفراج السعادة وتعاظمها مرتينِ.

في التتويج

لا شكّ أن مرحلة التتويج محددة في المتن على نحو موجز في فصل (الحفل)، وانتفاء التتويج هو انتفاء للرحلة في حدّها، ومن ثم، أمكن القول: إنّه بؤرة مركزية السّرد، ومؤطر للكتابة، وحافز لتوالي أحداث خائضة في أجوار كورونا المستبدّ.

لقد تبدّت فخامة الجائزة فيما رافق المتوّج محمد مشبال، بدءًا بطقوس الاستقبال المهيبة، بتخصيص معاملة خاصة بكبار الشخصيات، وبعدها التفصيل في أوضاع الإقامة، مع بيان البرنامج الخاص بالضيوف، فبعد زيارة جامعة الملك سعود مع رئيس القسم معجب العدواني، وُثِّقَ يوم 28/ 12/ 2021م على كونه يومًا حافلًا، حيث زيارة مقر جائزة الملك فيصل ومركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية رفقة الدكتور عبدالعزيز السبيل، واستكشاف طقوس الاشتغال والعمل، إنه انخراط في جو ثقافي، يترصّد بالعين شفافية المكان، وقداسته المعرفية، وثراءه العلمي، بما ينطوي عليه من مقالات، وأطاريح، ودوريات، وشرائط سمعية وبصرية، وكتب مختلفة، ومخطوطات نادرة، قبل الانخراط في تصوير فضاء ومسرح التتويج، وأجواء ما قبل الاحتفاء بقليل، وآنية التتويج أمام أنظار الأمير خالد الفيصل، والأمير محمد بن عبدالرحمن بن عبدالعزيز، والأمير تركي الفيصل، وفي أطوار الاحتفال، تلاوة لمسوغات فوز الفائز، وكلمته، وما يعقبه من محادثات إعلامية، في أجواء مهيبة ورفيعة الشأن.

ما بعد التتويج

فجأة تنقلب أطواره باشتراطات مفروضة من قيود الوباء، في اتجاه رصد تمثلات وتصورات ذاتية معاينة للمكان وللغير، ولا سيما أن المراهنة على التشويق مضمر برهان تفرضه المغامرة، ومن ثم، فالاكتشاف لا يوثق تلك الأشياء المعلومة، بل يسبح في تقويض الأنساق الثقافية السارية في ذهنيات خارج المكان، وتصويرٍ معاين خارج المؤطّر والمسيّج، إنه يلوذ في اتجاه كشف البواطن، وتفريغ البطانة الذاتية والغيرية، والقيام بالمقارنات بين الأمكنة التي تحفظها الذاكرة والأمكنة الجديدة، ومحاولة تحفر في التمثل، وتعيد تحيينه بما هو مُناظَر، باعتبار الذات الكاشف الأول للحقيقة، ولعل الأحداث تغترف وتتشكَّل بما فرضه طيف الوباء على الحركية، ولا سيما بداية خوض المغامرة بشكل إجرائيّ بعد الإغلاق الجوي المفروض على الأفراد خارج تخوم البلاد الأصلية، وتعليق الرحلات، المرفق بإلغاء رحلة العودة بتاريخ 1-1-2022م، وفي نسقية الاشتغال أمكن توزيع المرحلة إلى الآتي:

تهشيم التمثلات

تتوالى الأحداث تباعًا، وارتأى المرتحل التركيز على الأمكنة، استهلالًا بجدة، محاولًا تجديد وعيه، وتشذيبه وتغيير المنطلقات القديمة، وتصويب الاستيهامات حول المكان، لنَقُلْ: إنّ استكشاف المكان بمنزلة محاولة جديدة لتغيير المعتقد والمظانّ، ولا سيما بعد الإستراتيجيات الممنهجة من طرف الدولة لتجويد العيش في الفضاء، عبر تخليصه من السمعة السيئة القائمة على المتاجرة في المحظور تزويرًا وتخديرًا ودعارة، وتطهيره من الأشكال غير الشرعية والخرقاء، خصوصًا مع القادمين بطرق غير قانونية إلى المكان، ومن ثم، قيادة التغيير المتجذر، في البنيات التحتية التي يشهدها المكان، عبر تجويد السكن، وتقويضه بشكل كليّ، لجعله ملائمًا عمرانيًّا وجذّابًا سياحيًّا، وفي البنيات السياسية والتدبيرية عبر محاربة الجريمة والفساد بأشكاله الإدارية عبر التواصل الفاعِل والفعّال بين الإدارة والمبلّغ، والبنيات الثقافية قرينة الصلة بالثقافة الوجودية أولًا، ولا سيما تلك المتحررة من النكوص، ويتراءى الفعل في النشاط الإنساني، في أشكال الاستمتاع بالحياة، والانفتاح عليها في ثوب المباهج، بقدر يجعلها النساء مثلًا في مدينة الملك عبدالله، قادرات على ممارسة أنشطة السباحة دون تقييد أو تكبير، في بيان للتحرّر. والثقافة المعرفية ثانيًا، على أساس المراهنة على القيم التنويرية، سواء داخليًّا في سياق التمثيل بجماعة الملك عبدالله، أو خارجيًّا، بما هو مسجل من أرقام. في ترسيخ دعامة نحو مستقبل مغاير، بحثًا عن تخليق مدن ذكية مستقبلًا، كحال «نيوم».

إن الرحلة في مغامرتها، محاولة لتكسير التمثلات المتلاحقة للبلد أولًا، وللصورة المصوّرة عن الأنثى ثانيًا، بما آثرته سياسة البلد، في الخلاص من وضعها الماضويّ، والتحلل من الشكل الكلاسيكي المتكلّس والمتصلّب، والانخراط في الحياة السائلة، بقدر كبير من التحديث والوعي.

استكشاف الذات بالآخر

الذات ناظرة إلى نفسها من منظور الآخر، من حيث إنّ الجائزة مسعفة للذات بالانبعاث من العتمة، أو لتكون مرئية حسب تعبير الكاتب، لنقل: إنّ التتويج يسلّط الضوء بشكل أكبر على شخصية سخّرت نفسها للاشتغال في صمت. ذاتٌ تنزوي وتهوَى النأيَ بنفسها بعيدًا من الصخب؛ لسبب ذاتيٍّ، وآخر جغرافيٍّ تفرضه اشتراطات الفضاء المكانية، والمهام الوظيفية خارج المركز في علاقته بالهامش. وتأتي الجائزة من هذا الحجم العظيم بأدوار النيابة، للتعريف بالآخر، وإنصاف جهوده المضنية، وتقديمه بشكلٍ بديل للذات، درءًا للنعوت الديماغوجية الضالة، تلك النعوت وثيقة الصّلة بالدوغما والنرجسية في كل محاولة عينية للتعبير عن الذات، ومن ثم، الخلاص مما ينسب مجازًا بجنون العظمة، ومغايرة التعريف العابر؛ لأنَّ التتويج يفخّم الذات ويعظّمها بقدر استحقاقها، ويعيد موقعتها في المنزلة التي تستحقها.

تستكشف الذات نفسها أيضًا، من خلال الاهتمام الثقافي الذي يقتاده إليه الاستحقاق، ويبتدئ المعطى على أرضية تنشيط ملتقيات أدبية، عبر إذكاء المشهد الثقافي في جدة بمداخلة حاملة لعنوان: «اللغة العربية وخطاب الجائحة شاهدًا حجاجيًّا» في (مؤتمر حول اللغة العربية والتواصل الحضاري) بجامعة الملك عبدالعزيز قسم اللغة العربية بتاريخ 19 يناير 2022م، أعقبه تواصل من الدكتورة صلوح السريحي، قصدًا في الإسهام بمشاركةٍ للعدد الخاص بكورونا، دون نسيان أمر انعتاق الكاتب من ركام ذاكرة الآخر، وهو ما يظهر بجلاء في تواصل «دار العين» المصرية معه في شخص مديرته فاطمة البودي، خصوصًا في ظلّ توقّفِ التواصل بينهما لزهاء عقدٍ زمنيّ كامل، ويتبدّى مدُّ الوصل الثقافي بفعل التتويج، ومن ثم، البحث عن شراكة ثقافية مستقبلية، والتنصيص أيضًا على ضيافة «نادي المدينة المنورة الأدبي» من طرف رئيسه عبدالله بن عبدالرحيم عسيلان لثلاثة أيام، وطرح محاضرة موسومة «نحو مفاهيم بلاغية لتحليل الخطابات»، ناهيك عن مخاضات الثقافة مع الجماعات، ولا سيما مع الوزير الشاعر، والمداخلة حول البلاغة في مجمع ماتع مع شخصيات وازنة.

إلى جانب هذا، فإن الذات، ونعني المثقف محمد مشبال، وسّعت بشكلٍ منفرج من دائرة العلاقات، والمغامرة جاءت لتخليق ونسج تواشجات فجائية هيكلتها الجائحة، ومن ثم، التعرف إلى شخصيات بعين المكان داخل فضاء فندق ميراج المنسوب للمحامي ورجل الأعمال عادل، الذي غيَّر معادلة الزبون نحو سياسة المقيم، إلى جانب الشيخ براء الموظف السابق بشركة البترول أرامكو، والشيخ فالح الأستاذ الجامعي الذي توطّدت معه العلاقة الإنسانية المبنية على الدعابة والبسط، ومديرة الفندق المغربية هناء زوجة أحمد السعودي ذي الأصول اليمنية، مع تجدد لقاء قديم مع الطالب الباحث السعودي سلطان، من دون إغفال حظوة اللقاء بالدبلوماسي والوزير الشاعر عبدالعزيز خوجة بوساطة الشيخ براء، وكذا فهد العتيبي أحد أعضاء المجلس الأعلى للاقتصاد العربي الإفريقي، علاوة على التفاعل والجولة مع الدكتور عبدالرحمن الغامدي الذي تقلد مناصب عالية داخل الدولة.

ومن ثم، يتبدّى الاهتمام المتزايد بالكاتب، بمستهل يوم الاحتفاء المخصّص للذات المحتفى بها، عبر مؤسسات إعلامية مكتوبة ومرئية، أهمها (BBC)، ناهيك عن ترشيحه شخصية للسنة عبر «راديو أصوات» بإخبارٍ سهر عليه السيد المدير عز الدين صوالحة.

خاتمة

إنّ الرحلة لاغية للخطية جماليًّا، مشذبة بالتنوّع، مؤمنة في حدّها بالتوزيع الموضوعاتيّ، منطوية على عظمة التتويج ولحظتها الغارقة في الفخر، وقد سكّت بهمّ الثقافي في عزّ لوثة الوباء المستبدة، واختطّت في تفاصيلها معطى استكشاف المكان ومعه الإنسان. إنّها رحلة استثنائية نُسجت بمنأى عن المسكوك، تتفاعل فيها الذات بغير عادتها مع ذوات مغايرة خارج مدار الثقافة، وتتبوصَلُ بمؤطرات تتغيّا تقويض التمثلات حول الإنسان والمكان، وتفكيك براديغمات التفكير المتجاوزة تقصّدًا في التحديث والقطع مع الماضوية. وقد تمكّنت الذات في خوض المخاض بسببين: حظوة جائزة الملك فيصل، وانبعاث مغامرة الخروج تحت إكراه الجائحة بحفزٍ زَكَّتْه الجائزة نفسها.

في الأخير، إذا كان مفتتح الرحلة تم بهوسٍ ثقافيٍّ، ولا سيما أنها مشرعةٌ بالانشغال بكتاب قاسم أمين «تحرير المرأة»، فإنها القفلة نسجت على المنوال نفسه، إنّ المعطى الثقافي فعل وجوديّ مهيكل لأرضية الرحلة، بوصفه سببًا لحيازة جائزة ثرّاء ومرموقة، وفي عمقها اعتبارية تَشِمُ صاحبَها بالعبقرية المطّردة في ميدان تخصّصه؛ لتكون الرحلة أداة توثيقية تكريمية للذات وللآخر، ولذاكرة الجائزة والمكان.