الورشة الفلسفية: الفلسفة الموجهة للأطفال
عند سماع مصطلح «الورشة الفلسفية» يتبادر إلى الذهن النشاط العملي/ التطبيقي من الأنشطة الفلسفية التي تختلف جذريًّا عن بقية الأنشطة من قبيل: الدروس والمحاضرات والندوات واللقاءات والعروض والمناظرات الفلسفية ذات الطابع النظري المجرد. غير أن كلمة «عملي» لم تكن في صلب اهتمام القدماء من الفلاسفة إلا من ناحية كون التفكير الفلسفي يهتم بقضايا العيش الفاضل والعيش معًا، وذلك لأسباب عديدة.
تلتصق كلمة «عملي» بمجال الممارسة الفعلية لنشاط التفلسف والتفكير الفلسفي؛ فالورشة الفلسفية -التي تتخذ أشكالًا مختلفة ومتنوعة، بحسب السياقات والأزمنة والأمكنة ونوعية الفئات المستفيدة منها- تطرح صعوبات عملية عدة لا يدركها الممارس الفعلي لعملية التفلسف، وهو على تسميات عدة: ممارس، مطبق، ميسر، مدير الورشة، مساعد، مرشد، مستشار…
في العديد من التجارب التي خاضها مطبقو الفلسفة، وممارسو التفلسف وممتهنو التفكير الفلسفي، يُميَّزُ بين الاستشارة الفلسفية، التي تقدم عند الطلب بحسب الحاجات المُلِحّة، والمصاحبة الفلسفية، كتلك التي يقدمها المشرف على عمل فلسفي أو بحث في الفلسفة، والتي تركز أكثر على المناهج وطرق البحث أكثر مما تنصب على المضامين.
في التقاليد التي أسّس لها كلٌّ من ماثيو ليبمان وأوسكار برنفييه، لم يكن التصور موحدًا بشأن صيغة الورشة الفلسفية، ولا حول قواعدها أو ضوابطها المؤطرة بأهداف محددة، ما دامت الورشة مفتوحة للنبش في التساؤلات والأسئلة التي يطرحها المستفيدون منها. كما أن بعض الممارسات الأخرى، من قبيل المقهى الفلسفي أو المختبر الفلسفي، لها مسارات أخرى؛ غير أنّ الحديث هنا لا يتعلق بالورشة الفلسفية الموجهة لطلاب البكالوريا أو لطلاب الجامعات أو الباحثين في الفلسفة داخل مراكز ومعاهد البحث العليا، بقدر ما نركز على الفلسفة الموجهة للأطفال.
غاية الورشة الفلسفية وأهميتها
الورشة الفلسفية فضاء للنقاش الجماعي حول الأسئلة الكونية والشمولية التي يطرحها الأطفال لتطويرها بشكل نقدي بما يُعطِي معانيَ للمضامين المدرسية -كما تحضر في مختلف المواد الدراسية- وللعلاقة مع العالم، ولتطوير آراء حول الأحكام المسبقة. تهدف الورشة الفلسفية لتعزيز أهمية الموضوعات المقدمة بكامل المسؤولية والاستقلالية. كما تفتح المجال لطرح أسئلة الأطفال الكونية التي تجيب عنها المواد التعليمية الدراسية والتي تخص السياسة والأخلاق والموت والحق…
كما تعمل على إعطاء معنى للمعارف المدرسية عبر الأسئلة التي تتعلق بالمعارف البينية، وتساهم في تعلم قواعد المناقشة والحوار، عبر الملاحظة بصفتها مشاركًا، والتساؤل مع الآخرين والوعي بأنهم يطرحون الأسئلة نفسها التي أطرحها مشاركًا. ولأن الورشة الفلسفية شكل من أشكال تعليم المواطن فهي تعمل على تنمية التضامن والانتباه للآخرين، إلى جانب التسامح والتفكير المنفتح.
تسمح الورشة الفلسفية أيضًا باتخاذ مسافة تجاه الرأي العام والتمثلات الخاصة، وتطوير التواصل الجماعي والسماح للطفل بالمشاركة الفردية المستقلة، وتنظر الورشة الفلسفية للطفل المشارك كذات مستقلة قادرة على تطوير وإيجاد أجوبة خاصة من خلال التساؤل بدل البحث عن الأجوبة الجيدة والجاهزة التي يقدمها التعليم للطفل. وأخيرًا تعبر الآراء التي تبلورت في الورشة الفلسفية عن فهم متقدم ومعزز للعالم.
تتوافق ممارسة الورشة الفلسفية مع مجموعة من القواعد المشتركة التي تقترحها مناهج التعليم والمواد الدراسية بخصوص تطوير الكفايات الاجتماعية والمدنية للتلاميذ واستقلاليتهم والتحلي بروح المبادرة، بحيث تهيئ المدرسةُ الأطفالَ للعيش في المجتمع، وتعزز مشاركته الفعّالة في بناء الحياة الاجتماعية والمهنية وممارسة حريته بكامل الوعي بحقوق الغير ونبذ العنف؛ وذلك ليكونوا قادرين على الحكم والتفكير النقدي قبل أن يصبحوا فاعلين مسؤولين في العملية الديمقراطية؛ فهدف التعليم هو تكوين الأطفال لتحقيق استقلاليتهم عبر وضعيات مختلفة، وعبر مختلف أبعاد المناهج المتعددة. تجيب الورشة الفلسفية عن هذه الأهداف وتحققها؛ لأنها تسمح للطفل بوضع المكتسبات المختلفة من المواد التعليمية واستثمارها في وضعيات متنوعة. مع الأخذ في الحُسبان أننا نتحدث عن منظومة تعليم ديمقراطية، بغض النظر عن طبيعة المجتمع، بحيث يمكن لأنظمة تعليم بلدان معينة أن تكون ديمقراطية مهما كانت الشروط السياسية لذلك المجتمع.
ينتظر من الورشة الفلسفية أن ينخرط الطفل في مجموع القضايا الحياتية التي يعيش فيها ويحقق الأماني التي يتطلع إليها؛ فبقدر ما ينتظر كثير من النماذج المحيطة به، تراوده الشكوك حول المعايير المجتمعية. فالانتقال من بيئة الأسرة إلى المدرسة هو انتقال في الوعي من بيئة الرعاية الكاملة إلى الرعاية المفوضة، حيث تتأسس العلاقات لا على التعاطف والشفقة والحنان والتقدير، بل تتأسس على بناء الشخصية والقدرة على الاندماج وفق قواعد التربية. وبذلك ينزل من مكانته الاعتبارية في الأسرة إلى مكانة تحسم بالعطاء وقوة الطبع والميزات الخاصة، ناهيك عن التفوق والانجذاب.
من التلقين إلى التفكير والحوار
لا تتأسس الورشة الفلسفية على منهج فلسفي واضح، وهو ما يقره معظم الممارسين لهذا النوع من النشاط، بل ينزعون إلى ابتكار أساليب جديدة ومتنوعة تقوم على قواعد البيداغوجيا المعاصرة، ولا سيما طرق التعلم والاكتساب والتفاعل وبناء المهارات، كما طورتها علوم التربية، وهم بذلك يدشنون أساليب جديدة، منها تلك التي تعتمد على القصة الفلسفية، أو النقاش المفتوح؛ حيث لا يتدخل الميسر للنقاش في أي شيء -هذا ما يسميه أوسكار برنفييه بالحوار غير الموجه- أو في تجربة عرض الصور وغيرها من التجارب.
قد تختلف القضايا التي تثير اهتمام الطفل بالمقارنة مع البالغ، ولكنها ضرورية لتعزيز نموه وقدراته النقدية: فهل ستنجح الورشة الفلسفية في تطوير انتظاراته؟
بحسب العديد من التجارب العملية في الغرب: أميركا، كندا، أوربا… يبدو أن رهانات الورشة الفلسفية تحققت بنسب متفاوتة؛ لأن الآثار لا تتحقق في الحين إلا في بعض الكفايات الأساسية؛ كالحوار والتواصل وتقدير الذات واحترام الغير… في حين أن التمكن من القدرة على التحليل والنقد وبناء الرأي الخاص وتقبل الاختلاف يظهر في مراحل متقدمة من العمر.
تنبني الورشة الفلسفية على صقل المهارات الأولية لدى الطفل بدل تلقين المعارف؛ فليس من المفروض على المرء أن يعرف كل شيء، ولا سيما في عصر التقنية، حيث المعرفة ممكنة ومتاحة وبالمجان في جميع الأوقات، بل يمكن كذلك فحصها بسرعة فائقة بفضل تطور العلوم والمعارف في العصر الحالي. غير أن ما يهمنا أكثر في الورشة الفلسفية ليس تحصيل المعرفة كما هو شائع في مراحل التعليم النظامي، وإنما التفكير في تلك المعرفة وفي أدوات إنتاجها؛ لتملك مناهج تفكير قادرة على جعل الطفل حرًّا من قيود النظام العام؛ أي جعل إمكان الحرية أوسع من إمكان الإكراه والضبط.
من الملحوظ أن بلداننا العربية لم تنفتح بعد على الممارسات الفلسفية الجديدة بما يكفي، وتظل التجارب الحالية في طور التأسيس وبحاجة إلى تطوير. فهل توجد إرادة فعلية لدى مؤسسات وجامعات وأطر أكاديمية مقتنعة بمشاريع الممارسات الفلسفية الجديدة وقادرة على الدفع بتبيئة تلك الممارسات أو بناء تجارب عربية خاصة؟