دايان آربوس: غيرت النمطي واللامألوف في وثائق الألم الفوتوغرافي

دايان آربوس:

غيرت النمطي واللامألوف في وثائق الألم الفوتوغرافي

نادرة جدًّا هي الكتب التي كُتبت عن «فن الفوتوغراف» وتناولته تكوينًا وتدليلًا. يمكن لي أن أشير إلى ثلاثة كتب نوعية، اشتغلت على فلسفة الفوتوغراف، وعُدت مرجعًا في هذا الفن شديد الحساسية، وهي: «الغرفة المضيئة»، لرولان بارت، و«حول الفوتوغراف»، لسوزان سونتاغ، و«الصورة-الحركة»، لجيل دولوز.

هذه الكتب الثلاثة توغّلت عميقًا في تناول هذا الفن المتصاعد والمتحول، ومن هنا كانت لي عناية بضربٍ من الصور التي عملت على إحداث تحول وقطيعة في شعرية الصورة الفوتوغرافية؛ ولأن الفوتوغراف بحسب رولان بارت «ينهض على جوهر رثائي»، فإني أستعيد في هذه الكتابة، واحدة من المجموعات الفوتوغرافية لـدايان آربوس (1923- 1973م) التي تمركزت حول الجوهر الرثائي للفوتوغراف، وتقف في طليعة واحدة من أهم التحولات والقطائع الفنية والموضوعية، التي مست روح الفوتوغراف، ونقلت ممكناته الفنية من الحيز الذاتي المتكلف، إلى فضاء موضوعي مختلف ذي جوهر إنساني حميم، يتناول غير النمطي واللامألوف في وثائق الألم الفوتوغرافي؛ فثمة تحطيم وتفكيك لهيلمان الصورة الفوتوغرافية الموضوعية/النمطية التي كانت مولعة بالبورتريهات الشخصية للنبلاء والأغنياء.

عملت دايان آربوس على قلب هذه المعادلة، وذهبت إلى العمل على شعرية فوتوغرافية جديدة، تمثلت في نقل بؤرة العمل الفني من الخاص الشخصي الأرستقراطي، إلى الهامشي المهمل، فكانت صور «المسوخ، والتوائم، والأقزام، والوشوم»، ميدانًا رحيبًا لعذابات عدستها الجوّابة؛ إذ نقلت بؤرة الفوتوغراف إلى مساحة جديدة، ذات طبيعة موضوعاتية جعلت من الإنسان/ المسخ مركزًا رثائيًّا في الصورة الفوتوغرافية.

نقلت آربوس الاشتغال الفوتوغرافي من المحترف المغلق إلى الفضاء المفتوح، حيث الشوارع والأزقة والحدائق والساحات، وهي بهذا تُخرِج العمل الفني من المحترف المحدود، ذي الخلفية الجامدة، وتذهب نحو إنشاء خلفيات جديدة للعمل الفني، وفي الوقت ذاته، كانت هذه العملية تفكيكًا للخلفيات التاريخية المتكلفة للصورة، في الفضاءات المغلقة، القائمة على بورتريهات، تتعكز على جدران الغرور، المُزينةِ بالخلفيات التقليدية، والحافلة بهيلمان الرخاء والمال. تجدر الإشارة إلى أن طبيعة التحول الانقلابي في فوتوغراف آربوس، تمس روح الإنسان/ المسخ، وبهذا تنقل الفوتوغراف من المألوف إلى اللامألوف، وهنا تكمن أهمية بورتريهاتها الفوتوغرافية المسماة من قبلها بـ«بورتريهات المسوخ».

الطبيعة الانقلابية في فلسفة الفوتوغراف

في هذه الزاوية شديدة الحساسية من طبيعة الموضوعات المُصورة من قبل آربوس، تتكشف الطبيعة الانقلابية في فلسفة الفوتوغراف من جهة الموضوعات المُصورة، ودرجتها في اللاوعي واللاشعور؛ إذ ترى سوزان سونتاغ أن موضوعات صورها تتمثل بشكل دقيق «باستعارة العبارة الهيغلية الفخمة»، الوعي التعس «لكن جل الشخصيات لا تبدو أنها تعرف بأنها قبيحة، آربوس تصور الناس في مختلف درجات علاقة اللاوعي واللاشعور بآلامهم، بقبحهم، وهذا بالضرورة يحدد نوع الرعب الذي كانت ترغب بتصويره» (حول الفوتوغراف، سوزان سونتاغ: 46).

إن الشخصيات التي اتخذتها آربوس موضوعًا لفلسفتها الفوتوغرافية تبدو متشربة ببطء كبير لوضعها، وهي ليست ضحايا حوادث أو حروب، إنها شخصيات ذات طبيعة موضوعاتية مختلفة بالولادة؛ بفعل الاختلاف النفسي والجسدي والاجتماعي، وهذا ما يجعل الطبيعة النفسانية للمُصَوّرين تظهر وهي لا تعي، درجة الاختلاف/القبح المرئي الذي تحمله في شكلها وهو يتعرض للتصوير ويدخل في مواجهة مباشرة مع الكاميرة. ولعل الصور الفوتوغرافية -ولا سيما التي تنهمك بإيصال الجوهر الرثائي للمسوخ- ستكون أعمالًا فنية تقوم على منح المتلقي بعدًا تأمليًّا؛ لأنها ستكون مثقلة بالمعنى الذي تحمله» (ينظر: حياة الصورة وموتها، ريجيس دوبري: 10)

يمكن لكاميرا من نوع (نيكون) أو (روليفليكس) أن تكون الكاميرة الأثيرة لـ(دايان آربوس) والأقرب لروحها، في نقل آلام المسوخ البشرية، وهي تتجلى في صورة إنسان مختلف بعيد من التكلف، الذي تفترضه وضعية التصوير الفوتوغرافي السابقة؛ فالكائنات التي حفلت بها صور آربوس، كانت نقلًا إنسانيًّا مختلفًا وجديدًا، متمثلًا بصور المسوخ بوصفها وثائق رثائية للألم البشري الصامت. وقد تحول هذا الألم، إلى روح جوّالة تتنقل في معارض الفوتوغراف العالمية.

انكسار المثال في عدسة آربوس

إن الصور الفوتوغرافية لآربوس تشبه صعودًا حرًّا نحو عدسة المصير الإنساني، إنها انتقالة من الرسمي المتكلف، نحو اللارسمي وغير المتكلف، والمختلف والناقص والمشوه. هذه الانتقالة على المستوى العمقيّ، تشبه انتقال العدسة من الجنة نحو الجحيم. إن عدسات الفوتوغرافيين ما قبل آربوس، كانت مضبّبة ومخدشة ومنحازة، أما مع آربوس فقد صارت نقية تتمتع بوضوح وشفافية، قادرتين على نقل صور العذاب وحكاياته، وهو يتصاعد ويمور، مندفعًا من شوارع الحياة.

إن الانتقالة النوعية في فوتوغراف آربوس تشبه على المستوى الفني، انتقال العدسة من المسرح نحو الكواليس، وهذا يضطرنا إلى أن نستدير صوب جهة مختلفة ومُربكة لتلقينا البصريّ والذوقيّ. فعدسة آربوس عملت على سبر كواليس الحياة الميتة، وقدمت لنا ضربًا من الحياة المختلفة، مؤلمة وصادمة لتلقينا البصريّ؛ إذ رصدت حياة المسوخ وعذاباتها الممتدة. إنها لحظة لغمر المصير الإنساني المعتم، بضوء فلاش ذي قوة بريق أخّاذة في اختلافها. وهذا التوثيق لبورتريهات وثائق الألم، هو استدارة في قوس المصير الفوتوغرافي، سيؤسس لشعرية متحولة ومنزاحة عن الفوتوغراف المتكلف.

من هنا أستطيع أن أسوّغ شغفي بالصور الفوتوغرافية لآربوس، واستعادتها من الأرشيفات الحولية للفوتوغراف، المحكومة باليأس و«النزعة الرثائية»، حيث يتخادم الأبيض والأسود في نسج حكاية السيرة الفنية والشخصية الحياتية لبورتريهات المسوخ، وهي تتحلل من لحظتها الحميمة، وتنبثق في بريق ضوء خاطف، ينبعث من فلاشات كاميرة (رولفليكس أو نيكون) الأثيرتين لدى آربوس.

في مجموعات/ ألبومات صور آربوس يكشف التلقي البصري عن مستويات واضحة من التعاطف والانفعال مع الكائنات المُصوّرة، فثمة طابع نفسي ومشاعر تتسرب وترشح عن الصور، تصيب المتلقي في روحه. فصورها -ولا سيما البورتريهات المسخية- تنقل شحنات نفسية بالغة التأثير، تشكل حقلًا من التعاطف، يطوق محيط الرائي، يعزله ويدفع به نحو عزلة تامة، يستعيد معها التلقي وعيه بهذه الفداحة اللاشعورية، القادمة من مناخها الصوري. ولطالما شعرت وأنا أتأمل صورها، أنها وثائق زمنية، قادرة على عبور لحظتها الهائمة والحزينة، وتخرج من رقادها في حوليات وممالك الفوتوغراف، قادمة من معاجم الصمت، المغلّف لأرواح تلك الكائنات الهشَّة والمختلفة.

تكشف المعايشة البصرية والإدراكية لصورها، عن روح مبتورة تشعر بالانجذاب، نحو جهة متوارية ومنفكّة عن العالم المرئيّ، فغالبًا ما كانت بوصلةُ روحها تتحرك بفعل قوة تعاطف غريبة وهائلة، تسحبها نحو فضاءات مختلفة وغير متكلفة، قادمة من وهاد سحيقة تارة، ومن جبال شاهقة تارة أخرى. إنها قوة التوحد القاسية والغامضة مع الموضوع المُصَوّر، تجذب الروح والعدسة معًا، وتدعوهما إلى التحرك نحو تلك الجهة المتوارية؛ لتنصت الروح والعدسة معًا، لأصوات وهمهمات وتحطمات، تأتي من كواليس الشوارع والمصحَّات، والأجساد التي تئن بصمت؛ بفعل اختلافها بالزيادة أو النقص. إنها أصوات الكواليس البشرية وهي تتحول لحكاية بالأبيض والأسود تُنقل بوساطة الكاميرة.

أغلب صور آربوس حطت في معارض منحت العذاب والألم الإنساني قوة وديمومةً وصمودًا، لا يمكن للزمن أن يبددها، ويمكن لمجموعات/ ألبومات الصور التي وثقت العذاب الصامت والمتعاقب للإنسان المسخ، في الألفية المندحرة، أن تكون روحًا أصيلة لا تشيخ، وقابلةً لمثل هذه الاستعادة المفترضة. ولسوف أختار مجموعة من الصور الاستثنائية في مجموعتها الغريبة والنادرة التي أرشفت فيها حكايات المسوخ والتوائم وهي تهبط من طوافها في كواليس العيش الإنساني، وتتحول لحياة فيّاضة بالاستعادة والتذكر، يمكن اقتصاص أثرها من قبل متحفيي الصور.

حين تتخلى العدسة عن زيفها

أستل واحدة من الحيوات المتعددة والمتناثرة من أرشيف صور الأبيض والأسود، فتنهض المسوخ الخبيئة في ألبومات آربوس، من الشوارع والخيم والمصحّات وكواليس الأجساد المُخانة حركيًا، أو المُلتئمة في قوس التوائم السيامية، كائنات مختلفة تجتمع وتتطلع للقفز والوثب في الهواء الطلق لحكاية الفوتوغراف، ومع خروجها الأول تتحول إلى كائنات سيامية كروية، تتمتع بالقدرة على الدوران والحركة في كل اتجاه، ومن بين تلك الصور، استدعي صورة «التوائم السيامية».

تكشف عن وجهين لمراهقين سياميين، يقفان أمام باب خشبي كبير، وتبرز في خلفية الصورة، مطرقة باب حديدية، على شكل عين بصّاصة، التوأم عن يمين الناظر، يحدق بقوة شزرًا إلى الشمال بعيون مفتوحة ومندهشة، تبدو عليه آثار حياة صُلبت وتفسخت ونضب مصيرها، وهي في طريقها إلى الأفول، بينما التوأم الثاني عن شمال الناظر، يحدق إلى اليمين وقد تراخت عيناه، وينظر بشكل هادئ، ومتأمل، وتلتمع في عينيه آثار حياة غضة وطرية. يمكن للمعايشة البصرية لفوتوغراف التوائم، أن تميز عنصر الاتصال والانفصال ما بين التوأم المُصور، فثمة تقاطع وتضاد تعبيري، يطبع لحظة الصورة ويذم مصيرها.

أستدعي صورة ثانية لطفل أوربيّ معوق، ويمكن لهذه الصور أن تكون البداية والمنطلق في تكوين حكاية الفوتوغراف المرتبط بشبحية المعمار الحكائيّ المفترض، مستعينًا بتوصيف جيل دلوز: «إن الصورة لا تعرض نفسها من أجل الرؤية وحسب، وإنما هي مقروءة بقدر ما هي مرئية. (الصورة الحركة أو فلسفة الصورة، جيل دلوز: 22).

في هذه الصورة يظهر صبيّ أورُبيّ نحيف وشاحب، معوق اليد اليسرى، وقد انفرجت الأصابع فيها بشكل غريب، لتكون كما تويج زهرة برية، تهبط اليد بالكامل إلى أقصى درجة ممكنة، لتكون محاذية لجذع الطفل، يد مُعوقة وثقيلة، تطوي في ظلالها الميتة حكايات بالغة الألم، جعلت كتف الصبيّ ينوء تحت ثقل هذا الجزء المُعوق والمُخان، وتبدو عروق الذراع بكاملها ناتئة ومتصلبة. وقبل أن يغلق المعمار الحكائي للصورة عدسته، يمكن لك أن تُبصر اليد المعوقة وهي تتحول إلى جثة مُلحقة بجسد الصبي، وهو يتحول إلى جثة متفسخة، تلتحق بحياة الصبي وتتحول إلى خلفية طيفية مفترضة في صورة.

تقترح بعض الصورة الفوتوغرافية استدعاء حكايات حافلة بلحظة الالتقاط الفوتوغرافي، فصورة الصبي المعوق تظهر الآن كحياة متيبسة، تمتد ما بين حرب وأخرى. ويمكن أن أستشعر، عبر المعايشة الإدراكية لها، تلك اللحظات الحافلة بزمن الالتقاط، المتآزرة بشكل نسيجي داخل المتن الحكائي. فصورة الطفل تشير إلى واحدة من الحروب المتناسلة في أورُبا، ولم تكن (الرمانة اليدوية) المحمولة بيد الطفل السليمة، غير اندهاشة فوتوغرافية، يمكن لها العمل على إحداث نوع من القشعريرة لدى المتلقي. ولكن المعمار الحكائي الحاف باللقطة، يخفي تحته ضربًا من التماهي الاعتيادي، ما بين الطفالة والحرب. تماهٍ يجعل من المقذوفات الحربية حياة يمكن تلمسها واللعب بصحبتها؛ إذ تبدو الكتف المرتهنة للذراع المعوقة، متصالحة مع لحظة الحرب، ومنغمسة في عذابها الذي تحول إلى فعل يوميّ، يعاش دون تكلف. ويمكن لصورة طفل آربوس أن تكون إشارة سرية، تنتقل بخفة بين أرشيفات الفوتوغرافيين وتنقل لنا، الأصوات وروائح الحروب وهي تشتعل في غابات عيش الإنسان.