بعثات معهد المخطوطات العربية إلى المكتبات السعودية: رحلة الحفاظ على التراث العربي والإسلامي
يُعَدُّ معهد المخطوطات العربية، التابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم -جامعة الدول العربية- ركيزة أساسية في حفظ التراث العربي والإسلامي المخطوط منذ تأسيسه عام 1947م. أَولى المعهد اهتمامًا بالغًا بجمع وتصوير وفهرسة المخطوطات النفيسة التي صَوَّرَها من مكتبات العالم، مُوظِفًا كل إمكاناته البشرية والمادية لتحقيق هذا الهدف النبيل. وتأتي بعثاته إلى المملكة العربية السعودية في صدارة جهوده؛ نظرًا لما تزخر به مكتباتها من كنوز ثقافية تمثل جزءًا لا يتجزأ من التاريخ الفكري للأمة العربية والإسلامية، ساهمت هذه البعثات في إثراء خزانة المعهد بمصورات خطية نادرة، ووثقت إرثًا علميًّا يعكس إبداعات الأوائل.
البعثة الأولى إلى المملكة العربية السعودية (1955م)
في الأول من يناير 1955م، انطلقت البعثة الأولى لمعهد المخطوطات العربية إلى المملكة العربية السعودية، بقيادة محمد رشاد عبدالمطلب وأحمد سالم عبدالسلام، واستمرت حتى 15 فبراير. ركزت البعثة على زيارة مكتبات مكة المكرمة والمدينة المنورة، بهدف تصوير وتوثيق المخطوطات النفيسة. وقد واجهت البعثة بعض التحديات اللوجستية، مثل نقص الكهرباء وصعوبة الوصول إلى بعض المكتبات، لكنها حققت إنجازات ملموسة.
المكتبات التي زارتها البعثة الأولى
– مكتبة الشيخ محمد نصيف الحربي (1392هـ) مكة المكرمة: بدأت البعثة عملها في هذه المكتبة الخاصة، واستغرق تصوير مخطوطاتها أربعة أيام. تُعد هذه المكتبة نموذجًا للعناية الشخصية بالتراث الخطي في المملكة.
– مكتبة الحرم المكي (مكة المكرمة): تضم أكثر من ألف مخطوط في التفسير والحديث والفقه، مع سجل يوثق أسماء الكتب ومؤلفيها، لكنه يفتقر إلى التوصيف التفصيلي. صوّر المعهد منها 28 مخطوطًا فقط، نظرًا لتعدد النسخ من الكتاب الواحد، كما تضم المكتبة قسمًا خاصًّا يُعرف بالمكتبة الفيضية، تابعًا للسيد عبدالستار الدهلوي، يحتوي نحو 500 مخطوط، صوّرت البعثة منها 7 مخطوطات في ثمانية أيام.
– مكتبة شيخ الإسلام عارف حكمت (1275هـ) المدينة المنورة: تُعَدُّ مكتبة وقفية تضم نحو 3000 مجلد، بما في ذلك مجاميع نفيسة، يديرها شيخ مسنّ من دون مساعدة، ويوجد سجل مخطوط من خمسة أجزاء يوثق محتوياتها، مع الإشارة إلى المخطوطات المفقودة برمز (م). وعلى الرغم من التحديات مثل انعدام الكهرباء، فقد أُمِدَّت المكتبة بالتيار الكهربائي مؤقتًا بمساعدة الشيخ صالح القزاز المشرف على توسعة الحرم المدني، وهو ما مكّن البعثة من تصوير 75 مخطوطًا.
– المكتبة المحمودية (المدينة المنورة): تُنسب إلى السلطان محمود خان (1168هـ)، وتضم نحو 2000 مخطوط. لم تتمكن البعثة من تصوير أي منها؛ بسبب نقلها مرتين أثناء توسعة الحرم النبوي، وهو ما أدى إلى فقدان الترتيب.
تحديات البعثة الأولى
واجهت البعثة عقبات، مثل: ضعف البنية التحتية، انعدام الإضاءة الكهربائية، والإغلاق الدائم لبعض المكتبات، كما لاحظت تفرُّق المخطوطات في مكتبات صغيرة موقوفة على المدارس وطلبة العلم، وأوصت البعثة بجمعها في مبنى واحد وفهرستها علميًّا.

البعثة الثانية إلى المملكة العربية السعودية (1973م)
في 7 من المحرم 1393هـ(10 فبراير 1973م)، أطلق المعهد بعثته الثانية بقيادة المستشار قاسم الخطاط، وضمت عصام الشنطي، ومحمود الطناحي، وسامي الشاهد، وانضم إليهم عبدالفتاح الحلو. استمرت البعثة ثلاثة أشهر ونصف شهر، وحظيت بدعم كبير من الملك فيصل بن عبدالعزيز رحمه الله، وولي العهد الأمير خالد، والأمير عبدالله بن عبدالرحمن، إضافة إلى تسهيلات من الشيخ عبدالعزيز بن محمد آل الشيخ ووزير الحج حسن كتبي.
المكتبات التي زارتها البعثة الثانية
– المكتبة العامة السعودية (الرياض): بدأت البعثة عملها في 9 من المحرم 1393هـ، وتضم 650 مخطوطًا، صوّرت البعثة منها 18 مخطوطًا في (3237 ورقة).
– مكتبة الشيخ محمد عبدالرحمن العبيكان (1413هـ) الرياض: تضم المكتبة 227 مخطوطًا، صوّرت البعثة منها 14 مخطوطًا في (2384) ورقة.
– مكتبة الأمير عبدالله بن عبدالرحمن آل سعود (1396هـ) الخاصة بالرياض: تضم المكتبة 11 مخطوطًا، صوّرت البعثة منها 7 مخطوطات في (1337) ورقة.
– مكتبة آل الشيخ عبدالقادر (1391هـ) الخاصة بالأحساء: تضم مكتبة الشيخ محمد بن عبدالله آل الشيخ عبدالقادر الأنصاري 150 مخطوطًا غير مفهرسة، صوّرت البعثة منها 27 مخطوطًا في (5743) ورقة، وقد لقيت البعثة أثناء عملها بالأحساء رعاية كريمة من أميرها محمد بن فهد بن جلوي الذي لم يدخر وسعًا في رعايتها لإنجاح مهمتها.
– مكتبة جامعة الرياض: تضم 5000 كتاب (مخطوط ومصور)، صوّرت البعثة منها 15 مخطوطًا في (2808) ورقات، وقد واجهت تحديات تتعلق بصيانة بعض المخطوطات.
– مكتبة بريدة العلمية العامة (القصيم): تضم 35 مخطوطًا، صوّرت البعثة منها 4 مخطوطات في (669) ورقة.
– مكتبة الشيخ صالح الخريصي (1415هـ) القصيم: تضم 12 مخطوطًا، صوّرت البعثة منها مخطوطين في (622) ورقة.
– مكتبة آل سليم (القصيم): التقت البعثةُ الشيخَ عبدالله الإبراهيم آل سليم (1317هـ) من كبار رجال التعليم ببريدة، واطلعت على مكتبته التي تضم 9 مخطوطات، صوّرت البعثة منها 4 مخطوطات في (560) ورقة.
– مكتبة عنيزة العلمية الوطنية (القصيم): تضم المكتبة 85 مخطوطًا، صوّرت البعثة منها 10 مخطوطات في (1770) ورقة.
– المكتبة العلمية الصالحية (القصيم): تضم المكتبة 60 مخطوطًا، صوّرت البعثة منها مخطوطة واحدة في (260) ورقة.
– مكتبة الشيخ ابن بسام (1371هـ) عنيزة- القصيم: صوّرت البعثة منها 19 مخطوطًا في ألف وثلاث مئة ورقة واثنتين.
– مكتبة الشيخ عبدالرحمن بن عبدالعزيز الزامل (القصيم): صوّرت البعثة مخطوطة واحدة في (80) ورقة، من أصل عشر مخطوطات هي كل ما تحتويه المكتبة.
– مكتبة الشيخ محمد بن صالح العثيمين (القصيم): صوّرت البعثة مخطوطة واحدة في (150) ورقة.
– مكتبة الشيخ محمد نصيف (1391هـ) جدة: لم تتمكن البعثة من تصوير مخطوطاتها؛ بسبب إغلاقها، لكنها صوّرت فهرسها وهي تضم 217 مخطوطًا منها عشر مصورات.
– مكتبة شيخ الإسلام عارف حكمت (1275هـ) المدينة المنورة: تضم 5000 مخطوط، صوّرت البعثة منها 145 مخطوطًا في (22490) ورقة، وهي مكتبة تتبع وزارة الحج والأوقاف، فيها 600 مخطوط باللغة التركية، و400 مخطوط بالفارسية.
– مكتبة الشيخ محمد مظهر الفاروقي الخاصة (المدينة المنورة): صوّرت البعثة منها 4 مخطوطات في (716) ورقة، من 400 مخطوط هو كل ما تحتويه المكتبة وفهرسها مصنف على الفنون.
– مكتبة السيد عبيد مدني (المدينة المنورة): صوّرت البعثة منها مخطوطة نفيسة واحدة في (82) ورقة، وهي ديوان ابن المعتز، جمع واختيار الصاحب بن عباد.
– مكتبة المدينة المنورة العامة: وهي تابعة لوزارة الحج والأوقاف، ألحق بها مكتبتان هما: المكتبة المحمودية. صوّرت البعثة منها 88 مخطوطًا في (12568) ورقة من أصل 3090 مخطوطًا. ومكتبة الحرم النبوي صوّرت البعثة منها 5 مخطوطات في (665) ورقة، من أصل 707 مخطوطات. وتضم المكتبة عددًا لا بأس به من المخطوطات باللغة التركية والفارسية والأردية.
– مكتبة مكة المكرمة: تتبع المكتبة لوزارة الحج والأوقاف. صوّرت البعثة منها مخطوطة واحدة في (293) ورقة.
– مكتبة الحرم المكي: تضم المكتبة 3000 مخطوط، صوّرت البعثة منها 46 مخطوطًا في (5412) ورقة، فُهرِسَ بعضُها فهرسةً علميةً جيدةً، وبقي جزء كبير منها من دون فهرسة.
– مكتبة الصبان (مكة المكرمة): هو الشيخ محمد حسن سرور الصبان، صوّرت البعثة منها 7 مخطوطات في (1514) ورقة، وعدد مخطوطاتها 500 مخطوط.
– مكتبة جامعة الملك عبدالعزيز (جدة): صوّرت البعثة منها 8 مخطوطات في (798) ورقة.

دعم القيادات السعودية
حظيت البعثة برعاية استثنائية من الملك فيصل رحمه الله، الذي استقبل أعضاءها، وأمر بتقديم التسهيلات اللازمة لإنجاح مهمتها، كما استقبل ولي العهد الأمير خالد رئيس البعثة، وفتح الأمير عبدالله بن عبدالرحمن مكتبته الخاصة، وساهم هذا الدعم في تسهيل الوصول إلى المكتبات العامة والخاصة.
إنجازات البعثة الثانية
امتد نشاط البعثة إلى 22 مكتبة، صوّرت 428 مخطوطًا في (65470) ورقة، وشملت: تصوير مخطوطات نادرة، بما في ذلك نُسَخ بخطّ مؤلفيها. وتصحيح أخطاء الفهارس وتسجيل المؤلفين الصحيحين. وجمع أجزاء مخطوطات متفرقة، مثل «طبقات الشافعية الكبرى» لابن السبكي، حيث كان الجزء الأول والثاني محفوظيْنِ في مكتبة الشيخ عارف حكمت، والجزء الثالث المكمل لهذه النسخة محفوظًا بمكتبة الحرم المكي. وتوثيق مخطوطات موغلة في القِدَم، مثل «ديوان ابن المعتز» (587هـ).
التوصيات للحفاظ على المخطوطات:
مكافحة الرطوبة والأرضة: وذلك بوضع المخطوطات عموديًّا، من دون تعريضها للهواء، واستخدام مواد حافظة، وإعادة تجليد المخطوطات وترميم الأغلفة التالفة، وتصحيح الفهارس، ومراجعة العناوين والتصنيفات، وفهرسة المجاميع، وتبادل المعلومات، بربط مكتبات المملكة؛ لتسهيل الوصول إلى المخطوطات المتفرقة.
وقد سجلت البعثة ما لمسته من عناية القائمين على شؤون المخطوطات بالمملكة العربية السعودية من حرص عليها وصيانة لها، واحتفاء بها، وسعي لتخصيص أجنحة لها في بنايات المكتبات التي تقرر إقامتها في الرياض والمدينة المنورة ومكة المكرمة، ولكن كل عمل -وإن بلغ الغاية في الإتقان والجودة- لا يسلم من بعض المآخذ والنواقص، والكمال لله وحده.
خاتمة
تُعد بعثات معهد المخطوطات العربية إلى المملكة العربية السعودية نموذجًا للجهود الرامية إلى حفظ التراث الإسلامي، من خلال تصوير وفهرسة مئات المخطوطات النفيسة. أنقذت هذه البعثات كنوزًا ثقافية من الضياع، وجعلتها في متناول الباحثين، بدعم سخي من قادة المملكة. ولا تزال المملكة العربية السعودية حتى وقتنا الحاضر تُسَخِّر كل الإمكانات لجمع وحفظ وإتاحة هذا الإرث، والعمل على نشره والتعريف به من خلال مراكز ومؤسسات وهيئات وجدت لهذا العمل النبيل.