أي معنى للحرب اليوم في ظل سياسات الردع وسباق التسلح؟
إن مقولة «الاستعداد العدائي بين البشر»، وكذلك بين الشعوب، تفترض حالة من «التهديد الدائم والمحتمل»، وهو ما عبر عنه «كارل شميت» في مؤلفه «معنى السياسة»، حين فسر ذلك بازدواجية «التفتت العالمي» بين دول تتعارض مصالحها، وقيام «تحالفات غير دائمة» تقوم على نزعتَي «الهيمنة» و«الاختراق». ويقترن مفهوم «الهيمنة» بفكرة «الصراع»، الذي تتعدد آلياته في «تعبئة» الجماهير إجلالًا «لروح التعاظم ]…[التي تحكم الدول المهيمنة»(1). وبعد حرب «البيلوبوناز» (431-404 قبل الميلاد) أقر أفلاطون بأن «الدولة لا بد أن تنظم نفسها من أجل البقاء العنيف في عالم غير منضبط»(2).
تحوُّل مفهوم الحرب من مقولة «الضرورة الطبيعية»؛ حبًّا في البقاء، إلى «مؤسسة ضرورية»، تحكمها سياسة التحالفات والمصالح وموازين القوى الإقليمية والعالمية، انتزعه من دلالته الطوباوية المرتبطة بالشجاعة والنبل والحق، وأكسبه طابعًا براغماتيًّا. وهكذا تأسس عالم جديد تقوم آلياته على القوة والعنف التقني، «بجعل الجميع تحت سلطة الخوف»(3) وقضى على الاختلاف والتعدد، كما تذهب حنة أرندت. فقد اُفْرِغَت المفاهيم الإنسانية من قبيل «الحرب» و«السلام» من «السياسة الأصيلة»، وهو الأمر الذي دفعها إلى مساءلة «معنى السياسة» في ظل التهديد المزدوج الذي تمثله الأنظمة الشمولية والأسلحة النووية بالنسبة إلى الوضع البشري(4)، بما يجعل من العسير التكهن بمستقبل الحرب. وعلى النقيض من ذلك، يقر توماس هوبز «بحتمية الحرب»، «كعامل حاسم في صحة الأمم أو عللها»، وتقاس بها استقلالية كل أمة. فأي معنى لسياسة لا ضمان فيها للسلام من تهديد الدمار الشامل؟
انطلاقًا من هذا السؤال سعيتُ إلى رصد تحول دلالة مفهوم الحرب اعتمادًا على الفكر السياسي الذي مثل جوهر اهتمام منظري السياسة. وهو ما قادني لاحقًا إلى التطرق إلى مستقبل الحرب بين المواثيق الدولية وسباق التسلح.

من الحرب العادلة إلى الإبادة الجماعية
إن ما نشهده اليوم من إبادات جماعية لشعوب بأسرها، في ظل الصمت الدولي عن ارتكاب المجازر في حق الإنسانية، يدفع بالمفكر إلى التساؤل حول مصير «عالم لم يعد يشرفنا»، على حد عبارة أرندت. ففي غياب الفكر النزيه، وحلول «المثقف الزائف» «كلبًا للحراسة»، بحسب (بول نيزان)، وفي عالم يحكمه معيار «الصديق والعدو» في «وضع استثنائي وحالة دائمة»، وفق تصور (كارل شميت)(5)، تُظهر دلالة «الحرب»، في سياق محاور التاريخ عند (كارل ياسبرس)(6)، فكرة «القوة السيادية»، في احتكارها جميع وسائل العنف وفرض الهيمنة على سائر القوى الأخرى.
تندرج هذه الدلالة ضمن شبكة مفاهيم عرفت بداياتها مع الفكر السياسي الإغريقي والروماني. غير أن مفهوم الحرب قد وقع إفراغه من دلالته الأصيلة. فقد مثلت الحرب جزءًا من نظام الطبيعة، حيث وصلت آلهة الإغريق «آريس» إلى السلطة بعد صراع مع الجبابرة، بينما ظلت آلهة السلام «إيرين» تابعة لآلهة العظماء(7). ومع «هيراقليطس» لم تحل الأزمات إلا بالصراع، «فالحرب… أب وملك الجميع»، في المجتمع الإغريقي. وفي جمهورية «أفلاطون» صممت (المدينة) على شاكلة مجتمع عسكري مستوحى من النموذج الإسبرطي(8).
وتخص أرندت، في بحثها عن السياسة الأصيلة وعلاقتها بالعنف السيادي، فكرة الارتباط بالمكان بكل ما تحمله من دلالة «الوطن» من دلالات الأرض والحدود والحق. ومن هنا يظهر «الحد» كرمزية للمدينة الرومانية، عبر التأسيس لفعل التشريع؛ لذلك لا تفهم دلالة «الحرب» خارج علاقتها بالحق والأرض، من حيث إن «المدينة» إحالة للمفهوم اللاتيني «Urbs»، وإلى فكرة الدائرة والجذر «Orbis» وما يقابلهما في الإنجليزية «Town» والألمانية «Zaun»، من حيث إنها ترجمات حاملة لدلالة الدائرة وحدودها(9).
تُفتح هذه «الدائرة» بعد كل غزو، خَلْقًا لفضاء التعايش السلمي عبر إبرام معاهدات مع المهزومين. بهذا المعنى لا تكون الحرب في جوهرها شرًّا بحسب (فرانسيسكو سواريز)؛ إذ يمكن للحروب العادلة أن تُشن في ظل خضوعها لسلطة القانون، وأن تُدار من أجل فرض السلام، وفق ما يرى (جرو تيوس)(10).
أما خلال الحقبة الرومانية التوسعية، فقد مثل مبدأ «الاعتراف المتبادل»، القائم على «فعل التأسيس»، فضاء للتعايش السلمي… حيث «يُجبِر الناس أنفسهم -ويجبرون بعضهم بعضًا- على الخضوع لقوانين ملزمة، فتنشأ حتمًا حالة السلم بقوة القوانين»(11). ويقر إيمانويل كانط في كتابه «فروض عن بداية تاريخ الشعوب «بأن» أكبر شر يصيب الشعوب المتمدنة ناشئ عن الحرب… أي عن دوام الاستعداد للحرب القادمة»(12). بيد أن ماكيافيلي، على عكس كانط، يجعل من الأمير محكومًا بضرورة السعي إلى النصر في الحرب من أجل البقاء والاستعداد لحرب محتملة. وكذلك يقر توماس هوبز، في كتابه «التنين»، بأن الحرب لا تعني فعل القتال بل «الاستعداد للقتال»؛ خوفًا من الموت، فالحرب «عمل من أعمال القوة لإجبار العدو على تنفيذ مشيئتنا(13). وهو ما يؤكده كارل فون كلاوزفيتز، بجعل العدو لا حول له ولا قوة(14).

الحرب الحديثة وانهيار فكرة السلام
بين القراءة التحليلية لقواعد الحرب والنظرية السياسية، تظهر هوة تفصل التصورين؛ تصور يمجد الحرب، وتصور يفترض ضرورة جعل السلام والمصالحة في المستقبل ممكنًا (كانط). بيد أن ضمان التعايش السلمي، كما في السياسة الأصيلة، يُعد مطمحًا بعيد المدى، بحسب (كارل ياسبرس)، على الرغم من تأكيد كانط «مبدأ التكافؤ» في الاعتراف بحقوق الشعوب كمصدر لشرعية السلطات.
إن البحث في مستقبل الحروب اليوم، في ظل الاستخدام المفرط للعنف وانتهاج سياسات سباق التسلح والردع النووي، جعل الفكر السياسي يعيش حالة قلق؛ لعجزه عن توقع مستقبل الحروب. فالمفارقة التي تجمع بين المواثيق الدولية وتقنيات الردع المسلح، أدت إلى تفكيك فضاء التعايش السلمي(15)، وضربت المبدأ الروماني في «المواصلة السياسية بوسائل أخرى» ومبدأ «المسموح الممكن»، إثر كل صراع عدواني لما بعد الحرب (كانط)؛ ليتحول المجال إلى قاعدة «شطرنج كارثية» بين القوى العظمى إقرارًا «لصراع يسفر عن نهاية الاثنين معًا»(16). هكذا يتغير مدلول علاقة السلم بالحرب مع إستراتيجية سباق التسلح؛ إذ لم تعد الإستراتيجية ترمي إلى الإعداد للحرب بقدر ما أصبحت تقوم على واقع مزيد من الردع بوصفه خير ضامن للسلام(17). فأي معنى للمواثيق الدولية حين تصبح، في غياب السيف، مجرد كلمات؟ (هوبز: التنين)
لقد أدى اختفاء الحرب، بمفهومها القديم، من مسرح السياسة الأصيلة إلى خلق فجوة عميقة حالت دون بناء علاقات قائمة على المواثيق الدولية، «فالقنابل النظيفة أو الصواريخ المضادة للصواريخ»(18) جعلت الدبلوماسية وموازين القوى تُحدد على طاولات «النظم النووية» لا «النظم الحقوقية». ونتج عن ذلك تحول في مفهوم السياسي وعلاقته بالتقنيات الحديثة، وجعل المجازر المرتكبة ضد الشعوب المضطهدة تبدو كأنها «حتمية تاريخية» ترسيخًا لما يُعرف «بقوانين نورنبورغ»، وتشريعًا لنزع الحق في الانتماء إلى الأرض عبر التهجير والاجتثاث والانتزاع للحقوق الطبيعية.
حين يغادر الضمير بيته الداخلي يفقد حسه السليم، كما حدث في حالة «أيخمان» في القدس. إن في فقدان التعاطف، مع المضطهدين واعتيادية الظلم والاستبداد جعل من الاستثناء مبدأ أساسيًّا في ادعائه «الخلاص الزائف». فحين فر اليهود من وضعية «حل اللاحل»، واغتصبوا أرضًا مأهولة بشعبها، لا أرضًا بورًا، لم يدركوا أنهم هربوا نحو المجهول؛ لفقدانهم الشرعية الدولية. فحالة الحرب وعمليات الاستيطان والإبادات الجماعية والمحاصرة والتهجير تحدث جميعها خارج منطق القوانين الدولية. فما يحدث اليوم هو تكرار الجريمة ذاتها ضد الإنسانية. وتقر أرندت بأن «المحرقة المقترفة ضد اليهود والعار النازي أُريد معالجته على حساب العرب الذين يُعتبرون غرباء عنها. لكنها في واقع الأمر محاولة استعمارية»(19).

إعادة إنتاج المأساة
وللأسباب نفسها أعاد اليهود تفاصيل الجريمة؛ ليجعلوا من الفلسطينيين، ضحية جديدة من ضحايا التاريخ. كما أن عجز الأمم المتحدة وصمتها منحا الكيان المحتل فرصة ارتكاب الجريمة مرتين: مرة بالاستجابة لما تطلق عليه أرندت «المطلب المتطرف»، ومرة بتقويض مبدأ التعايش المشترك بين البشر بصمتها عن الجرائم المرتكبة في انتهاك حق الحياة؛ إذ كان عليهم تحمل المسؤولية كمواطنين عما تفعله حكوماتهم من تقويض للسلم جراء الاستقالة من المسؤولية العالمية(20).
بهذا المعنى، تفقد الحرب كل مشروعية حين ينعدم مبدأ «الصداقة» بوصفه أساسًا للتوافق بين «الأنا» و«الأنا المفكر»، عبر الاعتراف المتبادل بالحس السليم المشترك بين البشر، وانسجام الذات مع ذاتها، والقانون مع روحه، والمواثيق مع مبادئها. فكل إخلال «بمبدأ عدم التناقض» يكشف عن حقيقة أن «الأشرار فحسب لا يغمرهم الندم»(21)؛ لأن السمة الأساسية للأفراد الفاسدين سياسيًّا تتخذ شكل التناقض مع الذات ضربًا لمبدأ «الصداقة» السقراطي. ووفق ما ذهب إليه مونتسكيو، فإن النظام المستبد يحمل في داخله أسباب انهياره، بفعل تناقضاته الداخلية التي تفضي في النهاية إلى تآكله وزواله.
(1) Gabriel TRADE, L’opinion et la foule (Paris: Puf, 1989), p.25.
(2) BROCHERT, M. Donald, Editor in Chief, Encyclopedia of Philosophy, vol 1(2006), An imprint of Thomson Gale, London, p. 151.
(3) حنة أرندت، «الوضع البشري»، ترجمة هادية العرقي (بيروت: جداول، 2015م)، ص 13.
(4) حنة أرندت، «ما السياسة؟»، ترجمة وتحقيق زهير الخويلدي (لبنان، المغرب: دار الأمان؛ منشورات الاختلاف، 2014م)، ص 30.
(5) كتاب ينشغل فيه كارل شميت بدراسة معمقة حول مفهوم السيادة والعلاقة اللاهوتية بالسياسة.
(6) أين يجد المعطى الذي يسمح بفهم أفضل للوقائع التاريخية اعتمادًا على «محاور التاريخ الروحي» في حقبة ما بين 800 و200 قبل الميلاد لكونفوشيوس ولوزو في الصين…
(7) BROCHERT, M. Donald, Editor in Chief, Encyclopedia of Philosophy, Ibid.
(9) أرندت، «الوضع البشري»، ص 85.
(10) BROCHERT, M. Donald, Editor in Chief, Encyclopedia of Philosophy, Ibid. p. 152.
(11) إيمانويل كانط، «مشروع للسلام الدائم»، ترجمة عثمان أمين (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1952م)، ص 44-45.
(13) كارل فون كلاوزفيتز، «عن الحرب»، ترجمة سليم شاكر الإمامي (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1997م)، ص 103.
(15) Hannah Arendt, Vies politique (Paris : Gallimard, 1974), p. 95.
(16) حنة أرندت، «في العنف»، ترجمة إبراهيم العريس (بيروت: دار الساقي، 1992م)، ص 5.
(18) أرندت، «رأي في الثورات»، ص 15.
(20) Karl JASPERS, Origine et Sens de l’histoire«, Ibid, p. 97.
(21) حنة أرندت، «حياة العقل»، ترجمة نادرة السنوسي (بيروت: دار الروافد الثقافية، 2018م)، ص 254.