الفضاء والذكاء الصناعي: الحد النهائي
أعلن قسطنطين تسيولكوفسكي، الذي يُعدُّ أبا الملاحة الفضائية على نطاق واسع، قبل أكثر من قرن، أن «الأرض هي مهد البشرية، لكن البشر لا يمكنهم البقاء في المهد إلى الأبد». تعبر كلماته عن حتمية التوسع، لكنها لا تحدد طبيعة الذكاء الذي سيرافقها. واليوم، لم يعد التحدي تقنيًّا بحتًا، مع انتقال البشرية إلى ما وراء كوكب الأرض، بل أصبح أيضًا أخلاقيًّا، وجيوسياسيًّا، ووجوديًّا: هل البشرية مستعدة للسيطرة على أشكال الذكاء التي تطلق العنان لها- بما في ذلك احتمال أن تبدأ البنية التحتية الرقمية الحيوية بالانتقال إلى المدار؟
ظل الفضاء يُحدَّد، طيلة عقود من الزمن، بمنظومات الدفع، والأقمار الصناعية، والروح الإنسانية الرائدة. أما الآن، فيلتقي الذكاء الصناعي، والتقنيات الكوانتية، والروبوتات المتقدمة، والبيولوجيا التركيبية في ظاهرة أسميها بعصر التقاطع التقني المخلخل. لا يعيد هذا الاندماج تشكيل الأدوات فحسب، بل يعيد تشكيل طبيعة الوكالة في الفضاء. بل قد يعيد توطين بنية الذكاء التحتية نفسها، مع ظهور مقترحات نقل الحوسبة التي تستهلك الطاقة بكثافة إلى مراكز بيانات تعمل بالطاقة الشمسية شبه المستمرة.
ويَعِدُ التقاطع التقني المخلخل بالتغلب على القيود التاريخية التي واجهت البعثات طويلة المدى والاستيطان خارج كوكب الأرض، إلا أنه ينطوي أيضًا على أخطار متتالية تهدد سلامة رواد الفضاء، والاستقرار الجيوسياسي، والبيئات الكونية الهشة. ومن ثم فإن مستقبل الفضاء لن يتحدد بقدرة الإطلاق فقط، بل بمدى قدرة الأطر الأخلاقية ومنظومات الحوكمة على مواكبة التسارع التقني، وبحكمة الإنسانية في إدارة انتقالها نحو حضارة هجينة تتشابك فيها القدرات البشرية والآلية.
الذكاء الصناعي يغادر الأرض
أخذ الذكاء الصناعي يتحول بسرعة إلى الجهاز العصبي المركزي في العمليات الفضائية. تكمن تطبيقاته الأكثر نضجًا في معالجة بيانات الأقمار الصناعية ومراقبة الأرض؛ إذ يغربل الذكاء الصناعي مجموعات البيانات الضخمة، ويحدد الحالات الشاذة وأولويات الاستجابة. وتعزز المنظومات المستقلة التنبؤ المداري، وتحسّن المناورات، وتطوِّر تقييم المخاطر.
وفي مجال استكشاف الكواكب، يتيح الذكاء الصناعي المدمج في المركبات الجوالة، مثل مركبة «برسيفيرنس» التابعة لـ«ناسا»، تصنيف التضاريس ورسم المسارات بالحد الأدنى من التدخل الأرضي. وتعتمد مهمات الفضاء البعيد، حيث تمتد فترات تأخّر الاتصالات إلى دقائق أو ساعات، على الاستقلالية الآلية اعتمادًا متزايدًا. وتتولى أدوات التخطيط المدعومة بالذكاء الصناعي إدارة الموارد والجداول الزمنية، بينما تتوقع خوارزميات الصيانة التنبؤية الأعطال قبل حدوثها.
كما يعيد الذكاء الصناعي تشكيل استعداد رائد الفضاء. تحاكي «التوائم الرقمية» المركبات الفضائية والمَوَاطن، وتعزز بيئاتُ التدريب الشاملة جاهزيةَ المهمات، وتساعد منظومات نماذج اللغات التجريبية في محطة الفضاء الدولية على معالجة الوثائق التقنية المعقدة. يعدّ هذا الأمر بمنزلة نظرة عامة إلى ما تستلزمه طواقم مركبات القمر أو المريخ من استقلالية.
ويتزايد الاهتمام التجاري والجيوسياسي، على نحو أكثر جذرية، بمراكز البيانات المدارية. أشارت شركات أميركية وصينية عدة إلى خطط نشر منصات حاسوبية واسعة النطاق في المدار، مستشهدة بمزاياها البيئية ومردوديتها. تبدو جاذبيتها واضحة؛ ذلك أن الفضاء يوفر طاقة شمسية وفيرة، وتنظيمًا حراريًّا مدعومًا بالفراغ، وعزلًا عن نقاط ضعف البنية التحتية الأرضية.
وقد يبدو إخراج تدريب نماذج الذكاء الصناعي الذي يستهلك الطاقة بكثافة إلى المدار خيارًا اقتصاديًّا جذابًا للبلدان التي تعاني إجهاد شبكات الطاقة، بما في ذلك أجزاء من الهند وجنوب إفريقيا والبرازيل. وبمقدور المنشآت المدارية أن تقلل من متطلبات التبريد الأرضية والاعتماد على الوقود الأحفوري، مع تقوية تدريب الذكاء الصناعي عالي الأداء والاتصالات الكوانتية الآمنة خارج قيود الشبكة الوطنية.
لن تقتصر هذه المنصات على دعم المهمات الفضائية فحسب، بل ستنقل جزءًا من تحول الأرض الرقمي إلى المدار. إذا ظلت الملكية والسيطرة حكرًا على عدد قليل من الفاعلين الأميركيين والصينيين، فقد تعمق مراكز البيانات المدارية مظاهر اللاتماثل الرقمي العالمي. تواجه الدول النامية خطر التحول إلى مُورِّد البيانات ومستهلك الذكاء الصناعي، بينما تظل السيادة الحاسوبية والقيمة الاقتصادية محصورة في مكان آخر. وربما تنفلت أيضًا البنية التحتية المتمركزة خارج نطاق الولاية القضائية الترابية من الرقابة التنظيمية الفعالة. بهذا المعنى، قد تنطلق مراكز البيانات نحو الفضاء بوتيرة أسرع من القوانين التي تنظمها.
الإنسان الهجين في عصر الفضاء الذكي
لا يمثل ما يبرز الآن مجرد بنية تحتية جديدة، بل هو إعادة تشكيل مكان الذكاء وكيفية توليده وممارسته. تندمج الحوسبة، والاستقلالية، والبيولوجيا، وعلم الروبوت في هندسات تتجاوز الحدود الأرضية. في هذا السياق، باتت البيئة العملياتية تعكس ملامح «هومو هوراكوس» (Homo HURAQUS) الأولية على نحو متزايد، وهي هندسة ذكاء موزع تتكامل فيه المعرفة البيولوجية مع المعالجة الآلية. ويرمز هذا الاختصار المنحوت إلى الروبوتات الشبيهة بالبشر، والذكاء الصناعي الفائق، والذكاء الكوانتي، والبيولوجيا التركيبية.
تجسد هذه العناصر معًا تهجينًا يُرجَّح أن يحدد معالم التعاون المستقبلي بين الإنسان والآلة خارج نطاق كوكب الأرض. وبالنظر إلى نقاط الضعف الجسيمة التي يعانيها جسم الإنسان تجاه عزلة الفضاء العميق والإشعاع الكوني والجاذبية المستمرة المتناهية الصغر، فإن عمليات الاستكشاف طويلة المدى والتعدين والاستيطان ستعتمد على هجائن تكنولوجية-بيولوجية ذكية ومتحركة ومتقنة اعتمادًا متزايدًا، بدل طواقم بيولوجية بحتة.
بينما يَعِدُ هذا الذكاء الهجين بقدرات واستقلالية غير مسبوقة، فإنه يخلق في الوقت ذاته مكامن هشاشة جديدة تقتضي إدارة دقيقة. على سبيل المثال، يتعين على المعالجات التي تقاوم الإشعاع أن تتحمل ظروفًا قاسية، وقد تتصرف المنظومات المستقلة على نحو غير متوقع، كما يمكن أن تُقوّض الأعطالُ، أو التدخلاتُ المعادية، أو انحرافُ النماذج قراراتِ الملاحة أو دعم الحياة في غضون ثوان معدودة. ومع تنامي الاستقلالية، تتفاقم المخاطر المنظوماتية، ولا سيما عندما تكون رقابة البشر محدودة.
لطالما حددت الروبوتات معالم استكشاف الفضاء، بيد أن الذكاء الصناعي يحول الآن هذه المنصات من أدوات مبرمجة سلفًا إلى وكلاء متكيفين قادرين على إنجاز مناورات معقدة واتخاذ قرارات. تكتسب الروبوتات البشرية وشبه البشرية قيمة استثنائية في هذا الصدد؛ إذ يتيح لها تصميمها الذي يحاكي شكل البشر استخدام الأدوات القائمة، والتنقل داخل مقصورات المركبات الفضائية، وإجراء عمليات الصيانة من دون الحاجة إلى بنى تحتية جديدة.
وقد رسخت مبادرات مبكرة، مثل مشروعي «روبونوت» و«فالكيري»، التابعين لوكالة «ناسا»، ريادة هذا المفهوم؛ إذ تعكف دول أخرى حاليًّا على استكشاف تشغيل روبوتات ذات ملامح بشرية في المدار.
وتتحمل الروبوتات الإشعاع، ودرجات الحرارة القصوى، والعزلة دون حاجة إلى طعام أو ماء أو تعرض لإنهاك نفسي، وهو ما يمكنها من التعامل مع مهمات خطرة أو متكررة، وإتاحة الفرصة لرواد الفضاء للتفرغ للأنشطة ذات الأولوية القصوى. كما يجري تكييف الروبوتات البشرية المطورة تجاريًّا لإنجاز عمليات مدارية وكوكبية تكييفًا متزايدًا.
تؤذن الروبوتات الشبيهة بالبشر بتحول أكثر عمقًا، بعيدًا من المنافع العملية. لم يعد الوجود في الفضاء يتطلب تجسيدًا بيولوجيًّا مستمرًّا، مع تولي الآلات أدوارًا كانت حكرًا على البشر في السابق. وأضحى البشر، وفق مصطلحات نموذج «هومو هوراكوس»، يمددون حضورهم على نحو متزايد من خلال التجسيدات الروبوتية، والمعالجات المعززة كوانتيًّا، والمنظومات المهندسة بيولوجيًّا.
غير أن الأوامر التي سِيءَ تفسيرها أو المستشعرات التالفة لا تزال قادرة على إحداث أضرار مادية ملموسة، ولا سيما داخل البيئات والمَوَاطن المغلقة. وترفع الثغرات السيبرانية من حجم المخاطر على نحو ملحوظ؛ إذ من شأن الروبوتات المخترَقة أن توهن سلامة المشتغلين، أو تخرب البنية التحتية. ويتلاشى الخط الفاصل بين الوكالة البشرية والآلية، مع تنامي مستويات الاستقلالية، وهو ما يحيل استكشاف الفضاء إلى مسعى هجين بحق، ويطرح تحديات تهم الأخلاق والسلامة والحكامة، تحديات لا يزال حلّها عالقًا إلى حد كبير.

هندسة الحياة والذكاء في الفضاء
وتُمثِّل الحوسبة والتواصل الكوانتيان المَعلَم التالي في تكنولوجيا الفضاء. فبمقدور المعالِجات الكوانتية تحليل مجموعات بيانات ضخمة، وتحسين تصميم مركبات فضائية، ومحاكاة منظومات معقدة، وتسريع وتيرة اكتشاف المواد اللازمة لتطوير منظومات دفع عالية الكفاءة وهياكل مقاومة للإشعاع. وتوفر الاتصالات الكوانتية قنوات فائقة الأمان وآليات كشف المناورات في مهمات الفضاء العميق، رغم أن الميزة الكوانتية قد تقوض أيضًا نظم التشفير الحالية، وهو ما يهدد اتصالات الأقمار الصناعية وشبكات القيادة.
ويُظهر دمج المعالجات الكوانتية في البنيات الهندسية الروبوتية (الروبوتات الكوانتية) أفقًا واعدًا بتعزيز التحكم في الحركة، واستقرار الوضعية الجسدية، ومعالجة العمليات الآنية (في الوقت الفعلي) على أسطح القمر أو المريخ أو الكويكبات. كما يمكن للمعالجات المعززة كوانتيًّا أن ترفع على نحو كبير من القيمة الإستراتيجية لمراكز البيانات المدارية، وهو ما يزيد وتيرة الاكتشاف العلمي والقدرة الحاسوبية ذات الصلة بالأغراض العسكرية.
إلا أن هذه القدرة تنطوي على عوامل تزعزع الاستقرار الجيوسياسي؛ إذ قد يمنح التفوق الكوانتي المتصوَّر مزايا إستراتيجية غير متناظرة، ويفجر حلقة من تصعيد التنافس والصراع. وتبقى المنظومات الكوانتية هشّة وحساسة تجاه الإشعاعات، والذبذبات، وتقلبات درجات الحرارة، كما أن دمجها مع المنظومات الكلاسيكية لا يزال في مراحل تطوره الأولى. فالوعدُ كبيرٌ، ولكن الشكوك لا تقل عنه ضخامة.
تُعدُّ استدامة الحياة خارج كوكب الأرض أحد أعظم التحديات التي تواجه البعثات الفضائية طويلة المدى. تقدم البيولوجيا التركيبية حلًّا عبر إعادة تصميم الكائنات الحية؛ لإنتاج الغذاء والأدوية والمواد في مواقعها الأصلية. وتستكشف التجارب الجارية في المدار آفاق تصنيع الجرثومي، بدءًا من إنتاج مضادات الأكسدة في الخميرة المعدَّلة وصولًا إلى تحويل ثاني أكسيد الكربون والماء إلى مركبات نافعة. وتملك جراثيم التعدين الحيوي القدرة على استخلاص العناصر من المواد القمرية أو النيزكية، وهو ما يقلل من الارتهان للآلات الثقيلة.
وقد تعمد المفاعلات الحيوية الخاضعة لسيطرة الذكاء الصناعي، والمدمجة مع منظومات النمذجة، إلى تنظيم الأنظمة البيئية الداعمة للحياة تنظيمًا حيويًّا، وهو ما يحيل الحياة ذاتها إلى بنية تحتية قابلة للبرمجة- وهي سمة مميزة لسمات حالة «هومو هوراكوس»؛ إذ تُشَكَّل البيولوجيا تكنولوجيا على نحو تشاركي، بما يتيح إمكانية إدخال عنصر بشري قد ينطوي على التعاطف والسمات الإنسانية الإيجابية. إلا أن المخاطر لا تزال قائمة. قد تؤدي التأثيرات غير المقصودة إلى اختلال المَوَاطن أو إثارة استجابات مناعية، في حين أن التلوث البيولوجي في البيئات خارج الأرض قد يقوض سلامة الأبحاث العلمية. كما من شأن الكائنات المعدلة التي قد تعود إلى الأرض أن تتصرف على نحو غير متوقع في الأنظمة البيئية الأرضية.
لا ينشأ الاضطراب الحقيقي عن أي تكنولوجيا بمفردها، بل عن تقاطعها. عندما يتحكم الذكاء الصناعي في روبوتات تدير منظومات دعم حياة مهندَسة بيولوجيًّا (وقد تكون مرتبطة عبر مراكز بيانات مدارية معززة بالتقنية الكوانتية)، تتضاعف أنماط الفشل على نحو تصاعدي. وقد يصعب تشخيص الأخطاء المتتالية في الوقت الفعلي. يحيل هذا التقاطعُ التكنولوجيُّ المخلخلُ نموذجَ «هومو هوراكوس» إلى واقع إجرائي. تتفوق بنيات الذكاء الهجين على المنظومات البشرية البحتة، إلا أنها تقلل الشفافية، وتُعقد عملية تحديد المسؤولية، وتكثف دورات اتخاذ القرار.
وتعمل المنظومات المستقلة بسرعة فائقة، وهو ما يقلل فرص التدخل البشري. قد تؤدي أخطاء الملاحة، أو سوء تخصيص الموارد، أو الاختلالات الوظيفية في المنظومات الروبوتية أو البيولوجية داخل المَوَاطن المغلقة إلى عواقب كارثية. وقد تولد المعالجات الكوانتية، في حال زعزعة استقرارها بفعل الإشعاع الكونيّ، حسابات خاطئة؛ مثلما يمكن للكائنات المهندَسة بيولوجيًّا أن تُخِلّ بالمنظومات البيئية الداعمة للحياة. بل قد ترتبك أكثر الطواقم تدريبًا، في بنى هجينة محكمة الترابط، بفعل الإخفاقات المتزامنة عبر المجالات الرقمية، والميكانيكية، والبيولوجية.
إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية للفضاء
ويعيد التقاطع التكنولوجي المخلخل تشكيل معالم التنافس بين القوى العظمى. تُعدُّ الأقمار الصناعية المعززة بالذكاء الصناعي، والمركبات الفضائية المستقلة، والمنظومات الروبوتية السطحية، والشبكات المؤمنة كوانتيًّا، جميعها تكنولوجيات مزدوجة الاستخدام بطبيعتها. وبمقدور مراكز البيانات الفضائية أن تتحول إلى مواقع حاسوبية إستراتيجية متقدمة.
وتستطيع بفضل قدرتها الحاسوبية، التي تتجاوز نطاق الولاية القضائية الأرضية، أن تدعم العمليات الاستخباراتية، والمراقبة، وأنظمة المقاصة المالية، ومنظومات القيادة والسيطرة العسكرية، وتدريب نماذج الذكاء الصناعي المتقدمة. ومن شأن السيطرة على مثل هذه المنصات أن تمنحها نفوذًا مهمًّا على الأنظمة البيئية الرقمية الفضائية والأرضية على حد سواء، وهو ما يحيل الأملاك الفلكية والمدارية إلى بؤرة توتر جيوسياسي جديدة.
وقد تُفسَّر المناورات المدارية المعتادة، أو بنيات توجيه البيانات الآلية، أو عمليات إدارة المَوَاطن الموجهة بالذكاء الصناعي، على أنها استعراض قوة. وإذا كانت مراكز البيانات المدارية تملكها جهات خاصة ولكنها تتوافق جيوسياسيًّا مع قوى معينة، فإن خطوط المسؤولية والمحاسبة تزداد التباسًا وغموضًا. وقد تجد الدول النامية نفسها في حالة تبعية هيكلية لبنى ذكاء صناعية عابرة للحدود الترابية، لا تمارس عليها سوى حكامة ضئيلة، وهو ما يحصرها فعليًّا في طبقة المستهلكين الأدنى ضمن منظومة الذكاء الهجين.
وقد يعمل الذكاء الهجين شبه المستقل، في عصر «هومو هوراكوس»، بسرعات تتجاوز حدود إدراك البشر ومعرفتهم، وهو ما يكثف دورات اتخاذ القرار ويفاقم أخطار تسريع زعزعة الاستقرار على المستويين الجيوسياسي والحضاري معًا. وقد لا تكفي تدابير الردع التقليدية، أو الشفافية، أو الاستشراف، أو بناء الثقة، التي صُمِّمت لعمليات تتماشى مع الإيقاع الزمني البشري.
يؤسس تقاطع الذكاء الصناعي، والروبوتات، والتكنولوجيات الكوانتية، والبيولوجيا التركيبية بنيات هندسية شديدة الترابط حيث يمكن لإخفاقات النقطة الواحدة أن تتداعى عبر مجالات متعددة، ولا سيما إذا كانت هذه المنظومات تعتمد على بنية تحتية حاسوبية مدارية موزعة. وقد يؤثر أي اختراق سيبراني لمركز بيانات مداري في منظومات التحكم الروبوتية أو الشبكات المالية الأرضية. وعلى النحو ذاته، قد يؤدي أي فشل في التشفير الكوانتي إلى زعزعة استقرار الاتصالات العالمية. وقد تعطي الخوارزميات المُحسَّنة الأولوية للطاقة الإنتاجية على حساب السلامة، أو الاستدامة، أو الولوج العادل.
تبدو هذه المفارقة صارخة. فالتكنولوجيات التي تمكِّن البشرية من التوسع هي ذاتها التي تُفاقم الهشاشة. وقد يحول هذا العصر الفضائي المتسم بالتقاطع التكنولوجي المخلخل الميزةَ المنظوماتيةَ، في غياب حكامة استباقية، وأطر أخلاقية رصينة، وإشراف تعاوني، إلى هشاشة منظوماتية، بل قد يفضي في نهاية المطاف إلى أخطار تهدد الوجود البشري.
صِيغت معاهدة الفضاء الخارجي (OST) سنة 1967م والاتفاقيات ذات الصلة بها قبل وقت طويل من ظهور الذكاء الصناعي المستقل، أو الكائنات العضوية المهندَسة، أو الاتصالات الكوانتية، أو البنى التحتية العملاقة للبيانات المدارية. لا يقدم القانون القائم وضوحًا كافيًا حول المسؤولية المترتبة على المنظومات المستقلة أو المهندَسة بيولوجيًّا.
ويكاد لا يذكر شيئًا عن سيادة البيانات في المدار، أو ملكية البنية التحتية الرقمية خارج كوكب الأرض، أو تدفقات البيانات العابرة للحدود التي تجري معالجتها خارج نطاق الأرض، أو المسؤولية عن الأضرار الخوارزمية الناشئة في الفضاء. ولا يراعي سوى القليل من الأطر القائمة جوهرَ التشغيل الهجين لنموذج «هومو هوراكوس».
السيادة والمسؤولية في الفضاء
ليست هذه الفجوة مجردةً، بل تُترجَم مباشرة في مسائل عالقة تتعلق بالمسؤولية، والولاية القضائية، والمحاسبة في الواقع. فإذا تسببت مركبة فضائية خاضعة لتحكم الذكاء الصناعي في حدوث تصادم، فمن يتحمل المسؤولية: الدولة التي أطلقتها، أم مطور البرمجيات، أم المشغل الخاص؟ وإذا عالج مركز بيانات مداري بيانات وطنية حساسة خارج نطاق اختصاصه القضائي الترابي، فأي سلطة تنظيمية ورقابية تنطبق عليه؟ وعندما تختل المنظومات الرقمية والبيولوجية الهجينة عبر مجالات موزعة ومتعددة، فكيف تُحدد المسؤولية، ولمن تُنسب في بنى تتوافر فيها الوكالة بصورة تشاركية؟
بات التقاطع التكنولوجي عالي الخلخلة يتجاوز ليس التطور القانوني فحسب، بل الأطر المفهومية للمسؤولية والسيادة أيضًا. قد يغدو الفضاء الخارجي، في غياب حكامة استشرافية، الساحة الأولى التي تتفوق فيها بنيات الذكاء الهجين والبنى التحتية الرقمية العابرة للحدود والولايات الإقليمية، على نحو نسقيّ، على آليات المراقبة المؤسساتية؛ ذلك أنني أفضّل تبني مقاربة عابرة للتخصصات، أسميها «الفلسفة العصبية-التقنية».
فالتقدم التكنولوجي يتسم بقدر عالٍ من التعقيد، تستحيل إدارته بمعزل عن التخصصات الأخرى؛ إذ يتعين على المهندسين، وعلماء الحاسوب، وعلماء الاجتماع، وعلماء الأعصاب، والفلاسفة، وعلماء الأخلاق، وصناع السياسات، أن يتعاونوا معًا لاستشراف الآثار المترتبة وتوجيه الابتكار نحو تحقيق الازدهار البشري على المدى البعيد. ويكمن جوهر هذه المقاربة في الفهم، والتأمل الأخلاقي، والواقعية الجيوسياسية، بما يضمن سلامة رواد الفضاء والإشراف البيئي، فضلًا عن صون الأمن والاستقرار والرخاء على المستويين الوطني والعالمي.
لطالما تخلف مسار الحكامة عن ركب الابتكار من الناحية التاريخية. وقد يفضي هذا التأخر، في عصر التقاطع التكنولوجي المخلخل، إلى عواقب كارثية. يجب أن يكون التقنينُ وقائيًّا لا انفعاليًّا، وأن يقوم على مبدأ الحصيلة المتعددة بدل الحصيلة الصفرية. وهي مقاربة تُعلِي من شأن الاعتماد المتبادل، والمكاسب المطلقة، والمنفعة المتبادلة، والتنافس السلميّ، وتقاسم الأمن والرخاء والمصير المشترك.
ومن شأن ترسيخ هذه المبادئ في مرحلة مبكرة أن يُمكِّن السياسات، والإستراتيجيات، والمعايير التشغيلية من توجيه صعود الذكاء المهجن توجيهًا آمنًا ومسؤولًا، بدلًا من الاقتصار على ردود الأفعال بعد ظهور الأزمات المنظوماتية.
وتتضافر تكنولوجيات الذكاء الصناعي الفائق، والمنظومات الكوانتية، والروبوتات المتقدمة، والبيولوجيا التركيبية، على خلفية قيام مراكز البيانات المدارية بنقل العمليات الحاسوبية الأرضية إلى الفضاء الخارجي؛ لتشكل عصرًا فضائيًّا جديدًا لا تقتصر معالمه على الاستكشاف فحسب، بل يتحدد بالتقاطع التكنولوجي. وإذ يَعِدُ تكاملها بالاستقلالية، والمرونة، والابتكار الاستكشافي، فإنه يولد أيضًا نقاط ضعف وهشاشة منظوماتية تهدد البشرية جمعاء.
قد يغدو الفضاء الخارجي المختبر الحقيقي الأول لنموذج «هومو هوراكوس» حيث يتجلى انتقال البشرية نحو الذكاء المهجن خارج مهد الأرض. لا يكمن السؤال المحوري: فِيمَ إذا كانت هذه التكنولوجيات ستغير وجه الفضاء، بل في مدى قدرتنا على توجيه هذا التحول بحكمة؟ قد يؤدي التقاطع التكنولوجي المخلخل، في غياب التبصر، إلى إذكاء حدة التنافس، وتكريس التراتبية الرقمية بين مُنتجي القدرات الحاسوبية ومستهلكيها، ونقل المسؤولية التنظيمية والرقابية إلى المدارات الفضائية، وتعريض الطواقم للخطر، وتوليد أخطار وجودية متفاقمة. ومن شأن وجود حكامة مسؤولة أن يُمكِّن البشرية من تحقيق توسع واستكشاف مستديميْنِ، وسلمييْنِ، ومزدهريْنِ خارج كوكب الأرض.
لن يقتصر اختبار الحد النهائي على براعة البشر الهندسية فحسب، بل سيتحدى أيضًا القدرة الجماعية على إدارة صعود الوكالة الهجينة على نحو مسؤول. قد لا يتوقف مستقبلنا فيما وراء المهد على المدى الذي سنبلغه في ترحالنا، أو على ما سنحوزه من موارد، أو معرفة كونية، أو مزايا جيوإستراتيجية، بل سيرتهن بنوع الكائنات التي سنؤول إليها ونحن نمضي في هذا الدرب.
المصدر:
هامش:
– البروفيسور نايف الروضان فيلسوف، وعالم أعصاب، وخبير جيوإستراتيجي، وعالم مستقبليات. وهو رئيس شعبة الجيوسياسية والمستقبل العالمي، ورئيس مجموعة أمن الفضاء الخارجي في مركز جنيف للسياسات الأمنية في سويسرا، وعضو مجلس المستقبل العالمي للمخاطر المعقدة في المنتدى الاقتصادي العالمي. وهو أيضًا زميل فخري في كلية «سانت أنتوني» بجامعة «أُكسفورد»، وباحث أول في معهد الفلسفة بجامعة لندن.