تيار الوعي في المشهد الأدبي السعودي: بين جرأة الكتابة ومقاومة التأويل
إذا كان السرد العربي قد انشغل طويلًا بتشييد الحكاية بوصفها عمود النص وروحه، فإنّ التحولات الحديثة في الكتابة الروائية بالذات، دفعت بهذا العمود إلى أن يتصدّع أحيانًا لصالح ما هو أكثر خفاءً وعمقًا: تدفّق الوعي الإنساني ذاته.
هنا، لا تعود الحكاية هي المركز، بل يصبح الوعي -بما فيه من اضطراب، وتداعٍ، وتناقض- هو البنية الحاكمة للنص. ومن هذا المنطلق، يتبدّى «تيار الوعي» لا كخيار أسلوبي فحسب، بل كتحوّل معرفي في النظر إلى الكتابة والإنسان معًا.
في المشهد الأدبي المحلي، لم يعد تيار الوعي غريبًا كما كان في بداياته، لكنه لم يتحوّل بعد إلى تيار مُستقر أو مُعترف به نقديًّا على نحو كامل. ويمكن القول: إنّه يعيش حالة بينية: حاضر في التجارب، غائب في الاعتراف.
نص مزعج ومؤلم!
كثير من النصوص الروائية الحديثة تميل -بدرجات متفاوتة- إلى تفكيك الزمن، وتذويب الحدث، والانغماس في تداعيات الشخصية الداخلية، غير أنّ هذا الميل لا يُستقبل دائمًا بوصفه تطورًا فنّيًّا، إنما يُقابل أحيانًا بشيء من الارتياب أو الرفض. ذلك أنّ تيار الوعي، بطبيعته، يُربك القارئ التقليدي، ويضعه أمام نصّ لا يُقدّم له الحكاية جاهزة، ولا يمنحه مفاتيح التأويل بسهولة.
إنّه نصّ يتطلّب قارئًا شريكًا، لا متلقيًّا سلبيًّا. وهذا التحوّل في علاقة القارئ بالنص، هو أحد أبرز أسباب التوتر الذي يخلقه هذا التيار في بيئة نقدية لا تزال -في كثير من مستوياتها- تميل إلى الوضوح، والتسلسل، والاكتمال.
لكن الإشكال لا يقف عند حدود التلقي، بل يمتد إلى البنية النقدية ذاتها. فكثير من المدارس النقدية، التي نشأت في سياقات تعليمية تقليدية، تجد نفسها عاجزة عن الإمساك بنصوص تيار الوعي؛ ذلك أنّ أدواتها التحليلية، التي تقوم على تتبع الحدث، وتحليل الشخصيات، ورصد البنية الزمنية الخطية، لا تسعفها في التعامل مع نصوص تُفكّك هذه العناصر أو تعيد تشكيلها على نحو غير مألوف. وهنا، يصبح النص مصدر «إزعاج» نقدي، لا لأنه ضعيف، بل لأنه يتجاوز الأطر التي اعتاد عليها النقد.
من هنا يمكن فهم ذلك التوجّس الذي تبديه بعض القراءات تجاه هذا التيار. فتيار الوعي لا يُهادن، ولا يُجامل، ولا يُبقي على مسافة آمنة بين النص والقارئ. إنّه يقتحم الداخل، ويكشف ما هو مسكوت عنه، ويُعرّي البنية النفسية للشخصية، وهو أحيانًا يُعرّي القارئ نفسه. وهذا ما يجعله -في بعض السياقات- تيارًا «مؤلمًا»، لا من حيث مضمونه فحسب، بل من حيث ما يفرضه من إعادة نظر في أدوات القراءة ذاتها.
في تجربتي الخاصة مع هذا النمط من الكتابة، لم يكن الاقتراب منه سهلًا. في البدايات، كنت أبحث عن الحكاية، عن البداية والذروة والنهاية، عن الشخصيات التي يمكن الإمساك بها وتحليلها. لكنني وجدت نفسي أمام نصوص تنفلت من هذه القبضة، نصوص لا تُروى بقدر ما تُعاش. كان عليّ أن أغيّر طريقة القراءة، أن أبطئ، أن أُنصت لما بين السطور، أن أقبل بالفراغات، وأن أتعامل مع النص بوصفه تجربة، لا تقريرًا.
ومع الوقت، بدأت أكتشف أنّ هذا «الاضطراب»، الذي يخلقه تيار الوعي، ليس خللًا في النص، بل انعكاس لواقع الإنسان ذاته. نحن لا نعيش حياتنا وفق تسلسل منطقي صارم، ولا نفكّر بطريقة خطية دائمًا.
إنّ وعينا يتشكّل من طبقات متراكبة من الذكريات، والانفعالات، والتداعيات، التي تتداخل وتتصادم وتتشظّى. ومن هنا، فإنّ تيار الوعي لا يبتعد من الواقع، ولكن يقترب منه على نحو أكثر صدقًا وجرأة.
في المشهد المحلي، يمكن رصد محاولات جادّة لتبنّي هذا التيار، سواء في الرواية أو في بعض النصوص السردية القصيرة. غير أنّ هذه المحاولات لا تزال تواجه تحديات عدّة، أبرزها غياب التأطير النقدي الذي يُنصفها، ويمنحها شرعية فنية واضحة.
كما أنّ بعض الكتّاب يقعون في فخّ «التقليد الشكلي»، فيظنّون أنّ تفكيك الزمن، أو كسر الجملة، أو الإكثار من التداعيات، كافٍ لخلق نص من تيار الوعي، دون أن يكون هناك وعي حقيقي بالبنية الداخلية لهذا النمط.
نظام داخلي في مواجهة سوء الفهم
إنّ تيار الوعي ليس فوضى نصية، هو نظام من نوع آخر. نظام يقوم على منطق داخلي دقيق، وعلى حساسية عالية في التقاط التفاصيل النفسية، وعلى قدرة لغوية تمكّن الكاتب من التعبير عما هو غير قابل للتعبير بسهولة. ولذلك، فإنّ الكتابة في هذا التيار تتطلّب جهدًا مضاعفًا، لا في البناء فقط، إنما في الإصغاء للذات، وفي القدرة على تحويل التجربة الداخلية إلى لغة.
ولعلّ ما يحتاجه المشهد الأدبي اليوم، ليس فقط المزيد من النصوص التي تنتمي إلى هذا التيار، يحتاج أيضًا للمزيد من القراءات التي تُعيد النظر في أدواتها، وتُوسّع من أفقها التأويلي. فالنصوص التي تنتمي إلى تيار الوعي لا يمكن قراءتها بالأدوات ذاتها التي نقرأ بها الروايات التقليدية. إنّها تحتاج إلى نقد يُغامر، ويجرب، ويقبل باللايقين.
في هذا السياق، لا يمكن إغفال أنّ تيار الوعي، عربيًّا وعالميًّا، لم يولد من فراغ؛ بل تشكّل عبر تجارب سردية كبرى انتصرت لهذا النمط ودفعت به إلى الواجهة. ففي الأدب العالمي، تبدو أعمال مثل «عوليس»، لـجيمس جويس، و«السيدة دالاواي»، لفرجينيا وولف، علامات فارقة في ترسيخ هذا التيار؛ حيث لم يعد الزمن خطًّا مستقيمًا، بل مساحة نفسية متكسّرة، ولم تعد الشخصية كيانًا خارجيًّا، بل تدفقًا داخليًّا متشظيًا.

رجاء عالم
أما في الأدب العربي، فقد اقتربت بعض التجارب من هذا الأفق، بدرجات متفاوتة من الجرأة والوعي. يمكن الإشارة إلى أعمال غسان كنفاني، في بعض نصوصه التي تمزج بين الذاكرة واللحظة، وإلى محاولات إدوار الخراط، الذي انحاز بوضوح إلى الكتابة الداخلية، حيث تتكثف اللغة ويتراجع الحدث لصالح التجربة الشعورية. كما لا يمكن تجاوز بعض نصوص صنع الله إبراهيم، التي وإن بدت واقعية في ظاهرها، إلا أنها تحمل في بنيتها تفكيكًا زمنيًّا ووعيًّا سرديًّا متقدمًا.
وفي الخليج، ورغم أن التجربة لا تزال في طور التشكّل، إلا أن هناك محاولات لافتة تستحق التوقف. بعض أعمال رجاء عالم تنحو نحو تفكيك الداخل الإنساني بلغة كثيفة ومجازية، فيما قدّم عبده خال في بعض نصوصه انزياحات عن السرد التقليدي، تفتح الباب أمام قراءة أكثر تعقيدًا للزمن والشخصية. كما أنّ هناك أصواتًا شابة بدأت تكتب من داخل هذا التيار، لا بوصفه موضة، بوصفه ضرورة تعبيرية.
غير أنّ هذه التجارب، على أهميتها، لم تسلم من النقد الحاد، وتتعرض أحيانًا للرفض القاطع. فقد وُصفت بعض هذه النصوص بالغموض، أو «الاستعراض اللغوي»، أو حتى «الانفصال عن القارئ». وهذه الأحكام، في كثير من الأحيان، لا تعكس ضعف النص بقدر ما تعكس فجوة في التلقي، أو قصورًا في الأدوات النقدية المستخدمة.
والمشكل أنّ بعض النقّاد يذهبون إلى أبعد من ذلك، فيرون أنّ تيار الوعي «لا يناسب البيئة العربية»، أو أنّه «مستورد» لا يمكن تأصيله. وهذه الرؤية، في تقديري، تنطوي على اختزال مخلّ؛ إذ تفترض أنّ الإنسان العربي يفكّر بطريقة مختلفة جذريًّا عن الإنسان في أي مكان آخر، وأنّ وعيه لا يتسم بالتعقيد أو التداخل. والحقيقة أنّ ما يختلف هو طرق التعبير، لا طبيعة الوعي ذاته.
إنّ المقاومة التي يواجهها تيار الوعي في المشهد المحلي، ليست سوى انعكاس لحظة انتقالية يعيشها الأدب نفسه، لحظة تتصارع فيها أنماط الكتابة، وتتباين فيها أذواق القراء، وتتردد فيها المؤسسات النقدية بين المحافظة والتجديد. وفي مثل هذه اللحظات، يكون التيار الأكثر إزعاجًا هو الأكثر ضرورة.
في النهاية، يمكن القول: إنّ تيار الوعي في الأدب المحلي هو اختبار مزدوج: اختبار لقدرة الكاتب على الغوص في أعماق الذات دون أن يفقد السيطرة على النص، واختبار لقدرة القارئ -والناقد- على مرافقة هذا الغوص دون أن يطلب من النص أن يعود إلى السطح. وبين هذين الاختبارين، يتشكّل أفق جديد للكتابة، قد يكون أقل راحة، لكنه من دون شك أكثر صدقًا.
وربما، في هذا القلق ذاته، تكمن القيمة الحقيقية لهذا التيار؛ أنّه لا يمنحنا نصًّا مريحًا، بقدر ما يمنحنا مرآة قلقة… نرى فيها ما كنّا نتجنّب رؤيته طويلًا.