«مرايا الإمام» لمحمد دوير وهم التمثيل وإشكال المعيار
في محاولة لاستكناه شخصية الإمام محمد عبده وتتبع كيفية تشكل صورته، عبر كتابات مختلفة تناولته، أصدر الكاتب والباحث المصري محمد دوير كتابه «مرايا الإمام.. العقلانية الغائبة في مشروع محمد عبده». يطرح العنوان إشكالية تستحق التوقف عندها؛ إذ إن اختيار مفهوم «المرايا» ينهض على تصور معين لطبيعة المعرفة التاريخية. فالمرآة ترتبط عادة بفكرة الانعكاس؛ أي افتراض وجود حقيقة أصيلة سابقة، في حين تقوم الخطابات المختلفة بعرضها أو عكسها من زوايا متعددة. وبهذا المعنى تصبح النصوص التأويلية مجرد سطوح عاكسة لصورة كامنة خلفها.
انطلاقًا من هذا التصور، يعرض دوير شخصية الإمام محمد عبده عبر كتابات تلاميذه والسرديات التاريخية اللاحقة، والقراءات الإصلاحية، وكذلك الذاكرة الثقافية التي أعادت استحضار صورته في سياقات مختلفة. وبهذا تتحول شخصية عبده إلى مركز رمزي تتجمع حوله طبقات متعددة من الخطاب، وكأنه جوهر مستقر، ولا تمثل الكتابات المختلفة عنه سوى انعكاسات أو تمثيلات لتلك الصورة الأصلية.
وهم التمثيل وإشكالية الأصل المتخيل
يروج هذا الطرح لنموذج سائد في مجالنا الفكري والثقافي، يعيد إنتاج «وهم التمثيل»؛ أي الاعتقاد بأن الخطابات التاريخية لا تفعل أكثر من نقل صورة موجودة مسبقًا. وهو أمر تجاوزته الدراسات التاريخية المعاصرة التي لا تتعاطى مع الشخصية التاريخية بوصفها «أصلًا» يستتبع «انعكاسات»، حيث تتشكل صورة الشخصية داخل الخطابات التي تكتب عنها، بحيث لا يعود هناك أصل مفترض يسعى الباحث إلى الكشف عن حقيقته.

محمد دوير
وبالمخالفة لهذا المنظور، يفترض دوير ضمنيًّا إمكانية العودة إلى صورة أصلية لشخصية محمد عبده، حين يشير إلى الدور الذي لعبه رشيد رضا في إعادة تقديم أفكار أستاذه داخل أفق فكري أكثر محافظة، مؤكدًا أن هذه القراءة لم تكن مجرد نقل أمين لأفكار عبده، وأنها كانت أقرب إلى عملية إعادة صياغة وتوجيه لها.
هذا النقد يقوم على افتراض أن هناك صورة أكثر أصالة لمحمد عبده يمكن تمييزها من الصورة التي صاغها رضا، التي تُفهم بوصفها تشويهًا أو انحرافًا عن صورة أصلية مفترضة ومتخيلة. وبهذا يصبح الهدف الضمني للتحليل هو استعادة تلك الصورة «الحقيقية» التي يُعتقد أنها كانت موجودة قبل تدخل هذه القراءات.
وفق ذلك، فإن تثبيت صورة محمد عبده بوصفها مرجعًا ثابتًا يجعل التحليل يبحث عن «الفكرة الحقيقية لعبده»، في حين يسمح تفكيك هذه الصورة بدراسة الصراعات والتوترات بين القراءات المختلفة له، وهي صراعات تكشف في الواقع عن تحولات عميقة في تاريخ الفكر العربي الحديث.
«العقلانية الغائبة» والمعيار الخفي
وإذا انتقلنا إلى الجزء الثاني من عنوان الكتاب، الذي يتحدث عن «العقلانية الغائبة» لدى محمد عبده، نجد أن دويرًا ينطلق من افتراض مفاده أن العقل لا يكون عقلانيًّا إلا إذا تحرر تمامًا من كل سلطة خارجية، بما في ذلك الدين. من ثم تصبح عقلانية محمد عبده، المرتبطة بالنص الديني، مجرد عقلانية ناقصة أو «غائبة». غير أن هذا الافتراض يعيد إنتاج نموذج التمثيل الفلسفي الذي انتقده جيل دولوز بشدة. ففي نقده للفلسفة التمثيلية، يرى دولوز أن الفكر الغربي كثيرًا ما يفترض وجود نموذج واحد للحقيقة أو العقل، ثم يقيس عليه التجارب الأخرى بوصفها حالات ناقصة أو منحرفة. ومن هذا المنظور، يمكن القول: إن دويرًا يعيد إنتاج نموذج معياري للعقلانية هو نموذج العقل الحديث الأوربي، ويجعل منه معيارًا للحكم على تجربة محمد عبده.
وهكذا تتحول عقلانية عبده إلى مجرد نسخة غير مكتملة من عقلانية أخرى يُفترض أنها الأصل. لكن هذا المنطق يغفل أن التجارب الفكرية المختلفة قد تنتج أنماطًا متعددة من العقلانية لا يمكن ردها إلى نموذج واحد.
كما أن فرضية دوير بأن عقلانية عبده لا تستطيع إنتاج حداثة حقيقية لارتباطها بالبنية الدينية للنص، تفترض ضمنيًّا أن العقل يمكن أن يوجد خارج علاقات السلطة والتاريخ. بينما الفكر الحديث عرَّفنا قاعدةً مهمةً وفارقةً وهي أن ما يُسمَّى بالعقلانية ليس كيانًا محايدًا. هو دائمًا جزء في شبكة من الخطابات والسلطات التي تحدد ما يُعد عقلانيًّا وما لا يُعد كذلك.
من هذه الزاوية، لا يمكن النظر إلى عقلانية محمد عبده بوصفها مجرد عقلانية ناقصة، إنما هي شكل من أشكال إنتاج المعرفة داخل سياق تاريخي محدد. فقد كان مشروعه الإصلاحي يتحرك داخل فضاء مؤسسات دينية مثل الأزهر، وداخل واقع سياسي واجتماعي معقد. وبالتالي فإن تحديد مجال العقل بالنسبة للنص الديني قد لا يكون علامة على قصوره، حيث يمكن فهمه على أنه تعبير عن إستراتيجية خطابية تحاول إعادة تشكيل العلاقة بين الدين والعقل داخل هذا السياق. كذلك يقوم تحليل دوير على افتراض وجود عقلانية «حقيقية» تمثل الأصل الذي يجب أن تقاس عليه التجارب الأخرى، أي على تصور أصل صافٍ أو معنى نهائي يمكن العودة إليه للحكم على بقية المعاني.
وهذا يتجاهل حقيقة أن المفاهيم الكبرى، مثل العقل أو العقلانية، تتشكل داخل شبكة من الاختلافات التاريخية واللغوية. ومن ثم فإن محاولة تحديد معيار واحد للعقلانية تجعل القراءة تستبعد إمكانات أخرى للفهم. وفي حالة محمد عبده، يعني ذلك أن مفهوم العقل لديه لا يُقرأ بوصفه محاولة لإنتاج معنى جديد للعقل داخل الفكر الإسلامي، إنما يُقاس على معنى جاهز للعقل مستمد من تقاليد فلسفية أخرى.
وفي هذا الإطار أيضًا يستخدم الكاتب اليساري مفهوم «العقلانية الغائبة» ليشير إلى أن عقلانية عبده تخفي في جوهرها بنية أيديولوجية دينية صلبة، غير أن هذا الحكم يمكن رده على دوير نفسه. فالأيديولوجيا، التي هي منظومة من التمثلات تجعل الأفراد يدركون علاقتهم بالعالم بطريقة معينة، وهذا يجعل من تعريف دوير للعقلانية، بوصفها استقلالًا تامًّا عن الدين، هو تمثلًا أيديولوجيًّا معينًا للعقل نشأ داخل تجربة الحداثة الأوربية. وبالتالي فإن وصف عقلانية عبده بأنها «غائبة» لا يعكس فقط طبيعة فكره كما يتصوره الكاتب، إنما يعكس أيضًا الإطار الأيديولوجي الذي ينطلق منه التحليل نفسه.
بهذا المعنى، لا تكمن المشكلة الأساسية، في تحليل دوير، في كونه ينتقد عقلانية محمد عبده، إنما في الإطار النظري الذي يحدد مسبقًا معنى العقلانية ومعيارها. فبقدر ما يسعى دوير إلى الكشف عن «العقلانية الغائبة» في فكر عبده، يكشف تحليله في الوقت نفسه عن افتراض أعمق يتمثل في الاعتقاد بوجود نموذج واحد مكتمل للعقل يمكن أن تُقاس عليه التجارب الفكرية المختلفة. إلا أن الفلسفة المعاصرة، من جيل دولوز إلى دريدا وفوكو، تحرضنا على التشكيك في هذا الافتراض نفسه، وتفتح المجال لفهم العقلانية بوصفها ظاهرة تاريخية متعددة الأشكال لا يمكن ردها إلى معيار واحد ثابت.
إشكال مفهوم العقل الوظيفي
إن ما يفعله دوير هو محاولة لفرض نظام تفسيري على فكر محمد عبده، عبر مفاهيم مثل «العقلانية الغائبة» و«العقل الوظيفي» الذي يتجاهل هو الآخر أن العقل لدى محمد عبده لم يكن أبدًا كيانًا متجانسًا. صحيح أن دويرًا يلفت الانتباه إلى وجود توترات داخل فكر عبده، بل يشير صراحة إلى التناقضات التي أحاطت بتجربة عبده الفكرية بين الأزهر والحداثة، وبين النزعة السلفية ومتطلبات الإصلاح، وبين سلطة النقل ومكانة العقل. غير أن هذه التناقضات، بدل أن تُقرأ بوصفها بنية حية تحكم تشكل هذا الفكر، يجري في النهاية احتواؤها داخل إطار تفسيري واحد «العقل الوظيفي»؛ ليتناسى الكاتب أن الوظيفة نفسها ليست إلا اسمًا لعملية معقدة من التفاوض بين قوى متباينة.
وتبعًا لذلك فإن دويرًا، وإن كان لا ينكر وجود تلك الصراعات داخل فكر محمد عبده، لكنه يميل إلى تفسيرها جميعًا من خلال مفهوم «العقل الوظيفي»؛ لتتحول هذه التناقضات من ظواهر معقدة تحتاج إلى تفسير مستقل، إلى مجرد شواهد تؤكد صحة مفهومه. وكان يمكن النظر إلى هذه التوترات بطريقة أكثر إنتاجية. فالصراع بين المرجعية الأزهرية ومتطلبات الحداثة، أو بين النزعة السلفية وأفق الإصلاح، لم يكن مجرد خلفية لفكر عبده، إنما كان جزءًا من آلية تشكله نفسها. ومن ثم فإن هذه التناقضات ينبغي فهمها بوصفها شبكة من القوى الفكرية والاجتماعية التي أعادت تشكيل مشروعه باستمرار. أما إعادة تنظيمها داخل نموذج تفسيري واحد يجعلها تبدو كأنها عناصر في بنية مستقرة، بينما هي في الواقع تعبير عن تاريخ فكري متحرك ومليء بالتحولات والانقطاعات.
وهذه المشكلة لا تخص دوير وحده إنما تتعلق بكثير من المشتغلين في عالم الفكر في مجتمعاتنا. فعندما يبني كاتب ما دراسته على مفهوم مركزي، لا يدرك طبيعته بوصفه أداة تحليلية يُفترض أن تعمل كمشرط يشق به النص ليكشف عن بنياته الخفية. لكن حين يكون المفهوم فضفاضًا أو غير منضبط، فإنه يتحول من أداة تحليلية إلى عائق معرفي يحجب أكثر مما يوضح. وهذه هي بالضبط الإشكالية التي يثيرها مفهوم «العقل الوظيفي» في كتاب «مرايا الإمام».
بمعنى آخر، يظل مفهوم «العقل الوظيفي» في كتاب دوير محمّلًا بأحكام غير معلنة. فهو أبعد من مجرد وصف لطبيعة العقل عند محمد عبده. هو حكم ضمني على محدوديته وقصوره بالمقارنة بعقلانية أخرى مفترضة (نقدية أو فلسفية أو غربية). غير أن هذا المعيار لم يُناقش ولم يُبرر، ومن ثم يتحول المفهوم من أداة تحليلية إلى أداة تقييمية ترتدي ثوب الموضوعية.
وهذا يُذكر بما أشار إليه بول ريكور حين تحدث عن أهمية «تضامن التفسير مع الفهم»؛ فكل تحليل يحمل في طياته تصورًا مسبقًا عن موضوعه، لا يعني ذلك أنه يُعاني عوارًا ما، فالمشكلة ليست في وجود هذا التصور المسبق، بل في عدم الوعي به أو مناقشته.
يمكن القول: إن القيمة البارزة لكتاب محمد دوير لا تكمن في محاولته إعادة قراءة مشروع محمد عبده، بقدر ما تتمثل في كونه فتح بابًا للنقاش حول الكيفية التي نقرأ بها تاريخ الفكر العربي الحديث نفسه، بعيدًا من الإشكال المنهجي الذي يضمه الكتاب في سعيه إلى تنظيم فكر عبده داخل نموذج تفسيري واحد وحصر معضلته في التساؤل عما كان «يقصده» محمد عبده حقًّا، والانتقال إلى محاولة فهم الكيفية التي استُخدم بها فكره، وأعيد تأويله، لا بوصفه انحرافًا أو تشويهًا، بل بوصفه جزءًا من إعادة إنتاج الوعي ضمن سياق ما زال مفتوحًا على أسئلته الكبرى.