جدلية الحياة والموت في روايتي الصيني تسونغ ون والكويتي خالد النصر الله

جدلية الحياة والموت

في روايتي الصيني تسونغ ون والكويتي خالد النصر الله

شغلت جدلية الحياة والموت أذهان المبدعين منذ أمد طويل، لما تمثله هذه القضية من أهمية كبرى تتعلق بحياة الإنسان ومصيره بعد الموت، ونتج عن هذا الاهتمام أعمالٌ تتضوع منها رائحة الموت على مر الأزمنة. إن تجربة الموت هي التجربة الوحيدة التي يتعامل معها المبدع وهو لم يعشها أو حتى يعرف ماهيتها. وتختلف رؤية الحياة والموت من كاتب لآخر، فينظر بعض الكتاب إلى الحياة نظرة سوداوية ويفضلون الموت، وبالمقابل يرى كتاب آخرون أن الحياة جديرة بأن يتمتع بها الإنسان. وقد برع الكاتبان شن تسونغ ون وخالد النصر الله في التعبير عن الموت من دون أن يكون هاجسًا يؤرق الوعي الإنساني، بل أعلنا أنه من خلال عدم الاكتراث بالموت يمكن أن نقدر قيمة الحياة.

يعد الكاتب الصيني شن تسونغ ون من ألمع كتاب الأدب الصيني الحديث، وقد ترك إرثًا أدبيًّا غزيرًا في مجال الرواية والقصة القصيرة وتُرجمت أعماله إلى العديد من اللغات الأجنبية. وتتجلى ثنائية الحياة والموت بقوة في أعماله الأدبية، ويرى أن الحياة والموت نقيضان مترابطان لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر، وفي لحظة يتراءى له أنهما يتماهيان معًا ليصبحا وجهين لعملة واحدة.

تدور أحداث قصة «بستان الخضراوات» حول عائلة وانغ التي ذاع صيتها بزراعة الملفوف في المدينة وحققت ثراءً كبيرًا. تتألف العائلة في القصة من أرملة في الخمسينات وابنها، أرستقراطي الطباع والسلوك، وعلى الرغم من أنه لم يكن قريبًا من الأهالي، إلا أنه كان يحظى بالاحترام والتقدير من قبل الجميع. ذات يوم طلب من الأم أن يسافر إلى بكين للدراسة. لم تكن الأم تعرف دافع السفر الحقيقي وهو رغبته في الانضمام إلى صفوف الثوار (ثورة 1911م)، وظل طوال ثلاث سنوات يراسلها ويطمئنها على أحواله، ثم عاد برفقة فتاة حسناء من بكين، فأعجبت بها الأم وطلبت منه أن يتزوجها.

ذات يوم جاء بضعة أشخاص من المقاطعة يطلبون مقابلة الابن وزوجته ودعوهما للخروج معهم للحديث في أمر ما، انقضى الوقت ولم يعد الابن وزوجته. وفي صباح اليوم التالي عثرا على جثتيهما. كان سبب القتل هو انضمامها إلى صفوف الثوار في بكين. عاشت الأم المسنة في وحدة بائسة ورضخت للأمر الواقع، وفي عيد ميلاد ابنها هطلت الثلوج بغزارة وأحست أن الربيع والخريف لن يأتيا مرة أخرى، وعقدت العزم على وضع حد لحياتها الرتيبة، وفي صمت مهيب وهدوء منقطع النظير أحكمت حبل الموت حول عنقها ورحلت عن الحياة بعد أن فقدت كل معنى للفرح وللسعادة بعد رحيل ابنها الوحيد.

أما الكاتب الكويتي خالد النصر الله فهو كاتبٌ مميزٌ، لمع نجمه في سماء الأدب العربي في السنوات الأخيرة، ومن أهم أعماله الروائية «زاجل»، و«الدرك الأعلى»، و«الخيط الأبيض من الليل»، و«آخر الوصايا الصغيرة»، إضافة إلى مجموعة قصصية بعنوان «المنصة». تدور أحداث «الدرك الأعلى» حول رجل يتعرض لحادث سيارة ويفارق الحياة، ثم يعود إلى الحياة بعد الموت ليشهد على الأحداث التي تقع لعائلته وأصدقائه، ويرى حقيقة البشر بعد رحيله، لكنه يقف عاجزًا لا يستطيع تغيير أي شيء، فتتكشف له حقيقة صديقه الطامع في الزواج من زوجته، واتهام أمه لزوجته بأنها السبب في مقتل زوجها، فضلًا عن العديد من الأحداث المتنامية التي تصل بالصراع إلى ذروته في إطار تشويقي لافت يجعل المتلقي يرتقب الأحداث على أحر من الجمر.

العنوان في القصتين

يحتل العنوان موقع الصدارة في بنية القصة ويمثل أحد الحواجز الأولى التي يستوجب على القارئ العبور من خلالها الى النص. حمل العنوان في القصتين دلالات فضائية ومكانية لا تخفى على القارئ. العنوان في «بستان الخضراوات» مباشر ويفتقر إلى عنصر التشويق والإثارة الذي يستثير القارئ للولوج إلى عالم النص، لكن مع المضي قدمًا- حتى بلوغ نهاية النص- ينكشف أمام القارئ مدلول العنوان فيبدو له في النهاية واضحًا. وبهذا حقق الكاتب غايته المنشودة من خلال هذا العنوان الصريح المباشر، وكأن الكاتب يريد أن يخبر القارئ بأنه اختار دلالة مكانية للعنوان وهي «بستان الخضراوات»، وباعتباره فضاءً للموت يمكن الاستعاضة عنه بكلمة «بستان الموت».

أما في «الدرك الأعلى» فقد نجح خالد النصر الله في مراوغة القارئ وفتح أمامه ألغازًا عديدة يدفعه من خلالها إلى متن الرواية. فالعنوان يمثل بوابة الرواية مثلما يمثل نهايتها؛ فعملية الفهم تبدأ منه وتنتهي إليه. نجح عنوان «الدرك الأول» في إثارة ذهن القارئ واستنفار همته لفك لغزه وتفسير تأويلاته ودلالاته المتعددة وفهم خصوصياته. فالدرك الأعلى هي مرحلة الإدراك العليا للإنسان، فبعد عودة الميت إلى الحياة يدرك أن ثمة أشياء كانت تحتجب عن إدراكه، ولولا تجربة الموت لما فطن إلى هذه الحقائق وكشف المستور عن خبايا النفوس. وثمة دلالة أخرى خلف العنوان يمكن أن يدركها القارئ عند النهاية حين يرضخ الميت للأمر الواقع ويعود إلى قبره؛ لأنه في النهاية يدرك أن الموت هو الحقيقة الوحيدة المطلقة في هذه الحياة، وأن لكل شيء نهاية، فيستكين إلى هذه الحقيقة ويعود إلى قبره، وهنا يكون البطل قد بلغ لحظة التنوير والإدراك العليا.

الصراع في القصتين

يعتبر الصراع الديناميكا المحركة للشخصيات ويرتبط نجاح الصراع بقدرة الكاتب على جذب القارئ لمواصلة فعل القراءة حتى يصل إلى أعلى درجات التوافق مع الرواية. الصراع في «بستان الخضراوات» هو إحدى القوى الجاذبة للقارئ، وهنا الصراع ناتجٌ عن تفاعل الشخصيات؛ تفاعل أدى إلى صراع مع الآخر. ويتبدى لنا الصراع في «بستان الخضراوات» في الصراع بين ثنائية الحياة والموت، وينقسم إلى نوعين: صراع اجتماعي يندرج تحته صراع سياسي (صراع بين الشعب والسلطة) أودى بحياة الابن وزوجته نتيجة اشتراكهما في ثورة 1911م. وصراع داخلي بين الشخصية وذاتها؛ بين قوتين رئيستين متضادتين، مما دفع الأحداث لتمضي قدمًا إلى الأمام.

وتجسد هذا الصراع عند الأم عندما عاشت في أزمة نفسية مكتومة وقبرت مشاعرها بعد موت ابنها. حاولت أن تواصل الحياة؛ عملًا بأن الحياة لا تتوقف مهما جرت علينا المقادير، وواصلت العمل في البستان، لكن لا أحد كان يدري أنها تتمزق من الداخل وتعاني أزمةً نفسيةً كبيرةً وهي الوحدة. أغلقت الأم باب قلبها على حزنها واحتملت عذاب الوحدة القاتلة وحاولت مواصلة الحياة، لكن في لحظة حاسمة اتخذت قراراها لتنهي الصراع المحتدم الذي نشب داخلها. وفي يوم عيد ميلاد ابنها قررت الرحيل لتضع حدًا لمأساتها. وزعت كل أملاكها على العمال، وبحبل وبقطعة من الحرير أنهت حياتها، لتغلق آخر صفحة في كتاب حياتها الحزين وترحل في هدوء بالغ من دون أن تخلف وراءها أي ندم أو حسرة. ومثلما جاءت في هدوء رحلت في هدوء.

لم نسمع في «بستان الخضراوات» صوت الموت صاخبًا أو مفزعًا، وهنا برع الكاتب في تجسيد جدلية الحياة والموت، ولم يدع أبطاله يموتون موتة طبيعية بل دومًا تتدخل قوى خارجية مؤثرة لإنهاء حياتهم. القوة الأولى تمثلت في السلطة؛ عندما اغتالت الابن وزوجته في ظروف غامضة، والقوة الثانية هي اليأس الذي تسربل إلى روح الأم وفقدانها الشغف في الحياة؛ عندما أحست أنه لا يمكن أن يأتي عليها ربيعٌ أو خريفٌ آخر، فلماذا تعيش ولمن تعيش؟

الصراع في «الدرك الأعلى» يتنوع بين صراع داخلي وصراع خارجي. يتجسد الصراع الداخلي في الصراع النفسي بين البطل وذاته، من خلال عودته إلى الحياة بعد الموت وتشبثه بالحياة، وكأنه يرفض فكرة الموت التي باغتته من دون سابق إنذار. يسرد الكاتب الأحداث التي يراها الرجل الميت بعد عودته إلى الحياة ولا يستطيع أن يغير مسارها، فيقف مكتوف الأيدي، موقف المتفرج، وتنكشف له أسرارٌ لم يكن يعلمها، وكأن تجربة الموت التي عاشها هي لحظة كاشفة لحقائق كانت غائبة عنه. ويتصاعد الصراع بينه وبين ذاته شيئًا فشيئًا على طول الرواية وهو يتجول بين الشخصيات الأخرى وبين أفعالها. رأى زوجته تسعى لتحصل على حقوقها وحقوق ابنها من الميراث، وصديقه ناصر يقف حائرًا بين استئناف كتابة رواية الرجل الميت وعمله في مهنة الصحافة ومشكلته مع حبيبته التي أخفى عنها تفاصيل حياته.

أما «البغيض»، وهذا اسمه في الرواية، فانشغل بجمع الكتب الموجودة في بيت الرجل الميت؛ فقد كانا على وشك تأسيس مشروع مكتبة لكنه توقف بعد موت صديقه. بينما كانت «الفتاة المتنبئة» منغمسة في عالم خاص من الرؤى والأحلام. ربط هذا الصراع المحتدم كثيرًا من أحداث الرواية حتى صار أحد أهم روابط حبكتها الفنية، كما تحكم في شخصية البطل ومن ثم تحكم في الأحداث الرئيسة وعقد كثيرًا من الأحداث.

وتتواتر الأحداث ثم تصل إلى ذروتها عندما أحس أن كل شيء صار غير قابل للتعديل. وهنا تبدأ الأحداث في الهدوء، كما جاء على لسان الراوي: «في كل الأحوال كل الأشياء التي مضت غير قابلة للتعديل، أما تلك الافتراضات فلا تضيف للأحداث سوى مزيد من التضليل»، وصار الرجل الميت بدوره يتوارى عن الظهور أمام ابنه لأنه يخيفه. وفي النهاية قرر أن يتابع أحوال زوجته وابنه ولم يعد يعنيه ما يصير مع الآخرين، لكن زوجته قد باعت البيت وحملت حالها وابنها وخادمتها وسافروا إلى تركيا. ظل يرتقب عودتهما بفارغ الصبر لكنهما لم يعدا وعلم أن زوجته قررت الإقامة هناك. «وشوهد الرجل الميت واقفًا أمام قبره وحسم أمره وجثا على ركبتيه ثم اختفى داخل القبر». هنا تنفرج عقدة النص عندما رضخ البطل إلى حقيقة الموت وتقطعت كل سبل الحياة وكل حبال الوصل بينه وبينها، وتحتم عليه أن يعود وينام تحت الثرى.

النهاية في القصتين

اتفقت النهاية في القصتين؛ فكانت نهاية حاسمة ومحددة. في «بستان الخضراوات» جاءت النهاية حاسمة ومباشرة، عندما وطنت الأم النفس على التخلص من وحدتها القاسية وقررت إنهاء حياتها بنفسها وأعلنت موتها في هدوء بالغ، وكأن الموت سهل ويتلخص في حبل وقطعة من الحرير. في هذه اللحظة ينتهي الصراع. وضعت الأم كلمة النهاية، نهاية الحياة والوحدة واليأس الذي كان ينهش روحها في صمت برغم محاولاتها أن تبدو أمام الجميع أنها امرأةٌ قويةٌ ومتماسكة بعد رحيل ابنها. وبانتحارها تعلن الأم هزيمة الإنسان أمام كل شيء حتى نفسه. يأتي الموت ليغلق الستار على أحداث القصة بعد أن فقدت معنى الوجود.

لم يكن الموت هاجسًا في القصة، بل على العكس، فعلى الرغم من رائحة الموت القوية التي تتضوع من «بستان الخضراوات»، إلا أنه جاء بتيمة هادئة بعيدة كل البعد من الافتعال والمبالغة، وتقبل تام للقدر. ربما يكون تقبلًا ظاهريًّا، لكن عندما فاض الكيل وبلغ اليأس مبلغه وضعت كلمة النهاية مقترنة برائحة الموت!

جعل خالد النصر الله في «الدرك الأعلى» البطل في النهاية يعود إلى القبر؛ لأنه أحس أن لا حيلة له في التدخل في شؤون الأحياء أو تغيير الأقدار. أعلنها بكل شفافية أن البطل تقبل فكرة الموت المباغت ورضخ لأوامر القدر في نهاية المطاف بعد أن عاد إلى الحياة، ليشهد على تصرفات أهله وأصدقائه. وبرغم عودته إلى الحياة بعد الموت فإنه وقف عاجزًا عن أن يتدخل في الأحداث ولم يملك حتى حق القبول أو الرفض. وبعد أن أيقن أن ما من موطئ قدم له في الدنيا، وأن الجميع بدأوا يلتفتون إلى حياتهم ويباشرون أعمالهم وتقبلوا فكرة موته، توجب عليه أن يتقبل هو الآخر فكرة الموت.

في نهاية المطاف ستبقى جدلية الحياة والموت قضية سرمدية وحقيقة لا تنتهي في الأعمال الأدبية مع أنها قضية ليست جديدة وتجسدت مرارًا وتكرارًا في العديد من الأعمال الأدبية منذ قديم الأزل، لكنها ستظل قضية مطروحة أمام جميع المبدعين، فليتنافس المتنافسون في عرض هذه الجدلية بشكل مغاير يبهر القراء ويدفع إلى المزيد من الدراسات والتأويلات حولها.