«قلوب قاتلة» للسعودي حامد الشريف ثنائية الظل والأثر

«قلوب قاتلة» للسعودي حامد الشريف

ثنائية الظل والأثر

في رواية «قلوب قاتلة» -منشورات جدل، 2025م- للروائي السعودي حامد أحمد الشريف، تبدو العلاقة الثنائية بين شخصيتين محوريتين، تنطلق من إحداهما عملية البحث الاستقصائي، والأخرى هلامية، مسرود عنها بِسمة الحضور الكاشف لهتك ستر المسكوت عنه الباحث عن وجه من أوجه الحقيقة، والمتمثلة في شخصية الآخر/ الظل، أو ما يؤدي إليها من أثر يتجمع من خلال وجود شخصيات ثانوية تمثل عناصر مهمة من عناصر الوجود الواقعي المخاتل المضمر عبر غلالات من الغموض تطمس إحداثيات الوجود المفارق للشخصية/ الظل، التي لا ينتهي أثر وجودها حتى الرمق الأخير من النص الروائي.

وإن كان من خلال هلاميتها ووقوعها في أسر مكان/ بيئة لها طقوسها ورموزها وما يميزها من ملامح تجمع بين بيئات متعددة تحصرها بين البحر وأنثروبولوجيته وبين المكان/ الصحراء/ القرية الساحلية القبلية المقتطعة منها من خلال موروثها الذي يفرض سماته وحاكمية وجود أنماطه الإنسانية، ونماذج تمثل شواهد على تلك البيئة/ المكان وما يفرزه من ثقافة تعامل مع الواقع، كما تميزها علاقة بالغة الحساسية والأهمية والإثارة والاشتباك مع عنصر المرأة وإشكاليتها في هذه البيئة المخاتلة التي تعاني فصامًا أخلاقيًّا بين ماهية المعلن والمسكوت عنه في فضائها الضيق/ الرحب على حد سواء، ما يعمق من إشكالية وجودية المكان، والوضعية الإنسانية الراهنة بميراثها وموروثها معًا، مع ما يرافقها في تلك الرحلة من موتيفات الموروث الشعبي والبيئي المرتبطة.

«لم تكن يومًا «حلة الصعايدة» أكثر هدوءًا من هذا المساء بعد أن كثر اللغط خلال الأيام الماضية حين انشغل الجميع باختفاء «صالح محمد سعيد الشرومة»، ثمة من يقول: إنه موجود في سرداب سري أسفل بيتهم، بناه والده حتى يخفي أثره ويسجنه ما بقي من حياته، ويدعي أنه هرب، ويكاد هؤلاء يقسمون على ذلك» (ص9).

من خلال المكان المميز بسماته القبلية شبه المنعزلة، تبدو الشخصية/ الظل في بؤرة الحدث الروائي الممتد والمتشعب، بحالة من الجدل القائم على التشكك وإثارة المخيلة الفردية والجمعية على حد سواء، فيما يضمره الوعي الشعبي بالمكان وحكاياته والآثار الدالة عليها من خلاله، ومن خلال ما وقر في النفوس وما يتداول في الخفاء من مسكوت عنه يرتبط بأسرار المكان المغلق بغموضه، وبما يضغط به هذا الغموض لإحداث حالة من الجدل حول ماهية القتل.

أزمة السارد/ الواقع المخاتل

العنوان «قلوب قاتلة» يجمع بين مفردتين مطلقتين: إحداهما اسم، والأخرى صفة تحمل معنى الفعل، دلالة على قسوة مضمرة في مجملها، والتعميم وشيوع مبدأ القتل لديها، كعلامة نصية مهمة إلى حالة من حالات القتل المعنوي التي يحمِّلها العنوان بوظيفته المهمة، على متن/ أثر تبدو فيه حالة اختفاء/ موت مقترنة بشكوك وأقاويل ولغط شديد ينتاب بيئة متحفظة على أسرارها، في حين هي قائمة في موروثها على تناقل المرويات والأقاويل كسمة توالد أحداث مقترنة بحكي متواتر مرتبط بالجلسات والمسامرات كتعبير عن جانب من جوانبها، إلى جانب مادة/ إشاعة/ حالة القتل المادي الذي ربما تعرضت له تلك الشخصية/ الظل المتمثلة في «صالح الشرومة»، مع الاقتراب من دوائر الأسرار المغلقة، والمغلفة بالغموض غير المبرر في كثير من الأحيان، بسمة اغتراب نفسي مرتبط بتفاصيله وأثر ذلك فيه.

تبدو كل الأطراف/ الشخصيات المتصارعة -في وعي شخصية باحثة عن الحقيقة/ الضابط «أسعد»- على إخفاء الحقائق المرتبطة بشخصية جدلية يرتكز عليها العمل الروائي، صالح، ومفارقة وجوده الرئيس كشبح دون تجسيده -كمحرك وبؤرة للحدث السردي- بمفهوم الوجود المحسوس من خلال آخرين، ربما أقحمهم السارد الرئيس/ ضمير النص المنفصل عن ذوات تلك الشخصيات، على مشهده السردي بتفاصيله؛ ليتقاطعوا معه وظيفيًّا من أجل إبراز بعض الحقائق/ التكهنات مع التكتم على المزيد من الأسرار التي تسعى إليها الشخصية بحكم عملها، وبحكم وجودها الفضولي:

«كان عليه التعامل مع شرائح المجتمع كافة إن أراد بالفعل الوصول إلى الحقيقة التي بات على يقين من أنه لن يصلها بالارتهان لحدس حاسته السادسة في انتقاء المشتبه بهم» (ص35).

ما يُدخل الرواية في دوائر عدم الإمكان بالرغم من وجود العديد من المفاتيح السردية/ الإنسانية الكاشفة التي ربما توزعت على العديد من الأنماط البشرية الموجودة في المكان/ البيئة، والتي تحكم وجودها مجموعة صلات وعلاقات تصنع ما يشبه شبكة متسعة للمزيد من التناقضات، ومن ثم الكشف عن روافد كثيرة لسمات الوجود في ظل مكان زاخر بشخوصه/ رموزه، بثيمة التعقب ومحاولة التحقيق غير المباشر لحالة إنسانية واراها التراب/ الغياب على حد سواء من خلال سمة غرائبية يتعامل بها شخوص الرواية مع واقعهم:

«عندما وصل إلى تلك النتيجة لم يستغرب انسداد الأفق الذي يعيشه، وغياب المعلومة التي يبحث عنها، فصالح بالنسبة لهم موجة عاتية لكنها عابرة، أو هبة ريح عاصفة ما لبثت أن تلاشت وتخلصوا منها، وعادوا إلى ممارسة الحياة بالطريقة التي ألفوها» (ص56).

حامد الشريف

هكذا تبدو نظرية المؤامرة على الوعي الكاشف، التي تركن إليها فلسفة تناول الشخصية الباحثة تجاه موقف يزداد تعقيدًا بالنسبة له على الأقل، ومن خلال وضع الشخصية/ الشخصيات المغدورة وتأثير ربما كشف عنه الهاجس والحدس إضافة إلى إشارات المجتمع الممثل للمكان إلى ذلك، بما لها من آثار جلية في الوعي، وبما تحمله من ثقل معنوي ضاغط ربما أدى إلى فكرة المؤامرة، ومن خلال أنماط بشرية تعامل معها من زاوية الحدث وزاوية المعرفة التي لا يملك مفاتيحها، لكنها ربما أعطته مفاتيح تشرع الأبواب على تلك العوالم المتفجرة من خلال تاريخها وسلوكياتها وسماتها وعلاقاتها مع بعضها أو مع الشخصية المفقودة/ الغائبة على حد سواء، وعلاقاتها بالمكان، وما يستتبع ذلك من حالات قتل وافتقاد، تعقبها سلسلة من علاقات وأزمات نفسية ومعنوية.

هكذا تتداخل الرؤى وتتشوش وتدخل في دوائرها كل الاحتمالات والعودة مجددًا إلى دروب قد تركها الباحث الذي يرصد بكثير من التعمد سمات نفسية مرتبطة بالمكان المغلق، وكأثر لانغلاقه وكتمانه للحقائق، حيث يحتدم أيضًا الحس المحموم بضرورة اقتناصها بالرغم من كل العوامل التي تسمح لليأس أن يتسرب إلى الذهنية المتقدة التي يتعامل بها المسرود عنه الرئيس مع هذه الحالة المتشبعة بالحذر، وكثرة المسالك التي يمضي فيها الغموض وتلك العلاقات الملتبسة والأسئلة التي تثير الشكوك وتزيدها تعقيدًا، ما يدخله في دوائر من عدم الاكتمال والإمكان على حد سواء:

«وقد بدأت الأفكار تتصارع في ذهنه وتكاد تقضي عليه، قرر إصمات عقله وعدم التفكير مطلقًا في الحوادث كلها، لكنه تذكر في تلك اللحظة أن هناك متهمًا آخر ربما يكون أقرب من كل هؤلاء، وتذكر غياب فرهود الذي بدأ يقلقه ويخشى أن يكون أصابه مكروه» (ص 248).

تمضي الرواية على وتيرة التردد بين اليأس وانبعاث الأمل من جديد في شأن حل لغز تلك الأحاجي التي يبرزها الواقع ويفرضها على الوعي المؤرق لشخصية ربما وصلت إلى مرحلة محاربة طواحين الهواء، تلك التي تتوالى على وعيه وإدراكه بالمزيد من حوادث غامضة لا تفسير لها، ولا مناص من البحث فيها ووراءها في سلسلة لا تنتهي من الانتهاكات الإنسانية التي لا يجد من ورائها ولا من ينفذها على هذا القدر من الغموض والحيطة الشديدة والتكتم وعدم قدرة أي إنسان في هذا المحيط على الإرشاد أو الإخبار عن ماهية ما يحدث ولا قدرة على الاستشهاد بأي شهود؛ لتزداد الدائرة ضيقًا وحصارًا وإثارة.

يبدو دور الحاكم لتلك البيئة/ الحارة المتمثل في «العمدة» بملامحه العبثية اللامبالية، كشخصية ظل على هامش تلك الحوادث والمجريات بالرغم من وجوده القائم وتجسده الظاهر، ولكن بهيمنة وجود كاذبة أو مخادعة، ما يثير أيضًا الشكوك ويدخله في دائرتها، ذلك الأثر الواضح الذي يبدو، من خلال علاقة شخصية العمدة بما حوله، وكأن الشأن لا يعنيه، وهو ما أشار إليه السارد في بدايات اقتحام سرده لتلك المرويات التي تروى عن رموز القرية/ المكان، انتقالًا ودورانًا حول كل الشخصيات الدائرة في فلك المكان، يوظفها السارد، على مدار سرده، فيما يشبه لعبة «الكراسي الموسيقية» الخاضعة لمعايير الشك واليقين من جهة، ومن أخرى رائحة الدلائل العقلية والذهنية على مدى تورطهم في تلك الحوادث، أو استبعادهم منها في حالات من الإقصاء والدنو المتكررة، والمتأرجحة.

بما يمثل ضغطًا نفسيًّا على شخصية الباحث المتورط بفكره وإعمال ذهنيته في اتجاه كل صغيرة وكبيرة تدور في هذا الفلك المُعتم الغامض، لتبدو النهاية أكثر غموضًا وإثارة للسخرية واستعادة حالة اللغط التي تميز تلك المجتمعات التي تتيه فيها الحقائق تحت ستر المسكوت عنه، كموروث للبيئة التي تلقي بظلالها على كل شيء، كما تعدم الظلال المتحولة فيها حياتها لتبقى أثرًا يتعانق مع أثر المكان؛ لتعود حالة الاعتياد الساخرة لتغلف علاقات كل الشخصيات ببعضها في هذا الفضاء العجيب، حتى الانتهاء/ الإيهام بانتهاء تلك العاصفة التي أحدثتها هذه الشبكة من العلاقات المخاتلة والغامضة فيه، والتي تشير في مضمونها/ مجمل نتائجها إلى علاقات اجتماعية فاسدة مختلطة بتطلعات وخيانات وقصور في التعامل مع اللحظات التأسيسية للواقع المعيش بين الشخصيات المرتبطة بالمكان والملتصقة به والخاضعة لحاكمية وجوده.