بواسطة خلف سرحان القرشي - كاتب سعودي | مايو 1, 2026 | مقالات
في مقالته الفاتنة «طموح القصة القصيرة»، يرسم «ستيفن ميلهاوزر» صورة مدهشة لهذا الفن؛ يتخيله كائنًا ضئيلًا يجلس في زاوية المشهد الأدبي، مطرق الرأس، خفيض الصوت، يهمس في أذن القارئ بمسكنةٍ خادعة: «لستُ رواية.. فإذا كنت تبحث عن العوالم الممتدة والآفاق الفسيحة، فلستُ بغيتك».
في المقابل، تندفع الرواية كطائرة «جامبو» عملاقة، تبتلع السماء والأرض بمحركاتها الهادرة، كائنًا شرهًا لا يشبع، يروم احتواء الوجود بأسره داخل قمرة قيادته، فارضًا سطوته على مخيلة القارئ المعاصر. حين اشتغلتُ على ترجمة تلك المقالة، لم أقف عندها بوصفها دفاعًا عاطفيًّا عن فنٍّ يُوصف بالقصر، بل بوصفها مساءلة وجودية لفكرة «الحجم»: لماذا نربط الامتداد بالقيمة؟ ومن الذي أقنع الوعي الجمعي بأن «الأكثر» هو بالضرورة «الأهم»؟ وهل المساحة الجغرافية للنص هي التي تحدد عمق أثره في الروح؟
سيكولوجيا السكن.. ومنطق الهرب من الذات
يبدو السؤال هنا مُلِحًّا ومستفزًّا: إذا كان عصرنا هو عصر السرعة، فلماذا تظل الرواية -رغم ضخامتها- هي المهيمنة؟ ولماذا لا تستعيد القصة القصيرة مكانتها المركزية في زمنٍ يشتكي فيه الجميع من ضيق الوقت؟
الحقيقة أننا لا نفتقد الوقت بقدر ما نفتقد «التركيز». نحن مستعدون لقضاء الساعات أمام المسلسلات الطويلة، أو التيه في رواية من خمس مئة صفحة، والسر يكمن فيما أسميه «وعد الإقامة». الرواية تمنح القارئ وطنًا بديلًا، وحياةً موازية؛ هو لا يزورها، بل يستأجر غرفًا فيها، يصادق شخوصها، يراقب تحولاتهم عبر الزمن، وينتظر مصايرهم بألفة الجار لجاره. إنها توفر «أمان التراكم»، حيث يذوب القارئ في حكاية الآخرين هربًا من رتابة حكايته الشخصية.
أما القصة القصيرة، فهي لا تعد بإقامة، بل بـ«صدمة». إنها لا تمنحك ترف التدرج في التعارف، بل تضعك في قلب المفارقة مباشرة، تهز ثوابتك، ثم تنسحب فجأة تاركة إياك في مواجهة الفراغ أو السؤال. وربما لهذا يفضل القارئ الرواية؛ لأنها «ملاذ» يغيب فيه الوعي بالذات، بينما القصة القصيرة «مرآة» تصادمك بحقيقتك في لحظة واحدة مكثفة. والمرآة، كما نعرف، ليست مريحة دائمًا.
حبة رمل بليك: رؤية اللانهائي في المحدود
في نص «ميلهاوزر»، تترك القصة للرواية امتلاك الشواطئ الشاسعة، وتكتفي هي بامتلاك «حبة رمل» واحدة. وهذه الاستعارة ليست مجرد صورة بلاغية، بل هي استحضار واعي للمنظور الصوفي في قصيدة الشاعر الإنجليزي ويليام بليك: «أن ترى العالم في حبة رمل.. والجنة في زهرة برية.. أن تمسك اللانهاية في راحة يدك.. والأبدية في ساعة».
هنا يكمن الجوهر الفلسفي الذي تحاول القصة القصيرة إثباته: إنها لا تحاول محاكاة اتساع العالم عبر التراكم، بل تحاول «تقطيره» في أنبوبة اختبار. حبة الرمل لدى بليك وميلهاوزر هي الذرة التي تحتوي في داخلها مجرة كاملة من المعنى. إنها فلسفة «الكل في الجزء». بينما تراهن الرواية على «الكمّ» لتصل إلى الشمول، تراهن القصة على «الكيف» لتمسك بالجوهر. إنها ثقب في جدار الواقع ينفتح على لا نهاية من الاحتمالات.
عبء الكثافة ومخاطرة الاقتصاد
في قصص يوسف إدريس، نجد أن «نظرة» عابرة في زحام القاهرة قد تختصر تاريخًا من القهر الاجتماعي، وفي نصوص زكريا تامر، يحمل المشهد الذي لا يتجاوز بضعة سطور توترًا سياسيًّا يفوق ما تقوله خطب أو روايات أيديولوجية مطولة.
هذا النوع من الكتابة ليس «اختصارًا» كما يظن بعضٌ، بل هو «اقتصاد حاد» وخطير. في الرواية، قد يتسامح القارئ مع فصل ضعيف أو وصف مائل للإطالة، فالبناء الضخم يحمي نفسه. أما في القصة القصيرة، فإن كل كلمة هي عصب حي، وأي زيادة هي ترهل يهدد النص بالسقوط. القصة القصيرة ترفض الحشو؛ لأنها تعتمد على «التوتر العالي»؛ وبمجرد أن يسترخي النص، تنطفئ شرارته.
سلطة المؤسسة ووهم التفوق
لا تكرس الرواية هيمنتها بفعل التفوق الجمالي المحض، بل بفعل «منطق السوق» ومنظومة الجوائز التي تمنح «الامتداد» قيمة مادية واعتبارية. الإعلام الثقافي يتعامل مع الرواية كـ«حدث» اجتماعي وتاريخي، ودور النشر تراهن عليها؛ لأنها المنتج الأكثر استقرارًا في ذهن المستهلك. المجموعات القصصية تبدو في هذا السياق كـ«ألبومات صور» متفرقة، تتطلب من القارئ جهدًا مضاعفًا في إعادة التمركز مع كل قصة جديدة، وهو جهد يبدو أن القارئ المعاصر يرفض بذله.
ما الذي يبقى؟
إن هيمنة الرواية لا تعني سموّها، وتواري القصة لا يعني ضعف أدواتها. نحن أمام رؤيتين للعالم: رؤية «روائية» تريد امتلاك الوجود عبر تجميعه قطعة قطعة، ورؤية «قصصية» تكتفي بأن تلمس الوجود في لحظة تجلٍّ صوفية واحدة.
في عالم يضج بالحكايات الطويلة، يبقى الرهان الحقيقي على «الأثر» الذي لا يمحى. فالمسألة ليست في عدد الصفحات، بل في مقدار الضوء الذي يتركه النص في الروح. فالسؤال الذي يطاردنا بعد إغلاق الكتاب هو: هل استطعنا -كما أراد ويليام بليك- أن نرى العالم بأَسْرِهِ في حبة رمل واحدة؟
بواسطة خلف سرحان القرشي - كاتب سعودي | مايو 1, 2020 | مقالات
لا يزال انتحار الروائيين الشهيرين العالميين؛ الأميركي إرنست همنغواي، والياباني ياسوناري كواباتا يثير اهتمام الكتَّاب والأدباء والمهتمين بالفكر والثقافة، والمعنيين بالجوانب النفسيَّة في مختلف أنحاء العالم رغم مرور عقودٍ عدة على انتحارهما، ولهذا الاهتمام مبرراته المقنعة وأسبابه المنطقيَّة، وثمَّة قواسم مشتركةٌ بين انتحاري هذين الكاتبين، وفي المقابل هناك فوارق، وفي الأسطر الآتية أعرض لبعض هذه القواسم والفوارق.
إنَّ انتحار أيِّ شخصٍ كان، لهو أمرٌ جللٌ تحرمه الأديان، وترفضه الفطرة السليمة، ويتنافى مع قدسيَّة الحياة. وأكثر ما يقع من أناسٍ هزمهم اليأس، وحطَّمهم القلق، واستبدَّ بهم الاكتئاب، وأرَّقتهم أسئلةٌ وجوديةٌ كبرى، وتسلطت عليهم أمراضٌ نفسيَّةٌ أو جسديَّةٌ أو كلاهما، وعجزوا عن التأقلم مع المجتمع، أو وقعوا أسارى لأنواعٍ من الإدمان، أو ضحايا لفشلٍ ذريعٍ، أو حلَّت بهم مصيبةٌ كبرى لم يستطيعوا من أثرها فكاكًا، أو ممن يكون وعيهم قاصرًا ومحدودًا على الصعيد المعرفيِّ والإنسانيِّ، فهل يمكن أن يُصَنَّفَ صاحبانا:همنغواي وكواباتا من بين هؤلاء؟
إنَّ كلًّا منهما مشهورٌ وناجحٌ وحاصلٌ على جائزة نوبل للآداب، وترجمت أعمالهما إلى مختلف لغات العالم، كما أنَّ في أعمالهما المختلفة تمجيدًا للإنسان، وإشادةً بخلوده من خلال ما يصنعه في حياته من مجدٍ يبقى له أثرًا بعد مماته، وهو الأمر الذي يبقي باب السؤال مشرعًا: كيف ينهي الكاتبان حياتيهما بالانتحار؟ وكثيرٌ من الناس اعتبرهما معًا أو كلَّ واحدٍ منهما على حدةٍ_ قدوةً تحتذى، وتأثر بنضالهما الأدبي في سبيل انتصار قيم الخير والحبِّ والسلام والعطاء.
في عزِّ شبابه، وفي غمرة نجاحه الأدبي، وبعد حصوله على جائزة نوبل للآداب بأربع سنواتٍ فقط، كأول أديبٍ ياباني يحصل عليها، أقدم (كواباتا) وهو في سن الثالثة والسبعين من عمره على الانتحار، وذلك في 16 إبريل 1972م. ففي صبيحة ذلك اليوم قام بخنق نفسه بالغاز من دون أن يترك أيَّ رسالةٍ تبين السبب، أو أثرٍ يفصح عن السر وراء هذا السلوك، مبقيًا الأمر مكتنفًا بالغموض، مثله مثل بعض مقاطع من أعماله الإبداعيّة المختلفة. ومن الطبيعي إزاء حدثٍ كهذا أن تكثر الشائعات، وتروج الأقاويل لتسد فجواتٍ في الحكاية الأليمة تلك؛ ومنها أنَّ انتحار كواباتا كان بسبب معاناته اعتلالًا صحيًّا، وقيل: إنَّه نتيجة قصَّة حبِّ عاقت إتمامها تقاليد وأعرافٌ اجتماعيةٌ قويّةٌ، وقيل أيضًا: إنّه نتيجة معاناته النفسيَّة والجسدية من شيخوخته التي عَبَّرَ عنها كأجمل ما يكون التعبير في روايته الشهيرة «الجميلات النائمات»؛ ذلك العمل الخالد الذي أدهش أسطورة السرد العالمي الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز، وأشاد به كثيرًا، بل تمنى لو أنَّه أبدعه، وبوحي منه ألَّف قصَّته القصيرة «طائرة الحسناء النائمة». وبعد ذلك روايته «ذاكرة غانياتي الحزينات».
ومما أشيع عن سبب انتحار كواباتا أنه نتيجة صدمةٍ نفسيَّةٍ شديدةٍ بعد انتحار تلميذه وصديقه الروائي الياباني الشهير أيضًا يوكيو ميشيما عام 1970م. ويذكر تاكيو أوكينو، كاتب سِيَرٍ ذاتيَّةٍ ياباني أنَّ شبح ميشيما ظلَّ يزور كواباتا مدةً تُراوح بين مئتي ليلة وثلاث مئة ليلةٍ متتاليةٍ منذ انتحاره. غير أنَّ انتحار ميشيما لم يكن غامضًا مثل انتحار أستاذه كواباتا، فقد انتحر بطريقة الساموراي اليابانية التقليدية على رؤوس الأشهاد. ففي صبيحة اليوم الموعود ارتدى ميشيما وتلاميذه ملابس الساموراي، وتوجه إلى مكان التنفيذ، ووقف في شرفة الجنرال، وجمع الجنود في الساحة، وألقى خطبته الأخيرة، وركع على ركبتيه، وقتل نفسه بطريقة السبوكو المتمثلة في غرز السيف في أحشائه، مبتدئًا بمنطقة محدّدةٍ تسمى رأس المعدة.
وإذا كان الشيء بالشيء يذكر، فإنّ الطقس الاحتفالي الذي اتبعه بدقةٍ متناهيةٍ ميشيما عند انتحاره يأتي كأنّه استجابةٌ حرفيَّة لمقولة شهيرةٍ من منتحرة شهيرةٍ وهي شاعرةٌ وروائيةٌ وكاتبة قصةٍ قصيرةٍ. إنَّها الأميركية سليفيا بلاث التي قالت:
«الموت فنٌّ، مثل أيِّ أمرٍ آخر.
وأنا أتقنه بفرادةٍ ملموسةٍ.
أفعله ليكون حريقًا
أفعله ليكون كالحقيقة.
بل يمكن القول بأنّني ممسوسةٌ.
كم هو سهلٌ، يمكن فعله في زنزانةٍ
سهلٌ، حد لقائه بثباتٍ ورصانةٍ».
وقد صدَّق قصيدتها هذه إقدامها على الانتحار ونجاحها في المحاولة الثالثة حين قامت بحشر رأسها في الفرن الذي كان قيد التشغيل بعد أن وضعت مناشف مبللةً تحت الأبواب لتحجز تسرب الغاز إلى غرف طفليها. كانت تبلغ من العمر وقتها ثلاثين عامًا فقط. وذلك في عام 1963م، أي قبل انتحار ميشيما بسبع سنواتٍ. وكأنَّ ذلك الانتحار آخر قصائدها عن الموت.
نضال ضد الحياة
ومن انتحار كواباتا في شرق الكرة الأرضيَّة إلى انتحار همنغواي في غربها ومن المصادفات أنَّ (همنغواي) هذا ولد في العام نفسه الذي ولد فيه كواباتا، 1899م. وهمنغواي أبدع عشرات الروايات، ومئات القصص القصيرة، والقصيرة جدًّا مثله مثل كواباتا. ومن أشهر أعمال همنغواي الروائية «الشيخ والبحر» التي نال عليها جائزة نوبل عام 1954م، وهي روايةٌ تجسد فكرة أنَّ عظمة الإنسان ومجده يكمنان في نضاله في هذه الحياة، وفي تشبثه بالأمل والحلم، وأنَّ خلوده يبقى من خلال الصيت والذكر الحسن. وتبعث الرواية أسئلةً قَلِقَةً تتعلق بالحظ حينما يبتسم، وحينما يعبس، وبنسبيَّة النصر وغير ذلك. وبطل الرواية شيخٌ مسنٌّ: سانتياغو صيادٌ بلغ من الكبر عتيًّا، أمضى أربعًا وثمانين يومًا من غير أن يفوز بسمكةٍ واحدةٍ. وفي يوم خرج إلى البحر، وعلقت بخيوط قاربه سمكةٌ كبيرةٌ جدًّا حجمها أكبر من حجم القارب، وظلَّ يصارعها عدَّة أيامٍ وليالٍ، وأخذته وقاربه بثقلها وقوَّتها بعيدًا من الشاطئ، لكنَّه تمكن في النهاية من الإمساك بها وربطها في المركب. وفي رحلة العودة هاجمته مجموعةً من أسماك القرش تريد السمكة، فأخذ سانتياغو يصارعها، غير أنَّها انتصرت عليه في النهاية، ولم يبقَ من السمكة الضخمة غير هيكلها، الذي تركه على الشاطئ ليكون فرجةً للناظرين وأعجوبةً، وعاد إلى منزله منهكًا. وعندما رأى الناس هيكل السمكة اندهشوا من كبرها، وعظمتها فبقي اسم الصياد سانتياغو مرفوعًا ومفتخرًا به.
أمّا في رواية كواباتا: «الجميلات النائمات»، فبطلها الرئيس هو الشيخ العجوز إيجوشي؛ الذي ظلَّ يراود زيارة منزل الجميلات النائمات خمس ليالٍ متتاليةٍ، حيث يتمكن العجائز المصابون في رغباتهم بفعل الشيخوخة من قضاء ليلةٍ أو أكثر بمقابل ماليٍّ إلى جانب فتاةٍ مراهقةٍ نائمةٍ تحت تأثير مخدرٍ، يقضون الليل في استعادة وهم شبابٍ ولَّى إلى غير رجعةٍ، ولم يبقَ لهم سوى تذكاره_ بوصف أنَّ «الذكريات صدى السنين الحاكي»، وتأمل انقضاء حياتهم، وانتظار موتهم الوشيك مع ما يثيره ذلك التأمل من أسئلةٍ حبلى بمزيدٍ من الأسئلة.
خَبَرَ همنغواي الحرب وعاش ويلاتها، وأدرك أثرها في شخصية الجندي، وانعكاسها على الإنسان مشاركًا فيها بشكلٍ مباشرٍ أو بشكلٍ غير مباشرٍ، وما تخلفه من دمارٍ وخرابٍ في البلاد، وكذلك في جوانح النَّاس ونفسياتهم وقلوبهم وأجسادهم. فقد شارك في الحربين العالميتين الأولى والثانية وفي الحرب الأهلية الإسبانية، وهي حاضرةٌ في كثيرٍ من أعماله وأبرزها رواية: «وداعًا أيُّها السلاح»، بينما نجد أنَّ كواباتا رفض المشاركة في التعبئة العسكرية التي رافقت الحرب العالمية الثانية، غير أنّهَ صرَّح في أكثر من مرّةٍ بأنَّ للحرب تأثيرها الكبير في معظم أعماله، ومضى قدمًا في هذا الشأن حيث قال ذات مرّةٍ بأنَّه سيقصر كلَّ كتاباته على رثاء بلده: (يابان) ما بعد الحرب.
حرب وشائعات
والمفارقة هنا تكمن في أنَّ بلد همنغواي -الولايات المتحدة الأميركية- هي البلد الذي انتصر في الحرب على بلد كواباتا_«اليابان» أيَّما انتصارٍ، ودمَّرها أبشع ما يكون التدمير بعد أن ألقت عليها قنبلتين نوويتين فتكتا بالبشر وبالحجر فتكًا لم تعرف له الإنسانية مثيلًا من قبل ولا من بعد. فهل للحرب -ولو بأثر رجعيٍّ- سببٌ في انتحارهما؟
ومثلما كثرت الشائعات عن انتحار كواباتا، كثرت أيضًا عن انتحار همنغواي، فقيل: إن امرأته هي من قتلته ببندقيته، وقيل: إن المخابرات المركزية الأميركية ضالعةٌ بشكلٍ أو بآخرٍ في الحادثة، وقيل: إن هجر عشيقته الممرضة الحسناء، أغنيس فون كورفيسكي التي كتب فيها وعنها رواية «وداعًا أيُّها السلاح»، وزواجها من ثريٍّ إيطاليٍّ قد ترك في أعماقه جرحًا غائرًا لم تستطع السنون، ولا النساء الأربع اللواتي تزوجهن بعد هجرها إيَّاه شفاءه منه. وهذا الاحتمال يتقاطع مع ما أشيع أيضًا عن انتحار كواباتا من أنَّه نتيجة علاقة عشقٍ وقصَّة حبٍّ فاشلةٍ.
ويعتقد كثيرون أن شبح تلك الإيطالية، معشوقة همنغواي ظلَّ يلاحقه أيضًا. وبعضهم يلمح إلى همنغواي نفسه قد يكون قاتل معشوقته تلك مستدلين بورقةٍ يرجح أنّه كتبها قبل انتحاره ضمَّنها قوله: «لم أعد أحتمل! إنها تلاحقني ليل نهار. في عينيها الجميلتين نظرة عتابٍ مروِّعةٍ. لم تكن خائفةً مني. كم كنت نذلًا… لكنني لم أكن أقصد يا (آجي). أنتِ تعرفين أنني لم أكن أقصد». ويقال أنَّ تلك الورقة أخفيت عن المحققين، وعثر عليها لاحقًا بالمصادفة المحضَّة الفتى الصغير جاك هولدن بين صفحات كتابٍ استعاره من المكتبة العامة في مدينة هيوستن.
وإن صحت روايتي شبحي: صديق كواباتا، وعشيقة همنغواي، فثمَّة قاسمٌ مشترك بين انتحاريهما لا يخفى، مع فارقٍ كبيرٍ فيما يبدو في طبيعية كلِّ شبحٍ منهما، وغرضه من الزيارات المتتالية، فشبح عشيقة همنغواي فيما يبدو يزوره مؤنبًا ومعاتبًا، بينما شبح كواباتا يأتيه على الأرجح شوقًا وحبًّا. وكم هي الحال في معظم حالات الانتحار، فقد نفت أسرتا همنغواي وكواباتا أنَّهما انتحرا، وزعمتا أنَّه حادث عرضيُّ. «الشرق شرقٌ والغرب غربٌ.. ولن يلتقيا أبدً». مقولةٌ شهيرةٌ للشاعر الإنجليزي: روديارد كبلنغ لا تنطبق على حادثتي انتحار الروائيين العالميين همنغواي وكواباتا.