آلية تشكُّل سيميائية الزي والفاعلية التدليلية لعلامة الرداء

آلية تشكُّل سيميائية الزي

والفاعلية التدليلية لعلامة الرداء

من الحكايات التي يحتفظُ بها التراثُ الإنساني ويلوحُ فيها انزياحُ وظيفة الرداء من ستر الجسد إلى تمثلات ذهنية طبقية قاصرة تُقَيِّمُ الآخر في ضوء ما يرتديه، أنَّ أحدهم -وكان رجلًا حكيمًا- لم يحفلْ به أحدٌ لبساطة ما يرتديه، ولم يُقدَّمْ له الطعامُ في مأدبة متاحة للجميع، فما كان منه إلا أنْ غادرَ مسرعًا ليرتدي ما هو فخم وجذاب، فاستُقبِلَ في المرة الثانية بحفاوة وتكريم ووضعت أمامه مائدة عامرة تعكس اهتمامهم بما يرتديه لا بشخصه، فبادر بالتهكم منهم فوضع طرف رداءه وغمسه في إيدام الطعام قائلًا : «كُلْ يا رداء».

الحكاية وإنْ كانت تتضمن نقدًا لثقافة المظاهر السطحية القاصرة إلا أنَّها في الوقت نفسه تعكس حقيقة أن الآخر تتمثل صورته من خلال ما يرتديه من أزياء. ومن يطالع المعجمات اللغوية الحديثة التي أدخلت الصور والأيقونات في شرح معاني المفردات وما تحيل إليه يلحظ حضور الرداء والزي في بيان تلك الكلمات. فكلمات مثل (درزي) و(كردي) و(راهب) تظهر صورهم بأزيائهم التي تصور هوياتهم الفرعية وهذا ما نجده في معجم المنجد.

الزيّ بوصفه خطابًا

واحدة من وسائل توليد الألفاظ التي ترتكز عليها آلية المجاز المرسل في تسمية الشيء بما يلاصقه ويجاوره باعتماد مبدأ الملازمة. واحدة من تلك الوسائل هي تسمية الجسد بالرداء، فالرجل العفيف يقال عنه (نقي الجيب) و(طاهر الأردان) و(الأفندي والعمامة والطربوش وأصحاب الياقات البيضاء وأصحاب الياقات الزرقاء) كلها ألفاظ لها دلالات لتشكلات وجماعات فكرية ومهنية يجري التعبير عنها بما كانت ترتديه في وقت من الأوقات. وفي الصحافة الرياضية والتعليق الرياضي تشيع ألفاظ لونية كنائية عن أندية وفرق كرة القدم انطلاقًا من لون الملابس الذي يرتديه كل فريق، وهذا كله يصب في أنَّ الزي يشكل رسالة بصرية ترتبط بتمثلات الآخر وهويته، ولا سيما إذا كان الزي مهيبًا بغض النظر عن كونه بسيطًا متواضعًا أو يدل على الفخامة.

إنَّ التخلي عن الزي يمثل خروجًا عن الدلالة الرمزية للزي وعدم استلهام ما يتضمن من إيحاء قيمي، وقد يدل تغيير الزي على تحول في الهوية وخلق هوية بديلة. فالعباسيون بعد أنِ استقام لهم الملك اتخذوا لون السواد لونًا لعمائمهم بدلًا من الأخضر الذي كان يرتديه العلويون؛ ليمثل السواد تقابلًا أيديولوجيًّا مع اللون الأخضر وكونهم الطبقة الحاكمة.

يحتفي عالم الاجتماع الفرنسي (بورديو) في كتابه «الهيمنة الذكورية» برواية «أورلاندو» للكاتبة الإنجليزية (فرجينيا وولف) حيث يتحولُ البطلُ في روايتها بطريقة عجائبية إلى أنثى. وهي من الروايات التي تهتم بالنسوية وبقضايا المرأة، وتجسدُ مفارقاتٍ كثيرة تحدث للبطل الرجل حينما يتحول إلى جسد أنثى بعقل رجل من بينها تقاطيع جسده الجديد وما يرتديه من ثياب أنثوية لا تتيح له الحركة والحرية كما تتيحها ثياب الرجل. فالهوية الأنثوية الجديدة لها إرغامات تسهم في خلق الحبكة وواحدة من تلك الإرغامات ملابس الأنثى التي يتوجب عليه ارتداؤها.

إنَّ زي المرء وما يرتديه يتشكلُ من خلال ما يفرضه جسده وانتماؤه القيمي الاجتماعي ودخله المادي وقبل ذلك كله ذوقه الشخصي ومقتضيات الملاءمة وحرية الحركة والجلوس والتنقل وستر الجسد. فالزي يمثل رسالة بصرية تخضع للمعالجة الذهنية والفهم السريع أكثر من الرسالة اللغوية، فالأخيرة تتشكل في مسار خطي تعاقبي في توالي الفونيمات الصوتية والفواصل الزمنية الدقيقة التي تبلغ أجزاء من الثانية الواحدة في أحيان، وكل ذلك يستلزم وقتًا أطول ومعالجة متأنية مقارنة بتلقي الرسالة البصرية التي يتمثلها الذهن في بعد كلي (جشطالتي) بنحو أسرع من غيرها من الرسائل المكتوبة أو الصوتية.

بلاغة المظهر

والزي هو خطابٌ خاضعٌ للتأويل وليسَ نصًّا منقطعًا عن سياق تشكله وتلقيه، فاللونُ ونوعُ القماش وتفصيل الثوب وما يظهره أو يجسّمه وما يخفيه من الجسد له دلالة اجتماعية من حيث الجرأة والمحافظة والاحتشام، وله دلالة من حيث الملاءمة العمرية للرجال والنساء على حد سواء؛ فيعكس نزقًا أو طيشًا أو يعكس هيبة ووقارًا. وله دلالة في خرق المحظور الاجتماعي القيمي والعرف، وقد يدل على التمرد المغرور العابث غير المسؤول أو التمرد الزاهد المتواضع الثائر على قيم شكلية فارغة ومثاله النزعة الصوفية الروحية الزاهدة، أو يدلُّ على التمرد الساخر الناقم المتصعلك أو يدل على الوقاحة غير المحتشمة والمبتذلة أو يدل على التزمت أحيانًا.

وإذا تفاوتت الخطابات اللغوية في درجة مصداقيتها وتظاهرها في بناها السطحية بمحمولات إبلاغية تتناقض في رياء أو تمويه أو تضليل وخداع متعمد مع ما تبطن في دلالاتها العميقة المستترة فإن الذوق والأزياء تكشف في الغالب حقيقة الفرد وثقافته وهويته وميوله الذوقية، فالذوق بنحو عام وبحسب الناقدة الفرنسية (سيمون دو بوفوار) «الذوق خطاب صادق أبدًا» يشف عن هوية المرء ومزاجه.

ومن النقاد البنيويين الذين استلهموا مقولات (دي سوسير) -في العلامة اللسانية والبنية والنظام في تحليل الخطابات الأدبية والممارسات الاجتماعية والثقافية- الناقد الفرنسي (بارت) الذي دعا إلى انضواء النظر السيميائي تحت لواء الفكر اللساني البنيوي في التحليل مستلهمًا مفاهيم التقابل والمغايرة في تحليل العلامات الأدبية التي امتدت لتشمل الأثاث والطعام والأزياء. فلون البدلة يمثل انتقاء ضمن محور الاختيار يقيد الانتقاءات الرأسية في محور التوزيع فيحد من خيارات لون القميص. والأخير أيضًا يدخل بعلاقة توزيعية مع لون ربطة العنق بعلاقة تجاورية تقيدُ الخياراتِ الممكنة للون الربطة، وهكذا مع بقية الزي.

نظر (بارت) إلى الزي بوصفه علامة دالة على الهوية الاجتماعية، ولا سيما الأزياء المهنية أو المؤسساتية التي تحرص على تمييز منتسبيها بألوان تفرقهم عن غيرهم. فاللون بحد ذاته، بطوله الموجي وتردده الفيزيائي، لا يمتلك فاعلية ذاتية للتدليل بمعزل عن مغايرته وتقابله مع الألوان لمنتسبي المؤسسات الأخرى التي تخالف لون المؤسسة التي يرتديها الفرد.

سيميائيات القناع

تحرص كثير من المؤسسات على إيجاد مناسبة مع حقلها المهني كاللون الأبيض -في زي المؤسسات الصحية- لرسالته البصرية المريحة، واختيار الألوان الغبارية والترابية الصحراوية يناسب زي المؤسسة العسكرية التي تحرص على التمويه والاختباء في المعارك والقتال. والزي في الحفلات التنكرية الغربية يقوم على إخفاء الهوية الذاتية للفرد أو هويته المؤسساتية لدواع ترتبط بالمرح والترويح عن النفس والاحتفاء في الوقت نفسه بالرموز والأيقونات التي شكلت الهوية الجمعية، فهي تتضمن بعدًا كرنفاليًّا عابرًا للحقب التاريخية للحضارة الواحدة.

استدعاء تلك الرموز قد يمثل جانبًا تبجيليًّا أو ناقدًا ساخرًا لها كأزياء العهد الفيكتوري وأيقونة (نابليون) وقناع (هتلر) أو قناع (آينشتاين) الضاحك. ونجاح الزي التنكري ودهشته لا يرتبط فقط بما يخفيه من هوية الفرد فحسب، بل بما يتضمن من استدعاء للرموز القومية في إطارها الكرنفالي، وبما يتضمن من نقد ساخر متحرر لرموز الهيمنة وصناعة الرعب وأيقونات الاستبداد والقبح.

وربما اتخذ التحليل النفسي لسيكولوجية الجماهير الحفلات التنكرية وسيلة للكشف عن الرواسب المكبوتة في اللاشعور الجمعي، فأيقونة (جيفارا) مثلًا أو أيقونة (نابليون) بوصفهما قناعًا تنكريًّا لا يصلحان مع كل ثقافة حتى داخل الحضارة الغربية التي تخضع لديها هذه الرموز لدلالات تصل إلى حد البطولة عند بعضٍ، أو اللصوصية والعنف وإرهاب الحرب عن بعضٍ، فالعلامة السيميائية تكتسب فاعليتها الإبلاغية في الإيحاء والنقد والسخرية داخل الثقافة الواحدة.

وفي الممانعة الثقافية لدى بلدان العالم الثالث والعالم العربي إزاء تيار العولمة، الذي يحاول أنْ يقوض الخصوصية الثقافية وهويات البلدان، تبرز وبشدة مسألة الحفاظ على الأيقونات والرموز المحلية والتثقيف على الاعتزاز بها واستلهام دلالاتها الرمزية، ومن بينها الحفاظ على الأزياء الوطنية والفلكلورية، ولا سيما في المهرجانات الكرنفالية وحفلات افتتاح المهرجانات الفنية والمونديالات الرياضية، والتثقيف على استلهامها في تصميم الملابس والأزياء لتنافس الموضات الغربية حفاظًا على الهوية واستلهامًا للخصوصية الثقافية المحلية.