المصادر العربيّة وسؤال: لماذا نترجم؟

المصادر العربيّة وسؤال:

لماذا نترجم؟

كان لحركة الترجمة اليونانيّة- العربيّة، والتعريب من اللغات الأخرى كالسريانيّة والفارسيّة والسنسكريتيّة، عظيمُ الأثر زمن نشأة الأدب العربيّ القديم بين القرن الثّاني والقرن الرّابع الهجريين. وتزخر المصادر العربيّة، التي تعود إلى تلك الحقبة، بمعلومات حول الفلسفة القديمة والعلوم، والترجمات والتراجم، وحول رعاة الأدب والعلماء الذين شغفوا بقراءة ومناقشة هاته النصوص، إلّا أنّه يصعب، رغم هاته الغزارة في المعلومات، إيجاد أقوال تقدم إجابة شافية عن سؤال: لماذا نترجم؟

من المفيد أوّلًا الوقوف على طبيعة المصادر ذات الصلة ونطاقها حتى نفهم السبب وراء عدم اهتمام أهل ذلك العصر بهذا السؤال، ونقدّر بالضبط ما يمكن أن تقوله لنا كتاباتهم عن الترجمة.

أنواع الموادّ المتعلّقة بالترجمة في التراث الأدبيّ العربيّ

تندرج المصادرُ المتوافرة التي تقدّم معلومات عن الترجمة والتراجم ورعاة الأدب ومواضيع أخرى متعلّقة بها ضمن فئتيْنِ: أولاهما الترجمات نفسها. فكثيرًا ما كان المترجمون والنُّسّاخ يسجّلون معلومات حولها في مقدّمات وخواتيم أو على هوامش النصوص. وليس يتعدّى ما تخبرنا به تعليقاتهم، مع بعض الاستثناءات، ذكرَ ما تُرجم وزمانه ومن قام به. إلّا أنّنا، وفي بعض الحالات، نقف على ذكر من موّل الترجمة والسبب
وراء إنجازها. وتشكّل تعليقات الترجمة الواردة في متن النصوص المترجمة مصدرًا ذا صلة بالموضوع.

وتكاد تكون جميع التعليقات في الترجمات العربيّة من إنشاء شخص واحد هو الطبيب وكبير المترجمين حُنَيْن بن إسحاق (ت: 260هـ/ 873م). فقد ذيّل حُنين الترجمات التي قام بها بملاحظات تفسيريّة وشروح وإضاءات. ووضّح، في الأغلب، منهجَه، ونبّه إلى المشكلات الفيلولوجيّة، وأضاف موادّ تسدّ فجواتٍ في النصّ أو تعين على الفهم. وليست تخبرنا أيٌّ من هذه التعليقات عن الكيفيّة التي فسّر بها حُنين دافعه إلى الترجمة. وإنّما تفتح، إلى حدّ ما، نافذة على فعل الترجمة وعقليّة الترجمان الذي كان يعيد، واثقًا، بناء النصّ، مضيفًا موادَّ مفقودةً، ومعارضًا، أحيانًا، المؤلّف الأصليّ.

والفئة الثانية من الموادّ العربيّة المتعلّقة بالترجمة مصدرها الأدب العربيّ القديم الذي يشمل، فيما نحن بصدده، كتبَ الفهارس والتراجم التي تعود إلى ذلك العصر أساسًا، إلّا أنّه قد يشمل كذلك كتاباتٍ أخرى، كالمصنّفات التاريخيّة والفلسفيّة أو الدينيّة. هذا إضافة إلى أخبار أساسيّة تتعلّق بترجمات بعيْنها -من ترجم ماذا، لمن، ومتى- وتقدّم هاته المؤلفات قدرًا كبيرًا من التفاصيل المتعلّقة بسِيَر المترجمين الأفراد، وأنشطة رعاة الأدب، وتاريخ ترجمة نصوص مخصوصة أو أجناس من النصوص بأكملها، ويمكنها، من ناحية أخرى، أن تنقد ترجمات ومترجمين، بل قد تشكّك، أحيانًا، حتى في قيمة الترجمة ذاتها.

وإنّ كتبَ الفهارسِ أكثرُ المصادر فائدة لفهم حركة الترجمة. ويلفت النظرَ منها كتابان: «رسالة حنين بن إسحاق»، وكتاب «الفهرست» لابن النديم (ت: 385هـ/ 995م أو 388هـ/ 998م)؛ لأنّهما لا يقدّمان قدرًا غزيرًا من الأخبار فحسب، بل لأنّهما كذلك صارا من المصادر الأساسيّة التي يستقي منها من جاء بعدهما من الكتّاب المتصدّين لهذا الموضوع.

كان حُنَيْن بن إسحاق أكثر المترجمين أهمّيّة وغزارة إنتاج في تاريخ الإسلام. وكان إلى ذلك المشارك النشط الوحيد في حركة الترجمة الذي كتب سردًا مفصّلًا عن أنشطته الترجميّة وأنشطة من معه. وقد جاء ذلك في رسالة وجّهها إلى أحد داعميه، وهو عليّ بن يحيى المنجّم (ت: 275هـ/ 888–889م)، الذي كان سأل ابن إسحاق إعدادَ فهرسٍ بالترجمات السريانية والعربيّة لمؤلّفات غالينوس. فكان جوابُ حنين رسالةً تضمّنت معلومات ببليوغرافيّة قيّمة حول الترجمات السابقة، وتراجم المترجمين وأسماء الدّاعمين، فضلًا عن معلومات تقنيّة تتعلّق بطرائق الترجمة. ومن المحتمل أنّه ألّفها سنة 241هـ/ 855-856م، ثمّ أدخل عليها تعديلات بعد ذلك بثماني سنوات، ثمّ أُضيفت إليها زيادات أخرى بعيْد وفاته. وقد أَضْحَت «رسالة» حُنين مصدرًا أساسيًّا للمعلومات المتعلّقة بالترجمات الطبية لجميع من جاء بعده من مؤرّخي الأدب العربيّ العلميّ والطبّيّ، ومن بينهم ابن النديم.

وكان ابنُ النديم ورّاقًا وناسخًا، وهي الحرفة التي أورثها إيّاه أبوه. ولسنا نعرف إلّا النّزر القليل عن حياته، باستثناء أنّه عاش وعمل في بغداد، وأخذ العلم عن بعض أبرز شيوخ عصره، واتّصل بعيسى بن عليّ (ت: 391هـ/ 1001م) الذي كان ابن الوزير الصالح عليّ بن عيسى بن الجرّاح (ت: 334هـ/ 946م) وأهمّ رعاة الترجمة. أَتَمَّ ابنُ النديم «الفهرست» سنة 377هـ/ 988م، وكان يهدف إلى أن يكون فهرسًا لكُتُبِ جَمِيعِ الأُمَمِ من العَرَبِ والعَجَمِ، المَوْجُودِ منها بلُغَةِ العَرَبِ وقَلَمِها. ومن جملة عشرة فصول، يُعدّ الفصل السابع خاصّة المتعلّق بكتب الفلسفة و«العلوم القديمة»، مصدرًا قيّمًا حول الأدب العربيّ الفلسفيّ والطبّيّ والعلميّ، وحول الترجمات العربية كذلك. ولم يقتصر ابن النديم على إيراد قوائم طويلة بالكتب والمترجمين ورعاة الأدب فحسب، بل قدّم، إلى ذلك، معلومات حول مؤلّفي الترجمات.

وتُعَدّ كتب التراجم التي يُطلق عليها اسم الطّبَقات، والمهتمّة بالعلوم، وبخاصّة الطّبّ، جنسًا آخرَ عِلميًّا مهمًّا تطوّر لاحقًا واعتمد اعتمادًا كبيرًا المصادرَ المذكورة آنفًا. ومن أهمّ المؤلّفات في هذا الجنس كتاب «طبقات الأمم» لصاعد الأندلسي (ت: 462هـ/ 1070م)، وكتاب «طبقات الأطبّاء والحكماء» لابن جُلجُل (تُوُفِّيَ بعد 384هـ/ 994-995م)، وكتاب «تاريخ الحكماء» لابن القفطيّ (ت: 646هـ/ 1248م)، وكتاب «عيون الأنباء في طبقات الأطبّاء» لابن أبي أُصَيْبِعة (ت: 668هـ/ 1270م). واحتوت تراجم العلماء في هاته المصنّفات معلومات ببليوغرافيّة مهمّة، وردت غالبًا ضمن قوائم الكتب، وغصّت كذلك بالأخبار التي توفّر تفاصيل قيّمة تتعلّق بشبكات الدعم وبعلاقات هؤلاء العلماء بالحكّام المسلمين ورجال البلاط والموظّفين. وتشهد كثرة الاقتباسات من المصادر اليونانيّة المعرَّبة على شدّة ذيوع هذه المصنّفات وتلقيها لدى الكتّاب المسلمين.

بِمَ تُخبرنا هاته المصادرُ عن الترجمة؟

خلّف العلماء المسلمون، مثلما أشرنا سابقًا، أقوالًا عديدةً حول الترجمة. ويتعلّق جُلُّ هاته الأقوال بحركة الترجمة اليونانيّة- العربيّة، بوصفها جهدًا متضافرًا لتعريب الفلسفة اليونانيّة والعلوم والطّبّ، التي حظيت بتشجيع الخلفاء ورعاية كبار المسؤولين والأثرياء والعلماء، والتي استمرّت تقريبًا من أواخر القرن الثاني للهجرة إلى منتصف القرن الرابع. وقد واصل العلماء فرادى الترجمة وقراءة الترجمات والتعليق عليها حتى بعد انقطاع أنشطة الترجمة المنظّمة، وقد ظلّت الترجمة موضوع نقاش متكرّر الحضور في الكتابات العلميّة خلال العصر المملوكيّ (648هـ- 922هـ) حتى نهايته.

وثمّة إشارات قليلة، في المصادر التي بين أيدينا، إلى الترجمة خلال الحقبة السابقة لبني العبّاس (132هـ/ 749م- 656هـ/ 1258م)، خصوصًا في عقود التاريخ الإسلاميّ الأولى حتى سنة 41هـ. أمّا النَّزْر القليل الموجود فيمكن العثور عليه في المرويّات المتعلّقة بسيرة النبيّ محمّد صلى الله عليه وسلم وبالفتوحات الإسلاميّة، وهو يعكس في الأغلب احتياجاتِ الدولةِ الإسلاميّةِ الجديدةِ الدبلوماسيّةَ والإداريّةَ. وليس ثمّة بعدُ إشارة إلى العلم أو الفلسفة. والمصادر كذلك، مع بعض الاستثناءات، صامتة عن ذكر أيّ سعي إلى ترجمة أعمال علميّة خلال العهد الأمويّ (41هـ/ 661م- 132هـ/ 749م). ويتمثّل الاستثناء الأوّل في النشاط العلميّ المزعوم للأمير الأمويّ خالد بن يزيد بن معاوية (ت: 85هـ/ 704م) الذي قيل: إنّه دعمَ ترجمة كتب في الكيمياء يونانيّة وقبطيّة.

وتعدّ تاريخيّة الأخبار المتعلّقة بعناية حكّام بني أميّة بكتب الطّبّ أمرًا مشكوكًا فيه؛ إذ تُشير بعض المصادر إلى أنّ الطّبيب اليهوديّ ماسرجويْه كان من أوائل المترجمين، وهو الذي عرّب كتابًا في الطّبّ من اللسان السريانيّ، وأخرجه بعد ذلك إلى الناس وبثّه في أيديهم الخليفةُ عمر بن عبدالعزيز (99هـ- 101هـ). ونجد كذلك، في فهرست ابن النديم، من بين الكتب المعرَّبة من الفهلويّة، إشارةً إلى موادّ فلكيّة، بعضُها رُبّما تُرجم لدعم مخطّط العبّاسيّين السّياسيّ خلال الصراع الطويل الذي انتهى بالإطاحة ببني أميّة.

وخلافًا للفترة السابقة، يتجلّى بوضوح الجهدُ المنظّم المبذول لترجمة ما كان متاحًا من التراث الفلسفيّ والعلميّ والطبّيّ اليونانيّ إلى العربيّة خلال أوْج الدولة العبّاسيّة في الكتابات التاريخيّة وقتئذ. وقد تلقّفه العلماء شغفًا به: أنصارًا لبني العبّاس وخصومًا لهم على السّواء. وأضحى تحصيل الحكمة اليونانيّة من خلال الحصول على الكتب اليونانيّة القديمة من السلطات البيزنطيّة وتعريبها والذي يُصوَّر غالبًا في قالب أسطوريّ، عنصرًا مركزيًّا في الدعاية العبّاسيّة. ويُرجِع بعضُ الأخبار تحصيلَ الكتب اليونانيّة إلى الخليفة هارون الرشيد (حكم بين 170- 193هـ)، إبّان حملاته ضدّ بيزنطة وفي صقلّية تحديدًا، أو إلى البعثات التي أرسلها، هو وغيره من الخلفاء أو من كبار رعاة الأدب، إلى الأراضي البيزنطيّة لجمع المخطوطات. وتحتوي أكثر الأخبار ذيوعًا، التي تهفو إلى تفسير الدافع وراء حركة الترجمة اليونانيّة- العربيّة، أَنَّ المأمُونَ (حكم بين 198-  217هـ) رَأَى في منامه أرسطو. وقد حدّث الفيلسوفُ الخليفةَ عن الحُسْن. فعقد الخليفةُ العزمَ، مستلهمًا حِكمة أرسطو، على جمْع الكتب اليونانية القديمة، ورعاية ترجمتها.

وفي الوقت نفسه، أضحى الحصول على الكتب اليونانيّة وترجمتها موضوع جدل في أوساط أهل النقد الديني والمناظرات الذين لاموا العبّاسيّين على ما خلّفته هاته العلوم القديمة من إفساد في الدين. وإحدى المسائل الجداليّة التي يتكرّر حضورها بأشكال مختلفة متعلّقةٌ بالمكتبات المَخْزُونَة؛ إذ قيل: إنّ ملوك بيزنطة قد خبّأوا الكتب اليونانيّة القديمة وأخفوها حمايةً لرعيّتهم من خبث أثرها. لكنّهم، وأملًا في إفساد الإسلام، رحّبوا بتسليمها إلى وفود بني العبّاس التي بُعثت بحثًا عن المعرفة القديمة.

وقد ناقش الترجمةَ في مستواها العمليّ، أيضًا، المترجمون أنفسهم والعلماءُ القرّاءُ على السّواء. وكثيرًا ما كانت مزاعمُ المترجمين بأنّهم قادرون على نقل معنى نصٍّ ما بالضّبط من لغة إلى أخرى تُفنَّدُ بسبب الطبيعة المشكلة للنصوص المترجَمة، تعقيدًا في الأسلوب وفي تصاريف الألفاظ. وكانت المشكلات الاصطلاحيّة مشغلًا شائعًا في المصنّفات الطبية، مثلًا، خصوصًا إذا تعلق الأمر بالمصطلحات النباتيّة والدوائية، حيث يمكن أن يؤدي قصور ما في الترجمة إلى عدم التفريق بين دواء وسمّ. وكان المرجعَ في الأدوية إبّان العصور الوسطى كتابُ «الحشائش» (De materia medica) لدِيُسْقُورِيدُس (بين 40– 90م).

وأشار ابن جُلجل في مقدّمة أحد أعماله المتعلّقة بالأدْوِيَة المُفْرَدَة أنّ الترجمة الأولى لدِيُسْقُورِيدُس كانت ناقصة، وقد مثّل تصحيحها في الأندلس على أيدي مجموعة من العلماء فتحًا علميًّا. ونوقشت دقّةُ ترجمة المصطلحات التقنيّة كذلك في مجال آخر هو الفلسفة، وفي الميتافيزيقا والمنطق خاصة، وقد حبّر فلاسفةٌ، على غرار الفارابي، صفحات عديدةً لمعالجة الإشكاليّات المتعلّقة بنقل فروق مصطلحات أرسطو الدقيقة إلى لغات أخرى.

وتُعَدُّ أخطار سوء التأويل، أو التحريف المتعمّد، مشكلة جسيمة في ترجمة النصوص الدينيّة. ورغم أنّ الموروث الإسلاميّ معترفٌ برسالة الأنبياء السابقين ومصدّق لما أُوحي إليهم، فإنّ ترجمة هاته الرسالة إلى العبريّة واليونانيّة، وتعريب التوراة والأناجيل، قد أحدثا قلقًا كثيرًا وشكوكًا. وقد اتُّهِمَ المترجمون أيضًا بالدّسّ في الكتب الأدبيّة، على غرار كتاب «كليلة ودمنة»، بُغْيَةَ تمرير العقائد المانويّة وغيرها من البِدَع.

وتطلّبت ترجمةُ أيّ كتاب علميّ مهارات عدة حتى قال بعضُ من عاش في القرن الثالث هجريًّا: إنّك لن تجد البتّة مترجمًا، خصوصًا في ذلك العصر، يفي بتلك الشروط تامّة. وفي كتاباته ناقش الجاحظ (ت: 255هـ)، الكاتب البصريّ المعتزليّ والموسوعيّ الشهير، كلا الوجهيْن. فكان شديد الاهتمام بدور المترجم بوصفه عاملًا فاعلًا أكثر منه وسيطًا سلبيًّا، إلّا أنّه لم يكن الوحيد الذي كتب عن ذلك أو نبّه إلى مواطن قصور المترجمين والمشكلات المتعلّقة بنقل النصوص.

ولسنا نحتاج إلى القول: إنّ المعنى لا يسكن الكلمات فقط. وقد اعتنى العلماء على نحو مخصوص بالعلاقة بين الشكل والمضمون، بين اللّفظ والمعنى. وقد تأثّرت بهذا ترجمة الشّعر خاصّة. فكانت فضيلة الشّعر بالنّسبة إلى كُتّاب القرون الوسطى مقصورة على العرب. وفاخروا بقدرة العرب على قول الشعر ارتجالًا، وعدُّوا هذا الفنَّ جوهرَ العروبةِ. فلا عجب إذن من أن يرى بعض العلماء أنّ الشّعرَ لا يمكن أن يترجم؛ لأنّ معنى الأبيات لا بُدّ أن يذهب حسنُها من دون شكلها الشّعريّ.

أخيرًا، سجّل بعض المترجمين شهاداتٍ ذاتيّةً تتعلّق بتجاربهم الشخصيّة من شأنها أن تقدّم رؤى فريدة حول الجوانب العمليّة لعملهم. وتسمح لنا شهادة حُنين بن إسحاق الاستثنائيّة التي سبقت الإشارة إليها، وشهادة غيره من العلماء بفهمٍ أفضل للوساطة التي اضطلعت بها الترجمات السريانيّة، ولطبيعة التعاون بين المترجمين ومداه، ولعمليّة مراجعة (إصلاح) الترجمات، ثمّ جهود العلماء والمترجمين في تحصيل المخطوطات اليونانيّة.

السياق: الترجمة، الدين، والأيديولوجيا

لقد تحدّدت مواقف أهل ذلك العصر تجاه الترجمة إلى حدّ كبير من خلال منهجهم المعتمد. ومن بينها كان المنهج الدينيّ الذي غدا متعلّقًا بتلقّي الكتب العلميّة عامةً. فقد أُنزل القرآن الكريم بالعربيّة وباعتناق غير العرب للإسلام، اضطُرّ العلماء المسلمون والسلطة إلى التصدّي لإشكاليّة جعل كلام الله متيسّرًا لمن انضمّ حديثًا إلى الجماعة الدينيّة.

وممّا عقّد هذه الإشكاليّة مبدأ إسلاميّ جوهريّ كان قد أُشير إليه لأوّل مرّة في القرن الثالث هجريًّا، إلّا أنّه من المحتمل أنّه قد صِيغَ قبل ذلك: وهو القول بإعجاز القرآن، الذي يسلّم بأنّ لغة كتاب الله تفوق قدرات البشر، وهي عندئذ مستحيل الإتيان بمثلها. واستنادًا إلى طبيعة القرآن الإلهيّة اعتُبر نزوله وتلاوة النّبيّ محمّد صلى الله عليه وسلم له معجزةً. وقدّم العلماء المسلمون تفسيرًا تاريخيًّا لطبيعة القرآن المعجِزة يعتمد على تصنيف يُسند إلى كلِّ نبيٍّ المعجزة الأكثرَ دلالةً في قومه: فموسى انقلبت عصاه حيّة تسعى لمكانة السحر عند اليهود، وأحيا عيسى لعازر، وأبرأ الأبرص لأنّ الطبّ كان مجالًا مهمًّا جدًّا عند المسيحيّين، ونزل القرآن الكريم على محمّد صلى الله عليه وسلم؛ لأنّ اللغة والشعر من صميم الثقافة العربيّة. ويمكن إيجاد هاته الأفكار ابتداءً من القرن الثالث للهجرة في مؤلّفات الجاحظ وابن قتيبة (ت: 276هـ)، وقد وُظّفت منذ ذلك الوقت في الرّدود.

وإنّ تصنيف المعجزات هذا مثالٌ ممتازٌ موضّحٌ تعقيداتِ مسألة الترجمة في الإسلام قديمًا. وكان الجاحظ كذلك مؤلّفَ أوّل ردٍّ على المعتقدات المسيحيّة، من خلالها طعن في اختلافات المصادر الدينية المسيحيّة واليهوديّة، وفي ترجمة التوراة والأناجيل. وينجم، إلى حدّ كبير، شكُّه في إمكان الترجمة عن فهمه للّغة العربية بما هي اللغة التي اختارها الله لتبليغ وحْيه. لكنّ تداعيات هاته العقيدة تجاوزت ذلك كثيرًا. فقد نُظر إلى المسيحيّين على أنّهم أصحاب الطبّ، وتكفي نظرة بسيطة في النصوص لتأكيد غلبة المترجمين النصارى الذين كانوا، غالبًا، أطبّاء كذلك. فهل هذا يعني أنّ هؤلاء النصارى كانوا آليًّا ورثة حكمة اليونان؟ يرى الجاحظ أنّهم، لا ريب، يزعمون، ذلك، وقد كان حاسمًا في إنكار هذه الصفة عليهم.

وقد احتجَّ، أولًّا، بأنَّ غالينوس، كغيره من مؤلّفي اليونان القُدامى، لم يكن «روميًّا ولا نصرانيًّا»، والأهمُّ من ذلك، أنّ نصارى العرب والبيزنطيين ليسوا يونانيّين. ويُشكِّل الدِّين، والانتماء العِرقيّ، وأيديولوجيا التفوّق الثقافيّ خلفيّةً لجميع نقاشات الترجمة المبكّرة، وهنا يمكن البحث عن إجابة ضمنية لسؤال لماذا نترجم. فقد كانت هاته الهواجس، مثلما بيّن ديمتري غوتاس، دالّة جدًّا بالنسبة إلى الخلفاء المسلمين رعاة تيّار الترجمة. وكان التصوّر العبّاسيّ للتاريخ قائمًا على مبادئ مقاصديّة وخَلاصيّة، فقد عدُّوا أنفسهم، مع تولّيهم السلطة، خلائفَ الأُسَرِ الحاكمة قبلهم والأديانِ والحضاراتِ: فلم يكونوا فقط ورثةَ الأنبياء، بل هم، إلى ذلك، ورثةُ حكماء التاريخ القديم.

خاتمة

تحمل نصوص الجزء الأخير من الأمثلة المجمّعة أسفله، بشيء من الجرأة ربّما، عنوان لماذا نترجم؟ ويضمّ هذا الجزء نصًّا واحدًا هو اقتباس من رسالة للفيلسوف الكنديّ (ت: 252هـ/ 866م) المعاصرِ لحُنَيْن بن إسحاق والراعي لعدد من الترجمات المبكّرة للكتب الفلسفيّة. وقد ردّد في ذلك العصر كتّابٌ آخرون صدى أفكار الكندي، التي يرى فيها أنّ تراكم المعرفة عمليّة تمتدّ لأجيال، وأنّه ينبغي أن نشكر الآباء الذين أتوا بشيء من الحقّ مهما كانت أديانهم وأعراقهم.

ويقدّم هذا الشعور النبيل إجابةً عن سؤالنا الذي انطلقنا منه، ولكنّها، في أفضل الأحوال، إجابة عامة. وهي تجسّد أيضًا ضربًا من الإجابة التي يبدو أنها تظهر من سيل الأقوال حول الترجمة الذي نجده في التراث الأدبيّ العربيّ. وكنّا قد أشرنا في البداية إلى أنّه ليس في مصادرنا أيٌّ منها يمكن القول: إنّه يقدّم إجابة مباشرة وواضحة عن سؤال: «لماذا نترجم؟». وترسم مصادرنا صورةً لمجتمعٍ كانت فيه الترجمة والترجمات جزءًا لا يتجزأ من الحياة الفكريّة اليوميّة خلال القرنين الأوّليْنِ تقريبًا من دولة بني العبّاس.

حتى الترجمان الوحيد الذي هو، بفضل كتاباته الخاصّة، أكثر من مجرّد اسم ومن جملة من الأخبار، لم يجد من المناسب التعليق على دوافعه ودوافع من عاصره: فليس ثابتًا أنّ حُنَيْنَ بن إسحاق سأل نفسه هذا السؤال، لا بصيغته العامّة: لماذا نترجم أصلًا؟ ولا بصيغته الأكثر دقّة: لماذا نترجم الطب أو الفلسفة؟ ولماذا نترجم هذا الكتاب خاصة؟

فقد تعلّقت النقاشات حول الترجمة المسجّلة في المصادر دومًا بجوانب وإشكاليّات معيّنة حولها، مثل عمليّة الترجمة نفسها، وصعوبات إصلاحها، وأثر الترجمة في معتقدات الناس الدينيّة. ويبدو أنّ الحججَ التي وردت في القرن الثالث هجريًّا ضمن بعض المؤلّفات، التي وصلتنا، الأدبيّةِ والعلميّةِ المبكّرةِ توثّق مرحلة متقدّمةً فعليًّا من الجدل المتواصل حول الترجمة. إنّها تُبين عن وضعيّة شعر فيها الكُتّابُ بالثّقة إذ يناقشون تفاصيل تقنيّة ويقيّمون أثر الترجمة في المجتمع. ويشير هذا إلى أنّهم وأسلافهم قد أُتيحت لهم فرصة لملاحظة هذه الظاهرة مدة من الزمن، وبناء مواقفهم، وصقل حججهم.

يمكن القول، من منطلق المعقولية: إنّه إذا كان سؤال «لماذا نترجم؟» قد طُرح صراحةً، فلا بدّ أنّ ذلك كان قبل بداية حركة التعريب من اليونانيّة أو فجرَها، لكنْ إن كانت ثمّة من إجابة، فإنّنا لسنا نعرفها. ما نعرفه هو أنّ واقع الدولة ذات التعدّد اللسانيّ والاحتياجات العمليّة للإدارة قادا إلى أنشطة ترجمة متنوعة منذ وقت مبكّر، على غرار استخدام المترجمين الفوريّين، أو تعريب الدواوين التي كثيرًا ما وقع ذكرها. وفي الوقت نفسه، لا بدّ أنّه كان ثمّة تبادلات دائمة وواسعة بين المسافرين والتجّار والعلماء ومختلف فئات الناس داخل الدولة الإسلاميّة المترامية الأطراف.

فيبدو، في مناخ كهذا، التساؤل عن سبب قيام أحد ما بالترجمة لا طائل منه. وهذا يمكن أن يفسّر، إضافة إلى النقص الحاصل في توثيق يمكن الاعتماد عليه للأحداث التي وقعت قبل العصر العبّاسي، السببَ وراء عدم عثورنا على أيّ نقاش مستمرّ متعلّق بجدوى الترجمة أو بتسويغها.

ويبدو أنّ إشكاليّات النقل الثقافيّ هي الأكثر أهمّيّة عند الكُتّاب الذين نعتمد عليهم: مَن أخذ المعرفة عمّن؟ فالأخبار حول هذا الانتقال الخرافيّ في أغلبه، الذي ينوس بين القصص الأسطوريّة حول استيلاء الإسكندر الأكبر على الأدب الفارسيّ وترجمته إلى اليونانيّة وبين الأخبار الأحدث عهدًا، ولكنّها لا تقلّ أسطوريّةً، عن نقل العلوم الفلسفيّة والطبّيّة من الإسكندريّة إلى بغداد، إمّا أنّها تذكر الترجمة -على نحو مخلّ، كشيء وقع ولكنْ لم يقع التساؤل عنه- أو أنّها لا تذكرها أصلًا: فمن الواضح أنّ هاته الأخبار ليست بالنسبة إلى كُتّابها وجامعيها مثارَ جدلٍ.

ويصدق الأمر نفسه على مختلف القصص الساعية إلى تفسير الكيفيّة التي وقعت بها، في المقام الأوّل، الكتب اليونانيّة المترجمة، الكثير عديدُها، بين أيدي المسلمين. فنسمع عن كتب قُدّمت غنائمَ حرب أو أُهديت إلى حُكّام مسلمين، وعن كتب استُردّت بفضل جهود العلماء ورعاتهم، الذين جمعوها من داخل الأراضي الإسلاميّة ومن خارجها. وتُذكر الترجمة دائمًا بوصفها مرحلة من مراحل انتقال المعرفة: تُحصَّل المخطوطات، ويُكلَّف من يترجمها، ثم، على نحو لافت، يُشجَّع الجمهور على قراءة هذه الكتب. لكن مرّة أخرى، ليس يُطرح السؤال عن سبب الترجمة.

كان نقل المعرفة بالنسبة إلى مصادرنا، كما الترجمة، أمرًا لا مناصَّ منه. لكن يبدو أنه كان أكثر من الترجمة في خضوعه للنظر الدقيق. وقد يفسّر هذا استمرارَ ذيوع قصص الأصل التي تسعى إلى منح كُتّابٍ أو كتب أو مجالات علميّة شرعيّةَ سلطاتٍ قديمة أو معاصرة، وذلك بالقول، مثلًا، بأنّه يمكن ردّ هاته المعرفة إلى حكماء التاريخ القديم، وأنّها كانت، عبر العصور، مطلب حكّام بارزين لأمم أخرى متحضّرة كاليونانيّين والفرس، وأنّ الخلفاء والعلماء شجّعوا على طلبها إثر قيام الدولة الإسلاميّة، وأنّ على المسلمين إيجاد هاته المعرفة وترجمتها وحفظها من النسيان، نظرًا إلى هزيمة حملتها الآخرين، اليونانيّين والفرس على وجه الخصوص، أو ضعفهم.

وهنا نعود إلى الكنديّ في إشادته بآبائه. فمن خلال النظر إلى الترجمة من منظور الانتقال الثقافيّ، نجد أنّ المعرفة المنقولة نفسها هي التي تتصدّر المشهد أكثر من عمليّتَيِ النقل والترجمة. فلم تكن الترجمة بما هي نشاط يوميّ صلب مجتمع ذي تعدّد لغويّ، سوى مرحلة من مراحل عدّة لتحصيل هاته المعرفة. وربّما يكون هذا سببًا آخر في عدم ورود سؤال: «لماذا نترجم؟» في مصادرنا: فربّما أغنت قيمةُ المعرفة الواضحة، النتيجة النهائية لعمليّة النقل والترجمة، عن الحاجة إلى تسويغ كلّ مرحلة من مراحل هذا المسار.


المصدر: ورد المقال الأصلي بالإنجليزية ضمن كتاب: «لماذا نترجم العلوم؟» ?Why Translate Science تحت إشراف Dimitri Gutas، طبعة إبريل 2022م، ص254.