زواج الأعمى والأصم
عندما يتراءى لك الأفق البعيد، وتُبحر بنظرك إلى ذلك الحد الفاصل بين الشعاع المغادر والظلمة القادمة؛ تعلم يقينًا أن هناك حدودًا بين كل الأمور والأحوال؛ فهناك حدٌّ بين الاهتمام والسيطرة، وحدٌّ فاصل بين الثقة واللامبالاة. وهذا ما شعرتُ به، وأودّ أن يصل لكل أبٍ وأمٍّ لديهما ابن أو ابنة ممن اختارهم الله ليخوضوا غمار التحدي والإنجاز في هذه الحياة وقد فقدوا نعمةً من نعمه سبحانه. وما ذلك الاختيار إلا لأنهم يتحلّون بصفاتٍ فاقت صفات الإنسان العادي.
اليوم هو يوم زفافي. لقد كبرتُ وأصبحتُ رجلًا موظفًا، ولكن ما زال أبي يحتفظ براتبي ويعطيني مصروفي، وما زالت أمي تختار لي ملابسي، برغم أني أرى، وإن كنت لا أسمع. ولا أبالغ إذا قلتُ: إن أمي لم تسمح لأبي أن يعلّمني قيادة السيارة إلا منذ مدة بسيطة. لكني سأترك كل تلك المشاعر والإحباطات خلفي لأعيش فرحة هذه اللحظة.
تم زفافي، ووجدت زوجتي تتحلى بجمالٍ لا يفوقه إلا جمال فكرها. بدأتْ حياتها معي وهي تؤكد أننا مستقلّان، لا ينقصنا شيء، وأنه يجب ألا تتجاوز مشكلاتنا بيتنا، ونحاول حلّها بالحوار والتفاهم. كانت أعينُنا هي لغتَنا، وقد طلبت مني أن أُعاهدها على ذلك، وفعلت… لكنني تناسيت أني لست مثلها؛ فما زلتُ تحت سيطرة أبي وأمي.
أحسستُ أن تربيتها وتنشئتها كانت أفضل من تنشئتي، وأيقنتُ أنها تربّت على الاعتماد على نفسها وتحمل نتيجة قراراتها، أما أنا فما زلت لا أملك حق القرار، فضلًا عن حرية الاختيار. لكنّ حماستَها ودِفْأَها ونظرةَ الزهوِ في ذاتها جعلتني أتحمّس، وأرسم أول أحلامي: بيتٌ أنا قائده، لي فيه كامل الحق في القرار.
وفي صباح اليوم التالي، حزمنا أمتعتنا استعدادًا للسفر لقضاء شهر العسل، وكنت واثقًا من ذلك؛ لأني أخبرت أبي وأمي، وقد وافقا وأبلغاني أنهما حجزا وأعدّا كل شيء. لكن الصدمة الأولى كانت في اكتشافي أن أبي وأمي سيرافقاننا؛ حرصًا منهما، وظنًّا بأنه لا يمكننا السفر بمفردنا لأننا أصمّان.
عندما التفتُّ إلى زوجتي، وجدت خيبة الأمل تملأ عينيها الواسعتين. كانت بالأمس تشرح لي كيف يمكننا التغلب على أي مشكلة تواجهنا في المطار أو الفندق، وكنت أحلم معها بجمال الصعوبات وتجاوزها.
مضى شهر العسل وعدنا، وبدأت الحياة، وكان إحباط زوجتي يزداد يومًا بعد يوم؛ فقد كانت أمي تدخل شقتنا، تُغيّر وتُبدّل كل شيء. وفي يوم، وأنا عائد من العمل، سمعت جلبةً في شقتي. رأيت الغضب في وجه زوجتي، وأحسست بحزن عميق ينبعث منها كصوت كروانٍ مكلوم؛ كان عجزها عن الصراخ يقتلها قهرًا. ورأيت أمي… وفهمت كل شيء.
كانت أمي تحاول إجبارها على تغيير ترتيب الأثاث في صالة الاستقبال، فرفضت زوجتي. عندها لم تتمالك أمي نفسها وصفعتها، فردّت زوجتي بدفعةٍ عفوية. نظرت أمي إليّ وقالت بحزم: «يجب أن تطلّقها».
فهمت زوجتي ذلك من نظرات أمي إليّ… نظرت إليّ نظرة المتأمل الجريح. وقفتُ برهةً حائرًا، ثم غادرت المكان. وانتهى الأمر بأن طلّقتُ زوجتي؛ لأن أمي تراها امرأة لا تصلح لي… «عوباء» (لا تسمع الكلام) على حدّ قولها.
أنا أعلم أن أبي وأمي يفعلان ذلك من محبة، لكنهما يقتلانني وأنا على قيد الحياة؛ يحرمانني من الشعور بكينونتي. أنا لست عاجزًا ولا ناقصًا. أبي يرى أن حفظ راتبي وادخاره لي في البنك وإعطائي مصروفي أمرٌ ضروري، وأنا أراه تعدّيًا على حقي في التصرف بمالي والاعتماد على ذاتي. وأمي ترى في تدخلها في أدق تفاصيل حياتي اهتمامًا، وأنا أراه تسلّطًا وحب سيطرة.
متى يفهم الآباء والأمهات أن الاهتمام والحب لا يعنيان الحماية الزائدة؟ لماذا لا يدعونني أتعلم معنى أن أخطئ ثم أصيب، ومعنى السقوط والنهوض، ومعنى الكفاح؟
أصبحت أعيش جسدًا لا يعي ما حوله… آه، متى يعلم الجميع أن الأصم أو الأعمى ليس ناقص الأهلية، بل هو صاحب قوةٍ قد تفوق قدرات البشر؛ لأنه حين فقد حاسةً، عوّضها الله بعقلٍ قوي وذكاءٍ متقد.