«منام القيلولة» لأمين الزاوي التيه الذي عاشته البلاد منذ فجر الاستقلال

«منام القيلولة» لأمين الزاوي

التيه الذي عاشته البلاد منذ فجر الاستقلال

«والنبأ إذا سرى» تلك هي العبارة التي افتتح بها الكاتب الجزائري أمين الزاوي روايته «منام القيلولة»، فكأنّ به يهمس لنا بمقولة ثابتة تتوارثها الألسن عن سرعة انتشار «الإشاعة في القرى» تلك هي عادات القرى، أنها تمنح الشائعةَ نفوذًا يفوق نفوذ الحقيقة، والشائعة في رواية «منام القيلولة» (دار العين) هي ما سيروجه سليمان الأعرج من أخبار كاذبة طمعًا في لالة مسعودة القارح زوجة حميد التي ما إن رآها بعد سنوات حتى استعاد أشواقه لها، وقرّر بكيد رجالـي خالص أن يطلق سمومه في حق زميله في النضال.

لالة مسعودة كادت تنطلي عليها الكذبة لولا فطنة زوجها الذي سيمنح الخائن سليمان ما يستحقه. صحيح أن السكين التي حضّرها الأعوج للاغتيال ويد لالة مسعودة التي انتقاها لتنفيذه ستقومان بالمهمة، لكنهما لن تتخلصا من الرجل الثوريّ حميد وإنما من سليمان نفسه. تلك هي أولى خيانات الثورة التي لم تتم وبالتأكيد ليست آخرها، لكن هذا الحدث العرضيّ في حياة لالة مسعودة سيغيّر حياتها بالكامل، ليس فقط لأن ابنها إدريس الذي سيمنحه جسده الضخم لقب الغول مستقبلًا رأى أمه تذبـح رجلًا، وإنما لأن الحياة اللاحقة لمسعودة القارح وأبنائها ستتأثر بهذا الحدث.

تنتقل لالة مسعودة لبيت أخيها مولاي سيدي عبدالله في قرية ينبو، وهنا يأخذنا الكاتب إلى حكاية لا تنفصل عن الأولى؛ إذ يروي لنا كيف بدأت تظهر على إدريس -ابن لالة مسعودة- تلك القدرات الخارقة التي لا تتأتى للجميع؛ فإدريس هذا الشاب النبيه، الفطن، والذكي جدًّا، يمتلك ذاكرة فيل؛ يستظهر نصوصًا كثيرة بمجرد سماعها لمرة واحدة، ويحفظ أسماء سكان القرية جميعهم واحدًا واحدًا.. لكن تلك القدرات ستخبو فجأة؛ لأنه سيفقد ذاكرته بالغرابة ذاتها، وسرعان ما تتبدل طباعه ليصبح إدريس الغول؛ ذلك المجنون الراغب في قتل أخته بالسكين ذاتها التي رأى أمه تقتل بها سليمان.

سليمان الذي مات وشبع موتًا.. سيظل يطارد مسعودة القارح بشؤمه؛ فبعد رحيلها عن قريتها، ها هي الآن تفقد عقل ابنها، لتقرر ربطه عند شجرة؛ اتقاءً لشره، وخوفًا على أخته من جنونه.

قيلولة عابرة

بالعودة إلى العنوان وما يحمله من دلالة أولى، نلمس منذ البداية ما ستتجرعه لالة مسعودة؛ فهذا الظرف الذي قلب حياتها رأسًا على عقب، لربما عدَّته في البدء مجرد قيلولة عابرة، وهو أمر يزيده يقينًا تقديسها للقيلولة حدّ عدّها صلاةً سادسةً.

لكن قيلولة لالة مسعودة ستطول؛ فها هي تخسر ابنتها أيضًا، ولحسن حظها أن الموت لن يأخذها، وإنما ستتذوق مرارة فراقها بترحيلها إلى أعمامها أولًا، ثم بتزويجها في وهران ثانيًا. يجعلنا هذا الوجع المتكرر نفهم سر اختيار «منام القيلولة» تحديدًا؛ ربما لأننا أمام أحداث قاهرة، تمنت بطلة الرواية لو أنها مجرد منام عابر، تستيقظ بعده لتجد الحياة كما كانت؛ مستقرة في قريتها الأولى، حيث ابنها بجانبها وهو في كامل قواه العقلية، وبقربه أخته حليمة بكامل جمالها وأنوثتها، من دون أن تُجبر أو تضطر للرحيل والزواج في وهران.

يبدو أن الفقد في رواية «منام القيلولة» قدر حتميّ يلاحق لالة مسعودة؛ فبعد أن فقدت ابنها إدريس في ظروف غامضة، ظلت تبحث عنه في كل مكان، حتى سمعت إشاعات قادتها لتتبع أثره ما بين مدينتي تلمسان ووهران، إلا أن لا أثر له، وكأنه تلاشى من الوجود.

ومرة أخرى، تعيش لالة مسعودة حالة الفقد، لكنها تتقاسمه الآن مع ابنتها حليمة التي غاب عنها زوجها فجأة دون أن يخبر أحدًا. وكأنها لم تكتفِ من هذا الوجع كله، لتختبر الشعور ذاته مع ابنها «عبدالقادر المخ» الذي قرر هو الآخر السفر كخطوة نهائية للرحيل إلى وهران؛ كي يتدرب هناك على وظيفة المعلم، هذا الرجل الذي بدأ حياته لصًّا، سيتقلد مناصب عديدة، بعضها في أحلام أمه، وبعض آخر في واقعه، وهو القائل: «لقد بدأتُ حياتي لصًّا استثنائيًّا، سرقتُ ما لا يسرقه غيري.. سرقتُ نسخة من المصحف الشريف من المسجد؛ المكان الذي لا يفكر أحدٌ في السرقة منه أبدًا. هكذا يبدأ حلم كل رئيس». وبالفعل سيصبح «المخ» رئيسًا، لكن ليس للبلاد كما تمنَّت أحلامه، بل رئيسًا للمقهى أولًا، ثم للبلدية ثانيًا.

جاءت «منام القيلولة» على ذكر الحب البعيد الذي يسكن القلب إلى آخر العمر؛ ذاك يباغتنا في لحظة لم نكن نظن أنها قد تأتي، ويغير أقدارنا للأجمل، لكنه لا يعرف كيف يستمر. هو حب يأتي ليعطي؛ يمنح الأمل ويرسم السعادة في أجمل صورها، ثم يمضي في حال سبيله لنعيش على ذكراه، بل تصبح هذه الذكرى هي ما يبقينا على أمل اللقاء؛ وذلك من خلال علاقة بطل الرواية بمحبوبته «سيمون» التي غادرت من دون رجعة. تقول الرواية: «سيمون بلانش لا تحب أيام وهران الغائمة، إنها امرأة الشمس، ستعود دون شك مع شمس الصيف القادم، كانت تحب البحر، تُحسن فن السباحة وتفهم لغة الموج جيدًا».

وقد شرحت الرواية هذه الفكرة مرة أخرى؛ بأنه يمكن أن نحب مجددًا، أو لربما تجتاحنا مشاعره بقوة، لكن يستحيل تكرار الحب الذي أحدث انقلابًا في حياتنا. تقول الرواية: «هل المرأة قادرة أن تخفي صورة امرأة أخرى في قلب العاشق؟ يحدث هذا في حركة القطارات بالمحطات الكبرى، فالقطار قد يخفي آخر، أما مع النساء، لا امرأة قادرة على إخفاء أخرى».

وأعتقد أن المخبزة التي تركتها سيمون بلانش لم تذكره بلحظات الحب في براءتها الأولى فحسب، بل أيضًا تذكره بأنه تعلم مع هذا العشق كل شيء جميل؛ صناعة الخبز، واللغة، والجمال الذي يظهر في كل شيء كهوية ثابتة وعلامة مسجلة للحب، تقول الرواية: «يسهُل تعلُّم أية لغة كانت حين نحب عملًا نؤديه بها، أو نحب شخصًا نخاطبه بها، وكانت سيمون بلانش أجمل مصدر لتثبيت هذه اللغة على لسانه».

ومن خلال منامات وصور الفقد، والحب، والجنون، يحيلنا الزاوي بطريقته السردية الخاصة جدًّا إلى التيه الذي عاشته البلاد منذ فجر الاستقلال؛ فإشاعات تخوين «حميد النوري» ليست إلا محاولات سبقت الاستقلال لتشويه صور كبار المجاهدين، وهي اتهامات نفتها الدولة، وتعمل وزارة المجاهدين في بلادنا دائمًا على تفنيدها.

إن هذا الفقد المتكرر الذي تعيشه لالة مسعودة، يجعلنا نرى فيها رمزًا للجزائر الأم؛ تلك التي ضاعت سنوات شبابها في استعمار قاهر، وظنت أن خلاصها في الحرية؛ ليتضح أنها حرية مبتلاة بالفقد، تمامًا كحال البلاد التي واجهت لاحقًا عشرية الدم؛ الصدمة التي أفقدت لالة مسعودة –أو بالأحرى الجزائر– كل آمالها، وهو ما تجسّد في فقدانها لعقلها؛ ليظهر لاحقًا «إدريس الغول» وهو يركض باكيًا ومتوعدًا قتلة الوطن؛ أعني قتلة أخيه.

وفي الأخير، تظل رواية «منام القيلولة» قراءةً في ذاكرة الماضي، وانتصارًا للحب؛ ذاك الذي يذكرنا بأن أجمل المنامات هي التي تفتح لنا نافذة الأمل بغدٍ أجمل.